الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
كيف تم تواجد العرب والتركمان والمسيحيين في محافظة كركوك الكوردية (الجزء الثالث)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
إن استيطان التركمان في كركوك وشهرزور والمدن الكوردية الواقعة شمال جبال حمرين، من خانقين إلى كركوك، كان بعد إزالة ما تبقى من الدولة العنازية الكوردية في شهرزور ومنطقة كركوك في عهد أبي منصور بن بدر بن مهلهل بن محمد بن عناز الكوردي، الذي تولى الحكم بعد وفاة أخيه الأمير سرخاب (12)، وبعد تعيين الأمير قفجاق بن أرسلان تاش، من الطائفة الأيوقاية (الأيوانية) من التركمان، أميراً عليهما من قبل الدولة السلجوقية التركية، وسنة تعيينه غير معلومة. وشكّل الأمير قفجاق (المسمى باسم بلاد قفجاق التركمانية الواقعة شمال بحر الخزر والمتصلة به) إمارة تركمانية قوية، واستولى التركمان على القرى الكوردية واغتصبوها، ولا سيما في مناطق السهول، وغيّروا أسماءها الكوردية إلى أسماء تركمانية ما زالت أسماءً لعشرات من القرى الكوردية حتى اليوم، وتدل قلة الأسماء التركمانية في القرى الجبلية على أن سيطرة التركمان عليها كانت قليلة. وتلك الأسماء تعود إلى ذلك العهد، خلافاً لما يظنه الكثيرون من أنها تعود إلى العهد العثماني (13). هذا وكانت الدولة العنازية الكوردية هي التي تقف أمام استيطان التركمان، وبزوالها زالت العقبة من أمامهم، ولا سيما أنهم كانوا أصحاب دولة وقوة، هي الدولة السلجوقية التركمانية. وكان أمراء بني قفجاق يقيمون شتاءً في كركوك (كرخيني)، ويذهبون صيفاً إلى إقليم شهرزور (محافظة السليمانية الحالية) حيث المناخ المعتدل.
إن استيلاء الدولة السلجوقية التركية على إيران وكوردستان والعراق كان يختلف عن استيلاء الدولة البويهية الفارسية عليها، لأن البويهيين كان شعبهم، الديلم، شعباً مستقراً في وطنه في إيران، لكن الدولة السلجوقية التركية كان لها شعب كبير نازح من وطنه في أواسط آسيا، شمال بحر الخزر وأفغانستان، فأصبح بلا وطن. لذلك كان من أهم أهدافها ومراميها وأمانيها إسكان شعبها التركماني في البلدان المسيطرة عليها والخاضعة لها، ولهذا وزعت معظم المناطق التي استولت عليها على أمرائها التركمان إقطاعاتٍ واسعة. وكان هؤلاء الأمراء التركمان على رأس قبائل نازحة من وطنها البعيد، لا تملك شيئاً من متاع الدنيا سوى ما تحصل عليه من أموال شعوب تلك البلدان المستقرة عن طريق السلب والنهب، فكان همّهم ومن واجبهم إسكان عشائرهم في المقاطعات التي تأمّروا عليها وسيطروا عليها، وذلك بالاستيلاء على قرى سكانها الكورد ومزارعهم. ولهذا، كما قال شاكر صابر الضابط في كتابه ص54 نقلاً عن العلامة الدكتور مصطفى جواد: «صار قواد السلاجقة الأتراك وأمراؤهم أهل إقطاع وضياع من العراق وما جاوره من الجزيرة والشام وبلاد العجم (والمقصود المناطق الكوردية، كوردستان)، وأسس كثير من أمراء السلاجقة إمارات تركمانية، كإمارة بني أرتق بماردين، وإمارة أتابكة الترك في الموصل، وإمارة زين الدين كجك في أربيل، وإمارة بني قفجاق في كرخيني، وإمارة القره أرسلان بآمد (ديار بكر)، وأتابكة الجبل وأذربيجان، والإمارة السلغرية بشيراز، والإمارة الإيواقية في جبل حمرين، وكذلك إمارة شاه أرمن لسكمان القطبي في خلاط الواقعة على الساحل الشمالي لبحيرة وان». وانطلاقاً من هذا الهدف أسكنت الإمارة القفجاقية التركمان التابعين لها في أخصب السهول الزراعية في منطقتي كركوك وشهرزور، وذلك بالاستيلاء على مزارع سكانها الأكراد وأملاكهم، وظلوا يحثون التركمان الآخرين على المجيء إلى المنطقتين، وكما قال عباس العزاوي في «شهرزور - السليمانية» ص125: إن الأمير القفجاقي «تسلط على تلك الأنحاء… وزاد جمعه وقصده التركمان من كل فج عميق».
