الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

كيف تم تواجد العرب والتركمان والمسيحيين في محافظة كركوك الكوردية (الجزء الأول)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

إن محافظة كركوك، إقليم «بيت كرماي»، على ما ذكرنا سابقاً في موضوع ومحاضرة سابقة عن كركوك وهويتها الكوردية، تتمتع من الغرب والجنوب بحدود طبيعية تفصلها تماماً عن الأراضي العربية (العراق العربي) الواقعة وراء هذه الحدود، وهي نهر دجلة ثم سلسلة جبل حمرين.

وقد اجتاز بعض العشائر العربية من غرب نهر دجلة وجنوب سلسلة جبل حمرين هذه الحدود بحكم المجاورة، ولكنها لم تعبرها إلى منطقة كركوك من أجل الاستقرار والتوطن، لأن السهول الواقعة شرقي نهر دجلة وشمالي جبال حمرين، إلى مسافة حوالي 30 كم أو أكثر في بعض الأماكن، كانت قليلة المياه. وإنما كانت عشائر رحّلاً تتنقل طلباً للعشب والكلأ لمواشيها، وكانت تصل حتى عشرينيات القرن العشرين إلى منطقة السليمانية في بعض السنين الجافة، وذلك بعد أخذ الموافقة من رؤساء عشائر الأكراد في المناطق الكوردية (كوردستان) على الإتيان بمواشيها إليها، ولهذا كانت تعقد علاقات صداقة مع الأكراد.

لقد ذُكر في موضوع «قضاء تلعفر» من كتاب الأستاذ عبد الرقيب يوسف «حدود كوردستان الجنوبية (كوردستان العراق) تاريخياً وجغرافياً» كيف أن عشيرة شمر العربية القوية، بعد أن أخرجها الوهابيون من الجزيرة العربية (السعودية) إلى العراق في أواخر القرن الثامن عشر أو أوائل القرن التاسع عشر، هزمت عشائر العبيد وطي والجبور وعنيزة والصائح وطردتها وأخرجتها من إقليم الجزيرة؛ فعبر قسم من عشيرة طي نهر دجلة إلى منطقة مخمور، وكذلك عشيرة الصائح، وعبر بعض عشيرة العبيد وقسم من الجبور نهر دجلة أيضاً إلى منطقة الحويجة. وقد ذكر فريزر في رحلته عام 1834، حين حضر عند محمد باشا الرواندزي أمير إمارة رواندوز الكوردية وجاء إلى أربيل، كيف أن أحد شيوخ عشيرة طي فرّ من أمام عشيرة شمر (الجربا) القوية، ولجأ هو وعشيرته إلى محمد باشا الرواندزي، فعاش مع عشيرته عيشة هنيئة بفضل قانون الأمير الكوردي محمد باشا الرواندزي ونظامه، وأن عشيرة طي كانت تمد الأمير الكوردي بالمقاتلين، كما في احتلاله عقرة. وذكر فريزر أنه عندما سلبت عشيرة شمر قافلة، قطع الأمير الكوردي محمد باشا الرواندزي رأس الشيخ الشمري وعلّقه على باب خيمته. راجع ص28-29 من «كَه شته كه ى فريزر»، الترجمة الكوردية للمرحوم ئوميد ئاشنا (1).

وهيأت الحكومة العراقية العربية فرص الاستقرار في منطقة قره تبه، أي شمال سلسلة جبال حمرين، لعشائر الكروي (الكوردية المستعربة) واللهيب. واندمج قسم من العرب في عشيرة البيات التركمانية في سهول كركوك وطوزخورماتو، كما دخل في تركيب عشيرة البيات الحالي قسم من الأكراد، وهي عشيرة مسالمة هادئة.

لقد عبر أيضاً قسم من عشيرة العزة العربية إلى الوديان الشمالية من جبل حمرين في منطقة قره تبه التابعة لقضاء كفري. والبقعة الأصلية التي تقيم فيها عشيرة العزة تمتد من الصفحة الجنوبية لجبل حمرين إلى مدينة الخالص، وهي عشيرة حسنة السمعة ولها صداقة مع الأكراد. وقد لجأ إليها الثائر الكوردي إبراهيم خان دلو، الذي حرر مدينة كفري سنة 1920م من السلطة البريطانية، فحمته. ولما توفي بينهم وعلموا أن الإنكليز يحاولون نبش قبره للإهانة بجثمانه، أخرجوا جثمانه من قبره، ودفنه أبناء عشيرة العزة مع بعض أقربائه في جبل حمرين في مكان سري، كي لا يُخرج الإنكليز جثمانه من القبر، ويعرف بعض الناس الآن قبره في سلسلة جبل حمرين (2).

لم تكن بين هذه العشائر العربية وبين الأكراد حزازات عشائرية أو قومية، وكانت العلاقات بين الجانبين جيدة قبل أن تبث الحكومة العراقية السابقة وحزب البعث سمومهما بينها وبين أبناء الشعب العراقي أيضاً.

إن عبور هذه العشائر العربية نهر دجلة وجبل حمرين إلى داخل كوردستان العراق لمسافة محدودة أمر طبيعي بالنسبة إلى الشعوب والعشائر المتجاورة في العالم، فقلما توجد الآن دولة في العالم خالية من الأقليات القومية، وهذا لا يؤثر في الهوية الكوردية للأراضي الكوردية (الكوردستانية) التي استوطنتها عشائر عربية. ومع هذا فإن العرب القاطنين في كوردستان العراق أقل بكثير من الأكراد القاطنين في المدن والأماكن العربية الأخرى في العراق، بل أقل من الأكراد القاطنين في مدينة بغداد وحدها، البالغ عددهم أكثر من مليون نسمة، كما ذكرنا في محاضرة سابقة، مع أن تلك المدن والأماكن العربية لا تفقد هويتها العربية بإقامة أولئك الأكراد فيها. كما أن عدد التركمان الساكنين في كوردستان الجنوبية (كوردستان العراق) أقل بكثير من الأكراد الساكنين في المدن والمناطق التركية في الأناضول، بل أقل بكثير من الأكراد القاطنين في إسطنبول وحدها. فإن عُدّت المدن والأراضي الكوردية التي يقيم فيها العرب أو التركمان مدناً وأراضيَ عربية أو تركمانية، فلا بد أن تُعدّ المدن والأراضي العربية، وكذلك التركية، التي يقيم فيها الأكراد مدناً وأراضيَ كوردية، رأساً برأس، وليس ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾؛ فاحكموا بالقسطاس المستقيم.

التركمان في كركوك وغيرها من مدن كوردستان الجنوبية (العراق)

بخصوص استيطان التركمان في مجموعة من مدن كوردستان الجنوبية (كوردستان العراق)، أبدأ معتمداً على المصادر التركمانية لا الكوردية، لأن التركمان اهتموا بتاريخهم وبمراجعة المصادر التاريخية لجمع المعلومات المتعلقة بهم أكثر من الأكراد. وأذكر في هذا الصدد معلومات تاريخية دقيقة منسية في الوقت الحاضر. وإني، والكثيرين معي، نرفض ما كتبه وما قاله ويقوله غير قليل من الأكراد من أن التركمان في كركوك ومدن أخرى كلهم من أصل كوردي، من عشائر كوردية ادّعت التركمانية في العهد العثماني تجنباً للاضطهاد، أو قولهم إنه لا يوجد من التركمان سوى أسر محدودة، أو إن التركمان استوطنوها في العهد العثماني لا في تاريخ أبعد؛ إن هذه أقوال باطلة.

إن تتريك (تركمنة) أسر غير قليلة من الأكراد، ولا سيما في كركوك وأربيل، أمر حقيقي، وما زالت أنسابها الكوردية معلومة بين الناس، ولكن هذا أقل بقليل من اندماج التركمان وانصهارهم بين الأكراد والعرب. فأين الموجات التركمانية الكبيرة، ولا سيما الموجة السلجوقية التركية الهائلة التي دخلت كوردستان العراق والعراق العربي، والتي لا تخفى على المؤرخين والباحثين الأمناء، وتشهد عليها مصادر التاريخ، ولا سيما مصادر العهد العباسي؟ وأين الأعداد الكبيرة من التركمان التي استوطنت سامراء وبغداد وواسط والبصرة، واستوطنت وسط العراق العربي وجنوبه، على ما نجده في المصادر التاريخية، سواء موجة السلاجقة الأتراك الهائلة أو الموجة المغولية أو القره قوينلو والآق قوينلو؟ ولكن هل إن المدن التي استوطنها التركمان، الواقعة شرق نهر دجلة وشمال جبل حمرين، كخانقين وقره تبه وكفري وطوزخورماتو وداقوق وكركوك وآلتون كوبري وأربيل، وكذلك مندلي، لم يكن لها وجود قبل استيطان التركمان فيها منذ أواخر القرن الحادي عشر وأوائل القرن الثاني عشر؟ وهل إن التركمان هم الذين أحدثوا تلك المدن؟ أو هل إنها عندما قدم التركمان كانت خاوية على عروشها، قفراً يباباً كوادي «جوف العير» خالياً من السكان، مصداقاً لقول الشاعر امرئ القيس:

ووادٍ كجوف العَيرِ قفرٍ قطعتُه به الذئبُ يعوي كالخليعِ المُعيَّلِ

أو هل إن سكانها دمدم عليهم ربهم بذنبهم فجعلهم كهشيم المحتظر، ثم أتت عليهم ريح صرصر عاتية فجعلتهم هباءً منثوراً، فأهلكهم كقوم عاد وثمود، فجاء الغرباء فوجدوها خاوية على عروشها فاستوطنوها؟ أو هل إن قلعتها العالية، التي تدخل في جوفها قلعتا أربيل وحلب، كانت «كجلمود صخر حطّه السيل من علِ» غير قابلة للسكن، وقد تكونت من الطبقات الأثرية لسكن البشر في عهود تترى، وهي تعج بالحياة آماداً على آماد؟

أم إنها كانت مسكونة منذ أكثر من خمسة آلاف سنة بسكانها الأصليين الأكراد، أحفاد شعوب زاكروس الكوردية، أقدم البشر في تلك المنطقة الكوردية من كوردستان وفي داخل أراضي الدولة العراقية الحالية، مثل الكوتيين واللولو والحوريين أجداد الأكراد؟ ألم تكن كركوك عاصمة الكوتيين الكورد الذين أسسوا الدولة الكوتية في كوردستان العراق الحالي ووسطه وجنوبه في الألف الثالث قبل الميلاد؟ أولم تكن كركوك الكوردية عاصمة عدد من ملوك الحوريين الكورد؟ أولم تكن كركوك العاصمة الأولى لحكومة كوردستان الجنوبية (دولة أديابين) الكوردية في العهد الفرثي (الأشكاني) قبل الميلاد وبعده؟ ألم تكن «نوزا - نوزي - كاسور - يورغان تبه»، التي تكاد تدخل الآن ضمن مدينة كركوك الكوردية، عاصمة القسم الشرقي للدولة الميتانية الكوردية في الألف الثاني قبل الميلاد؟ ألم تكن كركوك الكوردية نفسها العاصمة الإقليمية لكوردستان الجنوبية، شهرزور (كوردستان العراق)، في العهد العثماني التركي نفسه؟ ألم يكن استيطان التركمان الرئيسي في تلك المدن والسهول الواقعة في سفوح جبال زاكروس وسهول إقليم شهرزور الكوردي بالقوة من جانب الدولة السلجوقية التركمانية، ولم تكن لهم فيها سابقاً ناقة ولا جمل؟

لذلك فإن التركمان، بل فئة سياسية منهم، يخالفون الحقيقة التاريخية عندما يدّعون أن كركوك أو تلك المدن الأخرى أيضاً مدن تركمانية غير كوردية، وأنها ليست جزءاً من كوردستان، مدفوعين في ذلك من قبل الدولة التركية التي لا تعترف بوجود أكثر من خمسة وعشرين مليون كوردي يعيشون تحت سيطرتها، ولا تعترف بحقوقهم القومية الكوردية «حتى يلج الجمل في سم الخياط»، بل إنها تعلن ليلاً ونهاراً، سراً وجهاراً، أنها لا تقبل أن يحصل الأكراد على حقوقهم القومية الكوردية ضمن كوردستان العراق أيضاً. فلولا المخافة من أمريكا لجرّدت جيوشها على كوردستان الجنوبية (كوردستان العراق) واحتلتها واتخذت منها قبرصاً ثانية. ولكن الداهية الدهياء التي تخشاها، وهي تحرر الشعب الكوردي وانعتاقه من استعبادها واستعباد الدول الأخرى التي احتلت كل منها جزءاً من الوطن الكوردي كوردستان، ستتحقق حسبما تفرضه حتمية التطور التاريخي لمسيرة الشعوب المضطهدة.

إن تلك الفئة من التركمان، وأقصد حزب الجبهة التركمانية ورئيسه صنعان قصاب الكوردي، التي تعمل بتوجيهات تركية، تجعل من نفسها عقبة أمام الحقوق القومية للشعب الكوردي في كوردستان العراق، وقد تسببت مع المخابرات التركية في حدوث العديد من المشاكل خلال فترة من الزمن في كركوك وداقوق وطوز. أما التجمع الوطني التركماني المؤلف من ستة أحزاب تركمانية (3) فإنه يدرك الحقيقة والمرحلة، ومصلحة الإخوان التركمان المشتركة مع الأكراد، لذا فهو متفق مع القوى السياسية الكوردية ومع الشعب الكوردي ومع كوردستانية كركوك. فمثلاً كتب السيد وليد شركه، رئيس أحد الأحزاب التركمانية، في بحثه المقدم إلى المؤتمر الخاص بكركوك المنعقد في أربيل سنة 2001، ما يلي: «تتعرض كركوك الكوردية لأبشع عملية تشويه وتخريب بهدف تعريبها وإلغاء طابعها الكوردي الكوردستاني الأصيل، فهي كركوك حاضرة المدن الكوردستانية تاريخياً».

