الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

مشكلة ولاية الموصل (كوردستان الجنوبية) وترسيم الحدود العراقية التركية (الجزء الثاني)

من محاضرات «الكورد في ولاية الموصل» – 2015

وفي 23 كانون الثاني عام 1923 عقد مؤتمر لوزان، برئاسة اللورد كرزون وزير خارجية بريطانيا، جلسة خاصة في قصر أوشي (Château d’Ouchy) لعرض قضية ولاية الموصل (كوردستان العراق).

وفي بداية الاجتماع صرح عصمت باشا إينونو، وزير خارجية تركيا، بأنه يأمل حل مشكلة ولاية الموصل الكوردية من خلال اتفاق خاص، مذكّراً بأن اللورد كرزون كان قد اقترح منذ 3 كانون الأول 1922 عرض القضية على اللجنة الخاصة (لجنة تقصي الحقائق التابعة لعصبة الأمم)، وأنه ينتظر اجتماع هذه اللجنة.

كما دعا عصمت باشا إينونو إلى دراسة معمقة لمبررات الجانبين بشأن قضية ولاية الموصل الكوردية، وحاول دحض المبررات التي عرضها المندوب البريطاني اللورد كرزون، وتعميق وجهات نظره الخاصة بالقضية؛ فأكد أن حكومة المجلس الوطني التركي الكبير لا تعترف بمبدأ الانتداب الذي أقرته عصبة الأمم، ولا بالاتفاقات التي عُقدت بشأن الأراضي العثمانية التركية، وحاول إضعاف الحجة السكانية التي قدمها المندوب البريطاني. كما تطرق إلى الاحتلال البريطاني لولاية الموصل (كوردستان العراق)، موضحاً أن القوات البريطانية احتلت ولاية الموصل الكوردية بعد هدنة مودروس في الثلاثين من تشرين الأول عام 1918. وتحدث بإيجاز عن مسألة البترول، وألحّ على ضرورة عدّ قضية ولاية الموصل الكوردية قضية أرض لا قضية بترول، وأن الآبار النفطية في هذه المنطقة سيُنظر في أمرها بعد عودة المنطقة (ولاية الموصل - كوردستان الجنوبية - العراق) إلى الوطن الأم (تركيا الحديثة)، ووعد بأن تركيا الحديثة ستمنح كل التسهيلات الممكنة لاستثمار هذه الآبار النفطية بشكل قانوني.

وبانتهاء المندوب التركي عصمت باشا إينونو من عرض وجهات نظره، سارع اللورد كرزون إلى الرد على بعض النقاط، قائلاً إن الهدنة (مودروس) قد أُعلنت في 1 تشرين الثاني 1918، وإن السلطات التركية أعطت أمر إخلاء مدينة الموصل يوم 4 تشرين الثاني 1918، وإن المدينة احتُلت دون مقاومة، ولذلك عُدّ احتلالها دون دفاع عنها قانونياً.

أما ما يتعلق بالانتداب، فقد أشار اللورد كرزون إلى أن الحكومة التركية قد حددت الحدود التركية عبر اتفاق خاص مع فرنسا، وهي بذلك قد اعترفت بمبدأ الانتداب.

وفي ختام تعليقه قال اللورد كرزون إن هذه المسألة صعبة، ويجب أن تدرسها عصبة الأمم، وإن هذا الاقتراح يحظى بدعم المندوبين الفرنسيين والإيطاليين.

وأضاف أن الحكومة البريطانية جاهزة لطرح وجهات نظرها أمام اللجنة الخاصة (لجنة تقصي الحقائق) التي تتشكل في عصبة الأمم، وأنه بقبول هذا المقترح فإن ميثاق العصبة يحدد السلوك الذي يُتبع والفعل الذي تتخذه الدول التي تواجه القضية. وتابع اللورد كرزون حديثه موضحاً أن الخطوة الأولى لعصبة الأمم، بموجب البند (17) من ميثاقها، هي دعوة تركيا الحديثة لتكون عضواً في العصبة، وأن مجلس العصبة سيجري في الحال تقصياً على الطبيعة في مسألة ولاية الموصل الكوردية بالشكل الأفضل والحاسم، وسيقرر الطريقة التي يُدرس بها الخلاف، وسيطلب إلى بريطانيا وتركيا أن تقدما وجهات نظر الكورد والأتراك والعرب والمسيحيين لتسوية القضية. واختتم حديثه بالتأكيد على أن رفض الجانب التركي هذه الدعوة سيشكل تهديداً للسلام، وأنه سيتحمل النتائج الخطرة المحتملة.

ومن جانبه أعرب المندوب الفرنسي بومبار (M. Bompard) عن مساندته لوجهة النظر التي عرضها اللورد كرزون، مؤكداً أن هذه القضية تحمل تهديداً للسلام العالمي، ومشيراً إلى خطورة الحالة، وأن واجبه يحتم عليه التدخل من أجل تحاشي الأخطار. وقال معلقاً: إذا كان المندوب التركي عصمت باشا إينونو مشغول البال بمصالحه، فإن هذه القضية تقلق الرأي العام بلا شك، وإذا أصر المندوب التركي على موقفه الرافض فقد تترتب على ذلك أخطر النتائج. وأضاف بومبار أن تبني التحكيم الذي اقترحه اللورد كرزون حل مهم، وأن الطرفين يستطيعان أن يعرضا ادعاءاتهما على مستوى واحد (20).

ولما رفض الجانب التركي المقترحات البريطانية، أرسل اللورد كرزون في 25 كانون الثاني 1923 رسالة إلى السكرتير العام لعصبة الأمم، لفت فيها انتباه المجلس، استناداً إلى البند (11) من ميثاق العصبة، إلى مسألة الحدود بين تركيا الحديثة والأراضي العراقية التي وضعت تحت الانتداب البريطاني، وأبلغه بنية الحكومة البريطانية إحالة هذه القضية إلى عصبة الأمم، ما دامت الظروف ذات طبيعة تمس العلاقات الدولية وتهدد السلام العالمي وتعكره، راجياً إدراج هذه القضية (ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية - كوردستان العراق) في جدول أعمال جلسة المجلس في التاريخ الذي سيعرضها فيه ممثل الحكومة البريطانية بالتفصيل (21).

وفي 30 كانون الثاني عام 1923 عرض المندوب البريطاني في عصبة الأمم بلفور (M. Balfour) مذكرة اللورد كرزون التي تضمنت الصعوبات التي أُثيرت في مؤتمر لوزان إثر الخلاف في الرأي حول الحدود بين تركيا الحديثة (آسيا الصغرى) وأراضي الانتداب البريطاني في العراق العربي الجديد، وهي صعوبات كبيرة واجهت المؤتمر، وأن هذه المشكلة تخص عصبة الأمم بشكل خاص لسببين:

  1. لأنها أراضٍ وضعت تحت الانتداب البريطاني بموجب مشروع الانتداب الصادر عن عصبة الأمم، أي تحت السلطة العليا للعصبة، وأن الحكومة البريطانية تتصرف في هذا الظرف بوصفها قوة منتدبة لحساب عصبة الأمم.

  2. أن المصلحة العليا للسلام العالمي في خطر، وهذه القضية (ولاية الموصل - كوردستان الجنوبية - العراق، ذات الأغلبية الكوردية) تخص العصبة وتهم العالم؛ فالخلاف في الرأي حول قضية حدودية يهدد دائماً بأن يتحول إلى عداوة وخصام ونزاع مسلح ينذر باندلاع الحرب. واقترح على عصبة الأمم أن تتحمل مسؤوليتها بمناقشة قضية حدود أراضي الانتداب البريطاني، وهو مقترح أيده المندوبان الفرنسي والإيطالي في مؤتمر لوزان.

وإن عدم اقتناع المندوب التركي عصمت باشا إينونو بالحجج البريطانية يقتضي عقد اجتماع خاص لمجلس عصبة الأمم بموجب البند الحادي عشر من ميثاق العصبة، الذي ينص على “أن أية حرب أو تهديد بالحرب لأحد أعضاء العصبة يهم العصبة مباشرة”، ويستدعي ذلك اتخاذ كل الإجراءات الحكيمة من أجل حماية السلام العالمي. ومن المفيد إدراك أن الحكومة البريطانية لم تقدم هذه المقترحات إلا لأن السلام العالمي مهدد، وأنه في حالة وجود خطر على الحدود العراقية (أراضي الانتداب البريطاني) يتوجب تطبيق البند الحادي عشر من ميثاق العصبة.

  • وأورد بعض الملاحظات بشأن أزمة ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية (كوردستان الجنوبية - العراق):

إذا حضر الأتراك أمام مجلس عصبة الأمم فلا يجب أن يُعاملوا على قدم المساواة مع بقية أعضاء العصبة، لأن تركيا ليست عضواً في العصبة، والبند (17) من ميثاق عصبة الأمم يحدد ذلك:

“في حالة حدوث خلاف بين دولتين، إحداهما عضو في عصبة الأمم والأخرى غير عضو فيها، فإن أعضاء عصبة الأمم يُدعون إلى الوفاء بالتزاماتهم، والمجلس يُلزم العضو بتسوية الخلاف وفق الشروط العادلة”.

وفي حالة قبول هذا المقترح فإن المجلس يطبق أحكام البنود (12 - 16) من ميثاق عصبة الأمم. وأعرب المندوب البريطاني في عصبة الأمم عن قناعته بأن كل أعضاء المجلس يشاركونه هذا الرأي، وبأنه في حالة قبول المندوب التركي المثول أمام مجلس العصبة من أجل تسوية الخلاف مع الحكومة البريطانية، فإن مندوب تركيا يجب أن يعامل معاملة مساوية لكل الأعضاء الآخرين (22).

وبمواصلة مؤتمر لوزان أعماله توصل المؤتمرون إلى عقد معاهدة لوزان التي وُقعت يوم 24 تموز عام 1923، ونصت مادتها الثالثة على ما يلي:

من البحر الأبيض إلى الحدود الفارسية (إيران) يكون خط حدود تركيا كما يلي:

  1. مع سوريا: الحدود المعينة بالمادة الثامنة من الاتفاق الفرنسي التركي المعقود في 20 تشرين الأول عام 1921.

  2. مع العراق العربي الجديد: تُعيَّن الحدود بين تركيا الحديثة والعراق العربي الجديد بترتيب ودي بين تركيا وبريطانيا يتم خلال تسعة أشهر.

إذا لم يُتوصل إلى اتفاق بين الحكومتين (بريطانيا وتركيا الحديثة) خلال المدة المذكورة يحال الخلاف إلى مجلس عصبة الأمم.

وتتعهد الحكومتان التركية والبريطانية تعهداً متبادلاً بألا تحدث أية تحركات عسكرية أو غير عسكرية قد تغير بطريقة ما الحالة الراهنة في الأراضي التي يتوقف مصيرها النهائي على هذا القرار.

وقد نصت معاهدة لوزان على أن تتخلى تركيا الحديثة عن سيادتها على الأراضي الواقعة وراء حدودها الجديدة، بموجب المادة (16) التي تنص على أن “تصرح تركيا بتخليها عن كل الحقوق في الأراضي الواقعة وراء الحدود المبينة بهذه المعاهدة”. ونصت المادة الأولى من بروتوكول ملحق بمعاهدة لوزان على جلاء جيوش الحلفاء عن الأراضي التركية خلال ستة أسابيع (23).

ومن الجدير بالذكر أنه عشية مؤتمر لوزان لتسوية المسألة الشرقية، ومع استمرار المعارضة الأمريكية لمناقشة الانتدابات في عصبة الأمم، بدأت المفاوضات البريطانية الأمريكية، وحصل الأمريكيون على وعد بريطاني بالحصول على حصص في الشركة التركية للبترول، واعترفوا عندئذ بشرعية الحق الإنكليزي في المناطق البترولية في العراق العربي الجديد (24) (25).

كما أكدت صحيفة (New York) في عددها الصادر في 28 كانون الأول عام 1922 الوساطة الأمريكية في المناقشات الخاصة بقضية ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية ونفط ما بين النهرين خلال مؤتمر لوزان (26).

وأوضحت المعلومات الصحفية أن الحكومة البريطانية عاودت المفاوضات مع الحكومة التركية من أجل تسوية مسألة البترول في ولاية الموصل الكوردية على أساس إلحاق الولاية بالعراق العربي الجديد (27).

وأشارت المعلومات إلى أن الحكومة البريطانية كانت مستعدة للقبول بتعديل في الحدود لصالح الأتراك في حالة ضم ولاية الموصل الكوردية إلى العراق العربي الجديد (28).

وخلال الفترة من 19 أيار عام 1924 حتى حزيران من العام نفسه استمرت المفاوضات البريطانية التركية في مؤتمر القسطنطينية دون التوصل إلى أي اتفاق نهائي بخصوص الحدود قبل انتهاء الفترة المحددة. وعلى هذا أخبر الممثل البريطاني الجانب التركي أنه، بسبب رفض المقترحات البريطانية، يجد نفسه مضطراً إلى إنهاء المفاوضات وإحالة المشكلة إلى مجلس عصبة الأمم (29).

وعملاً بالفقرة (2) من المادة (3) من معاهدة لوزان أُحيلت مسألة تعيين الحدود بين تركيا الحديثة والعراق الجديد إلى مجلس العصبة، الذي تلقى البيانات من ممثلي الحكومتين البريطانية والتركية، وقد تعهدا نيابة عن حكومتيهما بأن تقبلا مقدماً تحكيم مجلس عصبة الأمم في المسألة المحالة إليه.

ومن أجل أن يحصل مجلس عصبة الأمم على كل الحقائق والمعلومات اللازمة للقيام بالأمر الذي عُهد إليه، عيّن المجلس في 31 تشرين الأول عام 1924 لجنة خاصة (لجنة تقصي الحقائق التابعة لعصبة الأمم) مؤلفة من ثلاثة أعضاء برئاسة الكونت بول تيلكي الجغرافي المشهور. وكان على هذه اللجنة أن تقدم إلى المجلس كل المعلومات والاقتراحات التي يمكن أن تعينه في الوصول إلى الحكم، وأن توجه اهتماماً كافياً إلى كل الوثائق الموجودة بصدد الأمر، والآراء التي أبداها الفريقان المتحاكمان في كيفية التحكيم وفي ماهية المسألة، وأن تقوم بتقصي الحقائق في منطقة ولاية الموصل الكوردية نفسها (المنطقة الحدودية)، ولها أن تستعين بخدمات المستشارين الذين تعينهم كل من الحكومتين صاحبتي الشأن.

وعلى اللجنة أن تضع قواعد أعمالها، وعلى السكرتير العام لعصبة الأمم أن يزودها بالموظفين اللازمين، وأن يسلفها ما تطلبه من المال، على أن تفي كل من الحكومتين العصبة نصيبها منه بالتساوي. وقد وافق الطرفان على هذه التوصيات، ووافق عليها مجلس عصبة الأمم بالإجماع (30).

وفي هذا الوقت التمس مجلس العصبة من محكمة العدل الدولية إبداء رأيها الاستشاري فيما يلي:

  1. ما شكل الحكم الذي ينبغي أن يتخذه المجلس استناداً إلى الفقرة الثانية من المادة الثالثة من معاهدة لوزان: هل هو حكم تحكيم، أم توصية، أم توسط؟

  2. هل يجب أن يكون الحكم بالإجماع، أم يمكن أن يُتخذ بالأكثرية؟ وهل لممثلي الفريقين صاحبي الشأن أن يشتركا في الاقتراع؟

وكان الجواب عن السؤال الأول أن شكل الحكم الذي يجب أن يتخذه المجلس عملاً بالفقرة (2) من المادة (3) من معاهدة لوزان هو حكم تحكيم، لا حكم توصية أو توسط. والفرق بين حكم التحكيم وحكم التوصية هو أن حكم التحكيم يُلزم المتحاكمين بالرضا به.

وأضافت المحكمة أنه مهما تكن وظيفة مجلس عصبة الأمم في نص معاهدة لوزان بشأن الحدود، فيجب على الأقل أن تشتمل على واجب الدلالة على ما يعدّه المجلس حدوداً حقة وافية بالمراد، وليس فقط اقتراح تسوية مبنية على احتمال قبول الفريقين بها. ولذلك لا يمكن أن تكون وظيفة المجلس وظيفة وسيط فقط.

وبشأن معنى الكلمات الواردة في معاهدة لوزان وفي قرار مجلس عصبة الأمم في 30 أيلول عام 1924، فأسوةً بكل معاهدات الصلح المعقودة بعد الحرب العالمية الأولى التي وقع فيها انتقال أراضٍ، نصت معاهدة لوزان على تعيين الحدود الجديدة بموجب المادة السادسة عشرة التي تنص على “أن تتخلى تركيا الحديثة عن سيادتها على الأراضي الواقعة وراء الحدود المبينة بهذه المعاهدة، وفي كل الجزر غير التي تعترف لها هذه المعاهدة بالسيادة عليها، ويقرر مصير تلك الأراضي والجزر أصحاب المصلحة فيها”.

وإن كلمة (حكم) في الفقرة (2) من المادة (3) كلمة لا يمكن استعمالها إلا للدلالة على حكم باتّ واجب. ويتضح أن الحكم الذي اتفق المتعاهدان على حفظ الحالة الراهنة ريثما يتم الوصول إليه هو تسوية نهائية، إما بموجب الفقرة (1) من المادة (3)، وإما بالإحالة إلى المجلس بموجب الفقرة الثانية. وإن استعمال هذه الكلمة يدل على شكل الحكم المطلوب الذي كان في نفوس الفريقين حينما أحالا الأمر إلى المجلس، كما لو كانت التسوية بالاتفاق.

وأضافت المحكمة أن من أولى مقتضيات الدولة أن تكون لها حدود معينة ثابتة، ولهذا السبب كلما أعقب الحربَ نقلُ سيادة دولة على بقعة إلى دولة أخرى عُيّنت الحدود بين الدولتين بمعاهدة صلح، أو اشتُرط فيها تعيينها بعد ذلك. فإذا لم تكن وظيفة المجلس وظيفة حَكَم فلا يستطيع إلا إبداء الرأي، ولا يمكن تحقيقه بدون رضا الفريقين، وبذلك يُحتمل بقاء الحدود بين تركيا الحديثة والعراق العربي الجديد غير معينة، وبقاء الإدارة فيها لذلك عرضة لعدم الاستقرار. ومع أنه اشتُرط في المادة الثالثة إبقاء الحالة الراهنة حتى يصدر الحكم، فإن حوادث السنتين الماضيتين (1922 - 1924) دليل على أن ما يريده الفريقان لإتمام ما ورد في المادة الثالثة هو أن يتمكن المجلس من حسم الخلاف بشكل نهائي.

وعصبة الأمم تقدّر أهمية الحدود الدولية حق قدرها، فإن من شروط قبول دولة في عضويتها أن تكون لها حدود معينة، وهذا ما أقرته عصبة الأمم؛ فلا يمكن قبول طلب دولة جديدة في عضويتها ما لم تكن مستكملة الشروط الدولية، ومن أهمها الحدود المثبتة. والغاية من معاهدة الصلح توطيد دعائم السلام بين الفريقين، وما دامت الحدود غير معينة تظل الأمور غير مستقرة، ولذلك لا بد من عدّ اشتراط الفريقين تسوية الحدود دليلاً كافياً على وجوب إعطاء حكم نهائي فيها. وليست هذه أول مرة يُطلب فيها من المجلس التدخل في أمور الحدود، فمن ذلك تسوية الحدود بين هنغاريا وصربيا، وبين بولونيا وألمانيا. ولذلك يُطلب من المحكمة أن تقضي بأن الحكم الذي يصدره مجلس العصبة عملاً بالفقرة (2) من المادة (3) من معاهدة لوزان هو حكم تحكيم، وأن كل المفاوضات التي جرت قبل عقد المعاهدة وبعده تدل بجلاء على أن الغاية منها كانت تسوية الحدود وإثباتها بين الدولتين، ولهذا الغرض كان القصد من إحالتها إلى مجلس العصبة الحصول على قرار، لا على إبداء رأي.

أما الجواب عن السؤال الثاني: هل يجب أن يكون الحكم بإجماع الآراء أم بالأكثرية؟ وهل لممثلي الفريقين الاشتراك في الاقتراع؟

فإذا كانت وظيفة المجلس تحكيمية عملاً بمعاهدة لوزان، فلا يجب أن يكون الحكم بالإجماع، بل تكفي الأكثرية. والعادة المتبعة في المعاهدات التي تنص على التحكيم أن يُصرَّح فيها بقرار الأكثرية.

وإن هذه المسألة عُرضت على المجلس بمقتضى المادة الثالثة من معاهدة لوزان التي نصت على التحكيم، وإذا كان مجلس العصبة مجلس تحكيم، ولم يُشترط في المادة التي أحالت المسألة إليه أن يكون حكمه بالإجماع أو بالأكثرية، فله الحق، عملاً بالعرف والعادة في هذه الأمور، أن يحكم بالأكثرية.

وإن قاعدة الإجماع مهمة جداً في المجالس السياسية، ولكنها لا تلائم المجالس القضائية، لأنه لا يمكن في الأمور السياسية تقييد دولة بشيء بدون رضاها؛ فالقرارات السياسية غالباً تقضي بأن يُعمل شيء أو لا يُعمل، وإذا أريد تقييد دولة بهذه الوسيلة بدون رضاها كان ذلك إجحافاً بسيادتها. ولا شيء من ذلك في المجالس القضائية، ولو كانت مؤلفة من مندوبي دول ذات سيادة، فإن رضا الدول المختلفة بإحالة بعض الأمور إلى التحكيم يدل على تخليها عن سيادتها باتفاقها مقدماً على الإذعان لحكم التحكيم، وكذلك فإن اشتراك دولة مع غيرها من الدول في القيام بواجب التحكيم يدل على رضاها بالتخلي عن سيادتها بموافقتها على حكم الأكثرية.

أما القسم الثاني من السؤال، وهو: هل يشترك الفريقان في الاقتراع؟

فقد وجب أن يعامل الفريقان بالتساوي، وهذه المعاملة تقضي إما أن يشترك الفريقان معاً أو يعتزلا معاً. ولكن بما أنه ليس من المبادئ الصحيحة أن يكون المدعي في قضية حَكَماً فيها أيضاً، فلا حق للدولة الممثلة في مجلس عصبة الأمم أن تشترك في قرار المجلس إذا كانت مدعية في قضية معروضة عليه. وعليه فإن القصد من معاهدة لوزان كان ألا تشترك بريطانيا ولا تركيا في الاقتراع، وقد أقر المجلس في برقية أرسلها إلى الحكومة التركية في 30 آب عام 1922 أنه ينوي أن يعدّ تركيا مساوية لبريطانيا في تمثيلها في عصبة الأمم.

وإن المادة التي تنطبق على هذه المسألة هي المادة الخامسة عشرة، وهي تشترط بكل وضوح ألا تُحسب أصوات المتحاكمين، ولذلك يجب أن يكون جواب القسم الثاني من السؤال: إن حكم المجلس بموجب هذه المادة يؤخذ بالأكثرية، ولا يشترك الفريقان المتخاصمان في الاقتراع (31).

وفي 20 أيلول عام 1924، في اجتماع مجلس عصبة الأمم في جنيف، قدمت الحكومة التركية مذكرة احتجاج إلى الحكومة البريطانية جاء فيها أنه على الرغم من الخطوات الدبلوماسية التي تقوم بها منذ أشهر، فإن الطائرات الإنكليزية عبرت خط الحدود في 9 و12 و14 أيلول عام 1924، وأطلقت نيران رشاشاتها وألقت قنابلها، فأدى ذلك إلى قتل ثلاثة أشخاص وجرح اثني عشر شخصاً، وطالبت المذكرة بتعويض القتلى والجرحى والأضرار المادية (32).

وفي اجتماع المجلس في 30 أيلول عام 1924 أبلغ ممثل بريطانيا في عصبة الأمم اللورد بارمور (Parmoor) المجلس بمذكرة طالب فيها بتطبيق المادة الحادية عشرة من ميثاق عصبة الأمم، التي تبحث في تهديد حسن الجوار والتفاهم بين الأمم، وأوضح أن دورية جوية بريطانية اكتشفت قوات معادية صغيرة جنوب خط الحدود، وأن هذه الدورية أجبرت الغزاة على الانسحاب عبر الحدود وأوقعت بهم بعض الإصابات. وطالب المندوب البريطاني بالمحافظة على الحالة الراهنة، وطلب من مجلس عصبة الأمم حثّ الأتراك على احترام حسن الجوار.

وباشتداد خطورة الموقف على جانبي خط الحدود عقد مجلس العصبة اجتماعاً طارئاً في بروكسل يوم 27 تشرين الأول عام 1924، فسّر فيه اللورد بارمور الحالة الراهنة، واتهم القوات التركية بأنها لا تزال تحتل المنطقة التي تقدمت فيها في أيلول عام 1924، وطلب من المجلس أن يحدد معنى التعهدات المتبادلة المذكورة في الفقرة الثانية من المادة الثالثة من معاهدة لوزان.

وسلّم المندوب البريطاني مجلس عصبة الأمم خارطة أشار فيها إلى خط أزرق متقطع وخط أحمر متقطع وخط أحمر غير متقطع، وقال إن الخط الأزرق المتقطع يمثل خط الحدود الذي طلبت الحكومة البريطانية من مجلس العصبة الموافقة عليه، أما الخط الأحمر غير المتقطع فهو الحد الإداري للعراق العربي الجديد منذ تموز عام 1923، وأما المنطقة الواقعة بين الخط الأحمر المتقطع والخط الأحمر غير المتقطع فلم تكن في تموز عام 1923 تحت احتلال أي من الطرفين أو إدارته، أي إنها (منطقة الأرض الحرام)، وإن أية حركة من أي من الطرفين فيها تعني نقضاً للحالة الراهنة. وكرر اتهاماته، وطالب بانسحاب القوات التركية إلى شمال الخط الأحمر غير المتقطع (33).

وفي تشرين الثاني عام 1924 قررت لجنة تخطيط الحدود (لجنة تقصي الحقائق التابعة لعصبة الأمم) أن تزور لندن وأنقرة، ثم تتوجه إلى العراق، فوصلت بغداد يوم 16 كانون الثاني عام 1925، ومكثت فيها عدة أيام درست خلالها العلاقات الاقتصادية بين ولايتي بغداد والموصل (كوردستان العراق) وأساليب الإدارة، وتسلمت مذكرة من الملك فيصل الأول يؤكد فيها أهمية ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية بالنسبة للعراق العربي الجديد، وأن مشكلة ولاية الموصل (كوردستان العراق) هي مشكلة العراق الجديد بأجمعه.

ومكثت اللجنة في بغداد حتى 26 كانون الثاني 1925، زارت خلالها عدداً من الوزارات والمستشفيات ومعاهد التعليم، وقابلت عدداً من الشخصيات البارزة في بغداد وممثلي الطبقات والطوائف، كما زارت الأسواق ومخازن الحبوب والأخشاب للحصول على فكرة عن حركة التجارة بين بغداد والمناطق الشمالية (ولاية الموصل الكوردية)، ولهذا الغرض درست إحصائيات الكمارك وتقاريرها فيما قبل الحرب.

ووصلت اللجنة مدينة الموصل يوم 27 كانون الثاني عام 1925، فزارت بعض ذوي الخبرة والمعرفة لتكوين فكرة عامة عن الوضع، كما قابل أعضاؤها السلطات المحلية، وأجروا تحقيقات في الأقسام البعيدة من ولاية الموصل (كوردستان العراق) (34).

وزارت اللجنة مدينة أربيل، وقابلت السكان في كويسنجق وراوندوز، ثم واصلت أعمالها في دهوك والعمادية وزاخو والشيخان، فاطلعت على أحوال الناس ومشكلاتهم الاقتصادية والتجارية، والقضايا العنصرية والجيولوجية، وجمعت المعلومات عن وسائل المواصلات والزراعة (35).

وفي نهاية آذار عام 1925 عادت اللجنة إلى مدينة الموصل، وقضت بضعة أيام في تنسيق المعلومات التي جمعتها، ثم غادرت إلى جنيف.


أجزاء «مشكلة ولاية الموصل (كوردستان الجنوبية) وترسيم الحدود العراقية التركية» (3 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني (هذا الجزء)
  3. الجزء الثالث

→ الجزء الأول  |  الجزء الثالث ←