لقد بلغ ظلم التركمان وتعديات الإمارة القفجاقية على سكان المناطق الكوردية حداً كبيراً، إلى درجة أن عماد الدين زنكي أمير الموصل، وهو من الترك كأمراء الإمارة القفجاقية، أشفق على الأكراد في منطقتي كركوك وشهرزور بسبب اضطهادهم من قبل الإمارة القفجاقية التركمانية. وعندما جهّز عماد الدين زنكي أمير الموصل جيشه للاستيلاء على إمارة قفجاق التركمانية، أوصى قواده باحترام الأكراد وعدم ظلمهم، وقال إن بني قفجاق ظلموا الأكراد كثيراً، على ما كتبه ابن الأثير في كتابه «التاريخ الباهر في الدولة الأتابكية» ص58. وتمكن عماد الدين زنكي من إلحاق الهزيمة بجيش قفجاق التركماني، الذي لجأ إلى الجبال، ومن الاستيلاء على إمارته وأسر قفجاق نفسه، وذلك سنة 534هـ/1140م (14).
ونصّب عماد الدين زنكي ابنه الأكبر سيف الدين غازي أميراً على إمارة شهرزور الكوردية، ولما قُتل عماد الدين زنكي وحل محله ابنه الأكبر سيف الدين غازي، عُهد بإمارة شهرزور إلى أمراء تركمان تابعين لأتابكية زنكي، ففي سنة 563هـ كان أمير شهرزور اسمه بوزان، ثم كان ابنه شهاب الدين (15).
ويشمل اسم شهرزور هنا، أي في عبارة ابن الأثير، منطقة كركوك الكوردية أيضاً، فكثيراً ما أدخلها المؤرخون والباحثون ضمن إمارة شهرزور الكوردية، كما فعل ابن الأثير هنا، ولهذا اكتفى باسم شهرزور، كما يذكر كرخيني أيضاً. وشمل اسم شهرزور أحياناً المناطق الكوردية الواقعة غرب الزاب الصغير حتى أربيل، فقد استُخدمت مثلاً نسبة «الشهرزوري» للعالم الكوردي الشهير ابن الحاجب، فاشتهر بـ«ابن الحاجب الشهرزوري» مع أنه كان من أربيل، حتى إن الدولة العثمانية أحيت ذلك التوسع الجغرافي لاسم شهرزور بإدخال معظم مناطق كوردستان الجنوبية (كوردستان العراق) تحت اسم «ولاية شهرزور»، على ما ذُكر مفصلاً في الكتب والمصادر.
كيف تواجدت الأقليات المسيحية في كوردستان، والمسيحيون الأكراد
ذكرنا سابقاً الأقليتين العربية والتركمانية في كوردستان الجنوبية (كوردستان العراق)، وذلك في موضوع كركوك الكوردية، ونذكر هنا الأقليات المسيحية. إن المسيحيين في كوردستان الجنوبية (كوردستان العراق)، بل في كوردستان الكبرى أيضاً، يتكونون على ما كُتب في المراجع من الآثوريين والأرمن والآراميين، والآراميون يُعرفون بالسريان والكلدان. وتاريخ هذه الأقوام المسيحية معلوم لا حاجة إلى البحث فيه هنا، وقد عاشوا مع الكورد في كوردستان منذ ما قبل الإسلام، وباعتبارهم أقليات قومية في كوردستان يجب أن تتمتع بكافة حقوقها الثقافية القومية والاجتماعية وبالمشاركة الإدارية، وهي منتشرة في مدن كوردستان وقراها، مختلطة بالأكراد، وليست في بقعة جغرافية معينة خاصة بكل منها.
