الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
طابع مختلف القوميات وأصولها في ولاية الموصل (كوردستان العراق) (الجزء الأول)
من محاضرات «الكورد في ولاية الموصل» – 2015
أ. الكورد
ما من شك في أن الجزء الأكبر من سكان الإقليم الكوردي المتنازع عليه (ولاية الموصل) هم من الكورد (خمسة أثمان تقريباً)؛ لذلك كان الكورد عددياً أهم عامل، فضلاً عن كونهم أولى بالرعاية لأنهم ليسوا عرباً ولا تركاً. أما قضية أصولهم العرقية وتاريخهم وعلاقاتهم الإثنية بالقوميات الأخرى التي تحيط بهم فهي بطبيعة الحال على أعظم جانب من الخطورة.
تقول المذكرة البريطانية إن الكورد إيرانيون تقريباً، وإنهم أقرب احتمالاً إلى ذلك من أن يكونوا أتراكاً، وليست دماؤهم هي الدماء التي تجري في العروق التركية، وإن ضآلة نسبتهم إلى الترك تعادل ضآلة نسبتهم إلى أهل الصين! وهم يتكلمون لغة كوردية مستقلة فيها تشابه مع اللغة الإيرانية، ولها وشائج وثيقة باللغة الفارسية، أو قد تكون لغتهم الكوردية لهجة قريبة من لهجات الفارسية. ويختلف الكورد عن الترك في كل عاداتهم وتقاليدهم، ولا سيما في منزلة المرأة، فهي عندهم تختلف كثيراً عما هي عليه عند غيرهم. وأشارت إحدى المذكرات البريطانية إلى الاختلاف في المظهر الجسدي بين الكورد والترك بقولها إنه كبير جداً، بحيث يسهل على المختص الأجنبي التمييز بين الاثنين من أول نظرة. وتضيف المذكرة أن كورد كوردستان في الإقليم المتنازع عليه في ولاية الموصل الكوردية أكثر ميلاً إلى أقربائهم من أبناء قومهم الكورد في كوردستان إيران منهم إلى أبناء جلدتهم الكورد في القسم التركي من كوردستان.
وتقول المذكرة التركية إن الكورد لا يمتّون إلى العنصر الإيراني بأي صلة، وإنما هم من أصل توراني، وهذا خلاف الحقائق التاريخية، لأن الشعب الكوردي والأمة الكوردية مستقلان عنهم تماماً. وتستند المذكرة إلى «دائرة المعارف البريطانية» التي تذكر أن «الكودو» الذين سكنوا جبال آشور منذ قرون سحيقة هم شعب توراني تركي، وتذكر أيضاً أنه لا توجد فروق عرقية أو دينية أو ثقافية بين الترك والكورد، وأن الشعبين كليهما يؤلفان وحدة لا تتجزأ وإن اختلفت لغتاهما. فأجابت المذكرة البريطانية مبدئياً بأن «دائرة المعارف البريطانية» ليست معصومة من الزلل، وأنها تمثل رأياً فردياً لمرجع واحد لا غير في ذلك الوقت، ولم تستند إلى الحقائق التي ظهرت بعد ذلك، وأن للمراجع الأخرى آراء تختلف عن رأيها. وورد في أحد ردود الحكومة البريطانية اقتباس من مادة «كوردستان» في «دائرة المعارف البريطانية» نصه:
«بعد سقوط نينوى اندمج الكودو بالميديين الكورد - علماً أن الميديين هم أصل أجداد الكورد - وتحول بعضهم تدريجياً إلى إيرانيين - وهذا غير صحيح - مثل سائر الشعوب التي سكنت هضبة آسيا الصغرى الشاهقة وأرمينيا وبلاد فارس، بفعل هجرة القبائل بأعداد ضخمة في تلك الحقبة من التاريخ، تلك القبائل التي لا تنتسب إلى المجموعة العرقية الآرية بصرف النظر عن الأصقاع التي خرجت منها».
ولهذا فإن ما جاء في هذه الفقرة من «دائرة المعارف البريطانية» يدحض الحجج التركية بدلاً من أن يدعمها. كما أن قولها باشتقاق لفظة «كورد» من «كاردو» لا يثبت شيئاً، لأن هذه الكلمة تعني باللغة الآشورية «ساكن الجبال». ويبدو أن الكورد الإيرانيين ورثوا الاسم الذي أطلقه الآشوريون على سكان الجبال قبل أن يظهر الكورد في التاريخ. وهذا غير صحيح، لأنه ثبت أن الكورد أقدم الأقوام التي سكنت تلك الجبال.
