الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

دور شركات النفط في أحداث كركوك عام 1959 (الجزء الثاني)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

حول أحداث كركوك الدامية في 14 تموز 1959 (11)

قيل الكثير، ولم يُكتب إلا القليل المفيد، عن الأحداث الدامية التي شهدتها مدينة كركوك في 14 تموز 1959، والتي كثيراً ما استُغلّت لأغراض بعيدة عن الدفاع عن ضحايا أعمال العنف. وقد تفاعلت مجموعة من العوامل والدوافع المتشابكة والمعقدة فأوصلت الأمور إلى تلك النهاية المحزنة التي لا تزال آثارها النفسية والسياسية عالقة في الأذهان. راح ضحية تلك الأحداث (31) شخصاً معظمهم من التركمان، وبلغ عدد الجرحى أكثر من مئة وعشرين جريحاً، في حين جرى نهب حوالي (120) دكاناً ومقهى ومنزلاً. وفي حزيران 1963 أُعدم ظلماً (28) شخصاً، بينهم أربعة من التركمان، بتهمة الاشتراك في تلك الأحداث، على أيدي نظام حزب البعث والبعثيين.

ومن المفيد أن أشير هنا إلى أن محاولة إلقاء الأضواء على بعض جوانب هذه المسألة المثيرة للشجون والعواطف المتناقضة، وإظهار الحقائق التاريخية المتعلقة بها، لا تهدف إلى نكء الجروح وإثارة المشاعر وزيادة معاناة سكان هذه المدينة المنكوبة (كركوك)، بل إن ما حاول الوصول إليه د. جبار قادر هو عكس ذلك تماماً. فبقاء هذه المسائل بعيدة عن الدراسة والتمحيص العلميين القائمين على المصادر والوثائق التاريخية، والاكتفاء بنشر الأقاويل والافتراءات والتأويلات ضد هذا الطرف أو ذاك، هو الذي سيُبقي الأبواب مفتوحة لكل من يريد إيقاع الأذى بالكورد والتركمان وغيرهم من سكان كركوك. وأعتقد أن مرور أكثر من ستة عقود من الزمن على تلك الأيام الكئيبة يجب أن يكون كافياً لتوفير الأجواء المناسبة لدراسة تلك الأحداث بتروٍّ، بعيداً عن المهاترات وتبادل الاتهامات، بهدف الوصول إلى معرفة الحقائق التاريخية المتعلقة بها، وأخذ العبر والدروس منها، والابتعاد عن كل ما من شأنه خلق حالة التوجس والحزازات بين الإثنيات المختلفة التي جذبتها كركوك على مدى القرنين الأخيرين دون أن تكدّر صفو علاقاتها أحداث مشابهة.

بدءاً لا بد للمرء أن يدين الأساليب الوحشية التي اعتمدتها قوات الفرقة الثانية للجيش العراقي وتشكيلات المقاومة الشعبية ومنتسبو النقابات والتنظيمات المهنية (الشيوعية) التي وضعت نفسها فوق القانون، ولجأت إلى قتل الناس وسحلهم دون إجراء تحقيق قضائي أو محاكمة عادلة للمتسببين في الأحداث، وذلك للقضاء على الاضطرابات التي تسببت بها جمعية (طوران) التركمانية بتصرفاتها اللامسؤولة وشعاراتها المتطرفة. ويجب أن تُدرس هذه الأحداث في إطارها التاريخي، وفي ظل الأجواء والمفاهيم والشعارات السياسية الراديكالية المتطرفة التي كانت تسود الشارع السياسي العراقي آنذاك.

ومن المسائل الأساسية التي لا يزال الكثير من الغموض يكتنفها وتتباين الآراء حولها تحديد هوية القائمين بتلك الأحداث الدامية في كركوك، إذ توجَّه الاتهامات إلى قوات الفرقة الثانية في الجيش العراقي، وإلى تشكيلات المقاومة الشعبية التي كانت تتبع الحزب الشيوعي العراقي، فضلاً عن الاتحادات المهنية ونقابات العمال والجمعيات الفلاحية التي كان الحزب الشيوعي العراقي يهيمن عليها أيضاً. وهذه الجهات الثلاث التي توجَّه إليها الاتهامات مؤسسات حكومية كما في الحالة الأولى، وحزبية في الحالتين الأخريين، ولم تقم أيّ منها على أساس قومي أو ديني؛ بعبارة أخرى، كانت تضم في صفوفها العرب والكورد والتركمان والكلدان والآثوريين والأرمن وغيرهم. وبالتالي فإن تصرفات أفرادها وسلوكياتهم يجب أن تُدرس لا على أساس انتماءاتهم القومية والدينية، بل على أساس التزاماتهم الوظيفية (في حماية أمن البلاد من أعداء الثورة كما في حالة قوات الجيش والشرطة!)، ومنطلقاتهم السياسية والأيديولوجية كما في حالة تشكيلات المقاومة الشعبية والتنظيمات المهنية.

ومن هذا المنطلق بالذات نرى أن المحاولات والاتهامات التي جرت على مدى العقود التي أعقبت تلك الأحداث المروعة، والتي تكاتفت جهات عديدة حكومية وأجنبية وقومية متطرفة في اختلاقها بهدف إلصاق تهمة القيام بتلك المجازر بالكورد، لا تصمد أمام التحليل العلمي والمنطقي للأحداث، رغم وجود عناصر كوردية منفلتة، وبصورة ملحوظة بل ومكثفة أحياناً، في صفوف تلك التشكيلات كلها.

ولم يجرِ حتى الآن تحقيق عادل ومحايد حول تلك الأحداث لتحديد أسبابها وكشف المذنبين الحقيقيين والجهات التي وقفت خلفهم ودفعت الأمور إلى تلك النهاية المحزنة. ويبدو أن قوى فاشية وقومية محلية، وأخرى خارجية، وقفت خلف التيارات المتطرفة ودفعتها إلى إغراق البلاد بالمشاكل والاضطرابات لتحقيق أهداف سياسية معروفة. وقد يكشف المستقبل عن الأدلة والوثائق التاريخية التي ستلقي الأضواء على الأحداث وتوضح الصورة للأجيال القادمة.

تسرّع الزعيم الركن عبد الكريم قاسم في اتهام اليسار بالوقوف وراء تلك الأحداث دون توفر أي دليل تاريخي يثبت ذلك، وقد تراجع فيما بعد عن اتهاماته السابقة. كما أن التقارير غير المحايدة لكل من مديري الشرطة والأمن في كركوك حينذاك، جاسم محمود السعودي ونوري الخياط، لا تحدد الجناة ولا المتسببين في تلك الأحداث.

ومن المعروف أن أصابع الاتهام وُجّهت إلى تركيا وحليفاتها في حلف السنتو (حلف بغداد) في دفع مجموعة من العناصر الشابة المتطرفة من التركمان، انضوت تحت مظلة منظمة فاشية باسم (منظمة طوران)، إلى تأزيم الموقف في المناطق التي تسكنها الأقلية التركمانية. وكان اختيار هذا الاسم (طوران)، الذي يشير إلى الحلم الطوراني في إقامة دولة تجمع كل الشعوب الناطقة بإحدى لغات المجموعة التركية، والتي يمتد موطنها حسب مزاعمها من بحر الأدرياتيك حتى سور الصين، إثارةً بحد ذاته لمشاعر السكان الكورد والأرمن والآثوريين وحتى العرب، إذ كانت تسمية طوران تذكّرهم بسياسات الاتحاديين (جمعية الاتحاد والترقي التركية) المكروهة بحق هذه الشعوب غير التركية وغيرها من شعوب الإمبراطورية العثمانية، وبخاصة في عهد سيطرة الثلاثي الدموي (طلعت باشا وجمال باشا وأنور باشا). كما كانت تشير إلى صبيانية القائمين على تلك المنظمة (الطورانية) ولاواقعيتهم، وهم الذين جلبوا المآسي لشعبهم بسبب تبنّي مفاهيم وشعارات وسلوكيات غريبة عن واقع هذه المدينة المتسامحة (كركوك)، التي كانت ولا تزال، رغم كل المآسي التي حلت بأبنائها، تفتخر بحالة التعايش السلمي بين الإثنيات واللغات والثقافات المختلفة.

لا يُفسَّر الموقف التركي المعادي للنظام الجديد في العراق بالعوامل التي كانت تجمع تركيا مع حليفاتها في حلف السنتو (حلف بغداد) فقط، مثل خروج العراق من الحلف، وتمتين العلاقات مع الاتحاد السوفيتي ودول أوروبا الشرقية، وتبنّي سياسات معادية للغرب، وترديد الشعارات الثورية، بل استند الموقف التركي، أكثر من أي شيء آخر، إلى سياسات النظام الجديد (حكومة عبد الكريم قاسم) تجاه الكورد في كوردستان العراق، رغم أن هذه السياسات بقيت حبراً على ورق وتراجعت عنها حكومة عبد الكريم قاسم فيما بعد. ومع ذلك فإن إقرار النظام الجديد بالحقيقة التاريخية القائمة في شراكة العرب والكورد في الوطن العراقي، كما جاء في المادة الثالثة من الدستور المؤقت للجمهورية العراقية الذي أُقرّ في 26 تموز 1958، والتعهد بضمان حقوقهم القومية الكوردية دستورياً في إطار العراق الواحد، كان سبباً كافياً لإثارة عداء تركيا، ومعها إيران أيضاً، ضد النظام الجديد (ثورة 14 تموز 1958م)، لأن هذا الموقف في حقل المسألة الكوردية كان يمكن أن يشكل برأيهما مثالاً (سيئاً) للكورد في الدولتين المذكورتين.

وقد أكدت جبهة الاتحاد الوطني في برنامجها المعدَّل، الذي أعلنته في تجمع جماهيري في بغداد في 25 تشرين الثاني/نوفمبر 1958، الأفكار نفسها الواردة في الدستور، عندما قالت: (إن الجبهة ترى أن وجود العراق يقوم على أساس تعاون جميع المواطنين وتكاتفهم واحترام حقوقهم وحماية حرياتهم، وهي تنظر إلى العرب والكورد كشركاء متساوين في الوطن الواحد، وتعترف بحقوقهم القومية الكوردية في إطار العراق الموحد، وستساعد الحكومة العراقية في مهمة تحقيق هذا الحق).

كما كتبت جريدة (الجمهورية) شبه الرسمية تقول: (إن الأكراد شاركوا بقسط متساوٍ مع العرب في النضال من أجل الحرية والاستقلال، ويمكنهم أن يكونوا واثقين من أن وضعهم سيتطابق مع وضع القسم العربي من سكان العراق دائماً).

ومنذ الأيام الأولى لقيام النظام الجديد في العراق (ثورة 14 تموز 1958م) بدأت التحرشات التركية، وأشارت الأخبار في حينها إلى أن تركيا بدأت بتجنيد المرتزقة للدفاع عن (مصالحها) في كركوك الكوردية، كما صرحت بذلك رسمياً، وهددت بانتهاج سياسة نشيطة للدفاع عن تلك المصالح. كما جرى تحريك بعض القوى المرتبطة بها لإثارة المشاكل والاضطرابات، فسرعان ما تحركت وأثارت بعض المشاكل بين السكان الكورد والتركمان في قصبة آلتون كوبري في كانون الثاني 1959. ولكن الإجراءات الحاسمة للسلطات الحكومية والجماهير الشعبية الملتفة حولها، في العام الأول من عمر النظام الجديد (ثورة 14 تموز 1958) قبل أن يتخلى عن صبغته الشعبية، أفشلت تلك المحاولة.

والغريب أن بريطانيا، التي تسببت إلى حد كبير في التراجيديا الكوردية، وقمعت خلال العقود الأربعة التي تلت الحرب العالمية الأولى كل الحركات التحررية الكوردية في كوردستان الجنوبية (كوردستان العراق)، تذكرت فجأة الالتزامات التي قطعتها هي والحكومة العراقية لعصبة الأمم عند إلحاق ولاية الموصل (كوردستان العراق) ذات الأغلبية الكوردية بالعراق العربي الجديد، وحاولت من خلال شركة نفط العراق إثارة المشاكل في وجه النظام الجديد في العراق.

ومن المعروف أن لجنة عصبة الأمم الخاصة بمشكلة ولاية الموصل (كوردستان العراق)، أي لجنة تقصي الحقائق، التي زارت الولاية ودرست أوضاعها الاقتصادية والسياسية والديموغرافية، اضطرت إلى أن تضمّن تقريرها إلى مجلس عصبة الأمم توصية بمراعاة رغبات السكان الكورد في كوردستان العراق، الذين شكلوا خمسة أثمان سكان ولاية الموصل، ومصالحهم عند تقرير مستقبل الولاية، كتمتع المناطق الكوردية بحقها في جهاز إداري مؤلف من الكورد أنفسهم، واعتبار اللغة الكوردية لغة للمحاكم والمدارس والإدارات في كوردستان (ولاية الموصل). ووردت تلك النصوص في قرار عصبة الأمم بشأن إلحاق ولاية الموصل (كوردستان العراق) بالعراق العربي الجديد. كما وردت نصوص مماثلة عندما تقرر قبول العراق العربي الجديد عضواً في عصبة الأمم، حول ضرورة (احترام رغبات السكان الكورد في إدارة مناطقهم (كوردستان العراق) واستخدام لغتهم (الكوردية) في الإدارة والتعليم والقضاء… إلخ).

لقد تذكرت بريطانيا الحقوق الكوردية في كوردستان العراق بعد القضاء على نفوذها السياسي والاقتصادي والعسكري في العراق إثر ثورة 14 تموز 1958، وبعد زوال عصبة الأمم نفسها، وبعد تجارب الكورد المريرة معها على مدى العقود الأربعة التي حكمت فيها العراق العربي الجديد. وبدأت تتحرك لاستخدام الورقة الكوردية ضد النظام الجديد (الجمهورية العراقية) لتحقيق مآرب لا تمتّ بصلة إلى مصالح الكورد وحقوقهم القومية في كوردستان العراق. ولقطع الطريق على بريطانيا أرسلت اللجنة المركزية للحزب الديمقراطي الكوردستاني، الذي كان يمثل آنذاك الحركة القومية الكوردية في العراق، رسالة إلى منظمة الأمم المتحدة تؤكد دعم الشعب الكوردي للنظام الجديد (ثورة 14 تموز 1958) واستعداده للدفاع عنه.

ويؤكد هذا الموقف، للمرة الألف، حقيقة أن القضية الكوردية لا يمكن خلقها ولا حتى تحريكها من الخارج إذا لم تكن الظروف الداخلية متوفرة، كما يحاول البعض تصوير الأمور. إذ لولا سياسات القمع والاضطهاد التي تمارسها الحكومات العراقية المتعاقبة بحق الشعب الكوردي في كوردستان العراق، ووجود أسباب حقيقية تدفع الكورد إلى الدفاع عن وجودهم القومي وكرامتهم الإنسانية المهدورة والوقوف في وجه الحكومات الظالمة، لما تحركوا مهما حاولت القوى الخارجية. وهذه إحدى بديهيات علم التاريخ والسياسة التي يجب على أصحاب الشأن أن يدركوها ويأخذوها بنظر الاعتبار عند تعاملهم مع الشعب الكوردي والكورد في كوردستان.

ويجب ألّا نهمل في هذا المجال كذلك دور إيران والجمهورية العربية المتحدة (مصر). والغريب أن الأخيرة (مصر) كانت تعادي إيران وتركيا وحليفاتهما في حلف بغداد، إلا أنها كانت تتآمر على النظام الجديد (الجمهوري) في العراق بحماس الحلف المذكور نفسه (حلف بغداد، السنتو لاحقاً). وقد برز دورها التآمري بوضوح أثناء مؤامرة العقيد الركن عبد الوهاب الشواف في الموصل في آذار 1959.

ومن الغريب حقاً أن تتطابق مواقف منظمة (طوران) التركية، التي يُفترض أنها كانت تطالب بالمشاركة السياسية للتركمان، مع مواقف الحكومة التركية إزاء الحقوق القومية الكوردية. فبدلاً من المطالبة بتغيير نص المادة الثالثة من الدستور العراقي بصورة تضمن مشاركة الأقلية التركمانية في الحياة السياسية في العراق، كان أنصارها (الطورانيون) يطالبون بإلغاء تلك المادة الدستورية وبضرورة امتناع الحكومة العراقية عن الاعتراف بالحقوق القومية الكوردية. وهذا منطق غريب لا يمكن للمرء أن يفهم أبعاده إلا من خلال معرفة القوى المحركة له والمختفية خلفه. وقد أشارت الصحافة العربية في حينها إلى (أن أحداث كركوك في 14 تموز 1959 تشكل مؤامرة نسجت خيوطها الإمبريالية الأمريكية بالتحالف مع عملائها الأتراك بهدف اقتطاع الموصل وكركوك (ولاية الموصل، كوردستان العراق الغنية بالنفط) وإلحاقها بتركيا). وكانت أحداث كركوك حلقة في سلسلة المؤامرات التي تمثلت بحركات رشيد لولان والعقيد الركن عبد الوهاب الشواف ومنظمة طوران، والتي كانت تهدف إلى إغراق النظام الجديد (الجمهوري) في المشاكل للقضاء عليه وإعادة العراق إلى كنف المعسكر الغربي (البريطاني).


أجزاء «دور شركات النفط في أحداث كركوك عام 1959» (3 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني (هذا الجزء)
  3. الجزء الثالث

→ الجزء الأول  |  الجزء الثالث ←