إن الآثوريين كانوا يعيشون في بقعة جبلية وعرة جداً ومعزولة، هي منطقة جيلو وتياري وبازي من مقاطعة هكاري، ضمن إمارة هكاري الكوردية القوية، وكان يحيط بهم الأكراد المسلمون. ويقول بعض الآثوريين إن أجدادهم فروا إلى هذه المنطقة الكوردية أمام جيشي الميديين الأكراد والبابليين، عندما زحف الجيشان الميدي الكوردي والبابلي على الدولة الآشورية واحتلا عاصمتها نينوى سنة 612 ق.م، بينما يقول بعضهم الآخر، وكما يُعلم من المراجع، إن أجدادهم فروا إليها بعد ذلك بقرون، فتأثروا هناك، في المنطقة الكوردية، بالعادات والتقاليد الكوردية وبالزي والألحان الكوردية، وهم يتكلمون السريانية والكوردية أيضاً.
عاش الآثوريون هناك في المنطقة الكوردية من كوردستان، وكان قسم منهم في منطقة أورمية (كوردستان إيران). وبعد أن شرّدهم الترك، حركة تركيا الفتاة، أثناء الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، وتعرضوا لمذابحهم، نزح معظمهم إلى منطقة أورمية من كوردستان إيران، فأتى بهم البريطانيون إلى كركوك وبعقوبة ومنطقة بهدينان وديانا القريبة من رواندوز، إبان احتلالهم للعراق وكوردستان الجنوبية في الحرب العالمية الأولى عام 1918، واستخدم البريطانيون الكثيرين من رجالهم الآثوريين البواسل الأشداء في جيشهم قوةً مستقلة سُمّيت قوات «الليفي». ولاقى الشعب الآثوري الصغير أهوالاً وكوارث فظيعة، وهم الآن مختلطون مع الأكراد، وبين الطرفين تعاطف كثير، كما كان بينهم وبين الأكراد عموماً في سالف الزمن تعاطف وتقارب، وهناك مثل كوردي قديم يقول: «بيننا وبين الآثوريين شعرة، وبيننا وبين الأرمن جبل». وقد فرّ قسم من الآثوريين من منطقة دهوك بقيادة ملك ياقو إلى كوردستان سوريا، وهم متعاطفون مع الأكراد هناك. وقد طلب زعماؤهم من بريطانيا جمعهم في منطقة معينة من كوردستان وتأسيس دولة آثورية لهم، ولكن بريطانيا لم تنفذ مطلبهم، إذ تعذّر تهجير سكان منطقة كوردية من قراهم وإسكان الآثوريين فيها.
ومن أبرز صفات الآثوريين الإباء والشجاعة من الدرجة الأولى. وقد دخل عدد غير قليل منهم في صفوف الحزب الديمقراطي الكوردستاني، وشاركوا في الثورة الكوردية في 11 أيلول 1961، وصرف بعضهم كل ثروتهم في سبيل الثورة الكوردية، مثل جورج والد الثائرة مارگريت التي اشتهرت بالشجاعة في معارك بهدينان أثناء ضعف الثورة الكوردية. وكانت لهم قوة خاصة عُرفت بالجبهة المسيحية، وكان قائدهم من أسرة آثورية بارزة، وهو هرمز ملك جكو، ابن أخت ملك ياقو، وكان بطلاً قلما ولدت الثورة الكوردية بطلاً مثله، وما زال يُضرب به المثل في الشجاعة والإقدام. وكان قبل الثورة الكوردية (11 أيلول 1961) عاملاً في شركة النفط بكركوك، وأحد أعضاء الحزب الديمقراطي الكوردستاني. واستشهد هرمز ملك جكو في السهل الواقع جنوب مدينة دهوك (ده شتا زاوا) سنة 1963 في قتال مع القوات السورية التي أُرسلت إلى كوردستان العراق لمساندة الجيش العراقي في القتال ضد الثورة الكوردية. وكان هرمز ملك جكو بطلاً مغامراً، كلما انتقده رفاقه على تهوره ومغامراته في القتال قال: إن كل أملي أن أستشهد في سبيل كوردستان (16). ومن عدم الوفاء له أن أحداً لم يؤلف حتى الآن كتاباً في تاريخ الجبهة المسيحية وهرمز ملك جكو (17).
المصادر
يُحتمل جداً أن «الملك بدر»، الذي كتب السيد إبراهيم الحسيني في مذكراته أنه كان ملك شهرزور ويقيم في خورمال (مدينة شهرزور)، كان من الأسرة العنازية (الأنازية) الكوردية، ويُحتمل أن العنازيين احتفظوا بسلطة محدودة أثناء حكم قفجاق. وذكر الحسيني، وكان من أكراد اللور في منطقة شهربان، أنه تزوج «عنبر» بنت الملك بدر سنة 530هـ/1135م، وتوجد مذكراته على صفحة من القرآن الكريم في معهد المخطوطات ببغداد تحت رقم (16425). وبخصوص «خانيجار» راجع هذه المادة في «معجم البلدان»، وقد قال ياقوت الحموي إنها مدينة بين بغداد وأربيل قرب دقوقا. وكذلك الملا جميل الروزبياني في «مدن كردية» ص51، الذي قال إنه توجد ثلاثة أماكن بهذا الاسم، منها طوزخورماتو، و«هه زاركاني» بقرب قره هنجير، وآخر في منطقة زنكاباد، وعدّ في «ميزووي حه سه نويهي وعه يياري» ص204 «خولنجان» مدينة طوز. وكلام ياقوت الحموي صريح وواضح، وقد عُلم من أهل كرميان أن في منطقة زنكنه، بقرب «خان رستم آغا» وبقرب نهر «ئاوه سبي» (آق صو)، قرية باسم خانيجار وأخرى باسم «قوليجان»، وهما بعيدتان جداً عن الطريق العام الذي كان يمر من خانيجار (طوزخورماتو) إلى دقوقا وكركوك.
من تلك الأسماء التركمانية «ملكندي»، اسم القرية التي بنيت فيها مدينة السليمانية سنة 1784، وما زال اسماً لحي من أحيائها يقع شرقي بناية السراي مباشرة، ومعناه قرية الملك، فكلمة «كند» التركمانية محرفة من كلمة «كَوند» الكوردية، على ما كتبه المؤرخ الراحل الملا جميل الروزبياني في رسالة له. ومنها قريتا «ولوبه» و«قره توغان» الواقعتان حالياً ضمن حدود بلدية السليمانية من الجنوب، وقرية «آبلاخ» من أحياء السليمانية أيضاً، وقد شُيّد معظم النصف الغربي من السليمانية على الأراضي التابعة لسكان آبلاخ، وقد سُلبت منهم ولم يعوَّضوا عنها. ومنها قرية باوه كَيلدي وحسن تبه وقره جتان وسورداش وقزقابان وقازانقاية وغيرها، وما زالت أسماء ما يقارب ثلث القرى التابعة لناحية سرجنار من قضاء مركز السليمانية أسماءً تركمانية.
بالرغم من أن عماد الدين زنكي أوصى قادته بعدم إيذاء الأكراد، فإن أحد قادته، وهو حاجبه صلاح الدين محمد بن أيوب الياغسياني، كان قاسياً ظالماً، فظلم الأكراد، حتى إنه قطع بالسيف قامة ابن عجوز كردية (من سكان حصن ماسر) إلى نصفين، وكان ابنها الآخر قد قُتل أيضاً. ولم نجد ذكراً لاسم موضع معين في الحملة على قفجاق سوى اسم حصن «ماسر» الذي كان من الطين، وكان في موقع وخم، واستولى على هذا الحصن صلاح الدين محمد، وأُحضر بين يديه من الحصن نساء وصبيان من المسيحيين واليهود. وقد ذكر أسامة بن منقذ (ت 584هـ) هذه المعلومات في «كتاب الاعتبار» ص158 تحت عنوان «يقطع من يشاء نصفين». ولا أظن أن تكون منطقة «باسره» الواقعة شمال غرب سنكاو (سه نكّاو)، ولها مضيق تاريخي بين سلسلة بازيان وسلسلة قه ره داغ (سه كَرمه) يجري فيه نهر، ونُحتت على جانبه الشمالي الغربي صورة أحد ملوك المنطقة قبل نحو أربعة آلاف سنة من ملوك الكوتيين أو اللولو. وقد ضُبط اسم «ماسر» في الكتب بضم السين المشددة وفتح الراء المشددة، وفي ضبطه خطأ، والاحتمال الأقوى أن يكون الحصن في شهرزور، لأن سهل شهرزور هو المكان الوحيد في منطقة السليمانية الذي وُصف بالوخامة في عدد من المصادر. وأما ما قاله أسامة بن منقذ من أن الحصن كان من الطين، فيُحتمل جداً أنه كان تلاً من التلول الأثرية الترابية، لأن حصون المناطق الجبلية حجرية وليست ترابية، ولا يُستبعد أن يكون تل «ياسين تبه»، أكبر التلول الأثرية في سهل شهرزور، وقد كان في وقت ما مركز السهل ومدينة في العهد الإسلامي يسكنها المسيحيون واليهود بجانب الأكراد، ومثل هذا التجمع السكاني المتنوع يحصل عادة في المدن، وقد ذكر أسامة بن منقذ أن الأقسام الثلاثة كانت في حصن «ماسر».
راجع ابن الأثير، الكامل، حوادث سنة 534هـ بخصوص إمارة قفجاق؛ وراجع أيضاً شاكر صابر، موجز تاريخ التركمان في العراق، ص73-75؛ وكذلك: د. محسن حسين، أربيل في العهد الأتابكي، ص179-181؛ وزبير بلال، أربيل في أدوارها التاريخية، ص158؛ ومحمد أمين زكي، تاريخ الكرد وكوردستان، ص35.
استشهد هرمز ملك جكو في الثاني من كانون الأول سنة 1963 في سهل «زاوا»، إثر رجوعه مع قوة من البيشمركة الذين تحت قيادته من معركة منتصرة بقرب جسر آلوكا، الداخل الآن ضمن بلدية مدينة دهوك، حيث حطموا قافلة عسكرية سورية وأسروا ثمانية عشر جندياً سورياً وقتلوا واحداً وثلاثين منهم مع أحد الضباط. وأثناء رجوعهم، وهم في السهل، طلعت عليهم المصفحات السورية السريعة من معسكر «فايدة» القريب جداً، واستشهد معه سبعة من البيشمركة، وهم: فيليب أردني، وكَه وركي إيشو أردني، وحنا أوديشو عقراوي، وجميل بولص القوشي، وحسن جوله ميركَي، ولا أعلم اسمي الاثنين الآخرين. وإثر استشهاد هرمز ملك جكو حلّ مكانه قائداً للجبهة السيد أكرم، ابن أخت هرمز أو ابن عمه.
كان الثوار المسيحيون متفرقين في جبهات القتال، فجمعهم قائد الثورة وزعيم الشعب الكوردي الملا مصطفى البارزاني في جبهة خاصة، وعيّن هرمز ملك جكو قائداً عليهم. وكان مقر الجبهة في «جبل ديرا» المطل على مدينة القوش المسيحية، عند دير الربان هرمز الشهير الذي شُيّد في مكان معبد ميثرائي قديم. وكان مسيحيو القوش والقرى التابعة لها يقدمون تأييدهم ومساعدتهم للجبهة التي شُكّلت عقب انقلاب البعثيين وعبد السلام عارف في الثامن من شباط 1963. وكانت منطقة عمليات الجبهة المسيحية تمتد من جسر آلوكا حتى قرية الرشيدية والجزء الشرقي من مدينة الموصل، وقد هاجم هرمز ملك جكو مراكز حكومية داخل هذا القسم من المدينة مراراً، ومرة مع غازي حاجي ملو قائد الجبهة المزورية، وكان هو أيضاً شجاعاً من الدرجة الأولى، مع أن منطقة العمليات كانت أراضي سهلية ما عدا جبل القوش مركز القيادة.
كان هرمز ملك جكو، مع بسالته الفائقة، رجلاً مثقفاً متواضعاً محبوباً متصفاً بكمال الأخلاق، وكان يقول مراراً: أنا كوردي ومن القومية الكوردية لحماً ودماً، وكذلك الآثوريون، كما كتب ذلك أيضاً في رسالته الجوابية إلى اتحاد شباب المسيحيين، التي ننشر قسماً منها في هذا الموضوع، وكان والده ملك جكو من رؤساء الآثوريين.
أجزاء «كيف تم تواجد العرب والتركمان والمسيحيين في محافظة كركوك الكوردية» (3 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث (هذا الجزء)