الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
مصير ولاية الموصل (كوردستان الجنوبية – كوردستان العراق) (الجزء الثالث)
من محاضرات «الكورد في ولاية الموصل» – 2014
في عام 1922 أخلت هذه المشكلة مكانها في جدول أعمال المندوب السامي البريطاني لمشكلة جديدة ذات خطورة آنية على المركز البريطاني في كوردستان، وأقصد بها التدخل العسكري التركي في ولاية الموصل (كوردستان العراق)، والوضع الناجم عنه المهدد بالانفجار.
سادت الفترةَ التي سبقت عودة الشيخ محمود الحفيد، أو بالأحرى إعادته، فوضى فكرية وحيرة في نفوس القوميين الكورد في جنوب كوردستان؛ فقد شجعهم البريطانيون آنياً ثم أخلفوا وخانوا العهد. وراقبوا إخوانهم في كوردستان تركيا، وفي العاصمة إستانبول خصوصاً، يخرجون بمطالبهم إلى العلن بعد إذعان حكومة السلطان العثماني لمطالبهم بوثيقة دولية خطيرة، وتابعوا المفاوضات التي كان يجريها هؤلاء الأكراد مع الحكومة التركية في إستانبول على أساس تلك المعاهدة، والإقرار بحق الكورد في تقرير مصيرهم بحرية وفقاً لتصريحات الحلفاء والمبادئ الويلسونية، نسبة إلى الرئيس الأمريكي الأسبق ويلسون، ومبادئه الأربع عشرة لعام 1918 في حق تقرير المصير للشعوب المضطهدة.
مبادئ الرئيس الأمريكي ويلسون الأربع عشرة (8 كانون الثاني 1918)
في الخطاب الذي ألقاه الرئيس الأمريكي ويلسون في 8 كانون الثاني 1918 شرح النقاط الأربع عشرة التي يتضمنها برنامجه من أجل إحلال السلام العالمي، الذي يجب أن يقام على «بنية من العدالة الدولية في المجتمعات العالمية» وتشمل جميع الأمم. وهذه المبادئ هي:
معاهدات سلام تُنشر علنياً بدون أي مواد أو ملاحق سرية.
حرية الملاحة الكاملة في زمن السلم كما في زمن الحرب.
إلغاء الحواجز التجارية وتوحيد شروط التعامل في المبادلات.
اتفاقيات من أجل تخفيض التسلح.
حل المسائل الاستعمارية، مع الاهتمام المتماثل بمتطلبات الإمبراطوريات وبسكان البلدان المستعمَرة ذات العلاقة.
إخلاء الأراضي الروسية، التي يجب أن يُقرَّر مصيرها ومستقبلها السياسي بكل حرية، وأن يُسمع صوتها في عصبة الأمم.
إخلاء بلجيكا وإعادة سيادتها.
تحرير كل الأراضي الفرنسية، وإعادة منطقة الألزاس واللورين إليها.
إعادة رسم حدود إيطاليا على أساس المعيار القومي.
إتاحة إمكانية التطور المستقل لشعوب الإمبراطورية النمساوية – الهنغارية.
استقلال البلدان البلقانية ووحدة أراضيها، مع تخصيص منفذ يوصل صربيا بالبحر.
إقرار سيادة تركيا، وإعطاء حق تقرير المصير للشعوب الأخرى التي كانت تابعة للإمبراطورية العثمانية، وإقرار حرية الملاحة في مضائق الدردنيل.
إنشاء دولة بولونية مستقلة، وإعطاؤها الضمانات الدولية الضرورية.
تشكيل عصبة أمم تضمن الاستقلال والسيادة ووحدة الأراضي لجميع الدول.
ووجد القوميون الكورد في جنوب كوردستان تناقضاً كبيراً بين ما يجري هناك في تركيا وبين ما يحاوله الترك في جنوب شرق تركيا (كوردستان تركيا)، حيث نشط وكلاؤهم في أرجائها يدعون إلى الأخوة التركية الكوردية، ويستنهضون الهمم باسم الدين الإسلامي الحنيف للانتفاض على حكم الكفار، دون أن تحاول السلطة البريطانية وقف نشاطهم، الذي نجح إلى حد كبير في استمالة عدد من العشائر الكوردية، لا سيما تلك التي بقيت ناقمة على معاملة الشيخ محمود الحفيد المهينة لها.
وفي كوردستان تركيا كانت حكومة السلطان العثماني تحاول جهدها إبقاء صلة الكورد بالعرش العثماني التركي، مهما كان شكل الكيان السياسي الكوردي الذي سيؤول إليه أمرهم بعد تطبيق المعاهدة، محاولةً إقناع المفاوضين الكورد بالرضا بشكل من الحكم الذاتي الواسع الرحاب بديلاً عن الاستقلال المفضي إلى الانفصال، بإثارة العاطفة الدينية الإسلامية لدى الكورد. ومن جهة أخرى كانت هناك الحركة الكمالية التركية التي تهدد عرش السلطان العثماني بشكل أو بآخر، والحكومة التركية تحاول أثناء المفاوضات أن تجعل تعاون الكورد معها في مقاومة الإنكليز شرطاً أساسياً لإنجاح المفاوضات الجارية. أما بخصوص جنوب كوردستان (كوردستان العراق) فكانت حكومة إستانبول وحركة مصطفى كمال أتاتورك متفقتين على وجوب انتزاعه من يد البريطانيين، وبدت حكومة إستانبول راضية تمام الرضا عما تقوم به الحركة من مجهودات. وكانت هناك بلبلة سياسية (10) وفوضى فكرية وأزمة علاقة، انعكست على مواقف القبائل الكوردية الساكنة على طرفي الحدود المؤقتة، وأفضت في أقصى جنوب كوردستان (العراق) – منطقة سوران – إلى انفجار ثورة ذات دويّ عظيم في كوردستان.
لم تعترف الحركة الكمالية التركية بشرعية معاهدة سيفر (10 آب 1920) أصلاً، ولكنها بنت دعايتها عند الكورد على الأساس الديني الإسلامي. إلا أنها كانت دعاية ضعيفة المردود في السليمانية، إلى الحد الذي لم يشعر معه الميجر سون، الضابط السياسي البريطاني في السليمانية، بوطأة لها، حتى عندما عصفت بالعراق العربي الجديد ثورة العشرين الكبرى عام 1920. وقد تركها، وهو ناقم، لخلفه الميجر كولدسمث، ولم يلبث هذا قليلاً حتى صدمته اضطرابات مزّقت الهدوء الشامل في منطقة السليمانية كغيرها من أجزاء كوردستان، وكانت هذه القلاقل من عمل الأتراك.
في شتاء عامي 1921–1922 بدأ محمد خان دزلي الكوردي، الذي كان على صلة بالوكلاء الترك، بسلسلة غارات سلب على منطقة حلبجة. ووجدت الإدارة البريطانية أن الوقت قد حان للمعالجة الجدية، بعد سكوت عن النشاط التركي في منطقة كوردستان العراق زاد على السنتين، فكان من الضروري الوقوف في وجهه ولو باستعمال القوة عند الحاجة. على أنها أفلحت في استرضاء محمد خان دزلي في أيار 1922 فأوقف نشاطه، إلا أن الأتراك أقدموا في أوائل ربيع العام نفسه 1922 على خطوة جريئة، قُدّر لها أن تكون فاتحة خطة التقدم التركي داخل كوردستان العراقية، لتؤدي إلى إغراق المنطقة بأسرها في لجّة من الفوضى وعدم الاستقرار أشهراً عدة.
في 17 آذار 1922 أصدرت الحكومة التركية قراراً بتعيين رمزي بك قائممقاماً لقضاء رواندوز وبعثت به إليها. وبعد وصوله المدينة، وفي أواخر أيار 1922، أطلق حملة مركزة بين القبائل الكوردية هي مزيج من التهديد والوعيد والملق والمداهنة، تتحدث في جملتها عن قرب وصول قوات تركية كبيرة بهدف انتزاع السليمانية وكركوك وأربيل من يد البريطانيين (11). وفي حدود أواسط حزيران 1922 بالذات لحق برمزي بك ضابط تركي برتبة عقيد اسمه علي شفيق المصري، وعُرف بلقب «أوزدمير» (12)، لم يُخفِ مهمته، إذ أذاع أنه أقبل لإعادة فتح ولاية الموصل.
بدأت أنشطة الترك تؤتي ثمارها؛ فهاجم سيد محمد، رئيس عشيرة الجباري الكوردية، مدير ناحية جمجمال وأصابه بجراح، واستنفر قبيلته للثورة على «الحكومة». ولحق به كريم فتاح بك، زعيم الهماوند، مبتدئاً برسائل تهديد لمعاون الضابط السياسي البريطاني بوند (Bond)، ثم تظاهر بتعديل موقفه، ودعاه هو والنقيب ماكانت (Makant) إلى لقاء، فقصداه رغم تحذير بعض الشيوخ الكورد لهما. وفيما كانا يرافقانه على ظهور الخيل بمناسبة استقبال أعدّه لهما، أُرديا بوابل من الرصاص من الخلف. ثم انضم كريم فتاح بك إلى محمد الجباري، وطاردته قوات الليفي والقوة الجوية البريطانية طوال شهر، إلا أنه أفلت والتجأ إلى القوات التركية. وفي الوقت عينه تمكنت قوات الليفي التي أُرسلت إلى بشدر من إنقاذ بابكر آغا، الذي كان مهدداً من فخذ معادٍ من عشيرة بشدر، وأُعيدت إليه سلطته.
إلا أن الوضع في رانية بات خطيراً، فقد زادت الضغوط المزدوجة من العقيد أوزدمير (علي شفيق المصري)، القائد التركي، ومن التمرد الكوردي الذي كان يقوده عباس محمود، من زعماء البشدر. يقول الميجر إدموندز، المستشار البريطاني لوزارة الداخلية في بغداد:
“لخّصت الموضوع برسالة مؤرخة في 2 تموز 1922 موجهة إلى كل من كولدسمث، الضابط السياسي البريطاني في السليمانية، والمندوب السامي البريطاني برسي كوكس. ومما ذكرت أن آغوات أكراد بشدر الثائرين أرسلوا وفداً مؤلفاً من أربعة أشخاص إلى الترك، ملحّين عليهم بوجوب مساعدتهم في قيامهم بانتفاضة كوردية ضد البريطانيين. وفي حدود 28 حزيران 1922 عاد ثلاثة من أعضاء هذا الوفد، ومع كل واحد منهم بندقية وخمسمئة إطلاقة على سبيل الهدية، فضلاً عن رسالة مدونة على ورقة حكومية، مصدّرة بعنوان (قائد الشعب الإسلامي في فلسطين وسورية)، مذيّلة بتوقيع (قائد الشعب الإسلامي في العراق وكوردستان)، ومما جاء فيها: إن مصطفى كمال أتاتورك وجودت باشا يعرفان جيداً خدمات آغوات أكراد البشدر، وقد شغلتهما الحرب في الشرق والغرب عن مساعدتهم، والآن وقد أصبحت أيديهما حرة فها هما يرسلان أحمد تقي، موفد كوردستان، إلى وزنه في إيران، قرب عمود الحدود المرقم 116، برفقة خمسين جندياً لتقديم المساعدة الفعالة لهم” (13).
وألحّ الميجر إدموندز على إرسال قوة تأديب دون جدوى. وتأزم الوضع إلى حد الخطورة بظهور كريم فتاح بك، رئيس عشيرة الهماوند، ثانية مع قوة من الترك اتجهت جماعات صغيرة منها إلى رانية وبشدر. وكجزء من الخطة العامة بعث أوزدمير (العقيد علي شفيق المصري) رسائل إلى جميع الرؤساء الكورد في ناودشت يحثهم فيها على الانضمام إلى قواته التركية.
ويبدو أن وصول قوات بريطانية إلى السليمانية بقيادة العقيد مينيت (Minet) كان له أثره في تسكين الهياج الفكري الناجم عن رخاوة البريطانيين في التصدي للدعاية التركية، كما كان له أثره الفعال في القضاء على تمرد القبائل في جوار رانية.
وساد بعد ذلك هدوء وقتي نسبي لم يدم طويلاً، فقد وصل كريم فتاح بك إلى رواندوز على رأس جمع من عشيرة الهماوند الكوردية، فبثّ الشجاعة في القوة التركية ورفع من معنوياتها، ولم يضيعوا وقتاً، فتأهبوا للهجوم على رانية.
وعاد الضابط السياسي البريطاني الميجر إدموندز من كركوك يناشد بقوة المندوبَ السامي البريطاني في العراق إرسال قوات أرضية إلى المنطقة، وشنّ غارات جوية على تجمعات القبائل التي أعدّها الترك للهجوم على رانية.
وأخيراً استجابت دار المندوب السامي البريطاني في العراق لمناشدة الميجر إدموندز، فأُبلغ برقياً في مساء 17 آب 1922 بأن رتلاً عسكرياً سيتم تأليفه للقيام بعمليات عسكرية ضد التجمعات التركية – الكوردية في منطقة رانية، وأُطلق عليه اسم «رتل رانية» (Rania Column)، واختصاراً «رانيكول» (Ranicol).
على أن إعداد القوة اقتضى وقتاً، وعندما تم تشكيلها بدت قوة ضعيفة إلى حد يُرثى له، لا كما توقع إدموندز. وفي 29 آب 1922 رابطت هذه القوة في دربندي رمكان، فباغتتها قوات أوزدمير (العقيد علي شفيق المصري) التركية في صبيحة يوم 31 آب 1922، وألحقت بالقوات البريطانية هزيمة، وكان ضعف القيادة البريطانية وترددها السبب الرئيس في هزيمتها. ففي نهاية ذلك اليوم، وبعد أن اتضح لقائدها البريطاني عجزها عن الصمود في مواقعها في دربندي رمكان، قرر الانسحاب. وبسبب إصداره أوامر متناقضة إلى مرؤوسيه في رانية يومذاك سقطت البلدة بيد القوات التركية، واضطر الإنكليز إلى الانسحاب باتجاه كويسنجق. إلا أن ما كان القصد منه أن يكون انسحاباً منظماً انقلب إلى هزيمة، ثم إلى مطاردة من المهاجمين الكورد والترك الذين انحدروا من المرتفعات المجاورة ليصلوا المتقهقرين بنار حامية من الجانبين ومن المؤخرة، فمُنيت القوة بخسائر كبيرة في الأرواح، وفقدت معظم القوات البريطانية مهماتها وأثقالها، ولم ينقذها غير ظهور القوة الجوية البريطانية في الوقت المناسب، لتُصلي المهاجمين الكورد والترك بنار رشاشاتها وترغمهم على وقف المطاردة.
ذكر الميجر سون أن ما أصابه الترك من نجاح في رانية يعود بالدرجة الأولى إلى السياسة المتقلبة التي اتبعتها الإدارة البريطانية في كوردستان، فضلاً عن أن هزيمة سمكو آغا الشكاك في إيران وتشتيت شمل أتباعه حملت معظمهم على الانضمام إلى الترك، الذين استخدموهم فوراً، وكان معظم قوة أوزدمير (العقيد علي شفيق المصري) من كورد جماعة سمكو آغا الشكاك (14).
وهناك أسباب أخرى يُعزى إليها ظهور الترك، أقرّت بها تقارير الإدارة البريطانية؛ فأن تكون قوة صغيرة محدودة الموارد قادرة على إشاعة مثل هذا الاضطراب الكبير في كوردستان، وإلحاق الهزيمة بقوات نظامية بريطانية، يعود بلا شك إلى حنكة الضباط الأتراك الذين يقودونها، ومعاونة العشائر الكوردية لهم، معززة بانتشار الشائعات حول قرب تدفق قوات تركية نظامية كبيرة إلى كوردستان.
إن احتلال رانية، والسيطرة على معظم منطقة بشدر، والخوف من أن تكون السليمانية الهدف التالي، دعت الإدارة البريطانية إلى اتخاذ تدابير عاجلة، فأصدر المندوب السامي البريطاني في بغداد قراراً بإخلاء الموظفين والضباط البريطانيين منها خشية تعرضهم للخطر.
وأودع الضابط السياسي الميجر كولدسمث، قبل مغادرته، إمرة الإدارة إلى المجلس البلدي للسليمانية، الذي سارع إلى اختيار الشيخ قادر، الأخ الأصغر للشيخ محمود الحفيد، رئيساً، وكان مبعداً في بغداد فسُمح له بالعودة قبل ذلك بأيام. وتضمن نقل السلطة من البريطانيين إلى الكورد انتقال محتويات الخزينة ومستودعات السلاح والذخيرة، وقيادة مئتي عسكري كوردي (15).
ثم على حين غرة انطلقت من شتى المحافل الكوردية، ومن زعماء القبائل الكوردية الموالية للأسرة الحفيدية البرزنجية، نداءات ملحّة تطالب بعودة الشيخ محمود الحفيد.
كان ردّ الفعل تلقائياً، وبدت الإدارة قليلة الحيلة إزاء التحركات التركية. فقد شجعت هزيمة رانية وإخلاء السليمانية الترك كثيراً، ولم يضيعوا وقتاً، فظهرت لهم قوة استطلاعية على ضفاف الزاب الأسفل مهددة خطوط المواصلات البريطانية. وقبلها كانت قوة تركية صغيرة قد احتلت كويسنجق، ثم تقدمت لاحتلال طقطق على الزاب الأسفل. وفي كويسنجق نصبوا قائممقاماً، وفي طقطق عيّنوا مدير ناحية، وانضمت إليهم قبيلة شيخ بزيني الكوردية التي كانت تسكن ضفتي الزاب على الطريق الرئيسة بين كويسنجق وكركوك.
واعتمد الترك على حركات جريئة أخرى، فدفعوا عباس محمود آغا، زعيم القسم المعادي من عشائر بشدر، بإسناد عدد من الجنود الترك النظاميين ليهدد السليمانية. إلا أن وجهاء السليمانية تمكنوا من إقناع الرئيس البشدري بوقف تقدمه في منطقة سورداش انتظاراً لعودة الشيخ محمود الحفيد. وقيل أيضاً إن الترك يتهيؤون للزحف على عقرة. لكن ما مضى شهر من الزمن، وعلى إثر غارات عنيفة من القوة الجوية البريطانية، حتى أُحبطت محاولات التقدم نحو السليمانية، وعادت السيطرة البريطانية في المناطق التي لم تمتد إليها الاضطرابات.
المصادر
ف. مينورسكي: دراسات في التاريخ القفقاسي (V. Minorsky: Studies in Caucasian History)، ص 9، كمبردج، دراسات شرقية، 1953.
قرار المجلس الوطني الكبير التركي المتخذ في 23 نيسان 1920، وهو القرار المعروف بالميثاق الوطني التركي، الذي نصت مادته الأولى على ما يلي: “عند الضرورة يتقرر مصير أجزاء الإمبراطورية العثمانية التي تسكنها أغلبية عربية، والتي كانت حين عقد هدنة مودروس في 30 تشرين الأول 1918 محتلة من قوات العدو، وفقاً لتصويت سكانها الحر. أما الأجزاء التي تقطنها أغلبية عثمانية مسلمة متحدة ديناً وجنساً وهدفاً، ومنهم الأكراد، عامرة بمشاعر الاحترام المتبادل والتضحية، وتحترم احتراماً كاملاً الحقوق القومية والاجتماعية والظروف الراهنة، فهي جزء لا يتجزأ من تركيا لأي سبب منطقي أو قانوني، سواء أكانت داخل خط هدنة مودروس المذكورة أم خارجه (والمقصود هنا المنطقة الكوردية كوردستان)”. وفي هذا ادعاء صريح بولاية الموصل ذات الغالبية الكوردية باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من تركيا الحديثة.
تألف الوفد العراقي من السير برسي كوكس (المندوب السامي البريطاني على العراق آنذاك بموجب صك الانتداب)، والسكرتيرة الشرقية للدائرة المس كيرترود بيل (المس بيل)، والقائد العام للقوات البريطانية المرابطة في العراق الجنرال السير إيلمر هالدين، ووزير الدفاع في الحكومة العراقية جعفر العسكري، ووزير المالية فيها ساسون حسقيل. وهذان الأخيران ليسا عضوين في المؤتمر، وإنما ضُمّا إلى الوفد بوصفهما خبيرين استشاريين لا أكثر، يُستأنس برأيهما حيثما دعت الحاجة. والظاهر أن برسي كوكس لم يجد حاجة تدعو إلى ضم خبير كوردي.
نص المادة 64 من معاهدة سيفر 1920: “في موعد لا يتجاوز السنة الواحدة ابتداءً من تاريخ تنفيذ المعاهدة، إذا قدّم الشعب الكوردي المقيم في المناطق الكوردية المعينة في المادة الثانية والستين من هذه المعاهدة طلباً إلى جمعية (عصبة) الأمم، مبيناً فيه أن أغلبية سكان هذه المناطق الكوردية ترغب في إنشاء دولة كوردية مستقلة عن تركيا، وإن آنست الجمعية المذكورة أن هذا الشعب الكوردي قادر على ممارسة هذا الحق، أوصت بذلك. وتتعهد تركيا من الآن بأن تنفذ تلك التوصية، وتتنازل عن جميع حقوقها وامتيازاتها في هذه المناطق الكوردية، وتكون تفاصيل هذا التنازل موضوع اتفاق خاص يُعقد بين أهم دول الحلفاء وتركيا. وفي حالة التنازل، وعند وقوعه، لا تضع الحكومة العثمانية أية عراقيل، ولا تُبدى أية معارضة من طرف الحلفاء، إذا شاء الكورد المقيمون في جزء من أراضي كوردستان الداخل حتى يومنا هذا في ولاية الموصل الاتحادَ بمحض إرادتهم مع حكومة الكورد المستقلة”.
يخيّل إليّ أن السير برسي كوكس كان يشير إلى قرار يتعلق بشؤون السليمانية اتخذته الوزارة العراقية النقيبية الأولى، معترضاً على احتفاظ السير برسي كوكس لنفسه بإدارتها: “بناءً على أهمية موقع السليمانية الجغرافي، والروابط الاقتصادية والسياسية التي تربطه بالعراق الجديد، والتقاليد المشتركة القديمة بين الخطتين، يقترح مجلس الوزراء العراقي على فخامة المندوب السامي إبقاء القديم على قدمه، وتوحيد إدارة العراق واللواء المذكور (السليمانية)، واعتباره كسائر ألوية العراق في جميع شؤونه. 7 آذار 1921”. ولم يُجب السير برسي عن الاقتراح بنفسه، بل كلّف سكرتاريته بالرد هكذا:
“رقم 4/3330
أمرني فخامة المندوب السامي البريطاني أن أخاطبكم بشأن أمور لواء السليمانية الإدارية:
لا يخفى على مجلس الوزراء أن معاهدة الصلح مع تركيا تنص على عدم معارضة دول الحلفاء الكبرى إذا أرادت المناطق الكوردية التابعة للواء الموصل الانضمام إلى حكومة كوردستان في خلال سنة واحدة من تاريخ عقد الصلح مع تركيا. ويعترف فخامة المندوب السامي بالمصالح الاقتصادية وسواها التي تربط لواء السليمانية بالعراق، وعليه يظهر لفخامته إمكان القيام بما عليه نحو الأمة الكوردية من جهة، والحكومة الوطنية من جهة أخرى، وذلك بتشكيل إدارة في لواء السليمانية حالاً يديرها فخامته بمشورة الوزراء، بدلاً من الصورة المتبعة الآن، أي إدارة دفة الأمور من قبل هيئة الوزارة بمشورة فخامة المندوب السامي. أما هذه الإدارة فستكون مؤقتة، يُنظر فيها بعد انقضاء المدة المصرح بها في معاهدة الصلح.
ثم إن السير برسي كوكس يتبع سياسة من شأنها تأييد الحكم الذاتي للأكراد، وقد باشر فخامته أيضاً في تعيين متصرف للواء السليمانية. ومع أن السياسة في العراق والسليمانية سياسة موحدة الغرض والمرمى، يجب أن تكون مراجعات متصرف لواء السليمانية مع المندوب السامي رأساً بدلاً من أن تكون مع الوزراء. ففخامة المندوب السامي يودّ، والحالة هذه، الوقوف على رأي مجلس الوزراء بهذا الخصوص، ولعل هذه الخطة تحوز قبولاً منهم”.
(نُقلت عن تاريخ الوزارات العراقية للحسني، الطبعة الخامسة، ج 1، ص 28 – 29).
واحد من مقاصد هذا البحث الكشف عن صفحات مطوية من تاريخ العراق الحديث حرص الكتّاب والمؤرخون العراقيون على تجاوزها وطمس معالمها. وليس من أغراض البحث هنا التحري عن أسبابها ودواعيها، وهي أشد وضوحاً للعين الآن من أن تحتاج إلى الاعتماد عليها بالتفصيل والمناقشة. وأذكر على سبيل المثال مؤلفَي السيد عبد الرزاق الحسني (تاريخ الوزارات العراقية، وتاريخ العراق السياسي)، ومؤلَّف الدكتور فاضل حسين (مشكلة الموصل)، ومحمد طاهر العمري مؤلف كتاب (تاريخ مقدرات العراق السياسية)، وكثيراً من المؤرخين والكتّاب الآخرين الذين أغفلوا عمداً التطرق إلى هذه المساجلة المصيرية الطريفة التي بدأت في مؤتمر القاهرة، بين من عُزي إليه بحق بناء الكيان العراقي، وبين واحد من أعاظم رجال التاريخ في كل زمان ومكان.
من وزير المستعمرات إلى المندوب السامي، 3 تشرين الأول 1921، F.O. 371 – 6347.
من المندوب السامي إلى وزير المستعمرات، 21 حزيران 1921، F.O. 371 – 6346.
أوردنا المصطلح الذي استخدمه كوكس بلغته في الإشارة إلى الكورد، متحاشياً بتعمد استخدام نعت آخر يدل على مجتمع متراصّ موحد.
تصلح هذه البرقية نموذجاً لمحاولات استغلال الكورد والمساومة على مطالبهم في الصراع الناشب بين حكومة إستانبول وبين الحركة الكمالية التصحيحية التي يرأسها مصطفى كمال أتاتورك في أواسط تركيا. وقد بعث بها الأميرال السير جون دي روبيك، عضو لجنة الحلفاء العليا البريطاني المقيم في إستانبول، إلى وزير الخارجية البريطاني اللورد كرزن، وإليك نصها:
“من الأميرال السير ج. دي روبيك، رقم 861
إلى اللورد كرزن، وزير الخارجية – مستعجل جداً.
