الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

جغرافية كوردستان وحدودها منذ القدم (الجزء الثاني)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

كوردستان في الخرائط القديمة

دأب الشوفينيون العرب والأتراك والفرس على إنكار كوردستان وطناً واسماً تاريخياً، وادّعوا أن وطناً باسم كوردستان لم يظهر إلا في الفترة الأخيرة، بالرغم من وجود عشرات الأدلة التاريخية على خلاف ذلك. وبغض النظر عن ورود اسم كوردستان لدى الشاعر العظيم ملاي جزري في بداية القرن السابع عشر، وعن وروده في المصادر التاريخية القديمة التي كتبها غير الكورد، مثل كتاب «جامع التواريخ» لرشيد الدين فضل الله الهمداني عام 1310م، وتبعه المؤرخ حمد الله مستوفي القزويني عام 1339م في كتابه المشهور «نزهة القلوب»، فإن ما يهمنا في هذا الموضوع الموجز هو ورود اسم وطن الكورد في الخرائط الجغرافية القديمة.

بدأت الخرائط في الظهور منذ القدم في بلاد ما بين النهرين، ولدى قدماء المصريين والإغريق والصينيين. وبانتشار الإسلام ظهرت الخرائط العربية الإسلامية سداً لحاجة الغزاة العرب إلى معرفة الأراضي التي ينبغي عليهم فتحها أو غزوها واحتلالها، وكذلك معرفة حدود بلادهم الجديدة. وكان الإدريسي (1100–1166م) أول من رسم الخرائط، ولحقه معظم الجغرافيين، أو من يسمَّون بالبلدانيين. وكانت بلاد الكورد تسمى في مصادر هؤلاء «إقليم الجبال» أو «الجبل»، لغلبة الطبيعة الجبلية القاسية على أرض كوردستان.

ومن الخرائطيين القدماء الذين أشاروا إلى أرض كوردستان المؤرخ والجغرافي واللغوي الشهير محمود الكاشغري (1008–1102م)، وهو مؤلف تركي، ألّف كتاب «ديوان لغات الترك»، ونشر فيه خريطة أشار فيها إلى كوردستان باسم «أرض الكورد»، وجعل حدودها أرض العراقيين (عراق العجم) وأرض خراسان وأذربيجان والشام ومصر. ولا شك أن عبارة «أرض الكورد» هي الترجمة الحرفية لكلمة كوردستان، إذ إن لفظة «ستان» أو «أستان» تعني في اللغة الفارسية البلاد أو الأرض.

وجدير بالذكر أن محمود الكاشغري مؤلف تركي القومية، ولكن العنصرية لم تكن قد تحكمت في العقول كما هو الحال الآن، وإلا فربما كان من الممكن أن يتجاهل هذا المؤلف القدير الإشارة إلى حقيقة وجود أرض تسمى أرض الكورد. ولكنه، بما أنه لم ينهل من ينابيع الأتاتوركية العكرة، ولم يتلقَّ الشوفينية على يد منظّري تركيا الفتاة ولا جمعية الاتحاد والترقي التركية، كتب بضمير الباحث العلمي الذي يضع الحقيقة التاريخية والواقع في مقدمة أولوياته.

وإذا كانت بلاد الكورد قد ظهرت في الخرائط التي رسمها البلدانيون العرب والمسلمون، مثل الإدريسي والمقدسي وابن حوقل وغيرهم، فإن الرحالة الأوروبيين كانوا السبّاقين في هذا المضمار إلى الإشارة إلى بلاد الكورد بالاسم المتداول حالياً، وهو كوردستان.

ففي خريطة رسمها الرحالة والتاجر والمستكشف الهولندي يان هويغن فان لينسخوتن عام 1596م تظهر منطقة مكتوب عليها (Curdi) أسفل منطقة أرمينيا إلى الغرب من بحيرة وان، وأعتقد أنه يقصد بها أرض الكورد. وهذه من أقدم الخرائط التي يظهر فيها هذا الاسم. وقد دأبت كثير من الخرائط السابقة عليها، وحتى بعض اللاحقة لها، على تسمية أرض الكورد الواقعة بين نهري دجلة والفرات بالتسمية التاريخية المعروفة، وأقصد «ميزوبوتاميا»، وهي تعني بلاد ما بين النهرين.

ولعل هذه أول إشارة ظهرت في خرائط الأوروبيين الذين اهتموا بالمنطقة وحاولوا رسم حدودها ومناطق توزع الأقوام فيها. ويمكننا القول إن اسم الكورد ظهر في الخرائط الأوروبية منذ أكثر من أربعة قرون، وسنبقى عند هذه المعلومة إلى أن نكتشف المزيد في الخرائط القديمة التي أصبحت أثرية. أما اسم كوردستان، وطناً كوردياً أو منطقة يسكنها الكورد، فيعود إلى عام 1680م، أي إلى ما قبل أكثر من ثلاثمائة وأربعين عاماً من الآن، عندما نشر الهولندي فريدريك دو فيت (1630–1706م) خريطته التي رسم فيها بلاد العثمانيين وإيران وأرمينيا وجورجيا وغيرها من بلدان الشرق الأوسط.

في خريطة فريدريك دو فيت هذه تظهر كوردستان بالحروف اللاتينية على الشكل التالي: (Churdistan)، وهو إملاء غريب نوعاً ما لم يُتداول كثيراً، إذ شاع الاسم (Kurdistan) أو (Kurdestan) وحتى (Curdistan) في الخرائط التالية لخريطة دو فيت، كما عند رسام الخرائط الإنكليزي الشهير عمانوئيل بوين (1714–1767م).

كان الخرائطي عمانوئيل بوين رسام خرائط رسمياً عند الملك الإنكليزي جورج الثاني، وكذلك عند الملك الفرنسي لويس الخامس عشر. وبالرغم من قدراته الكبيرة ومجهوداته الواسعة في سبيل تأمين خرائط لهذين الملكين تساعدهما على فتح بلدان جديدة واحتلالها، فقد مات فقيراً، وورث عنه ابنه توماس الفقر وحب الخرائط.

وما يهمنا من أمر هذا العالم الجغرافي عمانوئيل بوين أنه رسم خريطة للبلاد العثمانية ضمّنها كوردستان أيضاً، واللافت للانتباه أن حدود كوردستان في هذه الخريطة تختلف عن حدودها عند سلفه الهولندي فريدريك دو فيت.

نرى في خريطة عمانوئيل بوين المرسومة عام 1680 أن كوردستان عبارة عن دائرة بيضوية الشكل تقريباً تحيط ببحيرة أورمية من الجوانب كافة، بينما كانت كوردستان في خريطة فريدريك دو فيت منزاحة إلى الغرب، وعبارة عن منطقة شاسعة تمتد من الحدود الغربية لبحيرة أورمية حتى نهر دجلة الذي يفصلها عن ولاية ديار بكر، وإلى جنوب بحيرة وان.

وفي عام 1711م رسم الفرنسي هنري شاتلان خريطة ضمّنها كوردستان بلفظ (Curdistan)، وحدودها فيها هي تقريباً الحدود نفسها لدى الإنكليزي عمانوئيل بوين.

أما في الخريطة التي رسمها عالم الرياضيات ورسام الخرائط الفرنسي روبرت بون لبلاد فارس عام 1771م، فتبدو ملامح كوردستان أوضح مما لدى سابقيه، فهي تضم كركوك والموصل وتمتد حتى حدود همدان شرقاً. ونجد لدى هذا العالم خريطة أخرى رسمها بعد ستة عشر عاماً، وقد وصلت فيها حدود كوردستان هذه المرة إلى ملتقى نهري دجلة والزاب الصغير.

إن اختلاف حدود كوردستان جغرافياً يعود، حسب وجهة نظري، إلى اختلاف مصادر هؤلاء الرحالة والجغرافيين (الخرائطيين) ومعلوماتهم، إضافة إلى الغموض الذي كان يكتنف هذا الاسم: هل هو المنطقة التي يوجد فيها الكورد فقط؟ فمثلاً لم يضمّن جميع رسامي الخرائط ديار بكر ومناطق من جنوب كوردستان إيران الحالية في حدود كوردستان التي رسموها، بسبب عدم دقة المعلومات عن المنطقة، ولكن تلك المناطق كانت بالتأكيد تضم قبائل من الشعب الكوردي مستوطنة فيها منذ قديم الزمان.

يضاف إلى ذلك أن الولايات التي رسم أولئك الأوروبيون حدودها لم تحمل الصبغة القومية، فهم يكتبون مثلاً ولاية ديار بكر أو الجزيرة أو أرضروم دون أن يحددوا القوميات التي تسكن فيها.

ونستطيع القول أيضاً إن معلومات أولئك الرحالة كانت أحياناً مغلوطة وخاطئة، وتعتمد على التصور الجغرافي أو الخيال، دون أن يكون الرحالة قد زار المنطقة بالفعل وعاين حدودها والقوميات التي تعيش فيها، بل وصل الأمر بأحد رسامي الخرائط إلى أن رسم اليمن في وسط شبه الجزيرة العربية وعلى حدود ما يعرف حالياً بقطر والبحرين.

إن ما يهمنا في هذا المجال هو أن هذه الوثائق التاريخية تدحض، بما لا يدع مجالاً للشك، مزاعم العنصريين العرب والأتراك والفرس بعدم وجود وطن قومي اسمه كوردستان. وهذه الحقيقة التاريخية التي أستعرضها الآن جديرة بأن تصبح مادة للبحث العلمي الأكاديمي، وأتمنى على القائمين على المعاهد والجامعات الكوردية، ولا سيما في كوردستان العراق، أن يولوا هذه القضية الحساسة اهتمامهم الكبير، فهي رد علمي على مزاعم من ينكر حق الشعب الكوردي في إقامة دولته المنشودة ولو بعد حين.

كوردستان أرض بلا حدود

كوردستان أرض من دون حدود، ومن البديهي أن يكون سكانها من الكورد. وقد أُطلق هذا الاسم على تلك الأراضي الكوردية مع مرور الزمن وتعاقب الأجيال، وكان لا بد لحدودها، زيادةً أو نقصاناً، أن تتغير من عصر إلى آخر. فكوردستان تركيا مثلاً لم يُحدَّد لها اليوم شكل رسمي على أي خارطة، غير أنها كانت ظاهرة ومحددة إبان الحكم العثماني. أما الخارطة في إيران فتشير إلى الإقليم الغربي (كوردستان) الذي يضم جميع الكورد الموجودين في إيران.

تشكل كوردستان العمود الفقري للشرق الأوسط، إذ تقوم في قلب آسيا الصغرى، وتحتل القسم الجبلي الأكبر الذي يمتد بين البحر الأسود وسفوح جبال ميزوبوتاميا (بلاد ما بين النهرين، أو الرافدين: دجلة والفرات) من جهة، وتقابل سلسلة جبال طوروس وهضاب إيران من الجهة الأخرى، حيث يبدو شكل أرضها كالمنجل أو الهلال وفقاً لأحد التشبيهات الخيالية. وهي تعادل تقريباً مساحة فرنسا، وتشكل أجزاء كبرى من تركيا وإيران والعراق. وبالرغم من هذا فإن سكانها الكورد يختلفون بوضوح عن الأتراك والفرس من حيث الأصالة واللغة والتاريخ.

لقد كتب الكثير من الباحثين عن كوردستان وعن موطن الكورد وأصلهم، ومما قالوه عنها:

  1. كلمة كوردستان مصطلح جغرافي ظهر لأول مرة في القرن الثاني عشر الميلادي في عهد السلاجقة الأتراك، فقد فصل السلطان السلجوقي سنجر القسم الغربي (المنطقة الجغرافية الكوردية) من إقليم الجبال، ووضعه تحت حكم قريبه سليمان شاه. وكان هذا القسم يضم الأراضي الممتدة في أذربيجان ولورستان وهمدان وكرمنشاه، إضافة إلى المناطق الواقعة غرب جبال زاكروس، مثل شهرزور وكويسنجق.
  2. وكلمة كوردستان تعني بلاد الكورد، وهي منطقة واسعة لا حدود سياسية لها، وكانت تضم عدة ولايات كوردية تفصل بينها سلسلة جبال زاكروس.
  3. ينتشر الكورد حالياً في أذربيجان وأرمينيا في الاتحاد السوفيتي (السابق)، وفي شرق تركيا، وفي كوردستان العراق، وغرب إيران، وشمال سوريا وشرقها، بين خطي العرض (34–39)، وخطي الطول (30–40) شرقاً و(37–48) غرباً.
  4. يقطن الكورد في كوردستان العراق محافظات السليمانية وأربيل ودهوك وكركوك، وجزءاً كبيراً من محافظتي ديالى والموصل.

وتعد قرية جرمو الواقعة في جمجمال قرب السليمانية أقدم قرية في الشرق الأوسط، وكذلك موقع بردة بلكة ومغارة هزارمرد في المنطقة نفسها، ومغارة شانيدر قرب راوندوز التي اكتُشف فيها أول هيكل عظمي لإنسان العصر الحجري في كوردستان العراق. إذن كانت هذه المنطقة (كوردستان) مسكونة قبل آلاف السنين، وكذلك «لافا» أي «عرفا» في كركوك الكوردية، وهي حضارة أثرية تعود إلى الأكديين.

إن السجلات السومرية لا تترك شكاً في أنه كان هناك منذ سنة 2000 ق.م شعب كوردي يدعى «كوتو» أو «كوتي»، سمّاهم الآشوريون فيما بعد «كرتي»، وسكنوا منطقة أواسط نهر دجلة من المنطقة الجغرافية الكوردية (من بوتان وجبل جودي إلى سلسلة جبال زاكروس شرقاً). أما مينورسكي فيقول إن الكورد ينحدرون من أصل آري، إلا أنهم امتزجوا بعناصر أخرى.

أما سدني سميث، الخبير البريطاني في شؤون الآثار القديمة، فيقول إن الشعب الكوردي أحد الأقوام الهندية الإيرانية، قدم إلى كوردستان في الوقت الذي قدم فيه الميديون الكورد إلى ميديا، والفرس إلى إيران، ويستند سدني سميث في ذلك إلى النقوش الآشورية التي يرجع تاريخها إلى سنة 650 ق.م.

أقاليم كوردية من كوردستان في أقدم خارطة للعالم قبل أربعة آلاف سنة

وضع الأكديون أقدم خارطة للعالم لتصوير منطقة فتوحات سرجون الأكدي، وهي تشمل بلاد بابل، والبلاد التي سميت فيما بعد بلاد آشور، والجبال الكوردية الواقعة في شمال تلك البلاد حتى منابع نهر الفرات، أي كوردستان الشمالية في تركيا الحديثة. وقد وُضعت تلك البلدان وسط دائرة يحيط بها البحر المحيط بالعالم حسب معرفة ذلك العهد، وعلى أطرافه جزر رُسمت على شكل مثلثات، وعليها كتابات مسمارية. وهناك صورة مخططة لها في كتاب الأستاذ عبد الرقيب يوسف «حدود كوردستان الجنوبية تاريخياً وجغرافياً» (ص15)، وقد وردت في كتاب «العراق في الخوارط (الخرائط) القديمة» للدكتور أحمد سوسة، واللوح الأصلي محفوظ في المتحف البريطاني تحت رقم (E155/92687). ولزيادة الإيضاح وضع أحمد سوسة، أو غيره، الأرقام العربية بجانب المناطق المرسومة على الخارطة، حيث أشير إلى بلاد آشور بالرقم (2)، ومدينة «أوره أش» الكوردية الواقعة في شمال بلاد آشور بالرقم (4)، وجبل «شادو» الكوردي الواقع عند منابع الفرات بالرقم (3).

إن موقع مدينة «أوره أش»، وإن كان غير معلوم لنا بالتحديد، يُعلم من الخارطة أنه يقع في كوردستان اليوم. أما بالنسبة لجبال «شادو» فكل ما نعلمه هو أن أحد الملوك الحوريين الكورد في بلاد سوبارتو الكوردية، في النصف الأول من الألف الثاني قبل الميلاد، أي قبل سيطرة الميتانيين الكورد، كان يحمل اسم «شادو شارري»، وكان ملك منطقة «أزوخينوم». وقد ورد اسم هذا الملك في الصفحتين 9 و10 من كتاب «كركوك في العصور القديمة» للدكتور جمال رشيد الكركوكي، أستاذ تاريخ الشرق القديم؛ وعلى هذا يحتمل جداً أن يكون اسم «شادو» اسماً حورياً من الألف الثالث قبل الميلاد.

سكان كوردستان الكورد هم أول من استوطنوا العراق وأسسوا فيه الحضارة

كان الناس يعتقدون أن سكان كوردستان الكورد أخذوا الحضارة من سكان العراق القدامى، أي إن حضارة كوردستان الكوردية القديمة نشأت من حضارة العراق القديم، وكنت واحداً من هؤلاء الناس. ولكن الوثائق استطاعت في السنوات السابقة أن تفنّد هذا الاعتقاد الخاطئ، وأن تبين أن الحقيقة بعكس ذلك، أي إن حضارة العراق القديم نشأت من حضارة كوردستان الكوردية؛ فقد جلب سكان كوردستان الكورد معهم الحضارة إلى العراق القديم عندما اتجهت أول موجة بشرية من كوردستان إلى وسط العراق وجنوبه وعمرتهما لأول مرة في التاريخ، وأنشأت فيهما القرى الزراعية والمدن القديمة، مثل أور وأريدو وأوروك (الوركاء) ولارسه ولكَاشو وكرسو وأومّا وكيش وإيسن وسبار وكوثى وبابل وبارسبا وأشنونا وتوتب (تل خفاجي) وغيرها.

وكان الناس يعتقدون أيضاً أن كوردستان الجنوبية (كوردستان العراق الحالية)، الملحقة بالعراق العربي بعد تشكيله في 23 آب 1921م، كانت تحت سيطرة دول العراق القديمة في معظم الأوقات، ولكن المؤرخين والوثائق أثبتوا خطأ هذا الاعتقاد أيضاً؛ فقد تبيّن من خلال الوثائق، ومن خلال جرد لحكم الدول العراقية القديمة، أن تلك الدول حكمت هذا الجزء من كوردستان نحو سبع وسبعين (77) سنة أو أكثر بقليل، مع أن حكم بعضها كان متقطعاً، بينما حكم الشعب الكَوتي والكشيون الكورد، وهم من شعوب كوردستان ومن أجداد الشعب الكوردي، العراقَ مدة (524) عاماً حسب أقل الأرقام وأرجحها. ومنحت الدولة الكَوتية الكوردية الحكم الذاتي للسومريين، وهو أول حكم ذاتي معروف في التاريخ، ومن ابتكار الدولة الكوتية الكوردية ونظامها السياسي والإداري، على ما سيأتي ذكره.

إن العراق العربي لم يكن مسكوناً قبل الألف الخامس أو أواخر الألف السادس قبل الميلاد، إذ لم يُعثر في وسطه وجنوبه على أي أثر للبشر قبل ذلك، بينما عثر علماء الآثار في كوردستان على آثار لإنسان العصر الحجري القديم تعود إلى نحو مائة ألف سنة، وهي صخرة في منطقة بردة بلكة القريبة من مدينة جمجمال بين كركوك والسليمانية، صنع منها الإنسان القديم أدواته الحجرية التي عثرت عليها مديرية الآثار العامة في العراق سنة 1949. وعثر عالم الآثار الأمريكي سوليكي أثناء تنقيباته في كهف شانيدر على آثار وهياكل عظمية لإنسان نياندرتال تعود إلى ما قبل ستين ألف (60.000) سنة، ووجدت الباحثة كارود في كهف هزارمرد آثاراً تعود إلى خمسين ألف (50.000) سنة.

لقد تعلم سكان كوردستان الكورد بناء البيوت في الألف العاشر قبل الميلاد، وكانت «زفيا جمى»، التي حُرّف اسمها إلى «زاوى جمى»، أقدم قرية في العالم، حيث عثر العالم الأمريكي سوليكي وزوجته على آثار أقدم الدور في هذا الموقع الواقع عند قرية شانيدر من منطقة بارزان على الضفة الشرقية للزاب الكبير، وكذلك في قرية «تيه آسيا» في منطقة كرمانشاه، في الألف العاشر قبل الميلاد أيضاً، أي منذ اثني عشر ألف سنة. واهتدى سكان كوردستان الكورد إلى الزراعة في الألف السابع قبل الميلاد، وكانت أقدم القرى الزراعية قرية جرمو (جه‌رمو) الكوردية الواقعة شرق مدينة جمجمال بنحو (11 كم)، جنوب سلسلة جبل بازيان (جبل لارب) في منطقة السليمانية، وهي أقدم قرية زراعية في العالم، وأقدم زراعةً من قرية أريحا في فلسطين. وقد نقّبت فيها بعثة جامعة شيكاغو. أما زفيا جمى (زه‌فيا جه‌مى) التي نقّب فيها سوليكي فأقدم من جرمو بثلاثة آلاف سنة، وكانت جرمو موطن الزراعة المنظمة.

ودجّن سكان كوردستان الكورد الغنم في زفيا جمى، ثم دجّنوا الماعز والخنزير ثم البقر في جرمو، وتقدم فلاحوها أشواطاً أبعد في البناء؛ فبينما كانت الأكواخ البدائية مستديرة سابقاً تعلموا بناء الدور المستطيلة من الطين، وكانت أسس البناء من الأحجار الطبيعية، أما الجدران فكانت تُملَّط بالطين، مع تبليط أرضيات الغرف بالطين فوق طبقة من القصب، كما استعملوا القصب والخشب في تسقيف البيوت. وكان سكان جرمو، كسكان قرية «جايونو» الواقعة في ولاية ديار بكر الكوردية شمالاً، يعرفون غزل الصوف والحياكة، فصنعوا الملابس. وظهرت فكرة الدين في زفيا جمى بالسور المقوّس، وفي قبور الموتى في كهف شانيدر الذين وُضعت الورود على أجسامهم، وظهرت في جرمو تماثيل «الإلهة الأم» من الطين، وهكذا ظهر أقدم معبود في كوردستان في جرمو، وانتشرت عبادة هذه الإلهة في العراق فيما بعد، حيث عُثر على تماثيلها. ومن المحتمل أنها ظهرت باسم «عشتار» بعد ظهور الكتابة عند السومريين، بسبب الصفات المشتركة بينهما، كما أن الإلهة الآرية «أناهيتا» والإلهة الآرية «أشا–أشى» اللتين عُبدتا في جبال زاكَروس ضمن جغرافية كوردستان كانتا تحملان الصفات نفسها، وكذلك الإلهة الإغريقية «أفروديت»، وكانت «أناهيتا» إلهة الخصوبة والتناسل وحامية النساء الحوامل. ولمعلومات أكثر تفصيلاً يُنظر كتاب «شوينه‌واره‌كانى نه‌وى له‌ شاخى سورين» للأستاذ عبد الرقيب يوسف (ص56–57). ويرى بعض علماء الآثار، كالأستاذ الراحل طه باقر، أن المرأة هي التي اهتدت إلى الزراعة وكانت تشرف عليها، واستنتجوا ذلك من عبادة «الإلهة الأم»، وإن عبادتها لا تخلو من الإشارة إلى احترام سكان كوردستان الكورد القدامى للمرأة.

وفي أواخر الألف السادس أو أوائل الألف الخامس قبل الميلاد اتجهت أول موجة بشرية من كوردستان إلى وسط العراق وجنوبه، حيث أصبح مناخهما مستقراً، وذلك بسبب حلول فترة من الجفاف في كوردستان التي كانت الزراعة فيها تعتمد على الأمطار. وقال طه باقر: «فاهتدى الإنسان في بقعة ما من الشرق الأدنى، ولا سيما في كوردستان العراق، إلى إنتاج قوته بيده وتدجين الحيوان… ولما اشتد (أي الجفاف) وتزايد فتعذرت الزراعة المعتمدة على الأمطار… الأمر الذي دفع الكثير من الجماعات الفلاحية الكوردية في كوردستان إلى ترك مواطنها بالتدريج، والبحث عن مناطق أخرى تصلح لحياتها الزراعية، فركنت إلى الهجرة إلى وديان الأنهار، مثل وادي الرافدين، والآخرون إلى وادي النيل. ودخل المستوطنون من الرواد الكورد الأوائل في السهل الرسوبي من العراق في امتحان وتجربة شديدين فرضتهما عليهم البيئة النهرية الجديدة، إذ تطلب ترويض هذه البيئة وجعلها صالحة لزراعة الري جهوداً كبيرة في إنشاء جهاز للري لأول مرة في تاريخ الحضارات».

إن الموجة البشرية الأولى التي استوطنت وسط العراق وجنوبه وعمرتهما، وأنشأت فيهما القرى الزراعية الأولى التي تحول بعضها إلى مدن فيما بعد، قد نقلت معها من كوردستان إلى العراق تجارب خمسة آلاف عام في فن العمارة والبناء، أي بناء الدور والقرى، وتجارب نحو ألفي سنة في ميدان الزراعة، ونقلت إلى العراق وسائل الإنتاج وعناصر حضارية أخرى، وأنشأت فيه الحضارة. وهكذا يتضح أن حضارة العراق كانت وليدة حضارة كوردستان الكوردية وامتداداً لها.

ونظراً لعدم وجود الكتابة لدى تلك الموجة البشرية لم يُعرف اسمها، لذلك أطلق عليها علماء الآثار والمؤرخون اسم «القوم المجهولين». وقال الدكتور أحمد سوسة بخصوصهم: «إن المهاجرين القدامى الذين وفدوا إلى هذه المنطقة (جنوب العراق الحالي) من جبال زاغروس (منطقة كوردستان) وأواسط إيران قد اتخذوا هذا الوادي (الرافدين) موطناً لهم، وأسسوا فيه أقدم حضارة لسكنى الإنسان في جنوب العراق».

هذا، وقد جاء في «دليل الجمهورية العراقية» (ص115)، تأليف الدكتور مصطفى جواد والدكتور أحمد سوسة ومحمود فهمي درويش، بإشراف وزارة الإرشاد العراقية، والصادر بقرار من مجلس الوزراء سنة 1962، ما يلي بخصوص «القوم المجهولين»، ومآله أن هؤلاء القوم من قدماء الكَوتيين الكورد أجداد الأكراد:

«وكان مع الساميين من الأمم الآسيوية أمة قديمة أصيلة في سكنى جنوب العراق، لغتهم من أصل اللغة السومرية، وجماجمهم مكتلة قليلة الاستطالة يقرب عرضها من طولها، وجباههم منسرحة كجباه السومريين، وديانتهم كديانتهم، وهم أقدم الشعوب الآسيوية، والظاهر أن السومريين فرع منهم، ولم يكونوا ساميين، وهم على رأي الدكتور (سبايزر)، أحد المختصين بتاريخ شعوب ما بين النهرين، قدماء الأمة الكَوتية (أجداد الأكراد)».

وفي «تاريخ فن العمارة في مختلف العصور» (ص41–42) قال شريف يوسف: انحدرت في أوائل العصر المعدني «جماعات من سكنة السهول الشمالية (ضمن جغرافية كوردستان) إلى السهول الزراعية الرسوبية في الأقسام الوسطى والجنوبية من العراق الحالي، فأسسوا القرى الأولى التي اشتهرت بآثارها، كتل الصوان قرب سامراء، وأريدو إلى الغرب من أور، وعشرات غيرها».

وفي (ص44) قال شريف يوسف أيضاً: انتقلت موجة هذه الحضارة من الشمال (كوردستان) إلى الجنوب (العراق العربي) بعد انحسار المياه وجفاف الأرض الخصبة.

أما جورج رو فقال في «العراق القديم» (ص123): «إن فخار أريدو يوحي بأن السكان الأوائل في جنوب العراق يعودون بهذا الشكل أو ذاك إلى العبيد والحَلَفيين الشماليين، وكأنهما لم يكونا غير فرعين لأصل واحد، وبالتأكيد فإن الحلفيين يمكن أن يكونوا قد انحدروا بدورهم من مزارعي العصر الحجري الحديث في حسونة وجرمو»، علماً أن حسونة تقع جنوب الموصل، أما تل حَلَف فيقع عند مدينة رأس العين في كوردستان سوريا. أما الدكتور فرج بصمجي فقال في «كنوز المتحف العراقي» (ص18): «وأخذ الإنسان يؤسس بداية الحضارة الناضجة، ولا سيما عندما انتقلت موجة الحضارة من الشمال (كوردستان) والهضاب المرتفعة الشرقية إلى الجنوب (جنوب العراق الحالي)».

هذا، وإن السومريين الذين دخلوا جنوب العراق كانوا على الأرجح الموجة البشرية الثانية أو الثالثة القادمة من كوردستان، كما سيأتي ذكره، وقد أخذوا حضارة الموجة الأولى وطوّروها، وابتكروا الكتابة التي احتفظت بمقدار من المفردات اللغوية للموجة الأولى الخاصة بالحرف والصناعات، وبأسماء معظم المدن المهمة التي كانت من تأسيسها في وسط العراق وجنوبه، وكذلك باسمي دجلة والفرات.

ومن الجدير بالذكر أن سحنة سكان جنوب العراق حالياً تختلف بصورة عامة عن السحنة العربية من جهة بياض البشرة وغيره، ولا شك أنها سحنة أجدادهم من القوم المجهولين والسومريين، وهي لا تختلف عن السحنة الكوردية أو قريبة منها جداً.


أجزاء «جغرافية كوردستان وحدودها منذ القدم» (3 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني (هذا الجزء)
  3. الجزء الثالث

→ الجزء الأول  |  الجزء الثالث ←