الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

كيف تم تواجد العرب والتركمان والمسيحيين في محافظة كركوك الكوردية (الجزء الثاني)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

إن المصادر التركمانية المؤلفة من قبل التركمان قليلة، ولكن أهم الكتب التي ألّفها التركمان هي: كتاب «موجز تاريخ التركمان في العراق» الذي ألّفه شاكر صابر الضابط (الذي قيل إنه كان في الأصل من أكراد قرية سه ركه لو في محافظة السليمانية) ونشره سنة 1961، وكتاب «التركمان في عراق الثورة» تأليف عبد اللطيف بندر أوغلو، مدير الثقافة التركمانية في وزارة الإعلام العراقية، الذي طبعه سنة 1973، وكتاب «توركمن تاريخندن يابراقلر» تأليف فاضل مهدي بيات الذي طبعه سنة 1975. وقد ورد في هذه الكتب أن التركمان دخلوا العراق للمرة الأولى سنة 45هـ - 683م، وذلك عندما جلب عبيد الله بن زياد، والي خراسان، ألفي مجند من التركمان الغز، استُخدموا في الدفاع عن ميناء البصرة.

وفي سنة 138هـ - 756م أرسل الفضل بن يحيى البرمكي، والي خراسان (أفغانستان)، عشرين ألف مقاتل تركماني إلى العراق، أُسكنوا في «الحربية» بجانب مدينة بغداد بعد بنائها من قبل الخليفة المنصور العباسي. وفي القرن التاسع الميلادي ألّف الخليفة العباسي المعتصم جيشاً من التركمان وأسكنهم في عاصمته سامراء. وفي سنة 324هـ دخل العراق جمع من الأتراك بقيادة بجكم، ضمّهم ابن رائق إلى جنده في واسط. وفي سنة 334هـ/945م، عندما دخل معز الدولة بن بويه العراق وأسس فيه الدولة البويهية، كان قسم من جيشه من الأتراك (4).

لقد ارتكب شاكر صابر الضابط في ص51 عند ذكره لمعز الدولة، وعبد اللطيف بندر أوغلو عند ذكره لبجكم، تحريفاً تاريخياً، وهو قولهما إن هؤلاء الأتراك استوطنوا مدن سامراء والموصل وكركوك وأربيل وتكريت. والمصدر الذي نقل منه الأول، شاكر صابر الضابط، معلوماته هو «الكامل» لابن الأثير، والمصدر الذي نقل منه الثاني، عبد اللطيف بندر أوغلو، هو «مروج الذهب» للمسعودي، ولم يرد فيهما ذكر الموصل وكركوك وأربيل وسامراء وتكريت مطلقاً، أي لم يرد فيهما أن التركمان استوطنوا في ذلك التاريخ المدن المذكورة، والمصدران متوافران في المكتبات العامة (5).

وكانت مدن الموصل وكركوك وأربيل آنذاك تحت سلطة الدولة الحمدانية، ولم يرد آنذاك أي ذكر لتركمان متوطنين في تلك المدن في أي مصدر من المصادر، وإنما ذكر ابن الأثير أن معز الدولة أعطى أولئك التركمان مقاطعات في منطقتي البصرة وواسط، على ما جاء في «الكامل» ج8 ص171 من الطبعة المفهرسة، ولم يرد فيه أن التركمان استقروا في المدن المذكورة.

وذكر شاكر صابر الضابط في ص51 أن موجة من التركمان دخلت العراق سنة 433هـ من أذربيجان، فحاصروا الموصل واستولوا عليها، ثم استولوا على جزيرة ابن عمر الكوردية وأنقذوا زعيمهم، «ثم استقروا في الموصل وأطرافها وتلعفر».