أما تركمان تلعفر، الذين يمتازون بالجرأة والشهامة بشهادة التاريخ، فلهم علاقات متينة مع الأكراد، وقد شاركوا في الثورة الكوردية، فكانت «الجبهة التركمانية» في الثورة الكوردية تتألف من أربعين مقاتلاً من البيشمركة التركمان، واستشهد منهم «أبو فارس» ليلة 25/26 أيلول 1963 في معركة «نمركى»، على ما جاء في برقية من «زنطة»، أي جهاز مقر حسو ميرخان، إلى «آراس»، أي جهاز قائد الثورة الكوردية الملا مصطفى البارزاني، وكان يقود الثوار في المعركة هرمز ملك جكو، قائد الجبهة المسيحية المغوار، ونص البرقية موجود. ولا بأس أن نشير هنا إلى العلاقات الطيبة التي ربطت عشيرة البيات بالأكراد في الماضي.

إن دعوى الجبهة التركمانية لا تختلف عن دعوى نظام حزب البعث وصدام حسين السابق في تعريب المناطق والمدن الكوردية، وأهمها كركوك الكوردية.

ومن الجدير بالذكر أن الدولة التركية لم تعثر حتى سنة 1994، في مركز الوثائق العثمانية بإسطنبول الذي يحتوي على مئتين وخمسين مليون وثيقة، على وثيقة واحدة تثبت اهتمام الدولة العثمانية بالتركمان اهتماماً خاصاً، سواء في كركوك أو في المدن الكوردية الأخرى، أو تفضيلهم على الأكراد أو العرب، أو إعطاءهم امتيازات. ولو كانت في هذا المركز وثيقة واحدة لنشرها المركز نفسه في الكتاب الخاص بوثائق ولاية الموصل (كوردستان العراق) وكركوك من تاريخ 1525 إلى 1919، الذي أصدره في أنقرة عام 1993 في 722 صفحة بعنوان: Musul - Kerkük İle İlgili Arşiv Belgeleri.

المصادر

  1. الأستاذ عبد الرقيب يوسف، المصدر السابق، ص286.

  2. من الأفضل تشييد قبة على ضريح إبراهيم خان دلو، ليصبح مصداقاً لهذين البيتين من الشعر العربي:

بتلّ (نهاكى) رسمُ قبرٍ كأنه على جبلٍ فوق الجبال منيفُ
تضمّن جوداً حاتمياً وسؤدداً وهمّةَ مقدامٍ ورأيَ حصيفُ

وكذا تشييد قبة على قبر العالم الكوردي محمد علي الكردي في جبل حمرين، في نقطة تطل على الطريق العام من الغرب شمال شهربان. وكان قد أوصى بدفنه هناك على الحدود بين كوردستان والعراق ليصبح قبره رمزاً للحدود، ولكنهم نبشوا قبره في عهد عبد الكريم قاسم، وكتبت جريدة «التآخي» ضد هذا العمل اللاأخلاقي، فأصلح الأكراد قبره، ثم نبشه مرة أخرى النظام السابق وقيادة حزب البعث في المنطقة. وكان محمد علي الكردي معلماً، ولكنه كان عالماً فاضلاً يستأنس المجمع العلمي العراقي برأيه، وله مؤلفات، وكانت له بنت واحدة. هكذا ينظر الأكراد إلى جبل حمرين نظرة احترام وتقديس، حيث يعدّونه حدودهم القومية، وسبق أن احتضن جبل حمرين قبر المتصوف الكوردي الشهير أبي ماجد الكردي الذي عاش في هذا الجبل وتوفي فيه سنة 561هـ/1166م.

  1. الأحزاب التركمانية الستة هي: حزب الشعب التركماني، والاتحاد التركماني، والإخاء التركماني، والشروق التركماني، والتحرير القومي التركماني، والحزب الديمقراطي التركماني في كوردستان.

أجزاء «كيف تم تواجد العرب والتركمان والمسيحيين في محافظة كركوك الكوردية» (3 أجزاء):

  1. الجزء الأول (هذا الجزء)
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث

الجزء الثاني ←