(مكرر إلى بغداد)
إلحاقاً ببرقيتي السابقة، هل لكم أن تحيطوني علماً برأيكم حول المقترحات الكوردية لو اتخذت شكلاً أكثر وضوحاً مما هي عليه الآن؟ إن رئيس الوزراء (التركي فريد باشا) على اتصال بالرأي الكوردي المحافظ الذي يفضّل الحكم الذاتي المضمون بالمعاهدة، إلا أنه يرى أن وراء مصطفى كمال أتاتورك ظلَّ البلشفية والتحلل في النظام الكوردي التقليدي القديم.
وموقف رئيس الوزراء التركي (الصدر الأعظم فريد باشا) هو هذا: كوردستان ستُعطى حكماً ذاتياً بمعاهدة (مع تركيا)، والزعماء الكورد يكرهون مصطفى كمال أتاتورك لأنه يريد تدمير البلاد، وأنت (يقصد الأميرال) تكره مصطفى كمال لأنه لا يريد معاهدتكم (المقصود معاهدة سيفر 1920)، فدعنا إذن نستخدم الكورد معاً ضده. وهذه خطة ليست بحكم الضرورة غير عملية، رغم أن بعض الصعوبات تكتنفها، وهي التي نوّهت بها برقيتي المرقمة (401) مع الجواب الذي أرسلتموه من سان ريمو والمؤرخ في 24 نيسان 1920. ومن الصعب جداً أن نعمل من دون تعاون فرنسي خالص النية، نظراً لدخول جزء كبير من الأراضي الكوردية في مجال النفوذ الفرنسي”.
وعلّق وكيل الوزارة الدائم (د. ج. أوسبورن D. G. Osborne) بالجواب التالي:
“لا أرى أي سبب للعدول عن السياسة التي رسمتها وزارة الخارجية البريطانية في البرقية المرقمة E. 3747 المرسلة من سان ريمو، لكن إذا طلب الكورد بأنفسهم منا أو من الفرنسيين تسليحهم ضد مصطفى كمال فسيكون الأمر مختلفاً. أشير على الأميرال السير دي روبيك بإبلاغ رئيس الوزراء (التركي) فريد باشا بأن حكومة جلالته (البريطانية) لا تجد مجالاً لقبول اقتراحه في الوقت الحاضر على أية حال”.
كورد وترك وعرب (المرجع السالف، من ترجمتنا، ص 222 – 223). في هذا الفصل، وهو السابع عشر من الكتاب (رانيكول)، يتحدث المؤلف، الذي كان وقتذاك الضابط السياسي البريطاني لقسم كركوك، بتفصيل دقيق عن النشاط التركي في المنطقة وعن التدابير التي اقترحها، ويذكر أن مراسلاته كانت توجّه إلى الضابط السياسي في السليمانية (كولدسمث)، إلا أنها كانت تُكرَّر رأساً إلى المندوب السامي السير برسي كوكس، ليقوم هو بالتصرف كما لو كانت الرسائل موجهة إليه أصلاً. (يُراجع أيضاً التقرير عن الإدارة العراقية لشهري نيسان وآذار 1923 بهذا الخصوص، ويتضمن معلومات أخرى زيادة على ما ورد في فصل «رانيكول»).
معناه بالتركية «منكب الحديد»، وهو ضابط مصري الولادة جركسي الأصل ألقى بحظوظه مع الترك الكماليين.
كورد وترك وعرب، المرجع السالف، ص 224.
ميجر سون: مقال كتبه في مجلة الجمعية الآسيوية (JCAS)، السنة 1923، العدد 10، القسم الأول، ص 73.
يذكر الميجر سون (المرجع السالف) أن محتويات الخزينة كانت تبلغ 145 ألف روبية، وكان في المستودع خمسمئة بندقية.
أجزاء «مصير ولاية الموصل (كوردستان الجنوبية – كوردستان العراق)» (3 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث (هذا الجزء)