وهذا تحريف آخر لشاكر صابر الضابط، وقد علّق تحريفه هذا برقبة ابن الأثير؛ إذ إننا إذا راجعنا ابن الأثير في حوادث سنة 433هـ لا نجد فيها أي ذكر لهؤلاء التركمان، وإنما كانت الحادثة في سنة 420هـ - 1030م، حيث أغار التركمان الغز (الأوغوز) على مناطق الموصل والجزيرة الكوردية (جزيرة ابن عمر - جزيرة بوتان) والموصل وتلعفر وسنجار وديار بكر، واستولوا على الموصل، وانهزم أميرها قرواش بن المقلد العقيلي إلى السن (جبل مكحول - جبل ساتيدما)، أو مدينة السن المقابلة للجبل والواقعة شرقي نهر دجلة. إلا أنه جمع قواته، وذهبت لنجدته قوات الحلة بقيادة دبيس بن مزيد الأسدي وأبي الفتح الجاواني أمير أكراد جاوان في الحلة، وفي هذا أيضاً إثبات من ابن الأثير لوجود الأكراد في الحلة. فهزم الأمير قرواش التركمان، وقتل منهم ألفي شخص قبل وصول قوات الأميرين (العربي دبيس بن مزيد الأسدي في الحلة، والكوردي أبي الفتح الجاواني أمير أكراد جاوان في الحلة)، وذلك في منطقة تلعفر، حيث ترك الغز التركمان الموصل بعد نهبها، وطاردهم قرواش إلى نصيبين (المتاخمة حالياً لمدينة القامشلي الكوردية)، فلم يستقر أحد من التركمان في الموصل وتلعفر. أما جزيرة ابن عمر الكوردية فلم يحتلوها، وإنما حاصروها، لأن أميرها الكوردي سليمان ابن الأمير نصر الدولة، من ملوك الدولة الدوستكية الكوردية، كان قد ألقى القبض على أمير الغز التركمان أبي منصور (كوكتاش)، فأطلق سراحه بناءً على أمر من والده الأمير نصر الدولة الدوستكي. ثم إن هؤلاء التركمان رجعوا إلى أذربيجان بخمسة آلاف رجل بقوا على قيد الحياة من مجموع حوالي ثلاثين ألف شخص عندما قدموا من أذربيجان، وكان هؤلاء الغز التركمان قد فروا من أمام إبراهيم ينال وأخيه طغرل بك السلجوقي التركي، إذ لم يكن هؤلاء التركمان الغز (الأوغوز) من الغز التركمان التابعين لهما (6).

أما استقرار التركمان في كوردستان العراق فكان بعد استيلاء السلاجقة الأتراك على العراق العربي سنة 447هـ/1055م، بل في أواخر القرن الحادي عشر أو أوائل القرن الثاني عشر. وإن أول ذكر للتركمان في منطقة كركوك، أو في مكان آخر جنوب منطقة شهرزور (منطقة السليمانية) أو غربها، أو في منطقة كويسنجق، كان في سنة 495هـ/1102م، حيث ذكر ابن الأثير في حوادث هذه السنة:

«إن قلعة خفتيذكان عادت إلى حكم الأمير الكوردي سرخاب بن بدر بن مهلهل (بن محمد بن عناز)، من أمراء الدولة العنازية الكوردية، وكان سبب أخذها منه أن قرابلي، وهو من قبيلة سلغر التركمانية، كان قد أتى إلى بلد الأمير الكوردي سرخاب، فمنعه من المراعي وقتل جماعة من أصحابه، فمضى قرابلي إلى التركمان واستجاش بهم، وجاء مع عسكر كثير، فلقيه سرخاب الأمير الكوردي وقاتله، فقتل قرابلي وأصحابه من أكراد الأمير سرخاب قريباً من ألفي رجل، وانهزم الأمير الكوردي سرخاب إلى بعض جباله مع عشرين رجلاً. فلما سمع المستحفظان بقلعة خفتيذكان ذلك، وكانا رجلين، حدثتهما أنفسهما بالاستيلاء عليها، وكان بها ذخائره وأمواله، وقدرها يزيد على ألفي ألف دينار، فتملّكاها. واجتاز بها السلطان بركيارق فأنفذا إليه مئتي ألف دينار، واستولى التركمان على جميع بلاد الأمير الكوردي سرخاب بن بدر سوى دقوقا وشهرزور. فلما كان في هذا الوقت قتل أحد المستحفظين الآخر، وأرسل إلى الأمير الكوردي سرخاب يطلب منه الأمان ليسلم إليه القلعة، فأمّنه على نفسه وعلى ما حصل بيده من أموالها، فسلمها إليه، ووفى له».

من الجدير بالذكر أن قلعة خفتيذكان كانت تقع على الطريق الرئيسي بين إقليم شهرزور وأربيل الكورديين (7). وقد حدد موقعها ياقوت الحموي في مادة «خُفْتيان» من «معجم البلدان»، فقال إنها «قلعتان عظيمتان من أعمال أربيل: إحداهما على طريق مراغة يقال لها خفتيان الزرزاري، على رأس جبل، من تحتها نهر عظيم وسوق وواد عظيم، والأخرى خفتيان سرخاب بن بدر في طريق شهرزور من أربيل، وهي أعظم من تلك وأفخم، ويكتب في الكتب خُفْتيذكان». علماً أن خفتيان الأولى حددها المؤرخون بهوديان الحالية الواقعة شمال غربي رواندوز، أما الثانية (خفتيان سرخاب بن بدر) فتسمى الآن قلعة كان (قه لاي كَان)، ولا شك أن هذا الاسم مخفف من «خفتيذكان» (8). وهي تقع شرقي نهر الزاب الصغير وتطل عليه، وتقع في شمالها، على الضفة الشمالية للزاب، قلعة بوكد التي شيّدها الأمير الكوردي محمد باشا الرواندزي على أنقاض قلعة قديمة لحماية هذا الطريق الاستراتيجي أيضاً، ولدينا صورتها، وقد دمّرها النظام العراقي السابق (وحزب البعث) بالمتفجرات.

لقد عبر السلطان بركيارق بن السلطان ملكشاه السلجوقي التركي نهر الزاب من نقطة قريبة من القلعة سنة 487هـ/1094م، وهو قادم بجيشه المنهزم أمام جيش عمه تتش من نصيبين، وعبر نهر دجلة عند «بلد» فوق الموصل، ماراً بأربيل إلى شهرزور، متوجهاً إلى أصفهان، على ما ذكره ابن الأثير في حوادث سنة 487هـ.

وعلى هذا فإن القتال بين الأمير الكوردي سرخاب وقرابلي التركماني، من قبيلة سلغر من طائفة الغز، أكبر طوائف التركمان التي تكوّن منها الجيش السلجوقي، إن لم يكن في سنة 1094 فإنما كان قُبيلها. ولا يُعلم بالضبط مكان القتال: هل كان في منطقة قلعة خفتيذكان حتى دربند بازيان، أو في سهل كويسنجق الذي شمله انتشار التركمان أيضاً، أو في منطقة قريبة من نهر ديالى، أو في منطقة دربند بيلوله ودربند سرتك في قضاء خانقين؛ إذ إن التركمان السلاجقة احتلوا أولاً مدينة حلوان، التي تمثلها حالياً مدينة زهاو، عاصمة الدولة العنازية الكوردية، التي كانت خانقين وشهربان وبلدروز ومندلي من بلادها، ما عدا منطقة كرمانشاه. علماً أن قرابلي التركماني لم يتخلَّ عن المنطقة التي احتلها، والتي بقيت باسمه حتى النصف الأول من القرن الرابع عشر، وظلت تعرف باسم «ولاية قرابلي» و«دربند قرابلي» (9). ومع أنه لا يمكن تحديد ولاية قرابلي ودربند قرابلي، فإن العالم الموسوعي الكوردي الشهيد الملا جميل الروزبياني حدد دربند قرابلي بدربنديخان الواقعة جنوب السليمانية بـ69 كم (10)، ولكنه في الوقت نفسه يرى أن المعركة مع قرابلي كانت بالقرب من قلعة خفتيذكان، ولم يكن يعلم أن القلعة كانت تقع على الزاب الصغير.

ولما كانت مدينة دقوقا، وكذلك خانيجار (طوزخورماتو)، تحت حكم سرخاب بعد المعركة مدة تزيد على عشر سنوات، إلى أن استولى بلك بن بهرام بن أرتق سنة 498هـ/1103م على خانيجار من مدن سرخاب (سهراب) (11)، وكانت المدينتان على طريق كرخيني (كركوك)، فإن التركمان لم يستقروا في كركوك، مثلما لم يستقروا في المدينتين المذكورتين، حتى وفاة سرخاب سنة 500هـ/1107م، الذي يُحتمل جداً أن عاصمته كانت مدينة خورمال. علماً أن داقوقا، الواقعة جنوب كركوك بمسافة 30 كم، كانت في القرن الحادي عشر أكثر أهمية من مدينة كركوك حسبما تدل عليه الأحداث التاريخية، إذ كانت في العهد العباسي مركز منطقة كركوك، أي إن كركوك كانت بلدة صغيرة تابعة، مع جميع منطقتها الحالية، لدقوقا، على ما ذكره طه باقر وفؤاد سفر في «المرشد إلى مواطن الآثار والحضارة - الرحلة الرابعة» ص5. وكانت دقوقا وكركوك، أي منطقة كركوك، تابعة لأربيل في عهد السلطان مظفر الدين كوكبري (563-636هـ)، الذي يُرجَّح أنه شيّد منارة دقوقا، إذ أقطعه إياها صلاح الدين الأيوبي مع منطقة شهرزور سنة 586هـ/1189م، وكان قد أقطعها كلها سنة 581هـ للأمير حسن من أسرة قفجاق. هذا ولا توجد أية إشارة إلى استيطان التركمان واستقرارهم في كركوك في القرن الحادي عشر، وإن كان قسم قليل من التركمان، مثل قرابلي، قد وصلوا إلى المنطقة سعياً وراء المراعي والكلأ للمواشي التي سلبوها من سكان العراق وإيران وكوردستان، فلم يكونوا مستقرين في المدن الواقعة في سفوح جبال زاكروس الكوردية، منطقة كوردستان.

المصادر

  1. شاكر صابر الضابط، موجز تاريخ التركمان في العراق، ص35 و40 و47؛ عبد اللطيف بندر أوغلو، التركمان في عراق الثورة، ص9 و11 و12؛ توركمن تاريخندن يابراقلر، ص8 و21 و24 و29.

  2. عبد الرقيب يوسف، المصدر السابق، ص291.

  3. لم يستقر التركمان في أذربيجان في العهد السلجوقي التركي، وكانت تحكمها الدولة الهذبانية الكوردية التي حالت دون ذلك، وإنما استقروا فيها في عهد المغول وعهد تيمورلنك. وكانت لغة مراغة، التي اتخذها هولاكو عاصمة له في عهد المغول، اللغة البهلوية المشوبة بالعربية، لأن العرب، إثر الفتح الإسلامي لأذربيجان في عهد الخلفاء الراشدين، أسكنوا قبائل عربية في أذربيجان فشوّهت لغة سكانها البهلوية. وفي عهد المغول انتشرت فيها اللغة التركمانية، وانتشرت أكثر في عهد دولة تيمورلنك، حيث انتشر التركمان بصورة أكبر في القسم الغربي من أذربيجان، كقبائل الغز وشاملو (تركان شاهي) وروملو وموصلو، وأسكنهم تيمورلنك ثم دولة القره قوينلو في أذربيجان. واستقرت تلك القبائل أكثر في المدن في عهد القره قوينلو والآق قوينلو، وراجت لغتهم في المدن، وتقلصت لغة «تات» أذربيجان في المدن، وهرباً من الظلم قبل أهلها لغة القوم الغالب، أي التركمان، وانتهت شيئاً فشيئاً لغة التات واللغة البهلوية. راجع كتاب «مراغه» ليونس مرواريد، ص635، باللغة الفارسية، وقد نقل معظم معلوماته عن حمد الله المستوفي.

  4. في 7/7/2001 قام الأستاذ عبد الرقيب يوسف بمتابعة الطريق الرئيسي التاريخي بين إقليم شهرزور وأربيل، الذي كان يمر بموقع مدينة كويسنجق الحالية (أسكي كوي) أو أمامه، وكان معه المهندس السيد أحمد عمر علي والسيد رزكار إسماعيل خضر، فصوّر قرية بوكد وقلعتها الخربة (21.30 × 21.60 م)، ثم صوّرها مرة أخرى في 9/8/2004. وقد شيّدها الأمير الكوردي محمد باشا الرواندزي بجدران سمكها 1.40 م، وهي على طراز قلعة «سارتكي» نفسه أسفل بلدة دوكان على الزاب الصغير، وظهر أنها شيدت على أنقاض قلعة قديمة، وهي تطل على الضفة الشمالية الغربية للزاب. وقرية بوكد، التي فقدت من سكانها 53 شخصاً في عمليات الأنفال، تقع غربي قرية كليسة، التي اكتُشف في السفرة الأولى موقع الكنيسة التي سميت القرية باسمها، ولم يتمكن من الوصول إلى قلعة خفتيذكان. ولا يُستبعد أن تكون الأراضي الواقعة وراء الزاب حتى كويسنجق وسلسلة جبال هيبة سلطان تابعة لسرخاب أيضاً، علماً أن منطقة رانية وقلعة دزه كانتا ضمن شهرزور، لأن أموالاً بمقدار مليوني دينار (تُقدَّر قوتها الشرائية بأكثر من نصف مليار دينار في وقتنا الحاضر) لا تُجمع عادةً في قلعة حدودية، ولا سيما في قلعة تقع على الطريق العام وفي منطقة متموجة لا في جبال وعرة. وتقرب منها شرقاً قلعة «جلندي» التي هي غاية في الحصانة والهيبة، والواقعة في وادٍ منزوٍ حالياً، مطلة على «نهر تابين» من روافد الزاب من ثلاث جهات، ويمر جنوبي القلعة طريق يتفرع من طريق قلعة خفتيذكان، ويتجه ماراً في واديي جلندي وزرزي الوعرين إلى منطقة سورداش، متجهاً إلى المنطقة الجبلية شديدة الوعورة التي هي الجزء الشمالي من إقليم شهرزور. وقد نوقش اسمها الغريب المطابق لاسم أسرة أمراء الجلندى من عرب عُمان، ولا يُستبعد الآن أن يكون أصل هذا الاسم «جُوَلْدَر»، اسم فرع من فروع طائفة الغز الخمسة عشر، ومنها قبيلة سلغر، فُرض عليها الاسم أثناء احتلال التركمان لإقليم شهرزور، ثم تحول إلى اسم «جلندي»، ولا سيما بعد وصول أسطورة جلندي الإسلامية إلى المنطقة. وكانت قلعة جلندي مدينة قديمة موجودة في القرن الأول الميلادي على أقل تقدير، وذلك بموجب الاكتشافات الأثرية فيها (في 10/10/1994 زار عبد الرقيب يوسف قلعة جلندي مع صديق صالح، ونشر بخصوصها بحثاً في مجلة «هه زار ميرد»، العدد 13، أيلول سنة 2000)، والتفاصيل في البحث المذكور.

  5. تقع قلعة خفتيذكان على نتوء جبلي صخري ضيق مستطيل، يحدها نهر الزاب الصغير من الشرق، والطريق التاريخي القديم من الغرب، في حدود قرية بولقاميش (بوقاميش) من الجنوب الغربي، وشمال شرق قرية كَوبتبه الكبيرة بـ7.2 كم، كما تبعد عن بلدة آغجلر مركز الناحية 19 كم. ولها موقع خلاب، إذ تُشاهد منها التواءات الزاب المتسع، وضفاف مروحية (دالية) جميلة، وأراضٍ متموجة حتى سلسلة «خالخالان - بازيان». وكان طريق إقليم شهرزور وحدياب (أربيل) في أوقات ازدياد مياه النهر يصل إلى القلعة من الشمال الشرقي، حيث كان يمر على جسر ما زالت آثاره باقية على مسافة حوالي 5 كم شرقي قرية كليسة الواقعة على الضفة الغربية.

أما الطريق في الصيف فكان يعبر النهر في نقطة بين كَوبتبه من الجنوب وقرية «كاني بي» على الضفة الشمالية، حيث الماء ضحل في تلك النقطة العريضة، وهو أقصر من الطريق الأول بحوالي 28 كم، وكانت قلعة «كَوبتبه - كوك تبه» تقع على الطريق الثاني.

يبلغ طول القلعة من الشمال الشرقي إلى الجنوب الغربي 100 م، وعرضها 13 م. والجانب المطل على النهر صخري عالٍ حصين، لذلك لم يُسوَّر، أما الجانب الآخر المطل على الطريق فقد سُوّر بالحجر والجص، وشُيّد السور والأبراج على شريط صخري، ويتراوح عرض السور والجدران بين 90 و110 سم، ويقع الباب في الجانب الجنوبي الأسفل. وقد لاحظ عبد الرقيب يوسف أن الباب شُيّد مع طرفي البرجين الجانبيين بميزة معمارية جميلة، أما الميزة الأخرى للقلعة فهي اتساع زراقات (مزاغل) الأبراج الكبيرة، إذ يبلغ اتساعها من الخارج 40 سم، بينما كان المفروض أن تكون أضيق. ولم توجد فيها أدوار تعميرية، وهي من العهد الإسلامي، ونظراً لما ذكره ياقوت الحموي من أنها تعرف بـ«خفتيان سرخاب بن بدر» لا يُستبعد أن يكون الأمير الكوردي سرخاب (سهراب) هو الذي شيّدها، وفي داخل القلعة آثار مجموعة من الأبنية.

وبين القلعة وكَوبتبه، بالقرب من ضفة النهر، آثار خان كبير (24 × 24 م) ينسبه الأهالي إلى «باشاي كوره»، أي محمد باشا الرواندزي، لكنه قديم. وكان طريق شهرزور يتجه من تحت القلعة نحو الجنوب الشرقي، ماراً في حدود قرية عسكر وآغجلر، إلى أن يتصل بطريق كركوك خلف مضيق بازيان عند قرية «كاني شيطان»، أما طريق كركوك فيتجه من عند القلعة إلى كَوبتبه والجبل الواقع في جنوبها الغربي. علماً أن القلعة لم تكتشفها المديرية العامة للآثار في العراق. ولا يتسع المجال للبحث أكثر بخصوص القلعة وهذا الطريق التاريخي، الذي جُمعت عنه معلومات مفصلة في عدة سفرات، وسوف يُنشر البحث عنهما في مقالين. وكان عبد الرقيب يوسف قد سمع مراراً باسم هذه القلعة منذ حوالي ثلاث عشرة سنة ولم يتمكن من زيارتها، وفي 30/10/2004 توجه لزيارتها مع السيدين كمال رشيد ومحمد صالح كريم، من آثاريي دائرة آثار السليمانية ومن أخلصهم وأنشطهم، فقالا إنهما زارا القلعة في شهر تموز المنصرم، فجاؤوا إلى موقع أثري غرب آغجلر بخمسة كيلومترات قالا إنه يسمى «باجكَه»، ويقع بين تلين طبيعيين، فعثر فوراً على أحجار عليها رموز دينية ميثرائية، ثم على امتدادات أثرية شاسعة لم يشاهداها، كانت تقع في حدود قرى «كوزه بوره» و«دالاوا» و«علياوا»، فأعلمهما أنه معسكر فرثي (أشكاني) واسع، ولم يتمكنوا من تحديد بدايته ونهايته، علماً أنه لم تكتشفه المديرية العامة للآثار في العراق. وبتاريخ 31/10/2004 كتبا تقريراً عن الموقع باسم «قه لاى خفتيذكَان - المعسكر الفرثي» وقُدّم إلى دائرة آثار السليمانية. وفي العاشر من شهر كانون الأول سافروا معاً إلى الموقع نفسه لتحديد بدايته ونهايته، وسافروا إلى كَوبتبه التي تبعد عنه شمالاً 6 كم، وأعلمهم عدد من الناس أن قلعة «كَان - خفتيذكَان» غير «باجكَه»، وقد كان عبد الرقيب يوسف قد تحدث مراراً للأخوين المذكورين ولغيرهما من موظفي الآثار بأن القلعة تقع في حدود قرية «بولقاميش - بوقاميش»، ورافقهم السيد محمود عزيز أمين من كَوبتبه ودلّهم على القلعة. وهكذا تبيّن الخطأ في التقرير المذكور، ولكن كان لاكتشاف مساحات شاسعة من المعسكر المذكور، ومعرفة هويته بالأحجار الدينية الكثيرة، وتحديد زمنه بالعهد الفرثي (129 أو 127 ق.م - 227م)، فائدة عظيمة، علماً أن إقامة هذا المعسكر هنا كانت للتحكم في طريق الزاب، أي طريق شهرزور - أربيل المهم.

  1. ذُكر اسمها في معاهدة الصلح التي أُبرمت سنة 581هـ/1184م بين صلاح الدين الأيوبي وأمير الموصل عز الدين مسعود بن مودود بن عماد الدين زنكي، على تنازل عز الدين مسعود عن شهرزور وأعمالها وولاية القرابلي وجميع ما وراء الزاب من الأعمال لصلاح الدين الأيوبي، مقابل تخليه عن محاولة الاستيلاء على مدينة الموصل، وكان قد وصل إلى «زمار»، على ما ذكره ابن الأثير في حوادث السنة المذكورة. والمقصود بالزاب في المعاهدة الزاب الكبير، حيث أصبحت أربيل وكركوك حتى نهاية شهرزور من أملاك صلاح الدين الأيوبي. وذُكر أيضاً اسم «دربند قرابلي» في حوادث سنة 586هـ - 1189م، حيث أقطع صلاح الدين مظفر الدين كوكبري «أربيل وشهرزور وأعمالها ودربند قرابلي وبني قفجاق».

  2. الروزبياني، مدن كوردية، ص61.

  3. يُحتمل جداً أن استيلاء بلك بن بهرام بن أرتق على خانيجار كان بأمر من عمه إيلغازي بن أرتق، الذي كان شحنة العراق، أي مدير شرطته، وكان من مؤيدي السلطان محمد بن ملكشاه في النزاع بينه وبين أخيه بركيارق. أما سرخاب فكان مؤيداً لبركيارق، وقد شارك بقواته في القتال ضد السلطان محمد بن ملكشاه، إذ رافق بركيارق عندما قدم من بغداد إلى شهرزور وأقام ثلاثة أيام في ضيافة سرخاب سنة 493هـ/1100م، ومنها توجه ومعه سرخاب إلى همدان، وانهزم في القتال أمام أخيه السلطان محمد.


أجزاء «كيف تم تواجد العرب والتركمان والمسيحيين في محافظة كركوك الكوردية» (3 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني (هذا الجزء)
  3. الجزء الثالث

→ الجزء الأول  |  الجزء الثالث ←