الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

جغرافية كوردستان وحدودها منذ القدم (الجزء الثالث)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

الميديون الأكراد

كان الميديون الأكراد ينتظمون في ثلاث مقاطعات كبيرة:

  1. الميديون الجبابرة، وموقعهم اليوم العراق العجمي (كوردستان العراق الحالية).
  2. ميديو آتروباتينوس، وموقعهم أذربيجان الحديثة اليوم.
  3. ميديو راجس، وهي المنطقة المحيطة بطهران اليوم، حيث أُنشئت مستعمرات يهودية، وحيث كان الملاك رافائيل يقود توبياس الصغير اليهودي.

حاول سيراكساروس الاستيلاء على نينوى. وكان قبر النبي ناحوم (Nahum)، الذي يجلّه أهل ألقوش، ويبعد 32 ميلاً عن سفوح جبال كوردستان، شاهد عيان على هجوم جيش سيراكساروس الذي كان أشبه بسحابة من الجراد ولهيب من النار. إلا أن ما حدث في تلك اللحظة أن حشداً من «الحشاشين» التفّ حول الميديين وأرغم سيراكساروس على فك الحصار عن نينوى، فتحول بعدها ليدافع عن المنطقة الواقعة شمال بحيرة أورمية (وهي غرب تبريز وجنوب شرق بحيرة وان)، فانهزم فيها. ومع هذا عمد إلى طريق آخر، فدعا ملك «الحشاشين» ماديس (Madyes) وقادته إلى وليمة، وجعلهم يشربون حتى الثمالة، وعندما اطمأن إلى سكرهم أجهز عليهم وذبحهم عن آخرهم، وكانت حيلة ناجحة جداً.

وفي الوقت نفسه حدث أن مات ملك الآشوريين آشور بانيبال، فضمّ سيراكساروس إليه نبوبولاصر حاكم بابل، واستطاع بالفرقة الجبلية الميدية الكوردية أن يدمر نينوى، وكان ذلك نهاية الإمبراطورية الآشورية (بدأ حكم الآشوريين سنة 1392 ق.م، وانتهى سنة 612 ق.م).

ويُعدّ تاريخ هذه الذكرى أول سنة من تاريخ الكورد، كما يعتبرها القوميون حالياً. وفي الوقت نفسه أيضاً حدث أن هُزم أستياج، وابنه الأكبر هو الذي جعل همدان (أكبتانا) عاصمة إيران الموحدة. وبانتصار سيروس (قورش) انفتح عهد جديد للشعب الفارسي الذي قُدّر له أن يتحد مع الميديين الكورد أو «العزشمان».

دعونا الآن نلخص ما عرفناه عن الميديين الكورد الذين ما زالوا يُعرفون بـ«العزشمان». فإذا اعتبرنا أن التنظيم السياسي لمملكة الميديين الكورد كان أشبه بالتنظيم الآشوري، فإن مادة ثقافتهم الفكرية لا تزال من ناحية أخرى مجهولة لدينا عملياً.

أما في مجال الفنون والحرف، فإن الميديين، كـ«الحشاشين»، أبرزوا فنونهم بزخرفة الأسلحة وعدّة الخيل على نحو رائع جداً، وكذلك الأواني من المعادن الثمينة، أما الملابس فكانت تُطرّز بألوان مزركشة متناسقة.

وفيما يتعلق بملامح الشعب الكوردي في كوردستان عامة فيمكن تحديدها من خلال النقوش ذات الأصل الآشوري التي تُظهر الرجال باللحى والشوارب، يرتدون الجلود الفضفاضة فوق الألبسة الملتصقة بأجسامهم، وينتعلون أحذية طويلة، ويقودون الخيول إلى غزاتهم الآشوريين.

ومن المعلومات المستقاة من آثار سقز (Sakkez) يمكن تكوين فكرة عن فنهم، ويمكن أن تُستكمل هذه المعلومات فيما بعد بأدلة حديثة مزودة بالاقتباسات التي استنبطها الغزاة من شعب متميز بمدنية راقية تفوقهم. كما لا تزال هناك بعض الآثار التي تبين أعمالهم الغنية الكثيرة، مثل التمثال الهائل في همدان الذي يبين ملامح الأسد المشوّه، فضلاً عن القبور الصخرية التي يوجد واحد منها بالقرب من سربل زهاب (Sari Pol) غرب رؤوس سلسلة جبال زاغروس الكوردية، وغيرها في دكان داود، ومثلها آثار فخريكا (Fahrika) جنوب بحيرة أورمية، حيث تبدو قبور الأمراء قائمة في جوانب الجبل. وقد زُيّن أولها بنقوش ذات مسحة دينية تحكي عن الخلاص، وتصور شخصاً يقبض على حزمة من الأغصان تدعى «البرسوم» تُستعمل في الاحتفالات الدينية.

وأخيراً، ما دامت قد توافرت لدينا تلك التفصيلات والشواهد عن الميديين الكورد، فلا بد أنها تعزز الاعتقاد بأن الميديين الكورد هم أصدق نسباً لأن يكونوا أجداد الكورد الأصليين.

في موضوع أصل الكورد ذكرت الموسوعة الألمانية أن أجداد الكورد (أسلافهم) الذين سكنوا مناطق غرب إيران في حدود الألفي سنة قبل الميلاد كانوا من الشعوب الهندية الجرمانية (الآريين)، وأُطلق على بلادهم فيما بعد بلاد كوردستان.

يتكون الشعب الكوردي من عدة شعوب وقبائل كوردية، وإن ثقافتهم ولغتهم وأساطيرهم متأصلة في الثقافة الفارسية. إلا أن هناك ثلاث نظريات تتحكم في أصول الكورد الذين اختلطوا بالشعوب الأخرى:

النظرية الأولى تقول إن الهوريين (الحوريين الكورد) هم الذين أسسوا مملكة ميتاني الكوردية (Mittani) عام 1500 ق.م. وتبعاً لما اكتُشف من السجلات السومرية فإنه كان هناك منذ سنة 2000 ق.م شعب كوردي يدعى «كوتو» أو «كوتي»، وسمّاهم الآشوريون «اكرتي»، وقد سكنوا منطقة كوردية في كوردستان هي المنطقة الممتدة من بوتان وجبل جودي إلى سلسلة جبال زاكروس. وإن منطقة استيطان الهوريين الكورد مطابقة لمنطقة كوردستان.

أما النظرية الثانية فتقول إن أصل الكورد من السلالة الميدية الكوردية، حيث اشتُقت كلمة «كورانج» من «كور/كورد»، ومعظم الكورد يعتبرون أنفسهم من سلالة الميديين. وقد تعززت هذه النظرية من خلال الكلمة الميدية «تورد/كوردو» التي تعني القوي، ويجد المرء هذه الصيغة في الكورمانجية، إحدى اللهجات الكوردية، على أن الترجمة الميدية تكون «ميدي قوي».

أما النظرية الثالثة فتقول إن الكورد من أصل «الإسكيثيين» (Skythen)، وذلك ما عبّر عنه القائد العسكري والفيلسوف الإغريقي (اليوناني) كسينوفون (Xenophon)، المولود في أثينا عام 444 ق.م وأحد تلاميذ الفيلسوف سقراط، من أن أصلهم من «الكوردوخيين» (Karduchen). ونلاحظ أن معظم المؤرخين من علماء الآثار يشكّون في صحة هذه المعلومات القائلة إن أغلب الإسكيثيين سكنوا المنطقة التي ظهر فيها الشعب الكوردي، لأن وطن الإسكيثيين (بلادهم) كان في كازاخستان وجنوب روسيا وأوكرانيا.

وإلى وقت قريب كان الشائع أن الكورد من أبناء الكاردوخيين الذين شاهدهم القائد والفيلسوف اليوناني كسينوفون وهو على رأس قوة مؤلفة من (10.000) مقاتل عام 401 ق.م. غير أن بعض العلماء أضافوا أن الكاردوخيين الكورد ليسوا من أصل آري، فيما اعتبروا الكورتيين الكورد، الذين عاشوا شرق بلاد الكاردوخيين، أجداد الكورد الذين عاشوا في جبال زاكروس الكوردية عدة قرون قبل الميلاد.

وعليه فإن الكورد ليسوا آريين من حيث اللغة، لأن لغتهم من عائلة مشابهة للإيرانية، وكذلك موطنهم في شرق كوردستان إيران، والنظرية الأخرى (عكس ذلك) تقول إن الكورد مستقلون عن العائلة الإيرانية.

ولكننا نعلم أن الموجة الأولى من هجرة الآريين حدثت في حوالي بداية القرن السابع ق.م، وعندئذ يجوز الاعتقاد، بل التأكيد، أنه في هذه الفترة التي قضى فيها الميديون الكورد مع حلفائهم البابليين على آشور عام 612 ق.م زحف عدد كبير من الكورد نحو الغرب.

إلا أن هناك ثلاثة اتجاهات في تعريف الشعب الكوردي:

الاتجاه الأول يُلحق الكورد بالعرب، مثل المسعودي الذي ينسبهم إلى ولد كرد بن مرد بن صعصعة بن هوازن، ويقول إنهم لسكناهم في الجبال حالوا عن لسانهم وتكرّدوا، أو إنهم أولاد ربيعة بن نزار (الفرع العدناني)، أو أولاد عمرو مزيقياء (الفرع القحطاني). ويرى الكاتب أن هذا التنسيب الذي جرى في العهد العباسي داخل في صراع العرب العدنانيين والقحطانيين على الكورد، للتقوّي بشوكتهم ضد بعضهم، وللاستقواء على الفرس وتحقيق التوازن في الدولة العربية.

والاتجاه الثاني ينسبهم إلى العرق الفارسي، للقرابة اللغوية بين الفارسية والكوردية، أو إلى العرق التركي.

والاتجاه الثالث أسطوري يعيدهم إلى سلالة الجن، بسبب شقرة اللون واشتهارهم بالشجاعة، وهذه النظرية الثالثة تتضمن اتهامات شيطانية تغريبية (غير منطقية).

والواقع أن ما يثير الكورد هو تلك الآراء المتحاملة على الشخصية الكوردية، مثل آراء المسعودي والجاحظ، وقد يعود ذلك إلى الجهل بحقيقة الشعب الكوردي، وإلى الانتهازية السياسية. ولعل ما ورثناه من عمليات تشويه لتاريخ الكورد يعود إلى أن الكتّاب الفرس يُعدّون من أكثر المستفيدين من التعتيم على التاريخ الكوردي والشخصية الكوردية، وهم يعتقدون أن قورش الأخميني الذي قضى على الدولة الميدية الكوردية حوالي سنة 550 ق.م قد أنهى العناصر الدخيلة على الكورد الذين هم إيرانيون، وإن اختلفت اللهجة الكوردية عن اللهجة الإيرانية في الكلام. وربما كان البناء الذي أرادته الدولة الساسانية للكورد هو نفسه الذي استمر بعد ظهور الإسلام وانهيار إمبراطوريتهم الفارسية في القرن السابع الميلادي على يد العرب المسلمين، دون أن يتخلوا عن معتقداتهم الخرافية القديمة في حكم الشعوب.

في زمن الدولة الأموية (661–750م) التي قامت على العصبية العربية قد لا نجد للكورد مساهمة واضحة، سوى ما ورد عن انضمام بعض الكورد إلى عبد الرحمن بن الأشعث في ثورته على الخلافة الأموية، وإرسال الحجاج بن يوسف الثقفي جيشاً لإخضاعهم، ووقوف بعض الكورد مع مروان الحمار (أي الشجاع)، آخر الخلفاء الأمويين، الذي ورث وسامته عن أمه الكوردية.

وفي العهد العباسي (750–1258م) ساهم البرامكة، وهم من الكورد وإن كانوا يُنسبون إلى الفرس بسبب سيادة الفرس، في إيصال العباسيين إلى سدة الخلافة. وشارك الكورد في الثورات، كثورة الفضل بن سعيد في الجزيرة ضد هارون الرشيد، وثورة الخرّمية في عهد المأمون، ومن أشهر قادتهم عصمة الكوردي صاحب مرند، وثورة جعفر بن مهر حسن (مير حسن) في الموصل في عهد المعتصم بن هارون الرشيد (833–842م)، وثورة علي بن داود الكوردي في عهد المعتمد على الله، وكانت ثورات اجتماعية الطابع، غير قومية.

ودافع الكورد عن الديار الإسلامية في العهد الحمداني ضد الروم، وبرزوا في العهد الزنكي، ثم سادوا في العهد الأيوبي، ومن أبرز فرسانهم وقادتهم الأيوبيين صلاح الدين الأيوبي، وأخوه نور الدين شاهنشاه، وشمس الدولة توران شاه، وتاج الملوك بوري، وسيف الإسلام طغتكين، وأسد الدين شيركوه، والملك العادل سيف الدين بن أيوب. وبمقتل توران شاه انتهى الحكم الأيوبي في مصر، وبدأ حكم المماليك الذين أكثر الملك الصالح نجم الدين من شرائهم فأكلوا دولته. واستمر الكورد في العهد المملوكي يجاهدون ضد الغزاة الفرنجة، ومن أشهر قادتهم الأمير حسين الكوردي، الساعد الأيمن للسلطان قانصوه الغوري.

ووقف الكورد مع الدولة العثمانية السنية ضد الدولة الصفوية الشيعية، واكتفى العثمانيون بالسيادة الاسمية على كوردستان، وساهمت شخصيات كوردية في الإدارة العثمانية، مثل إبراهيم باشا وإسماعيل حقي باشا وحجو باشا. وقامت ثورات كوردية في العهدين العثماني والصفوي، أهمها ثورة أردلان (1538م)، وثورة عبد الرحمن باشا البابان (1804–1813م)، وثورة أحمد باشا الراوندوزي (1836م)، وثورة بدرخان بك (1842–1847م)، وثورة عثمان بك وحسين بك (1878م)، وثورة عبيد الله النهري (1880م).

أما أهم الدول الإسلامية الكوردية فهي الدولة الدوستكية أو المروانية (372–487هـ)، والدولة الأيوبية (567–950هـ). ومن أشهر الأعلام الكورد في التاريخ الإسلامي خالد بن برمك ويحيى البرمكي وجعفر بن يحيى، وتنسبهم أكثر المصادر العربية إلى الفرس بسبب سيادة الفرس وقوة شوكتهم، لكنهم كورد أصلاً؛ والموسيقي زرياب الكوردي الذي يعني اسمه «ماء الذهب»؛ والنحوي والمؤرخ أبو حنيفة الدينوري الكوردي؛ والصوفي أبو القاسم الجنيد الكوردي؛ والحسن بن بشر الآمدي الكوردي الذي بلغت مؤلفاته أربعة وعشرين كتاباً؛ وشهاب الدين السهروردي الكوردي، وله تسعة وأربعون مؤلفاً؛ والإمام الحافظ المفتي الفقيه ابن الصلاح الشهرزوري؛ والعالم النحوي ابن الحاجب؛ والمؤرخ ابن خلكان صاحب «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان»؛ وأبو الفداء الأيوبي الذي تُنسب إليه مدينة حماة؛ والحافظ العراقي؛ والشيخ عبد القادر الكيلاني. وهؤلاء الأعلام يقعون في فئتين: الأولى هم الذين تُثبت المصادر كورديتهم، والثانية هم الذين ينتمون إلى كوردستان جغرافياً دون تأكيد انتمائهم العرقي، ولكن هناك اعتقاداً كبيراً بكورديتهم.

وغالبية الكورد مسلمون سنّة على المذهب الشافعي، وتنتشر بينهم طرق صوفية مثل النقشبندية والقادرية الكيلانية. ويعترف الكاتب، الذي تميز بالموضوعية، بأن الكوردي يتصف بصفات سلبية هي التي حرمته من كيان سياسي جامع، أهمها: نكران الذات، والتفاني في خدمة الآخرين، وشدة العصبية القبلية، وسرعة الغضب، وسلامة الطوية، والإخلاص إلى درجة السذاجة، والبوح بالمناورة السياسية، والصراحة الفائقة التي لا تزال تُضر به في الشأن السياسي. وقد جعلت هذه الصفات الأوروبيين المستعمرين لديار الكورد ينظرون إليهم بنفور، بسبب ذاكرة الحروب الصليبية وقيادتها الأيوبية الكوردية.

وبرزت إلى الوجود على مراحل الزمن دول كوردية، منها:

  1. الدولة الصفارية: قامت في أواسط القرن الثالث الهجري في منطقة سيستان، ودامت بين سنتي (253–296هـ) (768–903م)، ومؤسسها يعقوب بن الليث الصفار.
  2. الدولة السامانية: بين سنتي (261–389هـ) (874–1002م)، ومؤسسها بهرام جور، وقد بدّل اسمه إلى أسد بن عبد الله القسري.
  3. الدولة البويهية: قامت على يد علي بن بويه في مدينة الري، ثم امتد سلطانها إلى بلاد إيران والعراق، ودامت بين سنتي (323–389هـ).
  4. دولة آل زيار: دامت بين سنتي (323–513هـ)، وامتد سلطانها إلى مناطق الري وهمدان وكنكاور والدينور وبروجرد وقم وكاشان وكلبايكان وأصفهان.
  5. الدولة الخوارزمشاهية: حكمت بين سنتي (470–528هـ).
  6. الدولة السلجوقية: ضمّت إليها مناطق بلخ وجرجان وطبرستان وخوارزم بين سنتي (1037–1193م)، واتسعت حدودها لتشمل كرماشان وهمدان وبلاد الجبل والدينور وحلوان وأصفهان، وتمكن القائد طغرل بك من احتلال مدينة بغداد سنة 447هـ وضمها إلى المملكة السلجوقية.
  7. الدولة الإيلخانية في إيران: دامت حتى وفاة آخر سلاطينهم أبي سعيد بهادر عام 736هـ (1335م)، ثم قُسّمت مملكتهم إلى عدة دويلات، منها الجوبانية والجلائرية وآل مظفر. ولعل ما يميّز كلتا الدولتين المختلفتين في المذهب أنهما تمثلان القوميتين الفارسية والتركية، ولكل منهما نوازع في السيطرة والاستحواذ على باقي القوميات المجاورة لهما، وهو ما عزز التفاؤل لدى العائلة الصفوية ببناء دولة قوية، وقد بلغت الدولة أوج قوتها بين سنتي (1501–1722م).
  8. الدولة الكوركانية: بين سنتي (782–912هـ)، بقيادة تيمورلنك الكوركاني.
  9. الدولة الصفوية: حكم الصفويون إيران بين سنتي (907–1135هـ)، وازدهرت خلالها منطقة ماسيدان، وبلغت أوج قوتها وعصرها الذهبي.

«وقد تمكن ذو الفقار خان الكلهوري الكوردي من احتلال بغداد وإعلان حكومته في العراق دون الخضوع للسلطان العثماني ولا للشاه الصفوي الإيراني».

واستطاع خان منصور حاكم منطقة إيوان تقوية إمارته وإخضاع المناطق المجاورة لسلطانه، وشارك بمقاتليه مع الجيش الإيراني في معركة قندهار ضد الهند عام 1603م. ومن الحوادث الشهيرة في هذه الفترة معركة شميران التي شارك فيها فرسان الكلهور الكورد والجيش الصفوي الغازي، ويعتقد أن هذه المعركة وقعت أيام الشاه الإيراني سلطان حسين الصفوي.

وفي العهد الأفشاري لم تتعاون عشائر الكلهور الكورد مع نادر شاه أفشار (1148–1160هـ)، ولم تشاركه في حروبه، الأمر الذي ولّد حقداً بين نجف قلي خان حاكم منطقة إيوان ونادر شاه، وأدى إلى الاستعانة بالعشائر الكوردية، الكلهور والزنكنة والكوران، في الهجوم على مدينة كرماشان لتحريرها من النفوذ الإيراني الصفوي، إلا أن نادر شاه استطاع قمعهم والتنكيل بهم، وسمل عيني زعيمهم نجف قلي خان.

وفي الفترة الزندية (1163–1193هـ / 1749–1779م) كانت حاكمية إيوان في أوج قوتها وعظمتها، وقد استطاع حاكمها القوي المقتدر علي خان بن نجف قلي خان بسط سلطانه على معظم مناطق الكلهور الكوردية من أطراف كرمانشان حتى مدينة مندلي، وتمكن من صد جميع الهجمات العثمانية على أراضيهم والانتصار عليها. وفي هذه الفترة، عام 1162هـ (1754م)، وصل كريم خان الزندي الكوردي إلى منطقة هارون آباد (إسلام آباد)، فخرج علي خان بن نجف قلي خان لاستقباله، وأحسن ضيافته وتكريمه، بل زوّجه ابنته الأميرة «قدم خير» التي سميت بعد الزواج «شاهبس». إلا أن الدولة العثمانية أعدّت جيشاً بقيادة أكيل، فاحتل قصبة سومار، وخرّبت القوات العثمانية جميع السدود التي أُنشئت على نهر سومار، فتصدت العشائر الكوردية للجيش العثماني الغازي، واستطاعت إلحاق الهزيمة به وقتل قائده أكيل، ومطاردته إلى داخل الحدود العثمانية، ومحاصرة مدينة مندلي.

ومن أشهر أمراء منطقة الكلهور الكورد وأقواهم في الفترة القاجارية خان أحمد خان (1307هـ / 1889م)، الذي تمكن من القضاء على منافسيه، وإعادة والي بشتكوه المدعو رضا خان أبو غدارة إلى إمارته الكوردية (بشتكوه) بالقوة، بعد أن التجأ إلى منطقة إيوان إثر ثورة ابنه أمان الله خان عليه، كما تمكن من حسم الخلافات بين إيوان وإمارة بشتكوه. وبعد وفاة خان أحمد خان برز داود خان أميراً عظيماً، حين استطاع التصدي لأطماع والي بشتكوه في الأراضي التابعة لمنطقة إيوان، وإخضاع جميع مناطق إيوان لسلطانه، كما استطاع فرض نفسه رئيساً عاماً لجميع عشائر ولاية كرماشان. وكانت له تطلعات قومية كوردية ورغبة في استقلال إمارته، وقد أدى ذلك إلى اصطدامه بالحكومة المركزية الإيرانية، فزحفت قواته للتصدي لقوات الحكومة المركزية، ولكنه حوصر هو وقواته من قبل القوات الحكومية التي كان يقودها عبد الحسين ميرزا في موقع مجاور لمنطقة بيستون، فانتصرت عليه وقُتل داود خان. وبعد مقتله عُيّن ابنه سليمان خان «أمير أعظم»، فتآمر عليه منافسوه وقُتل، فآلت الإمارة إلى عباس خان قوباديان. وكانت لعباس خان هذا طموحات قومية، ففي بداية الحكم البهلوي كان يناضل من أجل استقلال إمارته، فاصطدم بالقوات الحكومية الإيرانية التي كان يقودها أحمد خان أمير أحمدي، فأُجبر عباس خان على الانسحاب إلى الأراضي العراقية، ثم أُلقي القبض عليه وسُجن في قصر شيرين، ثم أُبعد سنة 1939م إلى شيراز، وبذلك خابت آمالهم في الاستقلال، وأُلحقت إمارتهم بالمركز.

ذلك هو صراع المذهب والقومية والمصالح الذي جلب الأجنبي إلى كوردستان ليتوسط بين أبناء الأمة الإسلامية، وعواقبه لا تسرّ الكورد، كما سنرى لاحقاً.


أجزاء «جغرافية كوردستان وحدودها منذ القدم» (3 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث (هذا الجزء)

→ الجزء الثاني