يقول المندوب البريطاني: «نحن لا نستطيع أن نثبت رأياً دقيقاً جازماً في أصل الكورد، وهذه المشكلة لا تبدو لنا بالمشكلة السهلة أو الواضحة». غير أنه ثبت لاحقاً، بجهود العلماء والمؤرخين، أن للكورد أصلهم التاريخي، وأنهم يعودون إلى الميديين الكورد القدماء.
ومما لا مراء فيه أن الأقوام الأصلية التي سكنت منذ فجر التاريخ تلك الجبال المشرفة على بلاد آشور وبابل والهضبة الإيرانية كانت من أسلاف الكورد؛ وبعبارة أخرى فإن الأصل العرقي، أو المركّب العرقي، كان يحتوي على هذا العنصر الكوردي أيضاً. والرُّقُم المسمارية الآشورية والبابلية نفسها تشير إلى الكورد الجبليين الذين قد يكونون سكان الجبال الأوائل، إذ إن «كوتو» و«كوتي» تعنيان بصورة عامة سكان المناطق الكوردية (كوردستان) المعروفة اليوم بخانقين وكفري وكركوك وما يحيط بها من بلاد. وقد شن الملوك الآشوريون حروباً طويلة على هذه القبائل الجبلية الكوردية كما علمنا، وامتدت غاراتها حتى بلغت بابل قبل حمورابي (1).
إن كلاً من «دائرة المعارف البريطانية» والدليل الذي نشره القسم التاريخي في وزارة الخارجية البريطانية (1920، رقم 62: أرمينيا وكوردستان، ص 4) يذكر أن هذا الشعب، «الكودو»، من أصل توراني، لكنه تحول في زمن متأخر إلى شعب إيراني، وهذا افتراء كبير لا أصل له بتاتاً. ونحن لا نملك أدلة قاطعة على الأصل التوراني لهذا الشعب، وليس بوسعنا في الواقع تكوين أية فكرة ثابتة عن أصل أولئك الذين هاجروا هم أيضاً وتركوا أماكنهم الأصلية ووصلوا إلى هنا. ولتزويد أعضاء اللجنة الموفدين إلى كوردستان بالمعلومات، تولى القسم المختص في وزارة الخارجية البريطانية إجراء المزيد من الدراسات والمناظرات حول الموضوع. فقد أوضح السير هنري هاوورث (المجلة الجغرافية، شباط 1924، ص 93)، في مناظرة علمية أقامتها الجمعية الجغرافية الملكية في لندن، رأيه الخاص في السكان الجبليين الأكراد الذين يشغلون البلاد الممتدة من نواحي تفليس حتى الأصقاع الجبلية في الجزء الجنوبي الذي يُعرف الآن بكوردستان، فقال إنهم كانوا عنصراً واحداً منذ بدء العصور التاريخية. وربما كانت اللغة الكوردية غير لغة كتابات «وان» التي فك طلاسمها الأستاذ سايس، وربما استبدل الجنوب بلغته بعد ذلك لغة آرية تحت تأثير السيطرة الأجنبية. وقد طغت القبائل الأرمنية على وسط المنطقة، ولم يحافظ على لسانه غير القسم الشمالي، ويقدّرون أن لسانه هو اللغة الجورجية الحالية. فالرأي الغالب والأحق بالقبول يبدو مرجحاً لنظرية استقلال المجموعة الجورجية استقلالاً تاماً. وبعد هذا فليس صحيحاً أن نتكلم عن أصول تورانية للأكراد، لأنها بعيدة جداً عنهم، ومن المتعذر على أية حال التوصل إلى برهان يقطع بوحدة أقوام الجبال الذين ينتشرون على رقعة من الأرض (كوردستان) بين تفليس وبحيرة وان من جهة، ومنطقة خانقين من جهة أخرى.
ويميل السير سايكس (2)، على ما يبدو، إلى اعتبار الكورد الذين يعيشون في البلاد الواقعة بين بحيرتي وان وأورمية ودجلة وسهول العراق منحدرين من السلف نفسه، أعني «الكاردوخي» أجداد الكورد القدماء. فهؤلاء الكاردوخي الكورد، الذين ذكرهم كزينفون (3)، وهم «الكوردوي» عند سترابو وغيره من الكتاب الأقدمين، سكنوا الجبال الواقعة شمال الموصل في كوردستان، وهم الذين هاجموا «مشاة كزينفون العشرة آلاف» في مضيق زاخو.
وبإمكاننا أن نفترض أن هذا الاسم، «الكاردوخي» الكورد، إنما يُقصد به الشعب الذي عرفه الآشوريون باسمَي «كوتو» و«كوتي»، وإن تعذر علينا إثبات ذلك (4).
وقبل زمن قريب ظهرت أسانيد وحجج أثارت شكاً كبيراً في أن الكورد هم أنفسهم أولئك «الكاردوخي الكورد» (نولدكه في: أصول حروف الكتابة لـ هـ. كيبرت)، وفي «دائرة معارف العلوم الآثارية». وقد يميل الظن إلى أن اسم «الكاردوخي» أُطلق على ذلك الشعب الكوردي الذي عرفه الآشوريون باسم «كوتو». وربما كان «الكاردوخي الكورد» هم أنفسهم أولئك الذين كان الأرمن يطلقون اسمهم على سكان البلاد المسماة «كوردوك»، وهي «قردو» أسلاف الكورد (5) عند الآشوريين.
وبالعودة إلى موضوع اللغة الأصلية للسكان البدائيين نجد أن قسم التاريخ في وزارة الخارجية البريطانية قد استعان بموسوعة فقه اللغة الإيرانية (غايغر وكون: موجز أصول فقه اللغة الإيرانية، 1895 - 1904)، حيث ظهر شك في تفشي لغة من اللغات الإيرانية بين «الكوردوييني الكورد». ويعتقد أ. سوسين، مؤلف هذا القسم، أنه ربما هاجر نصف القبائل الإيرانية نحو الغرب في أثناء تسلط الميديين الكورد والفرس، ولعل هذه القبائل التي كانت خاضعة للحكم الأجنبي (الميدي الكوردي والفارسي) صبغت السكان الأصليين بصبغتها الإيرانية.
أما فون لوشان، صاحب الحجة المكتوبة في أنثروبولوجيا آسيا الصغرى (شعوب وكتابات ولغات، 1922)، فقد قام بدراسة للكورد، ولا سيما كورد الغرب، واستنتج أنهم آريون انحدر أسلافهم من شمال أوروبا، وهي البلاد التي انعقد الإجماع على أنها منبت العنصر الأشقر ذي العيون الزرق والرأس الطويل. ويدعم تأكيده هذا بالتحقيقات والقياسات الأنثروبولوجية التي قام بها هو نفسه. وكانت تلك الدراسة تميل إلى إثبات وجود نسبة من الشقرة وزرقة العيون في أقصى المناطق الكوردية، مثل قره قوش ونمرود، تزيد كثيراً على نسبتها في مناطق أخرى أصبح سكانها سُمر البشرة قصار الرؤوس نتيجة امتزاجهم بالترك والفرس والأرمن.
وغرضنا الوحيد من إيراد هذه المراجع، مع أن اللجنة المكلفة بالبحث في أصول القوميات في ولاية الموصل الكوردية قد ساورتها الشكوك، هو بيان أن بعض المؤرخين الأرمن، حسبما أورده شانتر (في: الكورد - جمعية ليون الأنثروبولوجية 1897)، يعدّون الكورد أحفاد الميديين الكورد، وهذه هي الحقيقة التي أثبتها علماء التاريخ، في حين يؤكد بعضهم الآخر أنهم فرع من الأمة الأرمنية، إذ إنهم ظلوا متمسكين بأسماء أرمنية عديدة. وأخيراً هناك رأي واسع الانتشار، وهو أن الكورد «كلدان» انحدروا قبل عصور سحيقة من هضاب إيران نحو دجلة. ويعتقد المسعودي أنهم فرع عربي تغير لسانه. ومهما يكن الرأي الذي يكوّنه الآخرون عن الكورد، فإن للقرار السياسي دوره، والكورد لم يكونوا أصحاب قرار سياسي مستقل.
ومهما يكن من أمر، فالشعب الكوردي في تكوينه الإثنولوجي شعب أصيل، له تاريخ قديم سحيق منذ فجر التاريخ أسوة بباقي الشعوب.
ظهر «الكوتو» الكورد في فجر تاريخنا الأوراسي، لكن آثارهم ضاعت في ثنايا التاريخ قبل أن يُعرف شيء عن «الكاردوخي» الكورد، بسبب عدم توثيق ذلك، وبسبب حقد الشعوب التي احتلت المنطقة الكوردية (كوردستان) وكرهها لهم. ولم يختفِ هذا الشعب الكوردي بدوره، وربما كان ظهور الكورد بعد زمن متأخر جداً متزامناً مع سقوط مملكة طرابزون الذي جعلهم تحت الحكم التركي.
ومن الواضح جداً من وجهة النظر الأنثروبولوجية أن الوجود القوي للأكراد الجبليين، الذين نعرف أصولهم العرقية منذ فجر التاريخ، كان خاضعاً لكثير من المؤثرات ولقدر عظيم من التزاوج قبل أن تتكون القومية الكوردية. وتبدو هذه المؤثرات والإضافات كثيرة التنوع إذا ما أدخلنا في الحساب مختلف مناطق سكن الكورد الحالية الواسعة والمتباعدة كثيراً بعضها عن بعض.
ومن الممكن، بل من المحتمل، أن يكون نبلاؤهم أو الطبقة العليا منهم قد طرأ عليها تغيير يزيد كثيراً على ما طرأ على سواد السكان. فثمة من المؤلفين من يميز فيهم طبقتين أو درجتين اجتماعيتين: المحاربين والرعاة «عشيرت»، و«كوران» أي المزارعين (ميير: 1905، ص 856). وليس بوسعنا التأكيد أن أول الاسمين معروف في البلاد التي يجري فيها تحقيقنا، وربما كان المصطلح الثاني مقصوراً على عشيرة معينة.
ويضع العلامة البريطاني السير سايكس أيضاً حداً فاصلاً بين الرعاة والمحاربين، كالبابان الذين يتميزون بمظهر جسدي مختلف في سائر كوردستان الجنوبية. ونحن لا نعتقد أن هذا الفرق كبير الظهور؛ فمنذ أن أخذت العشائر تستقر تدريجياً، وراحت الحكومتان التركية والعراقية تستحثان عملية تفكيك نظامها القبلي، أخذ التمييز بين الطبقتين، ولا سيما في السهول، يزداد صعوبة على الأرجح. ولنذكر أيضاً أن مدة مكوثنا مع هذه العشائر كانت قصيرة إلى حد لم يمكّنّا من الغوص في أعماق المشكلة.
وقد يوجد بين ظهراني العشائر الكوردية عناصر لا يصعب على المرء أن يتبيّن أصولها الأجنبية، ولا أن يتلمس لها تقاليد ذات أصول أجنبية. ومن المحتمل جداً أنه حصل تزاوج وامتزاج دماء مع الإيرانيين في الشرق، ومع العرب في الجنوب، كما كانت الحال في الشمال مع الأرمن بدرجة رئيسة، ومع الترك في الغرب بالدرجة نفسها. ويورد السير سايكس أمثلة لأمراء كورد كان أسلافهم عرباً، ولم نلتقِ شخصياً إلا بواحد منهم، وهو زعيم كوردي من الدزئي أمه عربية من قبيلة طيء. وهناك بعض العشائر تعقد زيجات مع قبائل عربية مجاورة؛ فالدزئي مثلاً يتزاوجون مع الجبور وطيء، وكذلك الحال عند قبائل كوردية بابانية، بينما تأبى ذلك قبائل كوردية أخرى مع أنها تضرب خيامها إلى جوار طيء، كعشيرة شيخان الكوردية (وهي غير شيخان اليزيدية). وثمة قبائل السهول التي تسكن في الإقليم المتنازع عليه، كالهموند العشيرة الكوردية، فهي تميل أحياناً إلى أزياء نصف عربية، في حين يزداد الطابع الكوردي في الزي وضوحاً في الجبال، ويغلب الزي الكوردي في نواحٍ معينة من الجزء الشمالي، في حين يبدو بعض الشبه بالزي الإيراني في الأنحاء الجنوبية الشرقية. وديوانخانة (مضيف) الزعماء الكورد على الطراز العربي في السهل، وعلى طراز البناء الإيراني في الجبال الشرقية.
على أن كل هذه المظاهر يمكن تفسيرها بالاحتكاك المستمر فيما بين هذه القوميات المختلفة. ويبدو أنه وُجد في الأزمان الغابرة، مثلما يوجد في أيامنا هذه، تحرك سكاني متواصل من الشرق إلى الغرب، أي من الجبال إلى السهول. وهذا يؤدي إلى التزاوج مع عناصر قومية أخرى عربية وإيرانية وتركية، وهو بالتأكيد لا يلحق أي ضرر بالعنصر الكوردي. إن بعض العشائر الكوردية، مثل الكوردي والزراري، قد انحدرت قبل قرنين إلى أربعة قرون من الهضبة العليا على الحدود الإيرانية إلى مشارف سهل أربيل، ولم يحتل الدزئي السهل غرب أربيل إلا في القرن الماضي، حين كان عرب طيء وغيرها من القبائل يتجولون في تلك المرابع لرعي قطعانهم، وقد تحولوا نوعاً ما إلى الفلاحة. فقبل ما يقارب نصف قرن من الزمن لا أكثر عبروا قره جوخ داغ لزراعة السهل الممتد على طول نهر دجلة. ويضيف مؤلف فصل «تركيا الآسيوية» من كتيب وزارة الخارجية (المجلد 57، ص 104)، في أثناء كلامه عن كورد هذه المنطقة، قوله: «إلا أن حظ الكورد في المستقبل أقل في أرمينيا (في ظل أي نظام يسود فيها) من حظهم في أرض الرافدين الشمالية التي هي الآن على عتبة تطور اقتصادي. إن أرض السهول بين حلب والموصل ما دامت بوراً فهي مجال للعرب، ولكن حين ينصرف الكورد والبدو إلى زراعة الأرض تجد الكوردي أفضل الاثنين. لذلك فإذا تحقق التطور الاقتصادي في البلاد بالتدريج، ولم يطغَ على السكان المحليين فائض من القوى البشرية الخارجية، فإن الظواهر تشير إلى أن ميسوبوتاميا الشمالية (بلاد ما بين النهرين)، أي كوردستان العراق الشمالي، ستغدو أرضاً كوردية». وقد أثبت كتاب آخرون هذه الملاحظة طبق الأصل، وفي رأينا أن قدراً كبيراً من الحقيقة يكمن في هذا القول.
وبالعودة إلى الحجج المعروضة، فليس هناك من يجادل في أن اللغة الكوردية قريبة من الإيرانية، وهذا غير صحيح. وكانت الفارسية، من بين كل اللهجات الإيرانية، أقربها صلة بها. ولكننا نركب متن الشطط إذا قلنا إنها لهجة إقليمية أو لهجة مشتقة من الفارسية؛ فموسوعة فقه اللغة الإيرانية التي نوّهنا بها سابقاً تقول إن اللغة الكوردية ليست «لهجة شقيقة» للفارسية الحديثة ولا للفارسية الوسيطة، وإنما تختلف عنهما اختلافاً عظيماً، فهي لغة كوردية مستقلة عنها، بل إنها غير مستمدة من الفارسية القديمة مباشرة، ففيها كلمات عديدة لا وجود لها في أية لغة أو لهجة إيرانية أخرى، والكثير من الكلمات الإيرانية التي تحتويها إنما دخلتها في زمن متأخر. أما العدد الكبير من الكلمات التي استعارتها من اللغة العربية وتمثّلتها جزئياً، فمن الطريف أن نلاحظ قول الموسوعة المذكورة عنه: إن معظم هذه الكلمات قد مر أولاً عبر اللغتين الفارسية أو التركية قبل أن يدخل جسم اللغة الكوردية (غايغر: ص 251).
وقد قدم لنا المترجم والخبير اللغوي الذي رافق اللجنة الأممية المعلومات التالية حول الخصائص المميزة للغة الكورد: «من الناحية النوعية تدنو اللغة الكوردية من اللغة الفارسية بما يكفي لجمع هاتين اللغتين تحت اسم واحد هو: الإيرانية المركزية. وقد تطور هذان الشكلان من اللغة الإيرانية في سبل مختلفة منذ أن أفلحت القبائل الإيرانية في فرض نفسها في آسيا الغربية؛ فهناك مثلاً متغيرات صوتية معينة ظهرت في اللغة الفارسية ولم تظهر في اللغة الكوردية، وقد حصل العكس أيضاً. إلا أن هذا لا يقدم برهاناً على استقلال اللغة الكوردية عن اللغة الفارسية، إذ يمكن في هذه الحالة اعتبار اللغة الكوردية لهجة فارسية شديدة التحريف. وهناك مثال لافت للنظر بشدة مستمد من الصرف، فالكوردية لا تعبّر عن ماضي الأفعال المتعدية باستخدام صيغة مبنية للمجهول، في حين طورت اللغة الفارسية شكلاً للماضي من كل الأفعال. وهذه الميزة الأخيرة تلاحَظ خصوصاً في اللهجات الكوردية السائدة في شمال غرب البلاد (كوردستان إيران). أما اللهجات التي تشيع في المناطق الأقرب إلى البلاد الفارسية (كوردستان إيران)، كلهجة أهل السليمانية، فتظهر فيها صيغ لأفعال متعدية تبدو على كل حال اختراعاً كوردياً أكثر منها استعارة من الفارسية».
إن اللغة الكوردية، كما أوضحنا، تضم سلسلة طويلة من اللهجات الكوردية. وتميز طائفة من اللغويين مجموعة شمالية أو شمالية غربية (كرمانجي) من مجموعة جنوبية، وتعود طائفة أخرى فتقسم المجموعة الجنوبية إلى مجموعة شرقية (السليمانية وسنه) ومجموعة جنوبية (كرمانشاه والبختيارية). والمجموعة الشمالية هي أبعد المجموعات موقعاً عن هضبة إيران، وتمتلك أنقى طابع لغوي. وفي ولاية الموصل، كوردستان الجنوبية في العراق ذات الأغلبية الكوردية، تساير الحدود الجنوبية للمجموعة الشمالية مجرى الزاب الكبير بشكل واضح جداً؛ ولذا ترتبط لهجات أهل زاخو والعمادية ودهوك ارتباطاً وثيقاً باللهجات السائدة في تركيا. وحتى إلى الجنوب من الزاب الكبير يكون تأثير المجموعة الشمالية أكثر وضوحاً، في رواندوز مثلاً. زد على هذا أن العشائر الرحالة، كالهركية التي تعبر هذا النهر شتاءً، تنقل معها لهجتها الخاصة إلى الجنوب، وهي لهجة أكثر ميلاً إلى المجموعة الشمالية. وتلتقي هذه المجموعة جنوب الزاب الكبير بالمجموعة الجنوبية الشرقية التي أخذت منذ زمن قريب جداً تظهر ميلاً إلى اتخاذ السليمانية مركزاً ثقافياً لها. ولا يمنع ذلك الكورد في أي منطقة ذات أهمية من اعتبار لهجتهم الكوردية أنقى اللهجات وأصفاها، وهذا ما لوحظ في مناسبات عدة، وقد سمعنا الملاحظة نفسها من أشخاص قدموا من كويسنجق والسليمانية. وللقبائل على اختلافها ميزاتها اللغوية الخاصة، مثل خوشناو والدزئي، ويمكن القول إن كل هذه اللهجات المنتشرة جنوب الزاب الكبير متشابهة إلى حد ما، وإن كانت لهجة السليمانية مثلاً تتميز بإغفال بعض الأحرف الصامتة في حالات كلامية معينة. ومن الممتع أن نلاحظ أن اللغة المكتوبة التي نشأت حالياً في السليمانية تستند إلى لهجة لا تكشف عن هذه الخصائص، كلهجة كويسنجق. وقد فهمت اللجنة الأممية مجمل الحوارات وما كُتب عن أصول القوميات في ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية.
أما اتجاهات الكورد وعاداتهم وتقاليدهم حين تقارن بتلك التي تسود عند الترك والعرب، فالأمر يحتاج إلى دراسة للعوامل الإثنوغرافية أكثر إسهاباً وشمولاً قبل أن يمكننا الحكم على صحة ما عرضته المذكرات البريطانية والتركية.
ومن الطبيعي جداً أن نجد قبائل الجبال الشرقية الكوردية أكثر ارتباطاً بإخوانها من القبائل الكوردية الأخرى في كوردستان إيران منها بكورد طوروس الأرمنية والأناضول. وقد أتيح لنا التثبت من هذا، فكثير من العشائر الكوردية الرحالة تجتاز الحدود إلى مراعيها الصيفية، وهناك عدة طرق تجارية تقطع الحدود وتعبر وديان السليمانية المنفتحة على كوردستان إيران. أما العطف والميل فهما مسألتان أكثر تعلقاً بالعاطفة وأشق على الإدراك بقدر ما هما متغيرتان؛ فالعشائر الكوردية في الجزء الشمالي من المنطقة المتنازع عليها (كوردستان) لا صلات لها في الواقع بكوردستان إيران، وعلاقتها وثيقة بالمناطق المجاورة على الجانب الشمالي. وفي تلك المنطقة الكوردية أيضاً اعتاد الرحل عبور خط الحدود الفاصل (خط بروكسل)، والعشائر الكوردية الساكنة على جانبي هذا الخط تتصل مصاهرة ونسباً إلى حد ما.
هذا جل ما يمكن استخلاصه من الوثائق: أن الشعب الكوردي أصيل، وله تاريخ قديم منذ فجر التاريخ، وله لغته الخاصة وعاداته وتقاليده.
وعندما زرنا مناطق الحدود دهشنا حين وجدنا كم كانت معرفة السكان قليلة بالثورة الكوردية التي بلغت أقصى حدتها في المناطق الواقعة على الجانب الآخر من خط الحدود المؤقت (6)، ويحتمل أن يعود هذا إلى الإجراءات الاستثنائية التي اتُّخذت لإغلاق الحدود. وتشدد المذكرة البريطانية على الفروق بين عادات الترك والكورد، وتوضح القدر الكبير من الحرية التي تنعم بها المرأة الكوردية قياساً إلى المرأة التركية.
وما من شك في أن هذه الفروق موجودة وملموسة، إلا أن ادعاءً كهذا لا يستند إلى أية تفاصيل أو إيضاحات قد يؤدي إلى توليد انطباع زائف. وعلينا ألا نتغاضى عن حقيقة تغير وضع المرأة في البلاد الإسلامية في فترات مختلفة (أمير علي: تاريخ العالم الإسلامي، 1921، ص 199 - 445).
كانت هناك وما زالت فروق بين القرى والمدن في هذه المسألة، وكذلك بين الرحل والمستوطنين، ولا حاجة بنا هنا إلى توسيع دائرة بحثنا بالتعرض إلى أسبابها، وما علينا إلا أن نقارن مكانة المرأة في مدن العراق العربي الجديد بمكانتها عند الرحل والبدو في السهول المجاورة. ومن بين الشعوب المسلمة الثلاثة الكبيرة المجاورة التي تحيط بالكورد (الترك والعرب والإيرانيين) نجد الإيرانيين أقرب إلى الكورد من غيرهم، والمرأة عند الإيرانيين لا يمكن أن تعد حرة على أية حال.
وهناك ظروف أخرى كان في وسعنا التحقق منها شخصياً تُضعف قوة هذه الحجة، أعني أننا نجد طبقة الوجهاء الترك في المدن، كأربيل وكركوك وغيرها، يتزوجون نساء كورديات، ونجدهم أحياناً يتزوجون نساء من القبائل المترحلة، وإن لم يكن من السهل على هؤلاء النسوة أن يتكيّفن مع حياة المدن بقدر ما يسهل ذلك على الأوليات منهن. وتكاد كل الأسر التركية البارزة في المدن تصاهر زعماء الكورد المحليين.
محصل القول أن أصل الكورد أصبح واضحاً لا يقبل الشك، مهما كانت نسبة الدم الإيراني فيهم قليلة. فقد كانت ثمة تأثيرات متعددة متأخرة، وكان ثمة تزاوج بينهم وبين العرب والترك وقوميات أخرى، لكن العنصر الكوردي الأصيل ظل غالباً محافظاً على سلطانه وقوته، وما زالت دائرته تتسع.
إذاً فالكورد ليسوا عرباً ولا تركاً ولا إيرانيين، وإن كانوا أقرب بكثير إلى الإيرانيين، فهم يختلفون عنهم ويتميزون بوضوح، كما أنهم أبعد عن العرب منهم عن الترك.
الكورد قوم محاربون أشداء، لا يخفضون جناح الذل لأحد، متفرقو الكلمة لا وحدة تجمعهم. ومع ذلك استطاعوا أن يتعايشوا بوئام وحسن جوار مع الأقوام الأخرى التي تقطن بلادهم (كوردستان). ومن الحقائق المؤكدة أيضاً أن الكورد، من بين جميع الأقوام المسلمة، يعيشون مع المسيحيين على أحسن ما يمكن من الود والصفاء.
أجزاء «طابع مختلف القوميات وأصولها في ولاية الموصل (كوردستان العراق)» (3 أجزاء):
- الجزء الأول (هذا الجزء)
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث