الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

طابع مختلف القوميات وأصولها في ولاية الموصل (كوردستان العراق) (الجزء الثاني)

من محاضرات «الكورد في ولاية الموصل» – 2015

ب. الترك

لم يكن الوجود العددي للترك في ولاية الموصل الكوردية المتنازع عليها المسألة الوحيدة التي اختلفت عندها وجهتا نظر الحكومتين البريطانية والتركية، فقد اختلفتا كذلك على التعريف القومي لهذا القسم من سكان ولاية الموصل الكوردية؛ فالحكومة التركية تسميهم «تركاً»، والحكومة البريطانية تسميهم «تركماناً» وتقول إنهم قومية تختلف اختلافاً تاماً عن القومية التركية الموجودة في تركيا.

تقول الحكومة البريطانية إن هؤلاء الترك (التركمان) ليسوا عثمانيين، بل عُرفوا بالتركمان، واللغة التركمانية التي يتكلمونها أقرب إلى اللهجة الأذربيجانية منها إلى لهجة إسطنبول والأناضول التركية. وهم أحفاد التركمان الذين قدموا من إيران قبل قيام الإمبراطورية العثمانية بزمن بعيد، وربما كانوا من أولئك المرتزقة الذين استخدمهم الخلفاء العباسيون. وتوزيعهم يعزز النظرية القائلة بأنهم انحدروا من أصلاب حاميات عسكرية مرتزقة قديمة؛ فتلعفر بلدة تركمانية تقف حارسة على عتبة الصحراء، في حين يعيش كل التركمان الآخرين في البلدات التي تحاذي ما اشتهر باسم «الطريق السلطاني».

وتعرض الحكومة البريطانية أيضاً أن لهجة التركمان في ولاية الموصل الكوردية ليست مثل لهجة أنقرة، فتجيب الحكومة التركية رداً على هذا بأنه لا مبرر قط لرسم حد فاصل بين ترك (تركمان) ولاية الموصل وترك الأناضول، ولا مبرر لتسمية الأوائل بالتركمان: «تقول الحكومة البريطانية إن اللغة التركية الشائعة في ولاية الموصل ليست كتلك الشائعة في إسطنبول، ولكن لهجة ترك (تركمان) ولاية الموصل هي التي يتكلمها ترك الأناضول، ولا تختلف عنها أكثر مما تختلف لهجة الريف في لانغدوك عن لهجة المدينة في فرنسا (7)».

وبطبيعة الحال هناك لهجات في مختلف أنحاء كل بلد يتباين بعضها عن بعض إلى حد ما، وترك الأناضول هم أيضاً تركمان، والكلمتان اسمان لمسمى واحد هو «الترك».

إن اسم «ترك» يطلق على كل الأقوام التي تتكلم اللغات التركية أو لهجاتها في آسيا وأوروبا. وهو اسم قديم جداً ورد قبل القرن السادس في التواريخ الصينية بصيغة «توكيوي»، ووُجد في أقدم الكتابات التركية، وهي كتابات أورخون التي يعود تاريخها إلى القرن الثامن الميلادي. ولكن في الوقت الذي أطلقت فيه كلمة «تركي» دائماً على كل الفروع اللغوية لهذه الأسرة، فإن استخدامها نعتاً لسكان بعينهم أخذ يتضاءل بالتدريج، وكان ثمة اتجاه لإطلاق الاسم على الطبقات الدنيا من الأمة التي آثرت طبقاتها العليا أن تطلق على نفسها أسماء أخرى.

ومنذ القرن الحادي عشر يُعرف سائر الأتراك الذين عبروا نهر جيحون (8) واعتنقوا الإسلام بالتركمان أو التوركمان. وبما أن جميعهم كانوا من قبيلة أوغوز أو الغز، فمن المعقول القول إن اسم التركمان غير واضح، إلا أنه اسم تعريف لا شائبة فيه يشمل كل الترك الذين استقروا في إيران وأذربيجان والعراق وآسيا الصغرى وسورية ومصر، وبه عُرف أسلاف الترك العثمانلي، كما عُرف به سائر الأقوام التركية في آسيا الصغرى التي كانت جزءاً من إمبراطورية آل سلجوق في قونية، وقد عُرفوا كلهم في القرن الثالث عشر بهذا الاسم. ثم تشعب هؤلاء التركمان بالتدريج إلى مجموعات اتخذت أسماء قومية أخرى مشتقة من وضعها السياسي أو الجغرافي؛ فمن سكان أذربيجان من أمسك منذ أمد طويل عن تسمية نفسه بالتركمان، وهو يعرف الآن بالأذربيجاني أو الأذري، ومن سكن آسيا الصغرى ما زال يعرف بالتركمان. واحتفظت المجموعات التي لم تتخذ لها أسماء أخرى باسم التركمان، ولا سيما الذين سكنوا البلاد الواقعة شرق بحر قزوين. وعلى هذا الأساس لم يتخذ تركمان العراق أيضاً أي اسم آخر، وظلوا متمسكين به حتى خضعوا للحكم العثماني. ومن الجائز، والحالة هذه، أن يطلق عليهم هذا الاسم وإن كانوا لغةً وعرقاً بعيدين بعض الشيء عن تركمان آسيا الوسطى. ولم يكن بمقدورنا أن نتأكد هل يعدّون أنفسهم تركاً أم تركماناً.

في عهود الإمبراطورية العثمانية كان اسم «ترك» صنواً لكلمة «بربري» ودليلاً على الافتقار إلى المدنية، وبقي كذلك إلى العام 1900 حين شُرّف وكُرّم بتأثير من حركة الاتحاد والترقي التركية. ومنذ إلغاء السلطنة العثمانية أصبح اسم «تركيا» اسم البلاد الرسمي. وبما أن لفظة «ترك» نسخت لفظة «عثمانلي»، فلا يمكن والحالة هذه إطلاقها على السكان العراقيين الترك. ومع هذا، وبما أن علاقاتهم التاريخية واللغوية، بل الأدبية، وثيقة بأهالي آسيا الصغرى، وبما أنهم يعيشون حياة مستقرة بلا استثناء، فلا مناص لنا من الاستنتاج أن ترك (تركمان) العراق يجب ألا يطلق عليهم اسم التركمان تمييزاً لهم عن ترك تركيا الأصلية.

وبما أن جميع التركمان (بمفهوم القرون الوسطى للكلمة) انحدروا من قبيلة واحدة (أوغوز - غز)، فلا شك أنهم كانوا أصلاً يتكلمون لغة واحدة. ومن هذه اللغة المفردة، التي يمكن تسميتها بالتركية الغربية، انبثقت اللهجات التركية التي ينطق بها أتراك أوروبا وآسيا الصغرى والقفقاس وأذربيجان والعراق، فضلاً عن لغة القوم الذين سُمّوا بالتركمان شرق بحر قزوين. إلا أن هذه اللهجات اختلفت فيما بينها بدرجات متفاوتة، وتعود هذه المتغيرات على الأغلب إلى الاحتكاك بسكان البلاد الأصليين القدماء وإلى تقلبات السلطة السياسية. ولم تصل هذه الفروق اللغوية على كل حال إلى الدرجة التي تحول دون تفاهم المجموعات المختلفة بعضها مع بعض.

ومنذ القرن الثالث عشر تميزت مجموعتان من اللهجات التركية الغربية وبرزتا، وربما أمكن تسميتهما بالعثمانية والآذرية (التركية الأذربيجانية)، وأصبح تشعبهما واضحاً منذ فترة الفتوحات المغولية. أما البلاد الشبيهة بأذربيجان، والطرق التي ظلت تحت الحكم المغولي عدة قرون، فقد حافظت بحكم هذا الواقع على رابطة مع ترك آسيا الوسطى أوثق من رابطتها مع ترك الأناضول، وتُركت لنفسها معرَّضة للمؤثرات الخارجية. وبعد السيطرة المغولية تعرضت اللهجات الآذرية لتأثيرات فارسية، وزادت شقة الخلاف بينها وبين لهجة العثمانلي. وكان السبب أن القسم الشرقي من الترك الغربيين لم يقع في القرون الرابع عشر والخامس عشر والسادس عشر تحت تأثير مراكز السلطة السياسية في الأناضول، ولم يخضع لنفوذ إسطنبول، بل خضع لأسر حاكمة محلية صغيرة أعقبتها دولة القره قوينلو، ثم دولة الصفويين الفرس، وكلتاهما كانت فضلاً عن هذا شيعية المذهب. وبفعل هذه المؤثرات تطورت لغة الأدب الآذرية في الشرق، بينما نمت لغة الأدب العثمانية في الغرب.

ويشمل مجال انتشار اللهجة الآذرية:

  • جنوب القفقاس وأذربيجان.
  • ترك أقاليم همدان وفارس وخراسان وطهران الإيرانية.
  • العراق والأناضول الشرقية.

وصحيح جداً ما قيل من أن لغة الكتابة في هذه البلاد التي أوردنا أسماءها كانت قد وقعت تحت تأثير «العثمانلي»، على أن لهجات التخاطب فيها يجب أن توضع في الصنف الآذري.

ولم تكن هاتان المجموعتان في أي وقت متباعدتين كثيراً، بدليل الحفاوة التي استقبل بها الوسط الأدبي في الإمبراطورية العثمانية الشاعر التركي فضولي الذي قدم من العراق، وهو من سكان بغداد التي وقعت بيد العثمانيين في القرن السادس عشر، ومن أبناء عشيرة البيات التي تسكن غرب كفري. وهؤلاء يتكلمون اليوم التركية والعربية، وقد أثيرت مسألة وجوب اعتبارهم عرباً طغى عليهم التأثير التركي، إلا أن الراجح على كل حال أنهم من أصل تركي خالص، لأن «البيات» كان اسماً لإحدى قبائل الغز الغابرة. وفضولي (9)، وإن لم يغادر العراق، نظم شعره باللهجة الآذرية، وتبوأ على مر الزمان مكانته بين أشهر شعراء الدولة العثمانية، وما يزال له حتى الآن صيت في العراق.

يقول فامبري (الشعب التركي، ص 407) إن اللهجة التركمانية هي أقرب اللهجات صلة بلهجة الأناضول العثمانية. ويفرّق كوبرلو زاده محمد فؤاد، الأستاذ الشهير للأدب التركي في جامعة إسطنبول، بين مناطق لغوية ثلاث:

  1. المنطقة التركمانية.
  2. المنطقة الأذربيجانية.
  3. منطقة الأناضول والروملي (انظر: إلك متصوفلر، ص 196).

والفرق بين اللهجات الشائعة في إسطنبول وأخواتها الشائعة في الأناضول، وبين أية لهجة محلية وأختها، أقل منه بينها وبين اللهجة التركمانية.

ويقدم لنا مستر كرامرز (10)، مترجمنا وخبيرنا اللغوي، التفاصيل التالية من ملاحظاته الشخصية: «لم أستطع القيام باستطلاعات كثيرة للهجة التركية الشائعة في ولاية الموصل الكوردية. ويكاد المتعلمون كلهم يتكلمون تركية إسطنبول بدرجة جيدة، لكنني تمكنت من التفاهم بالسهولة نفسها تقريباً مع الذين لم يقعوا تحت تأثير إسطنبول، وإن كان الاختلاف عند بعض المسنين أظهر. ولغة الكتابة عند السكان، كالعبارات الجارحة المخطوطة على الجدران في أربيل، تختلف اختلافاً يكاد لا يذكر عن اللغة التركية الرسمية. وعلى أية حال فقد أكدت لي تجربتي في لغة التخاطب أن هذه اللهجة يجب أن يُنظر إليها على أنها أقرب إلى المجموعة الآذرية».

وهناك ضابط تركي يفرّق في ما كتبه عن ترك العراق في مجلة تركية (1915) بين مجموعتين من اللهجات تختلفان اختلافاً طفيفاً عن البقية، وهما: لهجة تلعفر وأهالي قرية النبي يونس (11)، ولهجة أربيل وآلتون كوبري وكركوك وكفري. ويرى تشابهاً ملحوظاً بنوع خاص بين أربيل وكركوك الكورديتين، ففي كلا الموقعين تشيع الأغاني الشعبية نفسها، على أن ترك كركوك الكوردية كانوا أقل تأثراً بالعناصر الدخيلة.

ويذكر الكاتب نفسه تقليدين محليين غريبين: أولهما ما أُثر عن ترك تلعفر من قولهم إنهم أحفاد جنود تيمورلنك، والثاني أن هناك رابطة قديمة بين ترك ضواحي أورفه وترك كركوك. ويضيف قائلاً إنه توجد فعلاً أوجه شبه بين لهجات هاتين المنطقتين وأغانيهما الشعبية.

وقد لاحظنا المستشار التركي وخبراءه يحادثون الترك المحليين دون صعوبة. ويذكر التقويم الرسمي لولاية الموصل الكوردية (1330 هـ - 1912) أن سكان تلعفر يتكلمون لغة تشبه لغة الجغطاي.

وأما عن أصل الترك أو التركمان، فنجد الحكومة البريطانية محقة في القول إن معظمهم أحفاد محاربي طغرل أو طغرلبك وخلفائه، ومرتزقة الخلفاء العباسيين، وجنود الأتابكة. إلا أن عملية الهجرة العسكرية هذه والاستقرار لم تقف عند ذلك الحد، فقد كان بعضهم من نسل الجنود والضباط والموظفين التابعين لسلاطين آل عثمان.

وبناءً على ذلك فالسكان هنا ترك - تركمان، ذوو أصول كثيرة التنوع، يتألفون من أنسال أجزاء مختلفة من الشعب التركي، إلا أنهم ترك غربيون جميعاً، وليسوا الأقرباء الأقربين لترك إسطنبول أو ترك أنقرة. وهم يرتبطون بأوثق الارتباط بالجمهورية التركية بحيث يمكن اعتبارهم من الشعب التركي نفسه.

ج. اليزيدية (قبائل كوردية)

في موضوع اليزيدية الكورد تقدمت الحكومتان البريطانية والتركية كذلك بادعاءات واضحة التناقض. ومع أن اليزيدية كانوا في ذلك الوقت قبائل كوردية قليلة العدد (بين 21000 و30000 بحسب الإحصاءات البريطانية العراقية، وأقل من 18000 بحسب التقدير التركي)، فإنهم يستحقون منا بعض الاهتمام على كل حال. ومن أسباب هذا الاهتمام ما تحظى به هذه الأمة الغريبة التي عُرفت باسم «عبدة الشيطان» من التفات عام، فضلاً عن كونهم عنصراً متمايزاً عن بقية السكان دون شك؛ فهم مجتمع موحد وجماعة منغلقة على نفسها، وهذا مهم بالنسبة إلى موضوع بحثنا لأنهم كتلة منظمة متجمعة، ولعلهم المستوطنون الوحيدون في البطاح الغربية.

ومن الناحية القومية لا تزيد المذكرة البريطانية على قولها إنهم قد يكونون كورداً أصلاء، لكنهم ليسوا بمسلمين، بل إنهم في الواقع يعدّون الإسلام ديناً نجساً. وهم يظهرون في الخارطة الإثنوغرافية التي قدمتها الحكومة البريطانية بلون يختلف عن اللون الذي اختارته للكورد، بينما يظهر الكورد واليزيدية بلون واحد في الخارطة التي طبعتها الجمعية الجغرافية الملكية (1910) وقدمتها إلى الحكومة التركية.

وحينذاك طلبنا من المستشار البريطاني أن يشرح لنا هذا التباين، إلا أن رده لم يكن فيه ما يروي الصدى، وكل ما قاله أن التلوين يختلف في الخارطتين.

وأكدت الحكومة التركية أن اليزيدية عنصر كوردي أصيل، وأخلاقهم وعاداتهم كتلك التي يتحلى بها الكورد، والاختلاف الوحيد هو المذهب (الدين)، أي أنهم على مذهب إسلامي خاص. وأوضحت الحكومة التركية الأمر بقولها: «إن مجرد اتباعهم مذهباً متميزاً لا يكون سبباً لتفريقهم عن الكورد»، ثم عادت لتقارن الفرق بين الدينين الإسلامي واليزيدي بالفرق بين المذهبين الكاثوليكي والبروتستانتي في العالم المسيحي.

ويحفّ الغموض بأصول هذا الشعب اليزيدي الكوردي الغريب أكثر بكثير من الغموض الذي يحف بأصل الكورد، وهم أنفسهم يقرّون باختلافهم عن سائر الأمم الأخرى في العالم، ويدّعون أن أصلهم أعرق من كل الأصول العرقية للشعوب الأخرى. وتقول أسطورتهم إنهم الأحفاد المباشرون لآدم أبي البشر، في حين كانت الشعوب الأخرى من سلالة آدم وحواء معاً. وسئل أحدهم عن الطوفان فقال إنهم خرجوا من صلب نوح، في حين انحدرت الأقوام الأخرى من أولاده. والشيعة المسلمون يعدّون اليزيدية من سلالة يزيد الخليفة الأموي، وهذا غير صحيح، وهو الذي أُثر عنه خلافه مع الحسن والحسين وفتكه بهما لاغتصاب الخلافة منهما. وفي المصنفات الإسلامية، ومثال ذلك ما كتبه الشهرستاني في كتابه «الملل والنحل» (12): «هم أصحاب يزيد بن أُنيسة»، وبذلك يؤلفون مع مجموعتين أخريين المذهب الإباضي، أي المدرسة المذهبية التي تتبع ما يعرف بفرقة الخوارج. ولا ينفرد اليزيدية بإنكار هذا الزعم عن أصلهم، بل يشاركهم فيه كتاب كثر آخرون، منهم مصطفى نوري باشا، والي الموصل السابق، الذي توافرت لديه كل الفرص لدراستهم، فكتب عنهم بحثاً من أمتع البحوث. وهو يرى، كمعظم كتاب العصر والرحالة الأوروبيين، أن اليزيدية كورد. ويعتقد كتاب آخرون، مثل مسيو بورتقاليان، أن أصلهم الكوردي من إقليم يزد في إيران، وهذا غير صحيح.

يتكلم اليزيديون اللغة الكوردية لا غير، ومع أن كتبهم المقدسة القليلة مدونة بالعربية، فإن عباداتهم وصلواتهم الأساسية تتلى بالكوردية، والصيغة المقررة للتعميد التي يتلوها الشيخ كوردية، والتراتيل كوردية، وهم يعتقدون أن الله يتكلم الكوردية. وقد زعم بعضهم أنهم من أصل عربي، لكن التأثير الكوردي طغى عليهم منذ زمن سحيق، وقد بنيت هذه النظرية على كون كتبهم مدونة بالعربية، وهو دليلها الوحيد، وهو غير صحيح، في حين تشير كل الدلائل الأخرى إلى عكس ذلك الزعم وتدحضه. وربما استخدمت اللغة العربية في كتابة هذه الكتب لأن اللغة الكوردية لم تكن قد وصلت بعد إلى مرتبة اللغة المكتوبة. فضلاً عن ذلك فليس بين رجال دينهم من يفقه العربية أو يتمكن من قراءتها إلا قلة قليلة. ولا تستخدم العربية إلا لأغراض لاهوتية، ولم تكن قط لغة العبادة والصلاة لدى اليزيديين الكورد.

بقي اليزيديون منفصلين دينياً انفصالاً تاماً، متميزين بالمظهر الجسمي؛ فهم، على الأقل سكان منطقة باعذرا والشيخ عدي، يختلفون في مظهرهم الجسمي عن الكورد اختلافاً بيّناً. ويتعذر علينا تكوين نظرية علمية مبنية على أسس راسخة من لمحة أولية قصيرة، إلا أننا لا نستطيع أن نمسك أنفسنا عن إظهار دهشتنا البالغة من الشبه الواضح بين يزيدية باعذرا والشيخ عدي، ولا سيما رؤساؤهم، وبين النقوش التي تشاهد في أشهر الأنصاب والألواح الآشورية المصورة.

عاش اليزيديون منذ أقدم العصور في عزلة تامة، وبحسب اعتقادهم لا يستطيع المرء أن يكون يزيدياً إلا بالولادة؛ ولذا لا يحاولون التبشير بدينهم، فأمنوا من تسرب دم أجنبي إلى عروقهم. وكان التزاوج مع أصحاب الديانات الأخرى محظوراً، بل إن الزيجات بين طبقاتهم الاجتماعية المختلفة، المنفصلة انفصالاً متزمتاً، ممنوعة أيضاً. وطبقاتهم دينية، وهي: طبقة الشيوخ، ثم البيران، ثم الفقراء، ثم القوالون، ثم الأوان، ثم سدنة مزار الشيخ عدي. والمير (الأمير) هو الفرد الوحيد الذي يحق له أن يتخذ عدة زوجات، وبوسعه اختيارهن دون التقيد بالحظر الطبقي.

ودينهم هذا، الذي جعلهم في معزل عن كل الأقوام الأخرى، ورّطهم في مآزق وجلب لهم نكبات جساماً واضطهادات عديدة، وكانوا من أجله يتقبلون الموت بأعظم مظاهر البطولة. وهو دين مركّب نجد فيه عناصر من كل شكل جُمعت بفوضى عجيبة، ولم يفلح أحد حتى الآن في الكشف عن كل أسراره والإحاطة بوصفه من كل جوانبه. فهو يستمد من الديانة الزرادشتية، ديانة الفرس والكورد القدماء، مفهوم مبدأي الخير والشر، وربما استمد منها كذلك عقيدة التناسخ. ولعل التضحية السنوية بالثور الأبيض في مزار شمس الدين (الشمس) تعود أصولها إلى عمل مماثل في الديانة المثرائية (13). ولعلهم أخذوا عن اليهودية عقيدة الشيطان الذي يمثل أهريمن (مبدأ الشر). وهم ينزلون التوراة والعهد الجديد (الإنجيل) والقرآن المنزلة نفسها من الاحترام، ويمارسون عادة الختان، وهي عادة ربما استمدوها من اليهودية أو الإسلام، أو ربما، كما يرى ويكرام (14)، من مصدر آخر معروف للجميع. ويجب ألا يغيب عن البال على أية حال أن الختان، وإن كان عادة سامية عريقة، فقد كان الآشوريون والبابليون استثناءً من القاعدة ولم يمارسوه. ويقدس اليزيدية المسيح وعلامة الصليب، ولكن من المعروف أن الصليب ليس رمزاً تختص به الديانة المسيحية، فقد وجد في تاريخ يعود إلى ما قبلها. وهم يشاركون المسلمين إجلالهم لمحمد صلى الله عليه وسلم وللأماكن المقدسة في مكة، ويمكن قراءة آيات قرآنية حُفرت على جدران مزارهم. وينبوع الماء الذي يصدر من عين مجاورة لمزار شمس يطلقون عليه اسم «ماء زمزم»، وهو اسم بئر مكة المقدسة، وتقول إحدى أساطيرهم إن الشيخ عدي حوّل هذا الماء من مكة إلى هذا الموقع بمعجزة، ويستخدم شيوخهم ماء النبع المقدس لتعميد الأطفال. ويُرى على جدران هيكل شمس أيضاً النجوم والقمر، ويشاهد على ركن المدخل الكبير صورة أفعى سوداء ضخمة. وهم يعبدون النار كذلك، وهذه لا شك الرابطة التي تربطهم إلى حد ما بالديانة الزرادشتية، الديانة القديمة للأكراد والفرس.

هذه العناصر كلها دخيلة، لكن ثمة عناصر قومية أيضاً. فاليزيدية يؤمنون بالكائن الأسمى (العلي الأعلى) ويسمونه «يزدان»، وربما كان هذا مصدر اسمهم، وهو على كل حال أغلب احتمالاً من اشتقاقه من اسم يزيد الغاصب أو من إقليم يزد في إيران. ومهما يكن، فالكائن الأسمى أرفع بكثير من أن يتوصل إليه البشر لعبادته مباشرة، فهو في السماء، وليس في الأرض ما يهتم به. ومنه انبثقت سبعة أرواح عظيمة، أولها وأخطرها «ملك طاووس» وهو إبليس نفسه، وثانيها «ملك عيسى» وهو المسيح. وبواسطة ملك طاووس خلق الله العالم وآجره له لمدة عشرة آلاف سنة، انقضى منها حتى الآن أكثر من ستة آلاف.

ويُعبد ملك طاووس على هيئة طاووس برونزي، والظاهر أنه توجد منه نسخ عدة يحملها القوالون (الطبقة الدينية الرابعة)، وينتقلون بها من قرية إلى أخرى ليقدم لها الأهلون فروض التعبد.

ولم يزر أعضاء لجنة تقصي الحقائق الذين زاروا يزيدية باعذرا منطقةَ يزيدية سنجار، ومن ثم لم يكن في وسعنا التثبت من صحة أقوال السير مارك سايكس بأن هاتين المجموعتين لا رابط بينهما إلا رابطة الدين. ولا يعطي السير مارك سايكس أي رأي في أصل يزيدية باعذرا والشيخ عدي، أما يزيدية سنجار فيقول إنهم كورد لا شك فيهم، لا من جهة اللغة الكوردية وحدها، بل من جهة الأوصاف الجسدية أيضاً، وهو يقارنهم بكورد ديرسم. وفي رأيه أنهم لجأوا إلى جبل سنجار بعد غزوة تيمورلنك، غير أن يزيدية اليوم أنفسهم يؤكدون أنهم سكان منطقتهم الأوائل، وأنهم كانوا دوماً يمارسون شعائر الدين اليزيدي فيها.

وهكذا يتضح إذن أن دين هذه القبائل اليزيدية الكوردية الغريبة وأصولها وقوميتها يحف بها الغموض إلى أبعد حد. وما من شك في أنهم لا يمتّون إلى الإسلام بصلة، وواضح كذلك أن لا جامع يجمعهم بالعرب أو الترك، على أنهم يتصلون نسباً بالكورد، ومن المحتمل أن أصل الأمتين، الكوردية واليزيدية، واحد.

ويواجه اليزيديون باستمرار مواقف صعبة؛ فقد حُرّم عليهم أن ينطقوا باسم الشيطان أو يسمعوه أو يسمعوا مقاطع منه، وحُرّم عليهم لبس الأزرق من الثياب. وهذه الغرائب، فضلاً عن السرية التي تواكب ممارستهم لدينهم، صبت على رؤوسهم ألواناً من المصائب، مثال ذلك ما نجم عن فرض الخدمة العسكرية؛ ففي القفقاس الروسية مثلاً أُعفوا من الخدمة لفترة ما، أما في تركيا فلم يُصَر إلى ذلك لاعتبارهم طائفة من الطوائف الإسلامية. وللسبب عينه كثيراً ما اضطهدهم رجال الدين المسلمون والمجتمعات المتزمتة دينياً. وكانوا في الزمن الغابر أوفر عدداً بكثير مما هم الآن، وفي القرنين الثامن عشر والتاسع عشر استؤصلت شأفتهم تقريباً في خضم النزاع بين الترك والعرب، بمذابح عظيمة تلت ذلك.

ولقد وجدنا في مجرى تحقيقاتنا ما نرى من المفيد التنويه به، وهو على ما نعتقد الخارطة الوحيدة التي تبين سعة رقعة الأرض التي كان اليزيدية الكورد يشغلونها في الماضي، وهي كما بدا لنا تزيد كثيراً على ما يشغلونه الآن. واسم الخارطة «أرمينيا الكبرى»، وقد رسمها المجمع العلمي الفرنسي (الأكاديمية الفرنسية) في العام 1765 استناداً إلى كتاب أرمني، وتُظهر حدود كل أجزاء أرمينيا المختلفة. وتتبع الحدود الجنوبية للبلاد تقريباً جبال الجزيرة والعمادية ونهري، وتستمر شرقاً في الاتجاه نفسه. وإلى الجنوب من هذا الخط يوجد شريط من الأرض لا تظهر له حدود جنوبية، يمتد على طول سلسلة زاكروس الجبلية، ويسمى بلاد الكورد (كوردستان). وثمة جزء من هذا الشريط مبتور في نهايته الغربية، أُثبت فوقه اسم «موكيك» أو «بلاد المجوس»، وهذه هي المنطقة التي يمكن أن تُحد تقريباً بولاية الموصل الكوردية ودجلة والعمادية وعقرة، أو بعبارة أخرى هي الصقع الذي يضم معابد اليزيدية، ذلك الشعب الوحيد في تلك الأنحاء الذي يمارس طقوس ديانة ذات صلة بديانة المجوس الزرادشتية.


أجزاء «طابع مختلف القوميات وأصولها في ولاية الموصل (كوردستان العراق)» (3 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني (هذا الجزء)
  3. الجزء الثالث

→ الجزء الأول  |  الجزء الثالث ←