الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

مشكلة ولاية الموصل (كوردستان الجنوبية) وترسيم الحدود العراقية التركية (الجزء الثالث)

من محاضرات «الكورد في ولاية الموصل» – 2015

درست اللجنة بالتفصيل الإحصائيات التي عرضتها الحكومتان البريطانية والتركية في مذكراتهما، وقد حاولت كل حكومة أن تثبت عدم دقة إحصاءات الحكومة الأخرى. وخلصت اللجنة في دراستها إلى أن الإحصاءات والخرائط التي زودها بها الطرفان ليست دقيقة، فقد بالغا في عدد النفوس بأساليب مختلفة. وأكدت أن ولاية الموصل (كوردستان العراق) يسكنها، مرتبين حسب أهميتهم العددية، أكراد وعرب ومسيحيون وأتراك ويزيديون كورد ويهود، وأن الأكراد يؤلفون أكثرية السكان، وهم ليسوا تركاً ولا عرباً، ويتكلمون لغة كوردية آرية خاصة بهم.

وإن الجماعتين الوحيدتين المتماسكتين اللتين تسكنان مناطق واسعة هما الأكراد والعرب، والخط الذي يفصل بين الجنسين هو نهر دجلة حتى التقائه بالزاب الصغير، ثم طريق كركوك - كفري المتجه جنوباً. وهذا الخط يفصل مدينة الموصل عن الأراضي الخصبة الكثيفة السكان، ولذلك تعتقد اللجنة أنه لا يمكن أن توصي بخط كهذا بسبب مساوئه الاقتصادية والاجتماعية. وبسبب اختلاط الأجناس استنتجت لجنة تقصي الحقائق أنه لا يمكن الأخذ بالاعتبارات العنصرية المحضة في تحديد الحدود (36).

وذكرت اللجنة في خلاصة بحثها التاريخي أن مدن الموصل والبصرة وكركوك كانت في بداية القرن الثامن عشر تابعة في الغالب لوالي بغداد، ومنذ عام 1726 أصبحت مدينة الموصل والأراضي المحيطة بها يحكمها والٍ عربي من أسرة آل الجليلي التي لا تزال موجودة في مدينة الموصل. وفي عام 1831 أسقط السلطان العثماني والي بغداد المستقل داود باشا. وفي عام 1835 وُضعت مدينة الموصل تحت إدارة والي بغداد وأصبحت سنجقاً (لواء)، وكانت ولاية بغداد تلك تضم العراق الحاضر كله، بما في ذلك الأراضي المتنازع عليها (ولاية الموصل الكوردية). وقالت اللجنة إنها واثقة من أن مدينة الموصل كانت تحت سيادة السلاطين العثمانيين خلال القرون الأربعة الماضية، ولكن هذه السيادة العثمانية لم تكن فعلية دائماً، ولم تكن شاملة للولاية كلها، وقد شاركت الموصل ماردين والجزيرة وديار بكر وبغداد تاريخها، ولذلك فإن أي خط حدود يُقترح سيكسر السلسلة التاريخية (37).

ومن وجهة النظر الاقتصادية الصرفة قررت اللجنة أن أفضل تسوية لولاية الموصل الكوردية هي إلحاقها بالعراق العربي الجديد، وأن من الخطأ فصل ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية عن الأراضي المرتبطة بها اقتصادياً، ومن الصعب جداً فصل مدن كركوك وأربيل وكفري والسليمانية عن بغداد. وختمت اللجنة خلاصتها بالقول: إذا كان المرغوب فيه تقسيم ولاية الموصل (كوردستان العراق) لأسباب غير اقتصادية، فإن التسوية المقبولة اقتصادياً هي أن يُرسم خط الحدود شمالي الزاب الصغير، تاركاً كويسنجق وطق طق ورانية في العراق العربي الجديد.

وبصدد الحجج العسكرية أيدت اللجنة وجهة النظر البريطانية القائلة إن خط الحدود المقترح يتألف من قمم وجبال عالية متصلة تشكل سوراً حاجزاً لا يُخترق في الشتاء ويصعب عبوره في الصيف، ويؤلف قسمه الشرقي فاصلاً اقتصادياً وعنصرياً بين الشمال والجنوب. وخلصت اللجنة إلى أن الخط الذي تقترحه الحكومة البريطانية هو بلا شك خط عسكري ممتاز.

وبصدد الحجج السياسية ذكرت اللجنة أن كثيراً من الشهود عللوا تفضيلهم الانضمام إلى العراق العربي الجديد بأن النظام والأمن في العراق الجديد عام 1925 أعظم مما كانا عليه تحت الحكم العثماني التركي، وأن التربية والتعليم أكثر تقدماً. واختتمت اللجنة تقريرها بالتأكيد على حق العراق العربي الجديد في أن تكون له حدود تسمح له بالبقاء السياسي والاقتصادي، لا سيما أن تركيا الحديثة قد أعلنت مراراً أنها ترغب في ترك العرب (دون الكورد) يقررون مصيرهم السياسي، وذلك بشرطين (38):

الأول: أن تبقى هذه الأراضي (ولاية الموصل - كوردستان العراق) تحت الانتداب الفعال مدة خمسة وعشرين عاماً.

والثاني: أن تُراعى رغبات الأكراد بتعيين موظفين أكراد في المحاكم والمدارس، وبأن تكون اللغة الكوردية اللغة الرسمية في ولاية الموصل الكوردية (39).

وبعد أن اختتمت لجنة تقصي الحقائق أعمالها في العراق العربي الجديد، أوضح المندوب السامي البريطاني في بغداد هنري دوبس رأيه في التسوية المحتملة بكتاب رسمي إلى رئيس الوزراء العراقي، مؤكداً له أنه إذا قضى قرار مجلس العصبة بتحويل أراضٍ من إدارة إلى أخرى فستكون النتيجة بلا شك وقوع قلاقل محلية خطيرة؛ فإذا حُوّلت المنطقة التي يدّعيها العراق والواقعة شمال خط بروكسل من تركيا الحديثة إلى العراق فستكون هذه القلاقل عديمة الأهمية تماماً، ولكن إذا حُوّلت المنطقة الواقعة شمال الزاب الصغير من العراق العربي الجديد إلى تركيا الحديثة فستكون القلاقل خطيرة جداً. ومع هذا فالحكومة البريطانية لا تلحّ حالياً على ضم الأراضي الواقعة شمال خط بروكسل إلى العراق العربي الجديد، وإذا تأكدت من إمكان إسكان الآثوريين جنوب خط بروكسل فمن المحتمل أن تتخلى عن مطالبتها بضم جبال حكاري إلى العراق العربي الجديد، إلا أن المعلومات المتوفرة تشكك في إمكان إسكان الآثوريين كما ينبغي جنوب خط بروكسل في ولاية الموصل (كوردستان العراق).

ومن أجل ذلك فإن الأوفق أن تقوم لجنة نهائية بتخطيط الحدود الحقيقية التي ستقررها العصبة، ويجب على هذه اللجنة أن تفحص التعديلات الضرورية في خط بروكسل وتقررها، لإيجاد المكان المناسب لإسكان الآثوريين داخل العراق العربي الجديد، وبذلك فإن الخط المعدل على هذه الصورة لن يمر شمالاً أبعد من الخط الذي تطلبه الحكومة البريطانية للعراق العربي الجديد، أعني الخط الذي يمر جنوب جولامرك تماماً (40).

ورغم وجاهة المقترح البريطاني، رفضت اللجنة الخاصة بتحديد الحدود هذا المقترح بتعديل خط بروكسل.

وفي 4 آب عام 1925 أبلغت دار الاعتماد البريطاني في بغداد الحكومة العراقية أن تقرير لجنة تخطيط الحدود قد أُبلغ إلى الحكومتين البريطانية والتركية، وأنه سيعلن بموافقة الحكومتين، وأنه سيناقش في مجلس العموم البريطاني قبل طرحه أمام مجلس العصبة، وتوقعت دار الاعتماد إحالة تقرير اللجنة إلى البرلمان العراقي لمناقشته (41).

وفي 16 كانون الأول عام 1925 اتخذ مجلس عصبة الأمم بالإجماع قراراً بشأن تحديد الحدود العراقية التركية، أوصى فيه بما يلي:

  1. تكون الحدود بين العراق الجديد وتركيا الحديثة على الصورة التالية (وهنا يبدأ وصف جغرافي لخط بروكسل كما ورد في قرار المجلس المتخذ في 29 تشرين الأول عام 1924).

  2. يدعو المجلس الحكومة البريطانية إلى أن تعرض عليه معاهدة جديدة بين بريطانيا والعراق تتضمن امتداد نظام الانتداب مدة خمسة وعشرين عاماً، كما هو مبين في معاهدة التحالف بين بريطانيا والعراق التي صدقها المجلس في 27 أيلول عام 1924، ما لم يدخل العراق قبل انقضاء هذه المدة عضواً في عصبة الأمم بموجب المادة الأولى من ميثاق العصبة. وإذا أُبلغ المجلس خلال ستة أشهر من تاريخ هذا القرار بتنفيذ الشرط المذكور أعلاه، فسيعلن حينئذ أن قراره هذا أصبح قطعياً، وسيبين التدابير اللازم اتخاذها لتأمين تحديد خط الحدود السابق ووصفه على الأرض.

  3. تُدعى الحكومة البريطانية، بصفتها الدولة المنتدبة على العراق الجديد، إلى أن تعرض على المجلس التدابير التي ستتخذ من أجل أن تؤمّن للأكراد من أهالي كوردستان العراق التعهدات المتعلقة بالإدارة المحلية التي أوصت بها لجنة التحقيق في استنتاجها الأخير.

  4. تُدعى الحكومة البريطانية، بصفتها الدولة المنتدبة، إلى أن تعمل قدر الإمكان وفقاً للاقتراحات الأخرى التي أوصت بها لجنة التحقيق بشأن التدابير التي يُحتمل أن تؤمّن السلام وتحمي جميع العناصر بصورة متساوية (42).

وتعهدت الحكومة البريطانية بعقد المعاهدة البريطانية العراقية المنوه بها مع العراق العربي الجديد، وتقديمها في أقرب وقت إلى عصبة الأمم (43).

ومن جانبها أعربت الحكومة العراقية عن سرورها بالقرار الذي اتخذه مجلس عصبة الأمم، والذي قابله الشعب العراقي بمزيد من الاستحسان، وأبدت شكرها للحكومة البريطانية على ما بذلته في سبيل المحافظة على حقوق العراق الحيوية، وأبدت استعدادها للبدء بالمفاوضات من أجل عقد معاهدة جديدة مع بريطانيا (44).

كما قدم رئيس الوزراء العراقي شكره لعصبة الأمم على القرار العادل الذي اتخذه المجلس في مسألة الحدود بين العراق وتركيا (45).

ومن أجل التوصل إلى اتفاقية جديدة مع الأتراك عُيّن نوري سعيد باشا ممثلاً للحكومة العراقية في مفاوضات أنقرة، كما زار سفير بريطانيا المفوض في القسطنطينية رونالد لندسي أنقرة، وقابل رئيس الوزراء التركي بحضور وزير الخارجية التركي توفيق رشدي بك. وخلال اللقاء أكد رونالد لندسي أن الهدف من هذه الزيارة هو أن يقف على ما يمكن إجراؤه من تسوية تجعل الموقف الناتج عن حكم عصبة الأمم أقرب إلى قبول الحكومة التركية، وأنه يود لهذا الغرض أن يطلع على الأسباب التي حملت تركيا على المطالبة بأراضي ولاية الموصل (كوردستان العراق). فرد وزير الخارجية التركي توفيق رشدي بك بأن ضم أعداد كبيرة من الأكراد إلى العراق تحت سلطة دولة عربية سيؤدي دائماً إلى اختلال الاستقرار على الحدود، إذ سيأملون إثارة خواطر أكراد تركيا للعطف عليهم. وأردف بأن تركيا لا تريد ضم العرب إلى دولة تركيا الحديثة، وأنها ليست عدوة للعراق العربي الجديد، ولا ترغب في استرداد الأراضي العربية التي خسرتها، وأن الأتراك يتعاطفون مع وحدة العرب القومية (46).

وبمواصلة المفاوضات في أنقرة توصل المفاوضون إلى عقد اتفاقية وُقعت في 5 حزيران عام 1926، ونصت على ما يأتي:

  1. المادة الأولى: تقرر الحدود بين تركيا الحديثة والعراق العربي الجديد كما يأتي: يبدأ خط الحدود من نقطة يتم تعيينها، تقع على بعد خمسين كيلومتراً جنوب جزيرة ابن عمر الكوردية وخمسة وعشرين كيلومتراً غرب دجلة، ويسير من هناك على بعد 20 كيلومتراً غرب تلعفر، ويصل إلى دجلة على بعد عشرة كيلومترات جنوب القيارة، ويتبع من هناك مجرى النهر إلى نقطة التقائه بنهر الزاب الأصغر، ثم تسير الحدود من هناك إلى نهر ديالى (سيروان) على خط يترك وراءه جبل بشتكوه وقرى تكلاوتازاكرماتو وجمبلة وكوران كاله في البلاد التركية، حتى حدود فارس (كوردستان إيران).

  2. المادة الثانية: تتعهد حكومة تركيا بالاعتراف بسلامة البلاد العراقية من التجزئة، وتعلن للملأ أنها لا تطالب بالأراضي الباقية جنوب خط الحدود الذي يرسم بموجب هذه الاتفاقية (47).

  3. المادة الثالثة: يُعهد إلى (لجنة كوسيوز) بتخطيط الحدود المبينة في المادة الأولى على الأرض. وتتألف هذه اللجنة من ممثلَين اثنين تختارهما الحكومة التركية، وممثلَين اثنين تختارهما الحكومتان البريطانية والعراقية معاً، ورئيس يختاره مجلس عصبة الأمم من رعايا إحدى الدول الأخرى. وتجتمع هذه اللجنة في أقرب وقت ممكن، وعلى كل حال خلال الأشهر الستة التي تلي وضع هذه المعاهدة (بين تركيا والعراق بخصوص الحدود) موضع التنفيذ، وتتخذ قراراتها بأكثرية الآراء، ويتحتم على كل من الفرقاء الساميين المتعاقدين الامتثال لها (48).

  4. ونصت المادة الرابعة على أن جنسية سكان الأراضي التي أعطيت للعراق العربي الجديد تنظمها المواد من (30) إلى (36) من معاهدة لوزان، ويمكن استعمال حق الخيار مدة اثني عشر شهراً ابتداءً من دخول هذه المعاهدة طور التنفيذ، على أن تحتفظ تركيا بحرية العمل في الاعتراف باختيار السكان الذين يختارون الجنسية التركية (49).

  5. وتضمنت المادة الرابعة عشرة أن حكومة العراق، من أجل توسيع المصالح المشتركة بين البلدين (تركيا والعراق)، تدفع إلى الحكومة التركية خلال خمسة وعشرين عاماً، اعتباراً من دخول المعاهدة حيز التنفيذ، 10% من عائداتها من النفط التي تتقاضاها من:

أ. الشركة التركية للبترول، بموجب البند العاشر من الاتفاق الموقع في 14 آذار عام 1925.

ب. الشركة أو الأشخاص الذين قد يعملون بأحكام المادة السادسة من الامتياز المذكور.

ج. الشركة الفرعية التي قد تؤلف عملاً بأحكام المادة الثالثة والثلاثين من الامتياز نفسه.

وسلّم المندوبان البريطاني والعراقي وزير الخارجية التركي مذكرة عُدّت جزءاً من المعاهدة، يشيران فيها إلى المادة الرابعة عشرة منها، وفيها أنه إذا رغبت الحكومة التركية خلال اثني عشر شهراً من بدء تنفيذ المعاهدة في تحويل حصتها من العائدات، فستدفع الحكومة العراقية خلال ثلاثين يوماً من تلقيها الإعلام مبلغ خمسمائة ألف جنيه إسترليني (50).

أما بشأن الموقف البريطاني، فقد اتبع المسؤولون البريطانيون أسلوباً ميكافيلياً في استغلال قضية ولاية الموصل الكوردية، وتحقيق الأهداف التي سعوا إليها بإقامة علاقات غير متوازنة في الدولة العراقية العربية الجديدة.

كان الملك فيصل الأول يعلم تمام العلم مسؤوليات الحكومة البريطانية إزاء العصبة بوصفها دولة منتدبة، وكان مستعداً لمفاوضتها لعقد معاهدة تحل محل صك الانتداب، وعلى هذا الأساس وافقت الحكومة البريطانية في حينها على ترشيحه ملكاً على عرش العراق العربي الجديد. وكان من واجب الوزارة العراقية الأولى التي شكلها عبد الرحمن النقيب أن تفاوض الجانب البريطاني لعقد معاهدة عام 1922. ولكن ظهر منذ البداية أن الحكومة البريطانية قصدت من معاهدة عام 1922 مجرد أن تحل محل صك الانتداب، مع تحقيق مكاسب للجانب البريطاني بتخفيض نفقات الاحتلال، بينما رغب العراقيون في أن تكون تعاقداً بين فريقين مستقلين، وفي إلغاء الانتداب على العراق الذي عدّوه استعماراً مقنّعاً.

وفي الثلاثين من أيلول عام 1922 ألّف عبد الرحمن النقيب وزارته الثالثة لتوقيع المعاهدة العراقية البريطانية لعام 1922، وارتأى أن يصادق عليها المجلس التأسيسي (البرلمان) بعد انتخابه.

وفي الثالث عشر من تشرين الأول عام 1922 نُشرت المعاهدة مع بيان من الملك فيصل الأول في بغداد، وبيان آخر من ونستن تشرشل وزير المستعمرات في لندن جاء فيه: “لقد خولتني الحكومة البريطانية أن أذيع البيان التالي بمناسبة إمضاء المعاهدة البريطانية العراقية التي نُشر نصها اليوم (13 تشرين الأول 1922): إن الحكومة البريطانية تشعر بالتزاماتها العميقة تجاه العراق العربي الجديد، مقتنعة بأن هذه الالتزامات ستُنجز بواسطة معاهدة التحالف التي وُقعت بالنيابة عن صاحب الجلالة البريطاني وصاحب الجلالة ملك العراق، وستقوم الحكومة البريطانية بكل ما في طاقتها لتحديد حدود العراق العربي الجديد لكي يستطيع العراق، حين إبرام المعاهدة وملحقاتها وسن الدستور، أن يقدم طلباً لقبوله عضواً في عصبة الأمم، والحكومة البريطانية تنظر في هذا الطلب حالما تُسوّى الحدود مع تركيا وتؤلف حكومة عراقية مستقرة وفقاً للدستور، وستبذل وساطتها لهذه الغاية، بشرط أن يتم ذلك وفقاً للمادة السادسة من المعاهدة البريطانية العراقية”. وهي في رأي الحكومة البريطانية الوسيلة الوحيدة لإنهاء الانتداب إنهاءً قانونياً (51).

كان للسياسة البريطانية أساليبها الخاصة في الوصول إلى غاياتها الاستعمارية؛ فقد شعر المسؤولون البريطانيون، بعد إكراههم وزارة عبد الرحمن النقيب الثالثة عام 1922 وضغطهم عليها لتوقيع المعاهدة البريطانية العراقية المذكورة، بأن العراقيين أخذوا يناصبون تلك الوزارة العداء، كما أدركوا أن العراقيين مجمعون على أن تكون انتخابات المجلس التأسيسي (البرلمان)، الذي يجب أن يتولى إبرام المعاهدة، بعيدة عن التأثير الحكومي، وأنه سيفوز فيها أكثر الرجال وطنية وأشدهم حماساً للعراق الجديد، بحيث شكّوا في إمكان إبرام المجلس التأسيسي للمعاهدة.

ومن جهة أخرى فإن مؤتمر لوزان الأول، الذي افتتح جلساته في تشرين الثاني عام 1922، كان قد واجه مشكلة من أعقد المشكلات وأصعبها حلاً هي مشكلة ولاية الموصل (كوردستان العراق)، التي احتلتها القوات البريطانية عسكرياً بعد إعلان هدنة مودروس في الثلاثين من تشرين الأول 1918، فطالب بها الأتراك، بينما تمسك بها البريطانيون جزءاً من الأراضي العراقية.

وأمام اختلاف وجهات نظر الطرفين طلب المندوب البريطاني إحالة قضية ولاية الموصل الكوردية إلى مجلس العصبة لإيجاد حل يقرر مصيرها ويرضي الطرفين.

وكانت وزارة لويد جورج البريطانية الائتلافية قد سقطت في الثالث والعشرين من تشرين الأول عام 1922، وأسفرت الانتخابات عن فوز حزب المحافظين وتأليف بونار لو الوزارة البريطانية الجديدة، في وقت دبّرت فيه الصحف البريطانية حملة صحفية تشير إلى جلاء القوات البريطانية عن العراق بحجة التخلص من النفقات البريطانية في المشرق العربي.

وبذلك أُجريت انتخابات المجلس التأسيسي (البرلمان) في العراق على أساس إيهام الشعب العراقي بقرب جلاء القوات البريطانية.

وفي الوقت نفسه أعلنت الوزارة البريطانية الجديدة وصول تقارير دار الاعتماد البريطانية في العراق إلى وزارة المستعمرات، وهي تشير إلى حراجة الموقف في العراق وتذمر العراقيين من استمرار السيطرة البريطانية، فتألفت في لندن لجنة وزارية في كانون الأول عام 1922 لدراسة المشكلة العراقية، واستدعت المعتمد السامي البريطاني في العراق السير برسي كوكس ليدلي بآرائه واقتراحاته أمامها. فسافر السير برسي كوكس إلى لندن في التاسع عشر من كانون الثاني عام 1923، وبعد مداولات لم يطل أمدها أكدت اللجنة ضرورة تأمين المصالح البريطانية في العراق عن طريق إحلال المعاهدة محل الانتداب، وتحديد مدتها، وحمل العراقيين على قبولها، فادعت أن الضرورة تقتضي عدم جلاء القوات البريطانية عن العراق ما لم يُبتّ في مشكلة الحدود بينه وبين تركيا، وأن دافع الضرائب البريطاني لا يستطيع أن يستمر في تحمل النفقات، ولذلك اقترحت اللجنة خفض مدة المعاهدة من عشرين سنة إلى أربع سنوات تبدأ من تاريخ المصادقة على معاهدة تحديد الحدود مع تركيا. وقد ساعد ذلك على تخفيف حدة الاستياء من ثقل بنود المعاهدة وطول أمدها، حتى إذا قبلها المجلس التأسيسي العراقي عادت الحكومة البريطانية إلى مجلس العصبة تطلب تمديد أجل الانتداب خمسة وعشرين عاماً، متخذة من الخلاف حول ولاية الموصل مسوّغاً لهذه الخطوة.

الخلاصة

بصدور قرار مجلس عصبة الأمم الذي اتُّخذ بالإجماع في 16 كانون الأول عام 1925، والذي قضى بترسيم الحدود العراقية التركية وجعل خط بروكسل خطاً فاصلاً بين العراق وتركيا، ظلت ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية (كوردستان العراق) عراقية باعتراف المجتمع الدولي المتمثل بعصبة الأمم. وإن إصرار المندوب التركي عصمت باشا إينونو، رئيس وزراء تركيا، على ضم ولاية الموصل (كوردستان العراق) إلى تركيا الحديثة خلال المفاوضات التي جرت في لوزان والقسطنطينية وأنقرة، لم يكن في حقيقة الأمر إلا وسيلة لتحقيق أهداف تركية رُسمت بعناية، واستطاع في نهاية المطاف حمل الأطراف الأخرى على التفاوض عليها أملاً في الاعتراف بها، وتتمثل هذه الأهداف في:

  1. الهاجس الأمني التركي، واستقرار الأوضاع على الحدود الجنوبية لتركيا.

  2. تحقيق منافع لتركيا في نفط ولاية الموصل (كوردستان العراق).

وبصدد الهاجس الأمني فقد أكد وزير الخارجية التركي توفيق رشدي بك، خلال لقائه في أنقرة بالسفير البريطاني المفوض في القسطنطينية رونالد لندسي، قلق الحالة على الحدود الجنوبية لتركيا (المنطقة الكوردية، أي كوردستان العراق)، مما يحمل أكراد كوردستان تركيا على التعاطف مع أكرادها. ولذلك التزمت الحكومة البريطانية، بصفتها الدولة المنتدبة، بموجب المادة الثالثة من قرار مجلس عصبة الأمم الصادر في 16 كانون الأول عام 1925، بأن تؤمّن للأكراد من أهالي كوردستان العراق التعهدات المتعلقة بالإدارة المحلية، كما نصت المادة الرابعة على إلزام الدولة المنتدبة بأن تؤمّن السلام على الحدود وتحمي جميع العناصر بصورة متساوية.

ومن أجل تحقيق الهدف الثاني جعلت تركيا، خلال مفاوضات لوزان ولندن بشأن البترول، الاتفاقَ النفطي الذي يحفظ لها منافع في نفط ولاية الموصل أساساً لقبول ضم الولاية إلى العراق، إذ نصت المادة الرابعة عشرة من المعاهدة العراقية التركية الموقعة في 5 حزيران عام 1926 على أن تدفع الحكومة العراقية إلى الحكومة التركية، خلال خمسة وعشرين عاماً اعتباراً من دخول المعاهدة حيز التنفيذ، 10% من عائداتها النفطية من آبار ولاية الموصل (كركوك).

المصادر

  1. اعتمد البحث مجموعة من وثائق عصبة الأمم، ووثائق المركز الوطني لحفظ الوثائق، ووثائق وزارة الخارجية الفرنسية، وصحيفة Le Temps الباريسية، وكتاب الأستاذ المرحوم فاضل حسين: مشكلة الموصل.

  2. S.D.N. Vol. 600, P. 36, Le 10 Septembre 1920 (Projet de mandat pour la Mésopotamie).

  3. S.D.N. Vol. 600, P. 98, Le 30 Nov. 1922.

  4. S.D.N. Vol. 600, P. 36, Le 10 Sept. 1920.

  5. A.E. 242 – Irak – Vol. 20, Le 10 Octobre 1922 (Traité conclu entre Sa Majesté Britannique et Sa Majesté le Roi d’Irak).

  6. Revue Relations Internationales, N° 31, Automne 1982, P. 263.

  7. A.E. 242 – Vol. 18, P. 99.

  8. Le Temps, 20 Mars 1921 (La Conférence de Londres).

  9. Le Temps, 20 Juin 1912 (Le règlement de la paix).

  10. Revue Relations Internationales, N° 31, Op. Cit., P. 282.

  11. Le Temps, 3 Octobre 1922 (Leelrircieen orient).

  12. Le Temps, 7 Octobre 1922.

  13. Le Temps, 27 Octobre 1922 (Le programme du Cabinet Bonar Law).

  14. Le Temps, 19 Nov. 1922 (De Paris à Lausanne).

  15. بحضور ممثلي الدول التالية: Amiral Bristol, Grew (États-Unis d’Amérique)؛ Marquis Curzon, Sir H. Rumbold (Empire britannique)؛ M. Bompard (France)؛ MM. Venizelos et Caclamanos (Grèce)؛ Marquis Garroni et M. Montagna (Italie)؛ Baron Hayashi et M. Ochiai (Japon)؛ M. Diamandi (Roumanie)؛ M. Rakitch (Royaume serbe-croate-slovène)؛ Ismet Pacha, Riza Nour Bey (Turquie).

  16. Le Temps, 21 Nov. 1922 (L’ouverture de la Conférence).

  17. د. محمد عبد الحسن المياح، المفصل في تاريخ العراق المعاصر، ص607-638.

  18. S.D.N. Vol. 600, PP. 105–113, Le 23 Janvier 1923 (Conférence de Lausanne – Questions territoriales).

  19. S.D.N. Vol. 600, P. 114.

  20. S.D.N. Vol. 600, PP. 115–119, Le 23 Janvier 1923 (Conférence de Lausanne).

  21. S.D.N. Vol. 600, P. 121, Le 25 Janvier 1923 (Lettre adressée par le Secrétaire d’État britannique aux Affaires étrangères au Secrétaire général).

  22. S.D.N. Vol. 600, PP. 122–125, Le 30 Janvier 1923 (Question des frontières entre les territoires turcs en Asie Mineure et les territoires de l’Irak).

  23. المركز الوطني لحفظ الوثائق، ملفات البلاط الملكي 815/3121، الوثيقة (55)، ص177.

  24. A.E. 242 – Vol. 32, 15 Déc. 1922.

  25. وبشأن تحديد الحصص في الشركة التركية للبترول، فقد عُقد مؤتمر في لندن في 31 تموز 1928 حضرته الشركات المؤسسة للشركة التركية للبترول، وتم فيه الاتفاق النهائي على تحديد حصة كل طرف في رأسمال الشركة، وخُصصت للمصالح الأمريكية حصة مشابهة لحصص الأطراف الأخرى. انظر: A.E. 242 – Vol. 33, P. 39.

  26. A.E. 242 – Vol. 33, P. 218, Le 28 Décembre 1922.

  27. A.E. 242 – Vol. 33, P. 39, Le 5 Décembre 1923.

  28. A.E. 242 – Vol. 33, P. 39, Le 27 Mai 1925 (La question de Mossoul).

  29. S.D.N. 600, PP. 187–188, Août 1924 (Frontière entre la Turquie et l’Irak).

  30. م. و. و. 815/311، وثيقة 55 (مسألة الحدود بين تركيا والعراق).

  31. م. و. و. 815/311، وثيقة 55، ص172 (مسألة الحدود بين تركيا والعراق).

  32. S.D.N. Vol. 600, P. 247, Le 27 Septembre 1924 (Frontière entre le Gouvernement britannique et le Gouvernement turc).

  33. S.D.N. Vol. 600, P. 248, Le 25 Septembre 1924 (Lettre de Lord Parmoor au Conseil de la Société des Nations).

  34. فاضل حسين، مشكلة الموصل، بغداد، 1967، ص59-60.

  35. م. و. و. 815/311، وثيقة 3، ص4، في 7/3/1925.

  36. فاضل حسين، المصدر السابق، ص85، 108.

  37. المصدر نفسه، ص105.

  38. فاضل حسين، المصدر السابق، ص115، 119.

  39. م. و. و. 815/311، وثيقة 39، ص144 (الكتاب المرقم 200 والمؤرخ في 29/8/1922).

  40. م. و. و. 815/311، وثيقة 32، ص99.

  41. م. و. و. 815/311، وثيقة ث، ص90 (من دار الاعتماد البريطاني - بغداد إلى رئيس الوزراء العراقي).

  42. م. و. و. 815/311، وثيقة 71، ص222 (من القنصل البريطاني في جنيف إلى المعتمد السامي في بغداد).

  43. م. و. و. 816/311، وثيقة 3، ص17، في 16/12/1922.

  44. م. و. و. 816/311، وثيقة 66، ص215 (برقية من رئيس وزراء الحكومة العراقية إلى المستر بلدوين رئيس الوزارة البريطانية).

  45. م. و. و. 815/311، وثيقة 67، ص216.

  46. م. و. و. 885/311، وثيقة 12، ص504، في 23 أيار 1926.

  47. م. و. و. 885/311، وثيقة 15، ص4-5 (الحدود بين تركيا والعراق).

  48. م. و. و. 885/311، وثيقة 10، ص35.

  49. وثيقة 1، ص35.

  50. A.E. 242, Vol. 33, Le 5 Juin 1926 (Traité de l’Irak signé à Angora le 5 juin 1926 entre la République turque, le Royaume-Uni de Grande-Bretagne et d’Irlande et le Royaume d’Irak).

  51. فاضل حسين، المصدر السابق، ص20-22.


أجزاء «مشكلة ولاية الموصل (كوردستان الجنوبية) وترسيم الحدود العراقية التركية» (3 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث (هذا الجزء)

→ الجزء الثاني