الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
دور شركات النفط في أحداث كركوك عام 1959 (الجزء الأول)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
في أعقاب ثورة 14 تموز 1958 نشأ صراع عنيف بين القوى السياسية العراقية، انتقل منها إلى صفوف الجماهير من مختلف القوميات، وأدى إلى نشوب نزاعات قاسية أدّى فيها القادة العسكريون ومحافظو المدن (المتصرفون) دوراً بارزاً في تأجيج تلك الصراعات، وخاصة الجماعة القومية العسكرية، ومنهم العميد الركن ناظم الطبقجلي قائد الفرقة الثانية في كركوك.
وقد أدى هذا الصراع، بالارتباط مع التقلبات التي عُرف بها عبد الكريم قاسم خلال تلك الفترة وتوجهه في المحصلة النهائية ضد الحركة التحررية الكوردية التي كان يقودها الملا مصطفى البارزاني، وضد اليسار العراقي والحزب الشيوعي العراقي، ومع ارتكاب أخطاء فادحة من جانب جميع القوى السياسية العراقية، بما فيها قوى اليسار ومنها الحزب الشيوعي العراقي، إلى وقوع اعتداءات ونشوب اقتتال وسقوط ضحايا كثيرين، حتى أصبح من الصعب على عائلات كوردية غير قليلة البقاء في المنطقة، وأُجبرت عملياً على النزوح إلى مناطق أخرى من العراق.
ويُعدّ عبد الكريم قاسم قد بدأ بشكل جدي تكريس سياسة تعريب المنطقة الكوردية من كوردستان، وخاصة مدينة كركوك، ومن ثَمّ لواء (محافظة) كركوك. وكانت هذه السياسة رسمية، تمارسها الحكومة العراقية التي تقودها القوى البعثية والقومية أولاً، ثم القومية البعثية ثانياً، دون تردد أو مخاتلة في الداخل، وبصورة مبطّنة على المستوى الدولي، وكانت تحقق إلى حدود غير قليلة ما كانت تسعى إليه تلك القوى القومية اليمينية المتطرفة.
واتخذت سياسة التعريب أبعاداً جديدة وواضحة ومعادية للكورد في مختلف بقاع كوردستان، وخاصة في كركوك الكوردية الكوردستانية؛ لهذا كان لا بد من بذل جهود استثنائية لرفض سياسة الحكم الشوفينية في العراق والتصدي لها، وخاصة في أعقاب مجيء حزب البعث ثانية إلى السلطة في السابع عشر من تموز/يوليو عام 1968. وخلال هذه الفترة حدثت الكارثة الكبيرة التي عصفت بالحركة القومية الكوردية المسلحة في كوردستان العراق عام 1975، في أعقاب عقد اتفاقية الجزائر في 6 آذار 1975م، فقد لجأت القيادة الكوردية من كوردستان العراق إلى مناطق مختلفة خارج العراق، ورُحِّل الكورد إلى مناطق أخرى في العراق أو وُضعوا في مجمعات سكنية بائسة، وشمل ذلك جميع أرجاء كوردستان العراق.
وتجلّى كل ذلك، إضافة إلى الضغوط التي مورست على السكان الكورد لتسجيل أنفسهم على أنهم من القومية العربية في إحصاء عام 1977 (التعريب). ويمكن للجدول التالي أن يوضح هذا الاتجاه في التغيير السكاني. ويجدر أن نلاحظ أن النظام العراقي السابق وقيادة حزب البعث عمدا، جرياً وراء محاولات التغيير القومي للكورد في لواء (محافظة) كركوك، إلى تغيير اسم محافظة كركوك إلى محافظة التأميم، بعد أن صدر قرار تأميم مصالح شركة النفط الأجنبية في العراق في 2 حزيران 1972.
التوزيع النسبي لسكان محافظتي ديالى والتأميم (كركوك) بالنسب المئوية لعامي 1957 و1977 (%)
| القومية | ديالى 1957 | ديالى 1977 | التأميم (كركوك) 1957 | التأميم (كركوك) 1977 |
|---|---|---|---|---|
| العرب | 79.3 | 87.4 | 28.2 | 44.4 |
| الكورد | 18.2 | 10.8 | 48.3 | 37.6 |
| التركمان | 2.2 | 1.4 | 21.4 | 16.3 |
| الآخرون | 0.3 | 0.4 | 2.1 | 1.7 |
| المجموع | 100.0 | 100.0 | 100.0 | 100.0 |
المصدر: قارن: محمد، خليل إسماعيل، د. دراسات في التكوين القومي للسكان، مصدر سابق، ص 85.
ويشير الجدول بما لا يقبل الشك إلى أن النظام العراقي (سابقاً ولاحقاً) أبدى اهتماماً خاصاً بتغيير البنية السكانية لمحافظتين كانت نسبة السكان الكورد فيهما عالية: الأولى كركوك، وهي كوردية تماماً، والثانية ديالى، وفيها قسم كوردي كبير وآخر عربي. وفي هاتين المحافظتين بالذات تراجعت نسبة السكان الكورد بالمقارنة مع السكان العرب، كما تراجعت نسبة السكان التركمان إلى السكان العرب. وهذا يدل على أن عملية التغيير (التعريب) في البنية القومية للسكان لم تكن موجهة ضد الكورد فحسب، بل ضد التركمان أيضاً، وهي حقيقة يشير إليها الجدول بوضوح.
إن عمليات التغيير السكاني للمناطق الكوردية في كوردستان العراق، التي كان النظام العراقي وحزب البعث السابق يريدان، وما زالا، اعتبارها عربية، جارية على قدم وساق منذ المجيء الأول لحزب البعث المتحالف مع القوى القومية العربية إلى السلطة في 8 شباط 1963، ثم تواصلت بعد مجيء القيادة القطرية لحزب البعث (جناح ميشيل عفلق وصدام حسين) إلى السلطة ثانية في 17 تموز 1968. فما الإجراءات التي مارسها المستبدون لتأمين هذا التغيير القومي للسكان في تلك المناطق الكوردية من كوردستان العراق، وبشكل خاص في محافظة التأميم (محافظة كركوك سابقاً)؟
إن تتبع سياسات النظام العراقي السابق إزاء كوردستان عموماً ومحافظة كركوك خصوصاً يساعد على تحديد ما يلي:
حدد النظام العراقي السابق بقيادة حزب البعث إستراتيجية محددة وثابتة تهدف في محصلتها النهائية إلى تعريب مناطق معينة من كوردستان، وخاصة محافظة كركوك، بعد أن أدرك القائمون عليه استحالة تعريب كوردستان العراق كلها أو إفناء الشعب الكوردي. ووُضعت لهذا الغرض مجموعة من الإجراءات التكتيكية ضمن خطة تُنفَّذ على مراحل، بحيث لا تثير ضجة إقليمية أو دولية واسعة، وذلك على النحو الآتي:
السماح باستخدام كل الأساليب والأدوات التي يراها ضرورية لتحقيق ذلك.
تجنيد حزب البعث والمنظمات المهنية التابعة له والجيش العراقي والشرطة وأجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية والقوات الخاصة للمشاركة في هذه العملية، إضافة إلى توظيف أجهزة الإعلام وبقية أجهزة الدولة لهذا الغرض.
وتضمنت الخطة، بمدياتها البعيدة والمتوسطة والقريبة، الإجراءات التالية التي نُفِّذت فعلاً خلال الفترات المنصرمة، وخاصة بعد تسلم حزب البعث السلطة في 17–30 تموز 1968:
احتلال قياديي حزب البعث وكوادره المتقدمين، من مدنيين وعسكريين، مراكز المسؤولية الأساسية في محافظة كركوك وفي الأقضية المختلفة، ابتداءً من المحافظ وقائد القوات العسكرية والشرطة وأجهزة الأمن والاستخبارات في كركوك، وهم من العرب حصراً.
إبعاد المعلمين والمدرسين الكبار، ثم صغار الموظفين، من الكورد أولاً ومن التركمان فيما بعد، عن مراكز المسؤولية ودوائر الدولة، ونقلهم أو إبعادهم إلى مناطق في وسط العراق العربي وجنوبه، أو نقل بعضهم إلى مناطق أخرى من كوردستان العراق، بحيث لم يعد هناك بعد فترة وجيزة وجود حقيقي للكورد في دوائر الدولة المختلفة في محافظة كركوك الكوردية، وليس في مدينة كركوك وحدها. كما تم الامتناع عن توظيف كورد جدد في مختلف وظائف الدولة في كركوك الكوردية، بحيث يُجبر الكوردي من هذه المحافظة على التفتيش عن وظيفة أو عمل خارج محافظة كركوك.
إقامة شبكة متوازية ومتشابكة من التنظيمات الحزبية البعثية والتنظيمات “الشعبية” والنقابات وأجهزة الأمن، هدفها وضع الكورد بالدرجة الأساسية، والتركمان أيضاً، تحت مضايقة هذه الأجهزة الأمنية وضغطها وتهديدها، ودفع المواطنين الكورد إلى الخروج من محافظة كركوك الكوردية، وتنشيط العرب للعمل ضدهم، إضافة إلى بث العيون والمخبرين السريين للحصول على معلومات عن المواطنين الكورد وتعريضهم للمضايقة والاعتقال.
إجبار السكان الكورد الأصليين، أباً عن جد، في كركوك الكوردية على تسجيل أنفسهم عرباً، ومن ثم الدخول في حزب البعث، وعندها يمكن فرض القرارات التي يريدها حزب البعث عليهم، بما فيها الهجرة والتهجير القسري للكورد إلى مناطق أخرى من العراق. وكان المواطنون الكورد الأصليون يُتتبَّعون في مدينتهم كركوك، في المحلات ومواقع العمل والأسواق التجارية، حيث يُفرض عليهم ملء الاستمارات في فترات متقاربة، وفي حالة الخطأ أو وجود تباين في الاستمارات كان المواطن الكوردي يعرّض نفسه لعقوبات شديدة.
تكليف أجهزة الدولة المختصة بشؤون المقاولات والبناء، والشركات الأجنبية العاملة في العراق، والقطاع الخاص العراقي، بإنشاء عدد كبير جداً من الوحدات السكنية وأحياء سكنية كاملة على امتداد العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين، لإسكان العرب القادمين من وسط العراق العربي وجنوبه إلى كركوك الكوردية. وخلال تلك الفترة أمكن إقامة عشرات الأحياء وآلاف الوحدات السكنية والمدارس والمستوصفات وفتح الشوارع، حيث جرى استقبال تدريجي للعرب “الوافدين” إلى كركوك الكوردية بدفع من النظام العراقي السابق وقيادة حزب البعث.
شراء العرب عدداً كبيراً من الدور العائدة للكورد إجبارياً، ومنع بيعها إلى غير العرب، سواء تم ذلك بدفع مبالغ عالية أو تحت التهديد أو الاعتقال والسجن والإعدام ثم مصادرة الدار، أو عبر التهجير الإجباري والقسري للأفراد والعوائل الكوردية من بيوتها ومن مدينتها كركوك الكوردية.
حرمان الكورد، وكورد كركوك، من حق شراء العقارات ودور السكن في محافظة كركوك الكوردية.
تقديم الامتيازات الكبيرة والعمل والرواتب العالية لمختلف الفئات الاجتماعية، وخاصة العشائر العربية التي نُقلت وسكنت في مدينة كركوك أولاً، وفي بقية أقضية المحافظة ثانياً، ويقدَّر عدد المرحَّلين العرب إليها بعشرات الآلاف خلال السنوات المنصرمة.
إعاقة معاملات المواطنين الكورد في مختلف دوائر الدولة في كركوك، بما يحوّل حياة السكان الكورد إلى جحيم لا يطاق، ويجبرهم على التفكير بالرحيل ثم الرحيل الفعلي عن محافظة كركوك الكوردية. ومن ينتقل لفترة معينة من محافظة كركوك لا يُسمح له بالعودة إليها، إذ يُشطب قيده من محافظة كركوك الكوردية إلى الأبد.
منع تعيين الكورد في وظائف الدولة في كركوك، وحرمانهم من أي فرصة عمل في أي مؤسسة أو معمل، أو من فتح دكان (بقالة).
نقل مركز محافظة كركوك الكوردية وبقية دوائر الدولة الرئيسية من المنطقة الكوردية في القسم القديم من مدينة كركوك الكوردية إلى القسم المعرَّب منها، إلى “عرفة” (1)، حيث بُنيت فيه أحياء جديدة استوطنها العرب الذين رُحِّلوا إليها من القسم العربي من العراق (الجنوب والوسط).
القيام بتدمير بيوت الفلاحين الكورد على نطاق واسع شمل عدداً كبيراً من القرى الكوردية في نواحي محافظة كركوك.
تدمير المدارس والجوامع بحيث لم تعد صالحة للاستعمال، وإجبار سكان هذه القرى الكوردية على الهجرة من كركوك إلى مناطق أخرى من العراق، أو الهروب إلى المدن الكوردستانية الأخرى.
تشير المعلومات المدققة إلى أن الحكم الاستبدادي قام في عامي 1987 و1988 بتدمير 799 قرية و493 مدرسة و598 مسجداً و40 مستوصفاً، كما هجّر 37726 عائلة فلاحية كوردية. وبلغ مجموع الكورد الذين رُحِّلوا من مركز قضاء كركوك ومن دبس وكفري وجمجمال وحدها خلال هذين العامين 136008 نسمة (2). ووفق المعلومات التي أوردها السيد الدكتور نوري طالباني، فإن الحكم السابق وقيادة البعث الصدامي تسنى لهما حتى عام 1989 “تدمير (3839) قرية، كانت تضم (1757) مدرسة و(2457) مسجداً و(271) مستوصفاً، وأن مجموع عدد العوائل المرحَّلة قد بلغ (219828) عائلة معظمها فلاحية” (3) في كوردستان العراق. وهذا يعني أن حصة محافظة كركوك أو التأميم كانت 20.8% من القرى، و28.1% من المدارس، و24.3% من المساجد، و14.8% من المستوصفات المدمرة، و17.2% من العوائل الكوردية المهجَّرة، علماً بأن عدد القرى والمدارس والجوامع والمستوصفات المدمرة والعوائل المهجَّرة قسراً قد ارتفع بعد ذلك، وخاصة في أعقاب غزو الكويت وحرب الخليج الثانية وانتفاضة الشعب الكوردي، وكذلك بعد أن استفرد النظام السابق وقيادة حزب البعث بمدينة كركوك والعديد من النواحي التابعة لها.
لم تكن عمليات الترحيل والتهجير القسري للكورد تجري بصورة سرية، بل كانت تقوم بها دوائر الدولة الرسمية عبر كتب رسمية صادرة عن إدارات المحافظات أو مديريات الشرطة، وتتم كلها بالتعاون والتنسيق الوثيقين مع أجهزة حزب البعث والأمن الداخلي. ويبدو مفيداً أن نورد نماذج من هذه الوثائق الخاصة بترحيل الكورد وتهجيرهم القسري من مناطقهم الكوردية في محافظة كركوك إلى مناطق عربية لإسكانهم فيها رغماً عنهم، إذ توجد كمية كبيرة من الكتب الرسمية الصادرة عن الجهات الحكومية في العراق تقرر فيها ترحيل عشرات آلاف العوائل الكوردية من مدنها الكوردية إلى مناطق عربية.
فالكتاب الصادر عن محافظة الأنبار إلى قائمقامية قضاء الرمادي برقم 2700 بتاريخ 5/4/1995، وموضوعه ترحيل عوائل كوردية، جاء فيه ما يلي: “أرسلت إلينا محافظة التأميم/ش. د/ بكتابها 1852 في 30/3/1995 العوائل المدرجة أسماؤهم أدناه والبالغ عددها (16) ست عشرة عائلة لاستلامهم وتأمين السكن اللازم لهم وإعلامنا. عبد الستار محمد دله، عن نائب محافظ الأنبار”. وفي ذيل الكتاب ترد أسماء العوائل الكوردية المرحَّلة من محافظة كركوك لغرض توزيعها وإسكانها في الرمادي والفلوجة (4).
وهناك كتاب “سري للغاية وشخصي” صادر عن شعبة المراسلات السرية في محافظة التأميم، العدد/س1/8231431، بتاريخ 13/7/1998، موجَّه إلى قيادة فرع التأميم لحزب البعث، وموضوعه إرسال مرحَّلين كورد. ويتضمن الكتاب 545 عائلة من الشورجة وحي العسكري وطريق بغداد والحرية والإسكان وحي الواسطي وحي الطيران والمصلى وإمام قاسم وحي العسكري رقم 1 وحي الخضراء. ويشير الكتاب إلى أسماء مختاري تلك الأحياء وأسماء الحزبيين المسؤولين مباشرة عن تنفيذ عملية الترحيل، والكتاب موقَّع من الرائد عبد الرزاق أسعد الطيار، ضابط شعبة المراسلات السرية لمحافظة التأميم، أي محافظة كركوك (5).
وهناك نموذج آخر: كتاب سري صادر عن قيادة فرع المقداد/قيادة شعبة خانقين لحزب البعث العربي الاشتراكي، موجَّه إلى قيادات الفرق كافة، موضوعه ترحيل العوائل الكوردية، وتحت شعار “أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة” و”بسم الله الرحمن الرحيم”، العدد/15/س ش/3351 بتاريخ 3/12/1998، جاء فيه ما يلي:
“تحية رفاقية،،،
إلحاقاً بكتابنا سري وشخصي 3345 في 2/12/1998، ناقشت شعبة خانقين لحزب البعث في اجتماعها المنعقد بتاريخ 3/12/1998 موضوع ترحيل العوائل الكوردية الذين لديهم أولاد مع المخربين (البيشمركة) وخارج القطر. عليه قررت قيادة الشعبة القيام بالجرد لتلك العوائل من قبل الرفاق أعضاء قيادات الفرق الحزبية لحزب البعث وبشكل هادئ، راجين التفضل بالاطلاع وتزويدنا بأسماء العوائل المشمولة من القومية الكوردية فقط وفق النموذج أدناه، على أن تصلنا القوائم خلال ثلاثة أيام اعتباراً من تاريخه أعلاه… مع التقدير، ودمتم للنضال. (التوقيع) الرفيق عبد المطلب كامل حسن، أمين سر قيادة شعبة خانقين 3/12/1998” (6).
ويتضمن النموذج طلب معلومات عن: اسم رب الأسرة، واسم الهارب، وأفراد الأسرة بالاسم، والسكن الحالي، وهل الدار ملك أم إيجار، وجهة الهروب، وموقف الهارب من الخدمة العسكرية، وملاحظات عن رب الأسرة والهارب (7).
قام النظام السابق لحزب البعث بتمزيق محافظة كركوك وربط بعض أقضيتها بمناطق أخرى بهدف إخلائها تماماً من الكورد. فوفق المعلومات المتوفرة قام النظام العراقي وقيادة حزب البعث السابق عام 1976 بإلحاق قضاءي جمجمال وكلار بمحافظة السليمانية، وألحق قضاء كفري بمحافظة ديالى، ثم ألحق قضاء طوزخورماتو بمحافظة صلاح الدين (تكريت) (8). وفي ضوء ذلك أصبحت محافظة كركوك تشتمل على قضاءي الحويجة ودبس اللذين استوطنهما العرب (9)، في حين ضم لواء كركوك عام 1962، وفق ما جاء في “الموسوعة الإحصائية عن التقسيمات الإدارية في الجمهورية العراقية”، الأقضية التالية: قضاء كركوك، وهو مركز اللواء أيضاً (وضم خمس نواحٍ هي: تازه خورماتو، وقره حسن، وآلتون كوبري، وشوان، ودبس)، وقضاء كفري (وضم ثلاث نواحٍ هي: بيباز، وقره تبه، وشيروانة)، وقضاء جمجمال (وضم ناحيتين هما: آغجلر وسنكاو)، وقضاء طوز (وضم ناحيتين هما: قادر كرم وداقوق)، ثم قضاء الحويجة (وضم ناحيتين: الحويجة والرياض) (10).
ثم بدأ النظام السابق منذ سنوات طويلة بتغيير الأسماء الكوردية للنواحي والقرى والشوارع في محافظة كركوك، ابتداءً من محافظة كركوك نفسها التي سُمّيت عام 1972 محافظة التأميم، وإعطاء أسماء عربية للأحياء الجديدة التي أقامها النظام السابق وقيادة حزب البعث.
وتجدر الإشارة إلى أن النظام العراقي السابق وقيادة حزب البعث حوّلا إقليم كوردستان العراق، ولسنوات طويلة، إلى منطقة عسكرية مليئة ومحاطة بالقلاع العسكرية المنتشرة على نطاق واسع، إضافة إلى مئات الربايا العسكرية ومراكز الشرطة، وكان أغلب العاملين فيها من العرب. كما عمد إلى تسليح العشائر العربية لتكون على أهبة الاستعداد لمواجهة الثورة الكوردية والشعب الكوردي، أو لمواجهة الشعب الكوردي في رفضه لما تقوم به الحكومة والنظام السابق من إجراءات ظالمة بحق شعب إقليم كوردستان وتصدّيه لها.
وفي الوقت ذاته قام بتسليح مجموعات من الكورد الموالين لنظام الحكم ضد الشعب الكوردي. وإذ كان النظام السابق يطلق عليهم “الفرسان”، فإن الشعب الكوردي كان يسميهم “الجاش”، أي الجحوش. وكان النظام السابق يزودهم بالسلاح والأموال، وكانوا يشكلون رديفاً للجيش العراقي في حملاته العسكرية ضد حركة التحرر والثورة الكوردية وقوات البيشمركة في كوردستان العراق.
إن ما أشرنا إليه أعلاه، وإجراءات تعسفية كثيرة أخرى اتخذها النظام السابق وحزب البعث في كوردستان وفي محافظة كركوك، نبعت كلها من ذهنية عنصرية توسعية كانت ترفض الإقرار بحقائق الأمور والتعامل الإنساني معها. إذ من غير المعقول ومن غير الإنساني تغيير ديموغرافية مدينة ومحافظة كوردية بكاملها، وتهجير سكانها الكورد أولاً والتركمان ثانياً، وتوطين عشائر عربية فيها، في وقت كان بالإمكان الاعتراف بكون مدينة كركوك جزءاً لا يتجزأ من إقليم كوردستان، وأن سكانها من الكورد والتركمان والعرب والآثوريين وغيرهم يعيشون فيها بصورة متآخية، كما هو حال الكثير من مدن العالم التي تتميز بتعدد القوميات وتنوع الثقافات فيها، ولكن ذلك لا يمنع من الاعتراف بكونها تابعة لإقليم معين، كما هو حال محافظة كركوك (التأميم) التابعة لإقليم كوردستان العراق. كما لا يمنع هذا من تمتع القوميات الأخرى غير الكوردية، ومنها التركمانية والآثورية مثلاً، بحقوقها الثقافية والإدارية في المناطق الكوردية من كوردستان العراق التي تعيش فيها.
أجزاء «دور شركات النفط في أحداث كركوك عام 1959» (3 أجزاء):
- الجزء الأول (هذا الجزء)
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث