الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
مؤتمر القاهرة 1921 والمسألة الكوردية في العراق (الجزء الأول)
من محاضرات «مؤتمر القاهرة 1921 والقضية الكوردية» – 2013
تمهيد
ظلت بريطانيا خلال عهدي الاحتلال والانتداب البريطاني للعراق العربي الجديد تمارس سياسة المصالح واستثمار الأقليات القومية والدينية في العراق الجديد لخدمة سياستها الاستراتيجية؛ ففي الوقت الذي كانت تتظاهر فيه بالدفاع عن الكورد في كوردستان (ولاية الموصل) وعن حقوقهم المشروعة، كانت تقف ضدها في وقت آخر أكثر من أية جهة أخرى، بل كانت تسعى إلى جعل المنطقة تعيش الخوف من الحكومة العراقية العربية الجديدة في بغداد، وإلى منع قيام الوحدة الوطنية.
ولا بد من تأكيد أن الحقوق القومية للكورد في كوردستان (ولاية الموصل) ظلت تمثل جزءاً لا يتجزأ من حقوق العراقيين ككل، بوصفهم يمثلون تاريخ العراق وجغرافيته. ومثلما عانى الشعب الكوردي في ولاية الموصل (كوردستان) من سياسة الاضطهاد العثماني والبريطاني، فإن معاناته كانت جزءاً من معاناة كل العراقيين من الوضع الذي اتسم بتخلف الواقع الاقتصادي والاجتماعي.
وتتسم سياسة بريطانيا إزاء هذه المسألة بأنها كانت غير مستقرة؛ ففي مرحلة ما قبل مؤتمر القاهرة (آذار 1921) كانت تحمل اتجاهات محددة، تتمثل في كسب ود زعماء الحركة الكوردية وتعاطفهم ليكونوا إلى جانبها، واستخدمت سياسة الترغيب ومنح الآمال إلى جانب تطلعاتهم، في حين اتخذت هذه السياسة بعد مؤتمر القاهرة شكلاً آخر، واتجاهاً تظهر فيه كل مظاهر الرفض لحقوقهم القومية المشروعة إلا في حدود معينة. بمعنى آخر، إن السياسة البريطانية لبست لبوساً يتلاءم مع طبيعة علاقاتها ومصالحها ومواقفها السياسية المتناقضة (1).
ولا بد من تأكيد حقيقة أساسية، هي أن حركة التحرر الوطني في كوردستان العراق (ولاية الموصل) ارتبطت بالوجهاء الكورد المحليين، وبالأخص زعماء القبائل والشيوخ الدينيين الكورد، وكان في مقدمتهم الشيخ محمود الحفيد البرزنجي، الذي انضم إلى جانب الأتراك ضد الإنكليز في بداية الحرب العالمية الأولى، ولكنه سرعان ما قطع علاقته بتركيا ليقود انتفاضات الأهالي الكورد ضد الحاميات التركية في مدينة السليمانية، بل نظّم في ربيع 1918، وبإسناد من بريطانيا، انتفاضة ضد الحكم التركي في السليمانية، لتصبح تحت حكمه بعد هدنة مودروس في 30 تشرين الأول 1918. ولكن الإنكليز، بعد احتلالهم الموصل سنة 1918، قاموا بتحديد سلطة الشيخ محمود الحفيد، وتدل هذه الواقعة على أن بريطانيا كانت تتعامل مع المسألة الكوردية (ولاية الموصل) وفقاً لمصالحها البريطانية، لا لمصلحة الكورد في كوردستان (ولاية الموصل) بوصفهم جزءاً من العراق العربي الجديد، وهذا ما سنحاول الإشارة إليه في محاضرتنا أو بحثنا هذا.
1- المسألة الكوردية (ولاية الموصل) قبل مؤتمر القاهرة آذار 1921
قبل الحرب العالمية الأولى (1914)، وبالأخص في العهد الحميدي (عهد السلطان عبد الحميد الثاني)، لم يكن هناك ما يسمى بالمسألة الكوردية في كوردستان، وكان شيوخ الكورد يعدّون أنفسهم جزءاً مستفيداً من السكان، وهذا يعني أن المصالح المتضاربة لشيوخ الكورد لم تكن تسمح لهم بأن يضعوا شعار الاستقلال أو الانفصال والقضية الكوردية في العهد العثماني. ثم بدأت المسألة الكوردية بالتبلور، حالها حال قضايا الشعوب غير التركية الأخرى الداخلة في الإمبراطورية العثمانية، في الوقت الذي ظهرت فيه انتفاضة بدرخان الكوردية ذات الملامح القومية. وفي عام 1880 رفعت انتفاضة الشيخ عبيد الله النهري شعار استقلال كوردستان عن الإمبراطورية العثمانية.
وعندما وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها، وعُقدت هدنة مودروس (Mudros) في 30 تشرين الأول 1918، ظهرت في كوردستان العراق حركات تدعو إلى قيام «كوردستان تحت رعاية بريطانيا»، وكان البريطانيون يشجعون هذه الاتجاهات، التي ازدادت بعد قيام الشيخ محمود البرزنجي بتنصيب نفسه حاكماً على السليمانية، بل طرح نفسه مرشحاً لرئاسة الحكومة الكوردية لكوردستان العراق. ولكن هذا الحلم لم يتحقق، لأن وكيل الحاكم البريطاني العام في العراق أرنولد ولسن (A. Wilson) لم يساند سياسته، وقرر أن تصبح كوردستان جزءاً من إدارته البريطانية، وأن يشرف على مناطقها الكوردية الضباط السياسيون البريطانيون (Political Officers)، وعيّن في المدن الكوردية حكاماً عسكريين بريطانيين (Military Governors) كبقية مناطق العراق المحتل (2).
وفي عهد الاحتلال البريطاني للعراق الجديد كان هؤلاء الضباط السياسيون البريطانيون يقومون بكتابة التقارير؛ فقد كتب الضابط الإنكليزي هاي (Hay) عن هذه المرحلة من حياة الكورد في كوردستان قائلاً: «أخذ الفقراء الكورد في كوردستان أثناء مجاعة 1918 يجمعون القرنة (نوع من النباتات البقلية) ويطبخون البذور ويصنعون من هذا الطحين خبزاً». والسبب في ذلك ربما لأن الكورد لم يجرؤوا على زراعة أراضيهم خوفاً من أن يأخذ الأتراك محاصيلهم، ولأن القوات التركية كانت تقوم بمصادرة الأموال والممتلكات والماشية، ولجأت إلى استخدام أسلوب الفتن العرقية بين الكورد والأرمن والآثوريين، الأمر الذي زاد من صعوبة الوضع بالنسبة للكورد في كوردستان (3).
وجاء في تقرير رفعه الميجر روس (Ros)، أحد الضباط السياسيين في المنطقة الكوردية، إلى حكومته في آب 1919: «إنه إذا لم يتدخل الإنكليز بحزم في الأراضي الكوردية في كوردستان الإيرانية، فإن ذلك سوف يؤدي إلى أن تصبح فكرة تكوين دولة كوردية مستقلة حقيقة»، لذا اقترح الميجر روس «إيقاف تقدم الكورد في كوردستان إيران بالقوة في حالة ما إذا حققوا نجاحات أكثر» (4).
وحتى معاهدة سيفر 1920 (Treaty of Sèvres)، التي اقتطعت العديد من الأجزاء الحيوية من كوردستان تركيا، احتوت على مادة مشوشة تتعلق بكوردستان، وهي أنه بعد سنة واحدة من هذه المعاهدة، وهي ليست إلا بتخطيط من الدولة المنتصرة في الحرب (بريطانيا)، كانت دول الحلفاء على وشك أن تسمح بتأسيس دولة كوردية مستقلة في كوردستان، ويتحقق ذلك بفعل تشابك المصالح بين شيوخ الكورد (5). كما كانت دول الحلفاء تخطط لإقامة مثلث سكاني كوردي في كوردستان يقع بين العراق العربي الجديد وأرمينيا وإيران من جانب، وكوردستان تركيا من جانب آخر. ولكن انتصارات تركيا على اليونان في هذه الحرب جعلت هذه الخطط وهمية، لهذا توزّع الكورد على ثلاث مناطق كوردية رئيسة في المثلث العراقي التركي الإيراني (كوردستان)، وأصبح هناك (500,000) كوردي في كوردستان العراق و(700,000) في كوردستان تركيا في ذلك الوقت. وأُجهضت الحركة الكوردية في كوردستان تركيا من قبل الأتراك، وقد أدان الرأي العام التركي بريطانيا لكونها المسؤولة عن هذه المسألة الكوردية في كوردستان تركيا، التي أسماها «الإزعاج» (6).
ولا بد من الإشارة إلى حقيقة أساسية، هي أنه لم يجرِ أي اتصال بين الضباط السياسيين البريطانيين، الذين كانوا يتقدمون مع الجيش البريطاني من أجل بناء علاقات مع شيوخ المناطق الكوردية المحتلة والمتنفذين فيها، وبين الكورد في كوردستان العراق قبل سقوط بغداد في 11 آذار 1917، وكانت خانقين هي المنطقة الوحيدة التي أقاموا فيها مثل هذه العلاقات (7).
وقامت بريطانيا، بعد أن استقرت الأوضاع، بالاستفادة من بعض الكورد في كوردستان في الوظائف، حتى إن الشيخ محمود البرزنجي أصدر بياناً قال فيه: «طالما أن حكومة بريطانيا العظمى قررت أن تحرر شعوب الشرق من النير التركي، وأن تقدم لها المساعدة في نيل الاستقلال، فإن الزعماء الأكراد في كوردستان، باعتبارهم ممثلين للشعب الكوردي، يلتمسون من حكومة بريطانيا العظمى أن تضعهم تحت حمايتها، وأن تضم المناطق الكوردية من كوردستان التي يحتلونها إلى العراق الجديد». واعترفت الحكومة البريطانية بالشيخ محمود الحفيد «حكمداراً» للسليمانية والمناطق المجاورة لها، وخصصت له راتباً شهرياً قدره (15) ألف روبية، ووضع أرنولد ولسن (نائب الحاكم البريطاني في العراق) تحت سلطة الشيخ محمود الحفيد كل المنطقة المأهولة بالكورد والممتدة من الزاب الكبير إلى ديالى (8).
وكتب مراسل جريدة التايمز في 22 أيار 1911 يقول:
«إن الوسيلة الوحيدة للمحافظة على السلام في منطقة خانقين والسليمانية هي ضم كوردستان الجنوبية (ولاية الموصل) إلى العراق الجديد» (9).
وقبل عقد مؤتمر القاهرة في آذار 1921 قرر الإنكليز، بعد أن وجدوا اتساع نفوذ الشيخ محمود الحفيد، أن تصبح كوردستان العراق (ولاية الموصل) جزءاً من العراق العربي الجديد، ورفض الممثل البريطاني أرنولد ولسن، نائب الحاكم البريطاني في العراق، منح المنطقة الكوردية حكماً ذاتياً، وبرر ذلك بـ«تأخر كوردستان والمنازعات القبلية فيها وانعدام السكك الحديد» (10).
وبرزت الحركة الوطنية الكوردية للتعبير عن رأيها في مواجهة السياسة البريطانية وإجراءاتها الاضطهادية، حيث قام الإنكليز بسياسة جمع الضرائب ومصادرة الممتلكات، واستخدام سياسة الإفقار للآلاف من أبناء هذه المنطقة الكوردية، وتركيز السلطة بيد الإقطاعيين وكبار ملاك الأراضي الكورد مقابل اضطهاد الأكثرية من سكان كوردستان، ومصادرة الأراضي الكوردية ومنحها للتياريين (الآثوريين). ولهذا قامت عدة انتفاضات كوردية، بدأتها قبيلة كويان في منطقة زاخو ضد الإنكليز، حيث هاجمت فصيلاً إنكليزياً في نيسان 1919، وثار أكراد منطقة بارزان تحت قيادة الشيخ أحمد البارزاني، وكانت انتفاضة الكورد في السليمانية بقيادة الشيخ محمود الحفيد من أكبرها وأكثرها تأثيراً، وقد بدأت في 20 أيار 1919، وتمكن فيها الثوار الكورد من تطهير مناطق كوردية واسعة من المحتلين البريطانيين، ووصلوا إلى كركوك الكوردية تقريباً (11).
لقد ظل الإنكليز طويلاً، على الرغم من تفوقهم، عاجزين عن القضاء على مقاومة الكورد، حتى إنهم قرروا البدء ببناء سكك الحديد لتسهيل السيطرة على كوردستان العراق والاحتفاظ بها، وقد اقترح هذا المشروع الميجر نوئيل، مستشار الشيخ محمود الحفيد سابقاً، وذلك بعد مدّ سكة حديد قزلرباط – كفري – كركوك (12).
وتمكن الإنكليز من السيطرة على الأوضاع في المنطقة الكوردية في صيف 1919، وقاموا بإعدام العناصر الكوردية الفعالة في الانتفاضة. أما الشيخ محمود الحفيد فقد حوكم عسكرياً في بغداد وحُكم عليه بالإعدام، غير أن الحكومة البريطانية أبدلت الحكم بالسجن عشر سنوات والنفي إلى الهند (13)، ووُضعت مدينة السليمانية تحت حكم السلطات البريطانية مباشرة، ووضع البريطانيون أنصارهم في الوظائف الإدارية.
وعند تشكيل الحكومة المؤقتة في العراق الجديد برئاسة عبد الرحمن النقيب في 25 تشرين الأول 1920، وهي تُعدّ أول خطوة بريطانية باتجاه تغيير سياستها تجاه العراق الجديد، والانتقال من صيغة الحكم المباشر (الإدارة البريطانية المطلقة) إلى خلق واجهة وطنية في الحكم يكون البريطانيون فيها مستشارين للعراقيين، ظلت السلطة العليا في العراق بيد بريطانيا والمعتمد السامي البريطاني الجديد برسي كوكس (Percy Cox). وقد قام كوكس، من أجل استتباب الأمن بعد ثورة العشرين الكبرى في العراق، بإعادة تعيين الشيخ محمود الحفيد حاكماً على السليمانية، وتعيين جماعته مسؤولين في الوحدات الإدارية بمشورة البريطانيين ومعاونتهم. وبرزت أمامه مشكلة ضم المناطق الكوردية إلى سلطة الحكومة العراقية المؤقتة الجديدة، ورغم أنه منح الكورد العديد من الامتيازات، منها تطمينهم على حقوقهم القومية المشروعة، فإن منطقة السليمانية كانت الوحيدة التي رفضت الانتماء إلى الحكومة العراقية المؤقتة، ووافقت على أن تخضع للإشراف المباشر من قبل المعتمد السامي البريطاني برسي كوكس نفسه، أي أن بريطانيا هي التي أشرفت على المنطقة الكوردية (كوردستان) وليست الحكومة العربية العراقية (14). ولكن سرعان ما أعلن الشيخ محمود الحفيد نفسه من جديد حاكماً عاماً للمنطقة الكوردية، الأمر الذي أثار استياء الإنكليز وغضبهم عليه ثانية.
وفشلت بريطانيا معه مرتين: الأولى في عام 1918، حين حاولت بعد تعيينه حاكماً للسليمانية استخدام عدد من الضباط الكورد الذين خدموا في الجيش العثماني للانضمام إلى جماعة الشيخ محمود الحفيد، وكانوا يحملون الشعارات الوطنية والقومية مثل زملائهم الضباط العرب، لكي يخلقوا إحساساً بالوطنية الكوردية عند جماعة الشيخ محمود الحفيد البرزنجي. أما التجربة البريطانية الثانية معه فكانت عام 1922، عندما قام الشيخ محمود الحفيد بإبعاد الضباط الكورد وتعيين أقاربه في الوظائف العامة بالسليمانية واتصل بالأتراك، وهو ما سبب عداء بريطانيا له وإبعاده نهائياً عن العراق الجديد في عام 1923 (15). لهذا نلاحظ أن بريطانيا كانت حريصة على تقريب شيوخ المنطقة الكوردية إليها ودعمهم، ورفضت أية محاولة لاستقلال هذه المنطقة الكوردية (ولاية الموصل) وانفصالها عن جسم العراق الجديد، لا دفاعاً عن العراق الجديد، بل حمايةً لمصالحها.
أجزاء «مؤتمر القاهرة 1921 والمسألة الكوردية في العراق» (3 أجزاء):
- الجزء الأول (هذا الجزء)
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث