الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

مصير ولاية الموصل (كوردستان الجنوبية – كوردستان العراق) (الجزء الثاني)

من محاضرات «الكورد في ولاية الموصل» – 2014

في رأيي كان هذا التصريح نقطة البداية لحرف قرار مؤتمر القاهرة (آذار 1921) عن الخط الذي رُسم له. وأول نذير بالتحول وصل إلى «دائرة الشرق الأوسط» في وزارة المستعمرات البريطانية تقريرُ استخبارات من العراق الجديد مؤرخ في 15 أيار 1921، رأى فيه ريدر بولارد، وهو واحد من ألمع موظفي تلك الدائرة، وضابط سياسي سابق في العراق عمل مع الحاكم المدني البريطاني العام، أنه من وحي برسي كوكس، وأنه إن لم يكن قد أمر به فلا شك في أنه اطّلع عليه. والتقرير يشير إلى ظهور “سياسة جديدة” في سماء كوردستان، تعطي انطباعاً بالميل إلى ترك أصغر ما يمكن تركه من ميسوبوتاميا (العراق الحديث) خارج سيطرة حكومة بغداد الجديدة.

وما استنتجه ريدر بولارد من هذا التقرير أوضحه برسي كوكس بنفسه في رسالة إلى ونستون تشرشل، وزير المستعمرات البريطاني، جاء فيها أنه استخلص من منطوق المادة 64 من معاهدة سيفر لعام 1920، الوثيقة الصلة بالموضوع (4)، أن عليه الاستمرار في إدارة المناطق الكوردية (كوردستان العراق – ولاية الموصل)، وأنه ردّ على احتجاج مجلس الوزراء العراقي الجديد بأن التدابير التي يراها ضرورية في كوردستان قد تؤدي في الأخير إلى فصل كوردستان عن العراق العربي الجديد (5).

وأنبأ السير برسي كوكس وزارة المستعمرات (ونستون تشرشل) بأنه عقد اجتماعاً لخبراء كورد، تقرر فيه بالإجماع أن أفضل حل ممكن تؤخذ فيه جميع وجهات النظر بالحسبان هو أن تبقى كوردستان العراق جزءاً لا يتجزأ من العراق العربي الجديد للأغراض المالية والميزانية، ولكن، وبقدر ما يتمشى مع فكرة الحكم الذاتي للأكراد، أن يقوم المندوب السامي البريطاني بالإشراف على إدارتها مباشرة من خلال موظفين كورد وبريطانيين، على أساس الأوتونومية المحلية (الحكم الذاتي).

وقد يُستخلص من هذا أن برسي كوكس يرى أن ما وصفته المادة (64) من معاهدة سيفر (1920) لمستقبل كوردستان السياسي يفترض على أكثر تقدير حكماً ذاتياً. وأضاف أن كل المناطق الكوردية، باستثناء السليمانية، تفضّل الانضمام إلى العراق العربي الجديد، وأنه واثق بأن هذا سيقع موقع القبول من عصبة الأمم والمحافل الكوردية، وأن سياسته هذه تتضمن أفضل حل، وأنه يأمل أن يوافق ونستون تشرشل على رأيه هذا.

ومن الجدير بالذكر أن القضية الكوردية في كوردستان العراق بُحثت بإسهاب في مؤتمر القاهرة في 24 آذار 1921 (6)، في حين لم تُشر الصحف الصادرة في بغداد في حينه عن اجتماع القاهرة إلا إلى موضوع ترشيح الأمير فيصل لعرش العراق.

ردّ ونستون تشرشل على شرح السير برسي كوكس فوراً ببرقية مؤرخة في 21 ومرقمة (201) جاء فيها:

“غادرت القاهرة وأنا أحمل انطباعاً مختلفاً عن موازنة الآراء بخصوص السياسة الكوردية. يتراءى لي أنكم تفصلون بين ذلك الجزء من ميسوبوتاميا (العراق الحالي) الذي يجب أن يُدار مباشرة مهما كان مصيره في الأخير، وبين الجزء (كوردستان) الذي سيُضم في الأخير إلى العراق الحالي”.

ونوّه ونستون تشرشل بأن برسي كوكس لم يتطرق بشيء إلى المنطقة الكوردية الثانية التي تدخل فيها أربيل وكركوك.

ثم عرّج ونستون تشرشل على تذكير برسي كوكس ببرقيته الموجهة إليه في 25 أيار 1921، التي أوصى فيها بألا تدخل كركوك الكوردستانية في العراق العربي الحالي لأنها كوردية وغير عربية، مؤكداً رأيه السابق المتأكد منه، وهو قيام “دولة كوردية عازلة تتألف إثنولوجياً (عرقياً) من عناصر غير عربية (كوردية)”.

ثم انثنى ونستون تشرشل ليصدر عدة تعليمات وأوامر إلى «دائرة الشرق الأوسط»، منها وجوب عودة الميجر نوئيل إلى كوردستان العراق، ووجوب التمسك بقرار مؤتمر القاهرة (آذار 1921) وبالحقوق القومية للشعب الكوردي في كوردستان العراق، ووجوب إعادة الشيخ محمود الحفيد إلى السليمانية.

ولم يكن برسي كوكس مسروراً بهذا القرار. وبدأت الخلافات الجانبية بين وجهتي النظر صغيرة تتعلق بكيفية التطبيق، إلا أنها انتهت إلى خلاف بين سبيلين متناقضين في تطبيق القرار: أحدهما يؤدي إلى خلق كيان كوردي ذي حكم ذاتي منفصل عن العراق العربي الحالي، والآخر يبيّت نية واضحة في ضم جنوب كوردستان (كوردستان العراق) إلى الدولة العراقية العربية الجديدة.

في التاسع من حزيران 1921 عاد ونستون تشرشل ليؤكد لزوم الإفادة من خدمات الميجر نوئيل. وتعلّق ذلك بقضية الشيخ محمود الحفيد المبعد إلى الهند البريطانية، فقد طلب تشرشل إطلاق سراحه منذ الحادي عشر من نيسان 1921، وتعمّد برسي كوكس الإبطاء والتأخير دون الالتفات إلى سخط تشرشل، الذي أصبح الآن مدركاً إلى أي حد كان المندوب السامي البريطاني يعارض عودة الرجلين (الشيخ محمود الحفيد والميجر نوئيل)، مستفيداً من غيابهما عن الميدان للعمل حثيثاً على دمج المناطق الكوردية في جنوب كوردستان بالدولة العراقية العربية. فلم يُجب كوكس عن مطالب تشرشل واستفساراته إلا بعد شهرين تقريباً (في 8 حزيران 1921)، وإذ ذاك كانت السياسة الإدارية التي اتخذها قد نُفّذت وتجذّرت عميقاً في منطقة كوردستان العراق.

واستخدم برسي كوكس عللاً وأسباباً أخرى لإقناع «دائرة الشرق الأوسط» بسلامة خطته وصحتها في معالجة الأمور محلياً. ففي حزيران 1921، وكان على اطلاع تام بثورة الكوك جيري في درسيم، بعث بجملة من البرقيات إلى وزارة المستعمرات البريطانية تتحدث عن اضطرابات كوردية في منطقة كوردستان تركيا، ووقائع عنيفة في الأناضول معادية للكماليين الأتراك، واستفسر عن إمكانية استغلالها للمصلحة البريطانية: “استثمارها لنا أكثر من استثمار القوميين الكورد لها ضد القومية التركية”. فكانت ثورة الكوك جيري في درسيم سلاحاً جديداً بيد السير برسي كوكس.

ولم يحوّل هذا الإغراء الجديد عزم ونستون تشرشل عن متابعة نهجه، فأجاب مؤكداً أنه ما يزال يفضّل الأخذ بسياسة إقامة دولة كوردية مستقلة عازلة بين العرب والترك، كما تقرر في مؤتمر القاهرة في آذار 1921. إلا أن برسي كوكس بدأ الآن يغري معظم المناطق الكوردية من كوردستان بالتعاون على إمرار سياسته، وجعل النظام العراقي العربي يمتد إلى أقسام كوردستان في كركوك وأربيل، في حين بقيت السليمانية تحت حكم البريطانيين المباشر، وبذل “كل جهد” في سبيل “تطوير الإدارة الوطنية على خطوط اعتيادية”، متصدياً لما تبقى في لندن من شعور بالواجب واحترام التعهدات للكورد، وظل يدور حول ونستون تشرشل ويناور، حتى كتب إليه تشرشل في الأخير:

“إن الحكم العربي في العراق يجب أن يقتصر على الأرض العربية فقط، وتحديداً ولايتي البصرة وبغداد”.

لكن برسي كوكس كان بوسعه الآن أن يقول له إن معظم الكورد قد استُشيروا (في 6 أيار 1921) فاختاروا عدم الانفصال عن العراق العربي، وإنه من الصعب تجاهل رغبتهم، فضلاً عن أن القوميين العرب صاروا الآن يعتمدون على بناء عراق تدخل فيه ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية، وأن خيبة مبتغاهم الآن تعني المخاطرة بانفجار شديد مثلما حصل عام 1920 (ثورة العشرين).

وعاد ونستون تشرشل يذكّر برسي كوكس بأن اعتماده خطة إشراك الكورد في المجلس التأسيسي العراقي الجديد (البرلمان)، المنوي عقده لوضع دستور الدولة العراقية، “يجب أن يحترم مبدأ أن الكورد يجب ألا يوضعوا تحت حكم العرب ضد رغبتهم” (7).

وفي الأخير كشف برسي كوكس، المندوب السامي البريطاني في العراق، عن أوراقه حين لم يعد للمداورة والمناورة موضع، فوضع الأمر أمام وزارة المستعمرات البريطانية بالشكل التالي: “في مؤتمر القاهرة (آذار 1921) كان هناك خياران: أولاً، أن تكون المنطقة الكوردية (كوردستان العراق) جزءاً من العراق العربي الحالي؛ ثانياً، أن تُشجَّع المنطقة الكوردية (كوردستان العراق) على حكم ذاتي منفصل”. ثم انتهى إلى القول إنه “بعد موازنة الآراء والمشاورة مع أولي الرأي، يرى أن يصار إلى الخيار الأول”، ثم استتلى قائلاً إنه لن يتخذ أي خطوة في أيٍّ من السبيلين إلا بعد أن يتلقى جواباً صريحاً من وزارة المستعمرات البريطانية “كيلا يكون هناك سوء فهم”.

كان برسي كوكس يريد أن يسمع من ونستون تشرشل رأياً واضحاً فيما استدرجه إليه، أي أن يصير بالنتيجة إلى الحل الأول، أو على الأقل أن يكتشف في ردّ فعله أي ضعف أو ميل إليه قد يطلق يده في سلوك سياسة دمج المنطقة الكوردية (كوردستان العراق) بالعراق العربي، التي يفضّلها وهو عاقد العزم عليها.

وبتوالي التقارير وتعدد المراسلات ارتأى ونستون تشرشل عقد اجتماع لـ«دائرة الشرق الأوسط» يضم ممثلين عن سائر الوزارات البريطانية ذات العلاقة، وانضم إليهم كل من الميجر سون، الذي لم يكن قد طُرد من السليمانية بعد، ومعاون الضابط السياسي للواء كركوك النقيب ستيفن لونكريك، وكان إذ ذاك في لندن. وقد عُقد الاجتماع في السادس والعشرين من حزيران 1921، ورُفضت فيه معظم تقارير برسي كوكس ومقترحاته، باعتبارها مخالفة لما تم التوصل إليه في مؤتمر القاهرة لعام 1921، وأُعطي التفضيل للخيار الثاني، وأيّد هذا المنحى كل من الميجر سون والنقيب لونكريك. وكتبت الدائرة السياسية في «دائرة الشرق الأوسط» ردّها مشيرة إلى هذين بعبارة تشبه التوبيخ:

“إن الدائرة السياسية للشرق الأوسط تظن أن ليس بين مشاوري السيد برسي كوكس من يستطيع أن يتكلم عن ثقة أو خبرة بقدر ما يملكه الميجر سون والنقيب لونكريك من خبرة وكفاءة”.

وانحصرت المكاتبات بين برسي كوكس وونستون تشرشل لبقية عام 1921 وبداية عام 1922 في النقطة المركزية: هل يجب على بريطانيا مساندة قيام كوردستان أوتونومية (ذات حكم ذاتي)، أم أن تُضم المنطقة الكوردية (كوردستان العراق)، التي أطلقنا عليها مصطلح «جنوب كوردستان»، إلى العراق العربي الحالي؟

ولم ينجح برسي كوكس آخر المطاف في صرف وزارة المستعمرات عن قرار مؤتمر القاهرة (آذار 1921) وصرف نظرها عن تطبيقه نهائياً إلا بالضرب على وتر ونستون تشرشل الحساس، وتر الضرورة الاستراتيجية للإمبراطورية البريطانية، والتفكير في استحداث إدارة «أنكلو – كوردية» عن بعد خشية جرح مشاعر القوميين الكورد المرهفة، والانتهاء إلى أن “أفضل سياسة هي اعتبار الكورد أقلية عراقية كبيرة، لكن مع منحهم فرصة إعادة النظر في قرارهم بعد ثلاث سنين” (8). وبقي الميجر سون يعارض هذه السياسة، وأعلن رأيه في نهاية عام 1921 بكل صراحة، وهو رفض خضوع السليمانية لحكم عربي إلا أن يكون مؤقتاً وتمهيداً لخلق دولة كوردية مستقلة، فأُقيل فوراً من منصبه. وكان مثل زميليه النقيب ليز والميجر نوئيل، وربما أقدم على ما أقدم عليه بدافع الحقائق التي عرفها، وبما يشبه عاطفة الأبوة، وبظنّه أن هذا هو خير ما يمكن تقديمه للشعب الكوردي الذي عمل بينه ودرس كل جوانبه الحقيقية، وأدرك أنه شعب له الحق في تقرير المصير أسوة بالشعوب الأخرى.

أجل، بقيت دار المندوب السامي البريطاني، ومن ورائها حكومة بغداد، مستعدة للاعتراف بالهوية الكوردية في كوردستان العراق، شريطة أن تكون ضمن الوحدة العراقية. ولكن برسي كوكس أراد أن يكسو ذلك التدبير صفة الديمقراطية، فقرر أن من الضرورة “استشارة” الكورد رسمياً في السادس من أيار 1922 “للظفر بدليل على الرغبة الحقيقية للمجموعات الكوردية (The Kurdish Communities)”: هل هم راغبون في البقاء ضمن الحكومة العراقية العربية؟ (9).

لو شاء الكورد إبراز الهوية القومية الكوردية المتمثلة في الحكم الذاتي، فتلك هي اللحظة الحاسمة. فما وصفه برسي كوكس باستفتاء أو “استشارة” “الجماعات الكوردية” لم يكن، كما قلنا، غير استشارات جماعية علنية لنخبة من الوجهاء والشخصيات المنتقاة محلياً، والأغوات ورؤساء العشائر الكوردية، وكان معظمهم يعلمون أين تهب ريح السياسة البريطانية في ميسوبوتاميا (بلاد ما بين النهرين)، وهم من المستفيدين الحريصين على مصالحهم الشخصية، وقليل منهم من شعر باستعداد لتحديها والوقوف في وجهها. بل حتى لو افترضنا وجود الرغبة لدى هؤلاء الصدور والأعيان في إقامة جبهة كوردية موحدة، فلن يجدوا فرصة لتوحيد قواهم ورصّها في جبهة كوردية واحدة، لذلك كانت أجوبتهم ذات طابع محلي ضيق. ورفض السليمانيون (أهالي السليمانية) أي نوع من الانضمام إلى الحكومة العراقية، إلا أنهم كانوا وحيدين في وقفتهم تلك بين الأكراد، إذ لم يكن التثقيف القومي الكوردي قد وصل إلى الجذور حينذاك.


أجزاء «مصير ولاية الموصل (كوردستان الجنوبية – كوردستان العراق)» (3 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني (هذا الجزء)
  3. الجزء الثالث

→ الجزء الأول  |  الجزء الثالث ←