الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
مشكلة ولاية الموصل (كوردستان الجنوبية) وترسيم الحدود العراقية التركية (الجزء الأول)
من محاضرات «الكورد في ولاية الموصل» – 2015
كانت قضية ولاية الموصل (كوردستان الجنوبية - العراق) ذات الأغلبية الكوردية، وتحديد الحدود العراقية التركية، إحدى القضايا المهمة التي نشأت في أعقاب الحرب العالمية الأولى واحتلال أراضي الإمبراطورية العثمانية، وتكوّن الدولة العراقية العربية الجديدة وتركيا الحديثة. (1)
فخلال الحرب العالمية الأولى احتلت الجيوش البريطانية العراق، وهو يتألف من الولايات العثمانية التالية: البصرة وبغداد والموصل (كوردستان العراق). ثم أُعلنت هدنة مودروس (Moudros) في 30 تشرين الأول عام 1918، وأعطت القيادة التركية الأوامر بإخلاء مدينة الموصل في 4 تشرين الثاني 1918، فاحتلت القوات البريطانية المدينة دون مقاومة، وبذلك عُدّ احتلال الموصل من غير دفاع عنها أمراً قانونياً.
وفي نيسان عام 1920 منحت عصبة الأمم بريطانيا الانتداب على العراق العربي الجديد، ونصت مقدمة مشروع الانتداب على أنه: “بموجب الفقرة (4) من البند (22) من القسم الأول من ميثاق العصبة، تؤسس فيما بين النهرين دولة عربية مستقلة (أي ولايتا بغداد والبصرة فقط)، تحت توجيه ونصيحة ومساعدة إحدى القوى الحليفة، حتى اللحظة التي تكون فيها هذه الدولة (ما بين النهرين، ميسوبوتاميا، أي ولايتا بغداد والبصرة العربيتان فقط) قادرة على حكم نفسها بنفسها. وإن الاتفاق يشمل تحديد حدود الدولة العربية بين النهرين (ولايتي البصرة وبغداد) فقط” (2).
وبسبب المعارضة الأمريكية لم يقرّ مجلس عصبة الأمم إقراراً نهائياً موضوع الانتداب البريطاني على الدولة العربية ما بين النهرين (العراق)، التي تشمل ولايتي بغداد والبصرة فقط؛ إذ تمسكت حكومة الولايات المتحدة بالحصول على حصص نفطية مساوية لحصص البريطانيين والفرنسيين في الشركة التركية للبترول. ولذلك تأخر تصديق مجلس العصبة على الانتداب البريطاني على ما بين النهرين (ولايتي بغداد والبصرة فقط)، ولم يحدد المجلس الأسس التي يجب اتباعها في إدارة البلاد الواقعة تحت انتداب إحدى الدول الحليفة، كما أن المجلس لم تكن له أية سلطة لتحديد حدود البلدان الواقعة تحت مشروع الانتداب (3).
وفي 10 آب عام 1920 وقّع الحلفاء مع تركيا معاهدة سيفر، التي نص البند (132) منها على “أن تتنازل تركيا عن كل حقوقها في ما بين النهرين (ولاية البصرة وولاية بغداد) لمصلحة القوى الحليفة الرئيسة المنتصرة في الحرب”، كما نصت على أن تقوم عصبة الأمم بتشكيل لجنة خاصة لتحديد الحدود بين بلاد ما بين النهرين (ولايتي بغداد والبصرة فقط، ثم ولاية الموصل الكوردية بعد هدنة مودروس) وبين تركيا الحديثة (4).
وشهد العاشر من تشرين الأول عام 1922 توقيع المعاهدة العراقية البريطانية، التي نصت المادة الثامنة منها على “ألا تتنازل بريطانيا عن أي أرض في العراق العربي الجديد، الذي أصبح الآن ثلاث ولايات (البصرة وبغداد والموصل)، وألا تؤجر العراق الجديد إلى أية دولة أجنبية، ولا تضعه تحت سلطتها بأي طريقة كانت” (5).
وباحتلال الحلفاء إسطنبول في 19 آذار عام 1920، أقدمت الحركة الوطنية التركية المعارضة على تأسيس برلمان تركي جديد في أنقرة، وتشكيل حكومة تركية وطنية تتولى مهمة إدارة البلاد.
وقد حدد مصطفى كمال أتاتورك نفسه المهمة الدبلوماسية لحكومة تركيا الحديثة والمجلس الوطني التركي الكبير، في مذكرة إلى وزير خارجيته (بكر سامي)، أكد فيها الوحدة الوطنية للشعب التركي، واستقلال الأراضي التركية، ورفض معاهدة سيفر (10 آب 1920).
وكانت الفترة الأكثر تعقيداً هي الممتدة من بداية الحركة التركية في أيار عام 1919 حتى عقد معاهدة لوزان في 24 تموز 1923، إذ طُرح فيها المشروع الدبلوماسي الذي بدأ تنفيذه أو التمهيد له بالاتصالات التي جرت مع القادة البلاشفة الروس في صيف عام 1920، وتُوِّج بمعاهدة الصداقة الروسية التركية الموقعة في 12 آذار عام 1921 (6).
وفي أعقاب ذلك بدا واضحاً التغيير في مسار السياسة البريطانية إزاء الحركة التركية الكمالية، إذ صرح الساسة البريطانيون المسؤولون عن رسم السياسة البريطانية في الشرق بأن أفضل وسيلة لإقرار السلام في المنطقة هي احتواء الحركة الوطنية التركية وقيادتها (7).
وفي إطار السياسة البريطانية الجديدة، ومن أجل احتواء الحركة الوطنية التركية وقيادتها، ومنعها من الاندفاع نحو التطرف، وإدخالها ضمن المسار الذي رُسم لإقامة سلام يحفظ للتحالف الأوروبي مصالحه في هذه المنطقة الحيوية من العالم، بدأ مؤتمر لندن أعماله في 21 شباط عام 1921، وحضره ممثلو حكومات الحلفاء لتبادل وجهات النظر بشأن مشكلات عديدة، من بينها تعديل معاهدة سيفر التي رفضتها الحكومة التركية الحديثة، وقرروا توجيه الدعوة إلى حكومة أنقرة لحضور المؤتمر.
وفي جلسة 24 شباط عام 1921 قدم المندوب التركي بكر سامي، وزير خارجية تركيا الحديثة، مذكرة مفصلة نص البند الثاني منها على تحديد الحدود الجنوبية لتركيا الحديثة (كوردستان تركيا) تبعاً للخط الذي يُرسم بالاتفاق مع الأطراف ذات العلاقة، وبفصل الأراضي التي تسكنها أغلبية عربية فقط، أي ولايتي بغداد والبصرة العربيتين فقط، دون ولاية الموصل الكوردية (كوردستان العراق) (8).
وباختتام مؤتمر لندن أعماله في 12 آذار عام 1921، لم تتوصل الدول الحليفة إلى اتفاق حول التعديل المطلوب لمعاهدة سيفر (9).
وعلى الرغم من فشل مؤتمر لندن (21 شباط - 12 آذار 1921) في التوصل إلى صيغة نهائية لحل المسألة الشرقية، ومنها الحدود بين العراق الجديد وتركيا الحديثة (ولاية الموصل)، فقد عُدّ نجاحاً للدبلوماسية التركية الحديثة، إذ اعترفت الدول الحليفة بشرعية حكومة أنقرة الجديدة. كما كان المؤتمر فرصة لمندوب أنقرة بكر سامي، وزير الخارجية التركي، للقاء شخصيات فرنسية وإيطالية، فتم التوصل في 11 آذار عام 1921 إلى اتفاق نص على سحب القوات الفرنسية من كيليكيا وتحديد الحدود مع سوريا، ووافقت إيطاليا على الانسحاب لقاء الوعد ببعض الامتيازات (10).
ومن أجل محاصرة الأزمة التي أعقبت مؤتمر لندن، سارعت الدول الحليفة إلى توجيه الدعوة إلى حكومة أنقرة لحضور مؤتمر مودانيا في 3 تشرين الأول 1922، لمناقشة الانسحاب من المنطقة المحايدة والمضائق في الدردنيل وتراقيا الشرقية (11).
وفي 3 تشرين الأول عام 1922 عُقد المؤتمر العسكري في مودانيا، وتقرر فيه الانسحاب اليوناني من تراقيا الشرقية والمنطقة المحايدة والمضائق (الدردنيل).
وباتساع الخلافات التي ظهرت بين صفوف المحافظين ورئيس الحكومة البريطانية، قدّم لويد جورج، رئيس وزراء بريطانيا، استقالته في 19 تشرين الأول عام 1922 (12).
وبتكليف بونار لو (Bonar Law) بتشكيل الوزارة البريطانية الجديدة عام 1922، أكد أن السياسة الخارجية لبلده سيُعهد بها إلى وزارة الخارجية بإدارة اللورد كرزون، مشدداً على ضرورة حل المشكلات الدولية، وخاصة المسألة الشرقية (13).
وفي إطار السياسة الجديدة لحكومة بونار لو التقى اللورد كرزون، وزير خارجية بريطانيا، في تشرين الأول عام 1922 بوانكاريه وزير خارجية فرنسا والممثل الإيطالي في باريس، فاتفقوا على التعاون خلال المؤتمر المنتظر لحماية مصالحهم المشتركة، والتوصل إلى حل نهائي للمسألة الشرقية وفق المبادئ الآتية:
أن تُحدد الحدود الأوروبية مع تركيا وفق المذكرة التي توصلت إليها الدول الحليفة في 23 تشرين الثاني عام 1922، والتي أقرها مؤتمر مودانيا.
وبشأن الحدود التركية السورية، فقد تم الاعتراف بالحدود التي أقرتها المعاهدة الفرنسية التركية التي تم التوصل إليها في 11 آذار عام 1921.
وبشأن الحدود التركية العراقية (ولاية الموصل)، فقد تم الاتفاق على مواصلة الحوار خلال المؤتمر القادم لوضع خط لهذه الحدود (14).
وفي 20 تشرين الثاني عام 1922 اجتمع ممثلو الحلفاء في لوزان بسويسرا من أجل مواصلة مفاوضات السلام، وكانت الدعوة قد وُجهت (15) إلى حكومات اليونان وتركيا واليابان ورومانيا ويوغسلافيا والولايات المتحدة الأمريكية، من أجل حل المشكلات اليونانية، وعقد معاهدة صلح جديدة مع تركيا تحل محل معاهدة سيفر، وكذلك بحث مشكلات إقليمية وسياسية، مثل مشكلة ولاية الموصل (كوردستان العراق)، ونظام المضائق، ومشكلة الأقليات، ومشكلة الامتيازات الأجنبية، والمشكلات الاقتصادية كالديون العثمانية وحماية المصالح الأجنبية (16).
وفي جلسة افتتاح المؤتمر صرح اللورد كرزون، وزير خارجية بريطانيا، بأن من بين القضايا التي يجب أن تكون ضمن بنود معاهدة السلام المؤمل عقدها قريباً تحديدَ الحدود الجنوبية للأراضي التركية في آسيا الصغرى، وأهمها ولاية الموصل الكوردية، ويعني بذلك الحدود بين سوريا والعراق من جهة، وتركيا من جهة أخرى، وأن هذه القضية يجب أن تودع لدى اللجنة في 27 تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1922، أي بعد أسبوع من افتتاح مؤتمر لوزان الأول في 20 تشرين الثاني 1922.
وفي مساء 26 تشرين الثاني عام 1922 طلب المندوب التركي عصمت باشا إينونو، وزير خارجية تركيا الحديثة، من اللورد كرزون أن يتخلى عن المناقشات العلنية ويتبادل معه وجهات النظر بصورة خاصة.
واستجابةً لهذه الرغبة استمر تبادل وجهات النظر من خلال تبادل المذكرات التي وُزعت على المندوبين الرئيسيين للدول الحليفة، إلا أن تبادل وجهات النظر الشفهية والمكتوبة لم يسفر عن نتائج؛ إذ أصر عصمت باشا إينونو على طلبه إلحاق ولاية الموصل (كوردستان العراق) بتركيا الحديثة، واضطر اللورد كرزون إلى تكرار وجهات نظره.
وفي مثل هذه الظروف لم تكن هناك وسيلة أخرى سوى إيداع قضية ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية لدى اللجنة، لتعطي الجانبين الفرصة لعرض وجهات نظرهما أمام مؤتمر لوزان. وقد أيد المندوبون الفرنسيون والإيطاليون طرح القضية أمام اللجنة، مما دفع المندوب التركي إلى عرض وجهة نظره، فأوضح باختصار الحجج التي قدمها الطرفان، والأسباب التي حملت تركيا على رفض إعطاء ولاية الموصل (كوردستان العراق) لأي من القوى الكبرى المنتدبة، وخاصة بريطانيا أو فرنسا.
وهذه الأسباب هي: السكانية والسياسية والتاريخية والجغرافية والاقتصادية والعسكرية. فقد أشار إلى أن عدد السكان الذين يقطنون ولاية الموصل الكوردية يبلغ نحو 503,000 نسمة بأغلبية كوردية، يتوزعون بين قبائل كوردية وتركية وعربية، وأن هذه القبائل الرحّل تغيّر أماكنها حسب الفصول وتترك المدينة في بعض الفترات، ولذلك لا يمكن تحديد عددها بدقة؛ فهم يقضون، حسب حاجتهم، فصولاً من السنة في التجول بين ديار بكر ودير الزور وبغداد والنجف، وهذا ما يجعلنا غير قادرين على عدّهم جزءاً من سكان ولاية الموصل (كوردستان) (17).
وقدم المندوب التركي، وزير الخارجية عصمت باشا إينونو، جدولاً إحصائياً لتركيبة سكان ولاية الموصل (كوردستان العراق) في ألويتها (الموصل وكركوك والسليمانية وأربيل):
| السنجق | الكورد | الترك | العرب | اليزيديون | غير المسلمين | المجموع |
|---|---|---|---|---|---|---|
| السليمانية | 62,830 | 32,960 | 7,210 | - | - | 103,000 |
| كركوك | 97,000 | 79,000 | 8,000 | - | - | 184,000 |
| الموصل | 104,000 | 35,000 | 38,000 | 18,000 | 31,000 | 226,000 |
| مجموع السكان | 263,830 | 146,960 | 53,210 | 18,000 | 31,000 | 513,000 |
ويتبين من هذا الجدول أن العرب يشكلون في سنجقي السليمانية وكركوك نسبة ضئيلة جداً، وأنه لا يوجد في مركز ولاية الموصل (مدينة الموصل) سوى 38,000 عربي مقابل 130,000 مواطن تركي وكوردي، وأنه يوجد في ولاية الموصل الكوردية (كوردستان العراق) كلها 410,000 تركي وكوردي مقابل 48,210 عربياً و31,000 من غير المسلمين (المسيحيين) و18,000 من الكورد اليزيديين. وأشار المندوب التركي إلى أن هذه الإحصائية كانت أول خلاف تركي بريطاني، إذ إن المندوب البريطاني لم يعارض الأرقام المقدمة فحسب، بل أصر على أن الحكومة التركية لا يمكنها إجراء إحصاء دقيق لسكان ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية (كوردستان العراق)، وادعى أن هذه المنطقة الكوردية تضم أعداداً أكبر، وأكد التناسب بين السكان من كل الأجناس.
وأضاف المندوب التركي أن الأرقام المقدمة من المندوب البريطاني، كما يتضح من الجدول أدناه، تُظهر أن المواطنين العرب وغير المسلمين (المسيحيين) يشكلون أقلية بين سكان ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية، ثم الترك (التركمان):
| اللواء | العرب | الكورد | الترك | المسيحيون | اليهود | المجموع |
|---|---|---|---|---|---|---|
| الموصل | 170,633 | 179,820 | 14,895 | 57,425 | 9,663 | 432,438 |
| أربيل | 5,100 | 77,000 | 15,000 | 4,100 | 4,800 | 106,000 |
| كركوك | 10,000 | 45,000 | 35,000 | 600 | 1,400 | 92,000 |
| السليمانية | - | 152,900 | 1,000 | 100 | 1,000 | 155,000 |
| المجموع | 185,733 | 454,720 | 65,895 | 62,225 | 16,863 | 785,468 |
وحدد أن العرب يوجدون جنوب خط (القيارة - سنجار)، وعلى الجهة اليمنى لنهر دجلة في المنطقة الممتدة من فايدة إلى كركوك، وأن الجهة اليسرى لنهر دجلة يسكنها الترك والكورد، واستخلص المندوب التركي من ذلك أنه لا يمكن عدّ سكان مدينة الموصل عرباً، وأنهم لا يؤلفون جزءاً من شعب العراق العربي الجديد.
وأشار المندوب التركي إلى أن ممثلي الأكراد في المجلس الوطني التركي الكبير يشاطرون إخوانهم الترك القضايا نفسها التي تعني الأتراك في شؤون الحكومة والإدارة، وأن الأكراد يجدون في تركيا في كل الأوقات حقوقهم القومية الكوردية بوصفهم مواطنين من الدرجة الأولى، وأنهم لا يعدّون الحكومة التركية حكومة أجنبية أو مضطهدة لهم. والله أكبر من هذا التفسير المجافي لحقيقة الواقع!
وأضاف أن التصريحات البريطانية التي أُطلقت خلال الحرب العالمية الأولى بشأن تحرير العرب واستقلالهم قد فقدت فاعليتها منذ عام 1918، وأن الحكومة البريطانية إذا تركت سكان العراق الجديد أحراراً، وسمحت لهم بالتصويت لتقرير مصير بلادهم (ولاية الموصل - كوردستان العراق)، فلن تجد أحداً يصوت لصالح الاحتلال أو الحماية أو الانتداب البريطاني. وأن سكان العراق الجديد، وخاصة سكان ولاية الموصل (كوردستان العراق)، أظهروا دائماً رغبتهم في الانضمام إلى تركيا الحديثة، على الرغم من أن حكومة المجلس الوطني التركي الكبير تعدّ هذه الأجزاء ذات الأغلبية الكوردية من الإمبراطورية العثمانية حرة مستقلة، ولها الحق في تقرير مصير بلادها (كوردستان).
وأن تركيا الحديثة لا تعترف بفرض الانتداب البريطاني على العراق العربي الجديد، وخاصة على ولاية الموصل (كوردستان العراق) التي كانت لا تزال جزءاً مهماً من الدولة التركية الحديثة، ولا بمنحه لبريطانيا، وأن المعاهدات البريطانية التي وُقعت مع العراق الجديد ليست لها أي قيمة قانونية، وأن البند (22) من ميثاق عصبة الأمم لم يُحترم، لأن سكان العراق الجديد لم يُتركوا أحراراً على الرغم مما أذيع من أنهم مستقلون. وأن الحلفاء عقدوا قبل هدنة مودروس (30 تشرين الأول 1918) ومنذ عقدها سلسلة من الاتفاقيات من أجل تقسيم الإمبراطورية العثمانية وتأمين منافع خاصة، وأنهم اعترفوا بعدم إمكان تطبيق أكثر هذه الاتفاقات في أعقاب أحداث السنوات الأخيرة. وتساءل: لماذا كان اتفاق سان ريمو الخاص بولاية الموصل امتيازاً لا يمكن المساس به؟
وأضاف أن حق السيطرة البريطانية استُدعي لتبرير وضع بريطانيا يدها على العراق العربي الجديد (ولايتي بغداد والبصرة)، وبعدهما على ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية (كوردستان الجنوبية - العراق)، وأنه، أي المندوب التركي ووزير الخارجية عصمت باشا إينونو، لا يخشى أن يدعو الرأي العام العالمي إلى شجب هذا الأمر، لأنه يعاكس النظرة العالمية إلى حق الاختيار والحفاظ على السيادة وتوفير الديمقراطية الحقيقية.
وقال كذلك: إن نظرتنا (تركيا) خلال الحرب العالمية الأولى لم تكن مطابقة لوجهة نظر الحلفاء، وإن إعلان الرئيس الأمريكي ولسن بنوده الأربعة عشر، ومنها حق تقرير المصير للشعوب، لم يشكل القاعدة المستقبلية للسلام. وأكثر من ذلك فإن احتلال بريطانيا ولاية الموصل (كوردستان العراق) لم يكن شرعياً، لأن مدينة الموصل احتُلت بعد عقد هدنة مودروس في 30 تشرين الأول 1918.
وبصدد الأسباب التاريخية أوجز المندوب التركي عصمت باشا إينونو العلاقة التاريخية التي تربط ولاية الموصل (كوردستان العراق) بالإمبراطورية العثمانية، مشيراً إلى أن ولاية الموصل الكوردية كانت منذ أحد عشر قرناً ضمن ممتلكات الدولة العثمانية.
أما الأسباب الجغرافية، فإن وجهة النظر الجغرافية وتكوينات الأرض والمناخ تحدد أن الخط الفاصل بين الأناضول (كوردستان تركيا) وبلاد ما بين النهرين، أي ولايتي بغداد والبصرة (العراق العربي الجديد)، هو خط سلسلة جبل حمرين وجبل فوبل (Foobool) ووادي الثرثار وجبل سنجار. وإلى الشمال من هذا الخط تحظى ولاية الموصل الكوردية بمناخ الأناضول، والموصل تقع على مفترق الطرق التي تربط الأناضول، ولهذه الولاية أهمية من وجهة نظر الاتصالات بين مختلف مناطق الأناضول (كوردستان تركيا)، فهي ترتبط بالطرق التي تصل بين السليمانية وأربيل وكركوك وديار بكر وأورفا وبتليس وغيرها.
وبصدد المبررات العسكرية والاستراتيجية أكد المندوب التركي عصمت باشا إينونو أن الحدود التي اقترحها، والمتمثلة بخط جبل حمرين وجبل فوبل ووادي الثرثار وجبل سنجار، تتكون من مجموعة من الجبال التي تشكل الخط الفاصل الطبيعي بين تركيا وبلاد ما بين النهرين العربية (ولايتي بغداد والبصرة فقط)، وتشكل حدوداً استراتيجية، مشيراً إلى أن أفضل ضمان لأمن العراق العربي الجديد هو إدامة الصداقة مع تركيا الحديثة، وعدم إفساح المجال أمام التعصب التركي والكوردي داخل حدودها.
وبانتهاء المندوب التركي عصمت باشا إينونو، وزير الخارجية، من استعراض الحجج التي دفعت تركيا الحديثة إلى التمسك بولاية الموصل (كوردستان العراق)، تحدث المندوب البريطاني اللورد كرزون، وزير خارجية بريطانيا، معبراً عن سعادته لعرض وجهة النظر البريطانية إلى جانب وجهة النظر التركية أمام الرأي العام الدولي. وواصل حديثه مؤكداً أنه يحتاج أولاً إلى أن يقدم تفسيراً للحالة الحقيقية لولاية الموصل الكوردية، وما تم عمله بشأنها، موضحاً أن بلاد ما بين النهرين كلها (ولايتي بغداد والبصرة) ومعها ولاية الموصل الكوردية (كوردستان العراق) قد احتلتها القوات البريطانية خلال الحرب العالمية الأولى، وطُردت الحكومة العثمانية التركية من البلاد العربية، وخاصة ما بين النهرين وولاية الموصل (كوردستان الجنوبية - العراق)، وأُعطي شعب هذا البلد من العرب والكورد الوعد بأنه سيكون، في حالة تحقيق النصر، مستقلاً عن النظام العثماني التركي بدعم بريطاني، كما قدمت بريطانيا للشريف حسين بن علي التزاماً باستقلال العرب في هذه المناطق العربية. ثانياً: قد بُذلت الجهود لتطبيق هذه الالتزامات، وطُلب من سكان العراق الجديد (عرباً وأكراداً) أن يعبروا عن وجهة نظرهم في الوحدة بين ولاية الموصل الكوردية (كوردستان العراق الحالي) والولايتين العربيتين (بغداد والبصرة)، ففضلوا ذلك، وعبروا عن رغبتهم في أن يتولى ملك عربي شؤون البلاد (العراق العربي الجديد).
وخلال مؤتمر السلام في باريس عام 1919 تم الاتفاق على وضع الأراضي المحتلة التي كانت تابعة للإمبراطورية العثمانية والإمبراطورية الألمانية تحت نظام الانتداب الذي أقرته عصبة الأمم. وبعد إجراءات واسعة، وبتأثير الرئيس الأمريكي ولسن، تم تقسيم الانتدابات في مؤتمر سان ريمو في نيسان عام 1920، فتقرر إعطاء الانتداب على سوريا لفرنسا، والانتداب على فلسطين وبلاد ما بين النهرين لبريطانيا. وبموجب معاهدة سيفر التي وُقعت في 10 آب 1920، حُددت حدود سوريا وكذلك العراق الجديد شمال ولاية الموصل (كوردستان العراق)، وطُلب منذ ذلك الوقت من عصبة الأمم أن تحدد الإجراءات أو الوسائل التي تستطيع القوى المنتدبة بواسطتها أن تمارس سلطتها وسيطرتها في كل هذه الأقاليم.
وقد هيأت عصبة الأمم مشاريع الانتداب خلال العامين 1920 و1921. وخلال عام 1921 حُسمت في مؤتمر القاهرة (آذار 1921) مسألة تولية رئيس عربي، بانتخاب الأمير فيصل ملكاً لدولة عربية في العراق الجديد، وقد اشتركت ولاية الموصل الكوردية في التصويت، وانتُخب الأمير فيصل الأول بالإجماع ملكاً على عرش العراق العربي الجديد.
وفي الوقت الذي لم تنته فيه عصبة الأمم بعد من تحديد الحدود النهائية للانتداب، دُعيت الحكومة البريطانية إلى الاستمرار في توجيه الإدارة وفق روح الانتداب. وبانتظار القرار النهائي عبرت الحكومة البريطانية عن رغبتها في تخفيف المسؤولية البريطانية وتأكيد سلطة الدولة العربية واستقلالها، فعقدت في تشرين الأول عام 1922 معاهدة مع الملك فيصل الأول، تقرر بموجبها التزام الطرفين بعدم التنازل عن أي أرض من العراق الجديد أو إعطائها.
- وأشار المندوب البريطاني اللورد كرزون، وزير خارجية بريطانيا، إلى أن حكومته مرتبطة بثلاثة التزامات، هي:
تجاه الأمة العربية، إذ وعدت بعدم عودتها إلى النظام العثماني التركي.
تجاه ملك العراق العربي الجديد الذي انتخبه شعب العراق، بما فيه ولاية الموصل الكوردية.
تجاه عصبة الأمم، مؤكداً عدم استعداد حكومته للتنازل أو التخلي عن الانتداب، أو عن أي جزء من الأراضي العراقية التي منحت للانتداب البريطاني.
وبشأن الاحتلال العسكري البريطاني لولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية (كوردستان العراق)، ورداً على ما عرضه المندوب التركي عصمت باشا إينونو، أوضح اللورد كرزون أن هذه الولاية ذات الأغلبية الكوردية كانت بأيدي السكان أنفسهم، وهم من الغالبية الكوردية، وأن أجزاء أخرى من الولاية كانت بيد القوات العربية التي يتولى قيادتها ضباط عراقيون، وهذا ما أوجب احتلالها ووضعها ضمن الأراضي الواقعة تحت الانتداب البريطاني.
وخلال السنوات الأربع الأخيرة (1918 - 1922) صدرت عن الحكومة التركية تصريحات تقرّ بخسارة الحرب العالمية الأولى، وبالقبول بمبدأ فصل الأراضي التي تسكنها أغلبية عربية، وهذا ما أكده المجلس الوطني التركي الكبير في أنقرة.
وأردف المندوب البريطاني بأن الأرقام التي قدمها المندوب التركي إنما هي إحصائيات أُعدت من أجل تنظيم قوائم بأسماء المجندين للخدمة العسكرية، وأنه يرفض قبولها، مشيراً إلى أن الإحصائيات التي أعدها الضباط البريطانيون، والتي تشمل كل منطقة وكل مدينة وقرية، أقرب إلى الحقيقة، إذ يوجد هؤلاء الضباط السياسيون البريطانيون هناك منذ تشرين الثاني عام 1917، بينما لم يوجد خلال هذه الفترة أي مسؤول عثماني تركي. وقدم المندوب البريطاني إحصائية لعدد سكان ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية (كوردستان الجنوبية - العراق):
العرب: 186,000
الكورد: 455,000
الترك (التركمان): 66,000
المسيحيون: 62,000
اليهود: 19,000
وأشار إلى أن العرب يؤلفون ربع المجموع العام لسكان ولاية الموصل الكوردية، الذي يتراوح بين 750,000 و809,000 نسمة، وأن مجموع السكان في مدينة الموصل يتراوح بين 80,000 و90,000، يشكل العرب منهم ما بين 50,000 و60,000، ويسكنون شمال الموصل وعلى الضفة اليمنى لدجلة حتى الحدود الشمالية للولاية.
أما الكورد، الذين يبلغون نحو 455,000 من مجموع 750,000 - 800,000 مواطن، فهم من الجنس الكوردي الآري، ويتكلمون لغة كوردية آرية تختلف عن لغة الأناضول التركية. وهؤلاء الأكراد موجودون في المناطق الجبلية (كوردستان) منذ آلاف السنين، وقد قاوموا كل الهجمات العثمانية التركية، ولم تمارس الحكومة العثمانية التركية سلطتها على هذه المناطق الكوردية. وخلال الحرب العالمية الأولى لم يقدم أكراد هذه المنطقة أي مساعدة للعثمانيين الأتراك، وإنما قدموا دعمهم للبريطانيين، وأظهروا عدم رضاهم عن النظام العثماني التركي. وقال إن الأكراد، بحكم تاريخهم المستقل وعاداتهم، يجب أن يُعدّوا جنساً قائماً بذاته ومستقلاً عن الترك، ويجب أن يشكلوا حكماً ذاتياً كوردياً بإدارة ومدارس محلية في المنطقة الكوردية (كوردستان)، مع احتفاظهم بعلاقات واسعة مع بغداد، خاصة في المجال الاقتصادي.
وقدم المندوب البريطاني اللورد كرزون مبررين آخرين يستدعيان ضم ولاية الموصل (كوردستان العراق) إلى العراق العربي الجديد؛ فأشار إلى أن العلاقات الاقتصادية واسعة بين ولاية الموصل الكوردية وبغداد وسوريا وحلب. وبشأن المسألة الاستراتيجية أكد أن ولاية الموصل (كوردستان الجنوبية - العراق) منطقة حيوية لا تبعد عن حدود شمال بغداد سوى 360 كم، ولذلك فإن القوات التركية ستكون خطراً على العراق العربي الجديد (ولايتي بغداد والبصرة) في حالة ضم ولاية الموصل الكوردية إلى تركيا الحديثة، وستظل ولاية بغداد تحت رحمة القوات التركية، وأن الحكومة البريطانية لا يمكنها أن تقبل بخطر يهدد بغداد.
وفي نهاية حديثه استطرد المندوب البريطاني إلى المصالح البترولية في المنطقة، موضحاً أنه منذ افتتاح مؤتمر لوزان وصل إلى لندن ثلاثة مندوبين أتراك لدراسة الامتيازات النفطية في ولاية الموصل (كوردستان العراق) مع المساهمين البريطانيين، إذ كانت الدولة العثمانية قد منحت قبل الحرب العالمية الأولى امتيازاً للشركات البريطانية والفرنسية والألمانية، وبانتهاء الحرب آلت الحصص الألمانية إلى الحكومة البريطانية التي ظلت متمسكة بهذا الاتفاق.
وأضاف أن الحكومة البريطانية تعترف بأن البترول مادة حيوية لكل دول العالم، وأن من الخطأ احتكاره، وأن الشركات النفطية البريطانية تحظى بدعم الحكومة البريطانية، وقد اتُّخذت الإجراءات منذ ذلك الحين لمتابعة المفاوضات من أجل إشراك مصالح البلدان الأخرى في هذا الامتياز بشكل يحفظ لهذه الأطراف حق الاشتراك، وإذا تكلل الاستثمار بالنجاح فإن العراق العربي الجديد وتركيا الحديثة سيحددان دورهما ومنفعتهما في هذا الامتياز (18).
وفي ختام حديثه أعرب اللورد كرزون عن رغبته في التوصل إلى حل ودي للخلافات مع الجانب التركي، وعقد معاهدة مشرفة للطرفين، من خلال دراسة غير متحيزة لطبيعة القضية وتقصٍّ لحقائقها تقوم به عصبة الأمم، وأن الحكومة البريطانية ستقبل النتيجة العادلة التي تتوصل إليها لجنة تقصي الحقائق التابعة لعصبة الأمم (19).
أجزاء «مشكلة ولاية الموصل (كوردستان الجنوبية) وترسيم الحدود العراقية التركية» (3 أجزاء):
- الجزء الأول (هذا الجزء)
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث