الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
مؤتمر القاهرة 1921 والمسألة الكوردية في العراق (الجزء الثاني)
من محاضرات «مؤتمر القاهرة 1921 والقضية الكوردية» – 2013
2- مؤتمر القاهرة آذار 1921 والمسألة الكوردية في كوردستان العراق (ولاية الموصل)
كان هدف مؤتمر القاهرة، الذي عُقد في 12–24 آذار 1921، في الأساس رسم سياسة بريطانية أقل كلفة في الشرقين الأدنى والأوسط، وإيجاد إشراف موحد بدلاً من تعدد مراكز السلطة وانقسامها بين وزارات الخارجية والهند والمستعمرات البريطانية. وأُنيطت هذه المهمة بونستون تشرشل، الذي كان حينذاك وزيراً للمستعمرات البريطانية، لترؤس أعمال هذا المؤتمر في القاهرة، الذي تقرر فيه نقل شؤون العراق الجديد من وزارة الهند إلى وزارة المستعمرات (16).
وفيما يتعلق بالعراق الجديد، كانت النقاط الأساسية التي طُرحت في مؤتمر القاهرة تتحدد بالتخفيض العاجل في المصروفات البريطانية، وهذا يعني إعادة النظر في السياسة البريطانية تجاه العراق الجديد من خلال تحديد مستقبل العلاقة بين الدولة الجديدة (العراق) وبريطانيا، واختيار العاهل لعرش العراق من بين الأسماء المطروحة أمام صانعي القرار البريطاني (17)، وتحديد طبيعة التشكيلات الدفاعية للدولة العراقية الجديدة.
أما آخر القضايا التي تتصل بالعراق تحديداً فكانت تتحدد بوضع المناطق الكوردية (ولاية الموصل، كوردستان العراق) وعلاقتها بالعراق العربي الجديد. وتم تحديد الوفد الذي يمثل العراق في مؤتمر القاهرة، وكان برئاسة برسي كوكس المعتمد السامي البريطاني في العراق، ومعه القائد العام للقوات البريطانية الجنرال هالدين، وساسون حسقيل وزير المالية اليهودي الأصل، وجعفر العسكري وزير الدفاع الكوردي الأصل، بصفة مراقبين.
ولم يتوصل مؤتمر القاهرة في آذار 1921 إلى خيار أو سياسة واحدة، فقد ناقش سياستين بديلتين هما (18):
أولاهما: أن المناطق الكوردية (كوردستان الجنوبية، ولاية الموصل، كوردستان العراق) يجب أن تُعدّ جزءاً من العراق العربي الجديد.
وثانيتهما: أن المناطق الكوردية (كوردستان الجنوبية، كوردستان العراق، ولاية الموصل) يجب أن تُشجَّع على الانفصال عن العراق العربي الجديد.
ولكن موازنة الرأي كانت في صالح الأولى (أن تُعدّ ولاية الموصل جزءاً من العراق العربي الجديد)، وخرج المؤتمر برأي موحد هو الاعتراف بوجود تمييز بين العرب والكورد بالنسبة للإجراءات الإدارية، ومعاملة الشعب الكوردي باللطف، وأخذ رغبته في الانضمام إلى حكومة العراق الجديد، والتوثق من رغبة الكورد في الاندماج بالعراق الجديد أو الانفصال عنه (19). وفضّلت الغالبية داخل مؤتمر القاهرة ارتباط هذه المنطقة الكوردية (ولاية الموصل، كوردستان العراق) بالعراق العربي الجديد، مع تنظيم إجراء خاص للإدارة الكوردية فيها.
كما أن برسي كوكس عقد مؤتمراً «للخبراء المحليين» عند عودته إلى بغداد من مؤتمر القاهرة، فطلبت غالبية آراء الخبراء المحليين فيه انضمام كوردستان العراق (ولاية الموصل) إلى العراق الجديد مع اتخاذ إجراء خاص للإدارة التي سُمّيت «الأنكلو-كوردية». ولكن لم تُحسم أيٌّ من السياستين المطروحتين أعلاه حتى بعد انتهاء أعمال مؤتمر القاهرة في 24 آذار 1921. وشدد برسي كوكس على أهمية الخيار الأول، وعلى أن يكون أكثر جاذبية من أي بديل قد يطرحه الكورد، وأن يرضي الكثير من القوميين الكورد الطموحين، لذلك فإنه سوف يتطلب تغييراً. كما أكد المؤتمر أنه من غير الممكن منح معاملة موحدة لجميع المناطق الكوردية (كوردستان العراق، ولاية الموصل)، التي قسّمها إلى أربع مجاميع (20):
أ- منطقة شمال الزابين (الزاب الأعلى والأسفل).
ب- المنطقة شبه الجبلية المتمركزة على أربيل الواقعة بين الزابين.
ج- المناطق الجبلية بين الزابين عموماً إلى الزاب الأعلى.
د- منطقة السليمانية.
وقال برسي كوكس: «إن دهوك وعقرة قد عبّرتا عن كرههما لأي تغيير في المنطقة الحالية من كوردستان إذا استمر القائممقام في أن يكون إنكليزياً يعمل بصورة مباشرة مع الحكومة العراقية، ويحتفظ المعتمد السامي البريطاني بصورة محدودة بتعيين الموظفين المحليين». واقترح برسي كوكس أن تكون زاخو مركز المتصرف (المحافظ) الكوردي الجديد (مجموعة واحدة)، وقد أدرك أن هذه المناطق الكوردية كانت مرتبطة إدارياً بمتصرفية الموصل. وأضاف برسي كوكس:
«في الحقيقة إن جميع شرايين الاتصال تمتد إلى الشمال أو باتجاه الموصل، إذ لا توجد هناك اتصالات وطنية متقاطعة مع السليمانية، وبالنتيجة لا توجد أي محاولة حالية لإجبار تلك المناطق الكوردية من كوردستان، وخاصة العمادية، على الالتحاق بالوحدة الكوردية في كوردستان العراق (ولاية الموصل). أما في رواندوز أو السليمانية فسوف تقودها» (كما يقول برسي كوكس) «إلى أن تربط نفسها مع كوردستان العراق (ولاية الموصل)».
وقال برسي كوكس: «إن الموصل هي مدينة السوق الطبيعي بالنسبة لهم (الأكراد)، ومن المحتمل أن تكون الشاحنة هي الأفضل بالدرجة الثانية. إن النتيجة التي تم الوصول إليها بعد التفكير بهذه الأجوبة كانت بالنسبة للحد الأقصى الحالي هي أننا (بريطانيا) نستطيع أن نعمل فيما يتعلق بهذه المجموعة في نهاية المدة، ولنقل ثلاث سنوات، ففي خلال ذلك الوقت ربما تعمل السليمانية الكوردية (مجموعة واحدة) على إعادة النظر في قرارها، وتعمل على الارتباط بالمنطقة الكوردية كوردستان العراق (ولاية الموصل)».
أما فيما يتعلق بالمجموعة الثالثة فإن «المنطقة الكوردية ولاية الموصل (كوردستان العراق) في الوقت الحالي ليست تحت السيطرة الإدارية (البريطانية)، وإن النشاط التركي الأتاتوركي منتشر ضدها».
«إنني (برسي كوكس) خرجت من مؤتمر القاهرة بانطباع مختلف نوعاً ما عن توازن الآراء هناك فيما يخص سياستنا البريطانية الكوردية». وأضاف ونستون تشرشل: «تصورت أنك (برسي كوكس) وافقت على الحل الوسط بين البديلين في الجزء الأول من برقيتك، وقبلت بضرورة إقامة اختلاف واضح منذ البداية بين ذلك الجزء الأول من العراق الجديد، الذي يجب أن تتحكم فيه بنفسك مباشرة في الوقت الحاضر مهما تكن نهايته، وبين ذلك الجزء الكوردي (ولاية الموصل، كوردستان العراق) الذي يجب أن يقع في آخر الأمر تحت سيطرة الحكومة العراقية الجديدة في أي حال من الأحوال».
وأشار برسي كوكس في برقية إلى ونستون تشرشل: «طلبت منك في برقيتي المرقمة (109) في الخامس والعشرين من أيار 1921 حول موضوع الضرائب إن كنت ترى أن كركوك الكوردية يجب أن تعامل كجزء من كوردستان العراق (ولاية الموصل) أو كجزء من العراق العربي الجديد. يجول في خاطري صورة الدولة الثانوية التي تتألف من العناصر غير العربية (الكوردية)، والمتداخلة بين العراق الجديد وتركيا الحديثة». وهذا يعني أن بريطانيا أبعدت منطقة كركوك الكوردية عن مناطق كوردستان العراق (ولاية الموصل) لأهميتها. وأضاف:
«إنني أدرك تماماً الصعوبات المحلية التي يجب أن تكافح معها، ولقد أعطيت (برسي كوكس) أهمية كاملة للمناقشات التي قدمت من قبلك، ولكنني (ونستون تشرشل) لا أستطيع رؤية طريق إلى قبول نتائجك دون تفكير بعيد بعد تقسيم مناطق العراق الكوردية، ولاية الموصل (كوردستان العراق)، إلى أربع مجموعات تعطي التوصيات إلى المجموعات الأولى والثالثة والرابعة، ولكن ليس واضحاً تماماً ما اقترحته للمجموعة الثانية. وفيما يتعلق بالمجموعة الرابعة فمن الممكن تحقيق رغباتك بدقة. إن برقيتي المرقمة (153) لم تفكر في أن المصالح المالية حقاً مجموعة واحدة، وفصل قسم (أجزاء) من السليمانية من أجل التناسق لقبول الترتيب الذي يكون أقل اختلافاً من ذلك، والذي تجبرنا الظروف على أن نتبناه من أجل المجموعتين الأولى والثانية. على أية حال فإن هناك طلباً مهماً للانفصال عن الخطوط التي تقترحها، وإني أقترح الآن العمل وفقاً لذلك. إذا انضمت المجموعة الثالثة فإنك سوف تحصل على مقاطعة كبيرة ومحكمة تماماً يتألف الأكراد فيها من قسم السليمانية الكامل والمناطق الجبلية في قسم أربيل، وسوف تُعمل الترتيبات هناك للتوصل إلى إدارة كوردية تحت إشراف بريطاني مباشر، وليس عن طريق وزير عربي، وكذلك سوف يُحتّم ترتيب يكون نوعاً ما على شكل اتفاقية، وذلك تجنباً لضرورة وضع الحواجز غير الجاهزة بين العراق الجديد والسليمانية».
وأضاف ونستون تشرشل في تعليقاته على مقررات مؤتمر القاهرة: «إن التفاصيل تتطلب فحصاً آخر، ولكن أرجو أن تكون الخطة عملية إلى الحد الذي تكون فيه بعيدة عن الحفاظ على الأمن الذي سوف يكون جاهزاً عن طريق نظام التجنيد في جميع المناطق الكوردية، وإن المقاطعة الجديدة سوف تكون قادرة على أن تعيل نفسها بنفسها في البداية».
وأضاف برسي كوكس في برقيته إلى ونستون تشرشل: «إن التعبير عن أي رغبة عفوية في هذه المناطق الكوردية (ولاية الموصل) من أجل الالتحاق بالدولة الكوردية (كوردستان) قبل انتهاء ثلاثة أعوام سوف يكون من السهل مواجهته، ولكن لا أعتقد (برسي كوكس) في البداية أنه سوف يكون من غير الملائم اقتراح مدة قصيرة، وفي الوقت نفسه» فإن من رأي برسي كوكس «أن اقتراحي سوف يشيع الطموحات الكبيرة لكثير من القوميين الكورد المتقدمين هنا».
«لقد تأثرت كثيراً» (ونستون تشرشل) «بأهمية اتخاذ القرار الصحيح الآن إلى الحد الذي قررت فيه أن أحصل على النصيحة والخبرة من ميجر سون وميجر لونكريك، وذلك للاستفادة من وجودهم في هذا البلد، ولقد نوقش السؤال بأكمله وبصورة شاملة معهم، وإن آراءهم تعزز رأيي السابق. إن السياسة التي تحتّم عليّ أن أكون سعيداً برأيك المهم قبل أن أصدر الحكم النهائي هي كما يأتي:
إن المقياس لتعزيز خط الحدود بين المناطق التي تُدار بالتعاقب من قبلك ومن قبل الحكومة العراقية يجب أن يكون الحد العرقي للمناطق العربية الصرفة بدلاً من ذلك الحد للمناطق الكوردية الصرفة، وإن المدن الكبيرة وضواحيها مثل أربيل وكفري وكركوك ليست مدناً عربية صرفة» – بالرغم من وجود بعض الأقليات العربية والتركمانية فيها، علماً أنها ذات أغلبية كوردية – «وكذلك ليست كوردية صرفة» (لوجود أقليات عربية وتركمانية فيها). «ولقد نُصحت بأن الموقف السياسي من المحتمل أن يكون سهلاً عند انسحاب الحامية الإنكليزية، وإذا استبدلنا بها وحدات تكون تحت سيطرة الضباط الإنكليز بدلاً من جيش عراقي عربي، فإن هذا يبدو لي سياسة دقيقة تختلف عن وجهة نظرنا أيضاً».
كما أشار كوكس في برقية إلى ونستون تشرشل: «إننا نقترح أن نعطي الحكومة العراقية مساعدة حرة، ومن رأيي أنه من غير المحبذ أن تمتد تأثيراتها إلى المناطق الكوردية غير العربية. إن موقفنا كقوة انتدابية يجعلنا ملزمين بصد الهجوم المعادي، ولن يكون من الصعب إقناعهم بأنه من أجل أن نفعل هذا بشكل فعال فإننا نفكر في إنشاء قوة حدودية تحت سيطرة الضباط الإنكليز في المناطق الكوردية، ولاية الموصل (كوردستان)». «لقد قررنا في النهاية أن تكون تحت سيطرة الضباط الإنكليز ومن وحدات غير عربية، وأن هذه القوة الحدودية يجب أن تتألف من التركمان والأكراد والآثوريين» (21).
أما برقية وزير المستعمرات ونستون تشرشل الجوابية فقد تضمنت ما يأتي: «إنني أقترح أن المقاطعة الكوردية (ولاية الموصل) غير العربية (كوردستان) يجب أن تبدأ بحد يمتد من سهل شهرزور، ويدور حول مدينة الموصل، ويتبع الحد العرقي للسكان العرب الصرف، وإلى أسفل نحو ركن الحدود الإيراني الذي يقع في جوار نقطة كلالة. يجب أن تُنظَّم هذه المقاطعة في ثلاثة أجزاء مستقلة:
الجزء الأول: يشمل المنطقة الواقعة شمال غرب الزاب الكبير.
الجزء الثاني: لكركوك.
الجزء الثالث: للسليمانية. إن هذا الجزء الموجود قد يمتد قليلاً ليشمل العناصر الكوردية الموجودة في وسط ديالى إلى الشمال (قزلرباط)، والعناصر العربية القليلة الموجودة حالياً في جزء من كركوك الكوردية سوف تُقسَّم بين سامراء والموصل. يجب أن يكون للسليمانية وكركوك الكورديتين متصرفان كورديان، ولدى كل منهما مرشد إنكليزي يتصل مباشرة بك (المعتمد السامي). ومن الممكن السيطرة على الجزء الكوردي الشمالي من مدينة الموصل، إذا كان ذلك ضرورياً، عن طريق ضابط إنكليزي في المستقبل، أو عن طريق المرشد الإنكليزي لدى المتصرف، الذي سيؤدي بهذا وظيفة مزدوجة مشابهة لوظيفتك».
وأضاف ونستون تشرشل في تعليماته إلى برسي كوكس من أجل تنفيذ قرارات مؤتمر القاهرة قائلاً: «إنني أميل بشدة، بحسب المعلومات التي أمامي، إلى ألّا أعتبر هذا هو الحل الصحيح. إن الأجزاء الكوردية الثلاثة من كوردستان سوف تصبح في أي وقت حرة: إما لتبقى مستقلة بعضها عن بعض، أو لتنظيم أولوية الألوية (المحافظات) في لواء واحد لجنوب كوردستان. إن بإمكانك أن تحصل على ضابط لمساعدتك، وخاصة مسؤول عن مهمة الحفاظ على الاتصال مع الأجزاء الكوردية من كوردستان غير العربية أو في تحسين الاتصالات. وفيما يفكَّر فيه، فإن ضابطاً إنكليزياً واحداً قد يوضع في كركوك الكوردية أو في أي مكان آخر في منطقة كوردية من كوردستان غير العربية، وأن يكون مسؤولاً عاماً عن المرشدين الثلاثة».
ويتضح من خلال دراسة هذه البرقيات الواردة في آذار 1921 في هذه الوثيقة أن بريطانيا تمسكت بموقفها الذي رسمته في مؤتمر القاهرة في آذار 1921، وذلك بإدارة هذه المنطقة الكوردية (ولاية الموصل، كوردستان العراق) بشكل مباشر، ورفض كل محاولة للانفصال، والدفاع عن وحدة العراق الوطنية، وهو في الحقيقة دفاع عن مصالحها المالية والسياسية، وبأن هذه المدن ليست مدناً عربية خالصة، وأنها كوردية الأصل مع وجود أقليات عربية وتركمانية فيها.
وعدّت هذه الوثيقة مدن أربيل وكفري وكركوك ليست مدناً كوردية صرفة، بالرغم من أن الكورد هم الغالبية، لأن فيها بعض الأقليات العربية والتركمانية. كما تعكس هذه الوثيقة وغيرها كيفية استغلال القضية الكوردية في كوردستان العراق (ولاية الموصل) للضغط على الحكومة العراقية العربية من أجل إجبارها على اتخاذ مواقف تنسجم مع إرادة بريطانيا ورغباتها في عقد المعاهدات الثنائية البريطانية العراقية.
وأصدرت بريطانيا بياناً في 11 أيار 1921، بعد انفضاض أعمال مؤتمر القاهرة، حول المنطقة جاء فيه: «إن المعتمد السامي في بغداد يرغب في التحقق من أماني الكورد الحقيقية، وإذا ما كانوا يفضلون البقاء في كنف الدولة العراقية الجديدة» (22).
وقد دعا برسي كوكس إلى إجراء الاستفتاء، فظهر، كما أشار في برقيته إلى ونستون تشرشل في 2 حزيران 1921، أن المناطق الكوردية وافقت عليه باستثناء السليمانية (23).
أجزاء «مؤتمر القاهرة 1921 والمسألة الكوردية في العراق» (3 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني (هذا الجزء)
- الجزء الثالث