الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

نشأة الكورد (الجزء الأول)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2011

قرأ الجميع واستمعوا في نشرات الأخبار خلال الأيام الماضية إلى طلب الحكومة التركية الإذن من البرلمان التركي بشن غارات عبر الحدود العراقية (كوردستان العراق) ضد المتمردين الكورد من أكراد تركيا (حزب العمال الكوردستاني) في إقليم كوردستان العراق، ثم وافق البرلمان على ذلك يوم الأربعاء 17/10/2007م بأغلبية ساحقة. واندهش الجميع لعدم معرفتهم بحقيقة الكورد والشعب الكوردي وأسباب الخلاف.

فوسائل الإعلام التركية تصوّر الكورد على أنهم إرهابيون متمردون على دولة تركيا، ولكننا نكتشف هنا أن الكورد يعيشون في عدة دول أخرى أيضاً، وأنهم يتهمون تلك الدول في الوقت نفسه بانتهاك حرياتهم واستقلالهم وحقوقهم القومية الكوردية.

فما حقيقة الأمر؟ ونسمع كذلك من يتهم الكورد بمحاولة الاعتماد على أمريكا من أجل فصل كوردستان عن العراق العربي وعن تركيا التركية، فما الصواب في كل ما نسمعه؟ هذا ما نبيّنه في هذا المقال (المحاضرة)، من خلال توضيح أصول الكورد، وبلادهم كوردستان، ومذهبهم الإسلامي، وقضاياهم القومية الكوردية التي يسعون إلى حلّها، وحقهم في تقرير مصيرهم أسوة بالآخرين، ومطالبهم التي يحرصون عليها، وأماكنهم في كوردستان التي يعيشون فيها منذ آلاف السنين، وموقعهم الجغرافي في عالم السياسة اليوم. هذه بإيجاز هي قصة الكورد والشعب الكوردي.

برز الكورد في التاريخ الإسلامي من خلال دولة كبرى كانوا هم مؤسسيها، وقد بذلت هذه الدولة جهوداً كبيرة في توحيد مصر والشام بينما كانت الخلافة العباسية في حالة ضعف شديد، وتصدّت للصليبيين في مصر والشام، وتمكنت من الانتصار عليهم في معارك عظيمة، مثل معركتي حطين والمنصورة، واستمرت ما يقرب من مائة عام، من 569هـ إلى 661هـ. هذه الدولة هي الدولة الأيوبية التي أسسها القائد المسلم الكوردي الفذّ صلاح الدين الأيوبي، الذي ربما لا يعلم الكثيرون أنه كان كوردياً. وقد نشأ هذا البطل في تكريت بالعراق، وجاء إلى مصر مع عمه أسد الدين شيركوه، وتمكن من إسقاط الدولة العبيدية الإسماعيلية الشيعية في مصر وإقامة دولة سنية، ثم تمكن من توحيد مصر والشام في دولة قوية انتصرت على الصليبيين، وتولت أسرته الكوردية الحكم من بعده حتى نهاية الدولة الإسلامية الأيوبية وقيام دولة المماليك.

ومن أهم العلماء الكورد في التاريخ الإسلامي، ومن أكثرهم أثراً، الإمام أحمد بن تيمية والشيخ بديع الزمان النورسي.

يتفق أغلب الباحثين والمؤرخين على انتماء الكورد إلى المجموعة الهندوأوروبية، وعلى أنهم أحفاد قبائل الميديين الكورد التي هاجرت في مطلع الألف الثاني قبل الميلاد، واستطاعت هذه القبائل الميدية الكوردية أن تنشر نفوذها بين السكان الأقدمين من الكورد في المنطقة الجغرافية الكوردية من كوردستان، وربما استطاعت إذابتهم، فتشكلت تركيبة سكانية جديدة عُرفت فيما بعد بالكورد.

وتنتمي اللغة الكوردية إلى مجموعة اللغات الإيرانية التي تمثل فرعاً من أسرة اللغات الهندوأوروبية، وهي تضم اللغات الكوردية والفارسية والأفغانية والطاجيكية. وقد مال أكراد كوردستان العراق وإيران إلى اللغة العربية، فهجروا الأبجدية الخاصة بهم، وبدؤوا يستخدمون الأبجدية العربية في كتابة لغتهم الكوردية، بينما ظل أكراد كوردستان تركيا وسوريا يستعملون الأبجدية اللاتينية، أما أكراد الاتحاد السوفيتي فكانوا يستعملون الأبجدية الروسية.

ولم تشكّل كوردستان (الموطن الأساسي للأكراد) في يوم من الأيام بلداً أو وطناً كوردياً مستقلاً ذا حدود سياسية معينة، على الرغم من أن المنطقة الجغرافية الكوردية (كوردستان) يسكنها شعب كوردي متجانس عرقاً. وقد ظهرت كلمة «كوردستان» مصطلحاً جغرافياً أول مرة في القرن الثاني عشر الميلادي في عهد السلاجقة الأتراك، عندما فصل السلطان السلجوقي سنجر القسم الغربي من إقليم الجبال الكوردية، وجعله ولاية كوردية تحت حكم قريبه سليمان شاه، وأطلق عليه اسم كوردستان. وكانت هذه الولاية الكوردية تشتمل على الأراضي الممتدة بين أذربيجان ولورستان (مناطق سنا ودينور وهمدان وكرمنشاه وغيرها)، إضافة إلى المناطق الواقعة غرب جبال زاغروس الكوردية، مثل شهرزور وكويسنجق. وكلمة كوردستان لا يُعترف بها قانونياً أو دولياً، ولا تُستعمل في الخرائط والأطالس الجغرافية، كما أنها لا تُستعمل رسمياً إلا في كوردستان إيران.

وتتوزع كوردستان بصورة رئيسية على أربع دول هي العراق وإيران وتركيا، مع قسم صغير يقع في سوريا، فيما يوجد عدد من الكورد في بعض الدول التي نشأت على أنقاض الاتحاد السوفيتي السابق.

وتقارب مساحة كوردستان في مجموعها مساحة العراق الحديث. وتضم كوردستان الكبرى إدارياً 46 إمارة كوردية مستقلة، أهم مدنها: ديار بكر، وديندر، وشاريزور، ولور، وأرديال.

ويشغل الكورد 19 ولاية كوردية من الولايات التركية البالغ عددها 90، تقع في شرقي تركيا وجنوبها الشرقي (كوردستان تركيا)، ويعيش الكورد متفرقين في دول أخرى، أهمها أرمينيا، وكذلك في أذربيجان وباكستان وبلوشستان وأفغانستان.

وتتراوح التقديرات بشأن عدد الكورد بين 27 و40 مليوناً، موزعين بنسبة 46% في كوردستان تركيا، و31% في كوردستان إيران، و18% في كوردستان العراق، و5% في أرمينيا وكوردستان سوريا.

وأغلب أقاليم كوردستان غنية بالثروة المعدنية والمناجم، خاصة مناطق ديار بكر وماردين، ورغم وجود هذه المناجم والمعادن لا تزال الصناعة في كوردستان متأخرة؛ إذ تنعدم الصناعات الثقيلة، ولا أثر للصناعات العملاقة، وذلك بسبب الظروف السياسية. أما الصناعات اليدوية والخفيفة فهي منتشرة بكثرة، لا سيما صناعة السجاد المنتشرة في جميع البيوت الكوردستانية.

يعتنق الكورد الدين الإسلامي بأغلبية ساحقة، على المذهب السني الشافعي، وهناك عدد قليل للغاية من الشيعة الكورد (الفيليين) يعيشون في جنوب كوردستان (كوردستان العراق). والنصرانية شبه معدومة بينهم، فالنصارى في كوردستان هم من السريان الذين كانوا يسمَّون الأثوريين، ويسمّون أنفسهم الآن آشوريين، وهم يعيشون في النصف الشمالي من كوردستان العراق، وكذلك الكلدان، وهم أقل عدداً من الآشوريين ويعيشون في مدينة السليمانية.

كما توجد بعض الملل والعقائد المارقة من الإسلام، كالكاكائية وطائفة أهل الحق، ويعيش أغلبهم في الجزء الجنوبي من كوردستان (كوردستان العراق وكوردستان إيران)، ولكن بأعداد نادرة.

كان الكورد يعيشون في كنف الإمبراطورية الفارسية رعايا لها، ومن هنا بدأت علاقتهم بالإسلام أثناء الفتوحات العربية الإسلامية في فارس في عهد الخليفة الراشد الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

في هذا الوقت توالت انتصارات العرب المسلمين على القوات الفارسية في معارك القادسية وجلولاء ونهاوند (فتح الفتوح)، وكان من نتائجها أن حدث احتكاك بين العرب المسلمين الفاتحين وبين الكورد.

وقد فُتحت غالبية المناطق الكوردية من مدن وقرى وقلاع، في أقاليم مثل الجبال الغربية ومناطق الجزيرة الفراتية وأرمينيا وأذربيجان، صلحاً، ما عدا مناطق قليلة فُتحت عنوة، إذ لاقى العرب المسلمون فيها مقاومة عنيفة.

وبحلول عام 21هـ دخلت غالبية المناطق الكوردية من كوردستان في الإسلام، ودخل الكورد في دين الله أفواجاً. وقد دخل غالبية الكورد الإسلام طوعاً، وكان لهم بعد ذلك إسهام بارز في الفتوحات الإسلامية.

ظلّ الكورد يتمثلون روح الإسلام، وأصبحوا جنوداً للخلافة الإسلامية في شتى عصورها، ولم تؤثر فيهم الاحتكاكات العقائدية والحزبية والمذهبية التي طغت على العديد من القوميات الأخرى التي كانت تؤلّف المجتمع الإسلامي آنذاك، بل أصبحوا سنداً ومدافعاً أميناً عن الثغور الإسلامية في وجه الروس والبيزنطيين وحلفائهم من الأرمن والكرج (الجورجيين).

أما دور الأكراد في مقاومة الصليبيين والباطنيين تحت قيادة الناصر صلاح الدين الأيوبي فأشهر من أن يُعرَّف.

وفي العصور العباسية كان للأكراد دور مشهود في الدفاع عن حياض الخلافة العباسية، وحتى عندما شكّلوا إمارات كوردية خاصة بهم، كغيرهم من الأمم، أيام تدهور الخلافة العباسية في العصر البويهي (334-447هـ)، بقوا على إخلاصهم لرمز الإسلام آنذاك، أي الخلافة العباسية، ولم يحاولوا القيام بحركات التمرد والانفصال أو احتلال بغداد كما فعلت أمم أخرى كالفرس والبويهيين، وكان في استطاعتهم فعل ذلك لو أرادوا، ولكنه الإخلاص للإسلام وللخلافة العباسية لا غير.

جذور المشكلة الكوردية في العصر الحديث

بدأت المشكلة الكوردية بصورة واضحة في العصر الحديث عند اصطدام الدولتين الصفوية الشيعية والعثمانية السنية عام 1514م في معركة جالديران، التي كانت كبيرة وغير حاسمة، وكان من نتائجها تقسيم كوردستان عملياً بين الإمبراطوريتين الصفوية والعثمانية.

فقد كانت تسود كوردستان قبل سنة 1514م إمارات كوردية مستقلة مشغولة بتنظيم شؤونها الداخلية، لكن سوء معاملة الشاه إسماعيل الصفوي، إضافة إلى الاختلاف المذهبي، جعلا سكان إمارات الكورد وبلاد الجزيرة الكوردية ينتظرون من يخلّصهم من الحكم الصفوي. يضاف إلى ذلك جهود الشيخ إدريس البدليسي الذي ندبه السلطان العثماني سليم الأول لإقناع أمراء الكورد ورؤساء عشائرهم وحكام المقاطعات الكوردية بالانقلاب على حكم الشاه الفارسي الصفوي. لكل هذا بدأت المدن الكوردية تثور على حكم الشاه الصفوي، مثل ديار بكر وبدليس وأرزن وميافارقين وكركوك وأردبيل.

تقسيم كوردستان

في عام 1515م عقد العلامة إدريس البدليسي، بعد تفويضه من قبل السلطان العثماني سليم الأول، اتفاقية مع الأمراء الكورد، تتضمن اعتراف الدولة العثمانية بسيادة تلك الإمارات الكوردية في كوردستان، وبقاء الحكم الوراثي فيها، ومساندة الأستانة لها عند تعرضها للغزو أو الاعتداء، مقابل أن تدفع الإمارات الكوردية رسوماً سنوية رمزاً لتبعيتها للدولة العثمانية، وأن تشارك إلى جانب الجيش العثماني في أية معارك تخوضها الإمبراطورية العثمانية، إضافة إلى ذكر اسم السلطان العثماني والدعاء له على المنابر في خطبة الجمعة.

وقد تضمن هذا الاتفاق اعترافاً من الدولة العثمانية بالسلطات الكوردية في الإمارات الكوردية المستقلة في كوردستان، ولم يكن ذلك شيئاً يسيراً في مسيرة الكورد، إذ قدّم لهم اعترافاً بوجود مشكلة كوردية يقتضي حلها، حتى لو كان الحل وقتياً!

ومنذ ذلك الحين تغيرت مخططات الكورد لمستقبلهم، وصاروا يتطلعون إلى فصل كوردستان عن كل الدول التي يعيشون فيها، وإقامة دولة كوردية مستقلة في كوردستان، المنطقة الجغرافية الكوردية التي يوجدون فيها منذ آلاف السنين، تقوم على وحدة العرق الكوردي وليس على أية رابطة أخرى، ومن ثَمّ الانفصال عن الخلافة الإسلامية الكبرى القائمة في عصرهم، وهي الخلافة العثمانية.

ولكن في عام 1555م عقدت الدولتان العثمانية التركية والصفوية الفارسية اتفاقية ثنائية بين السلطان العثماني سليمان القانوني والشاه الإيراني الصفوي طهماسب، عُرفت باتفاقية «أماسيا» 1555، وذلك بعد ثلاث حملات عسكرية قام بها السلطان سليمان القانوني، واستولى فيها على مدينة تبريز عاصمة الصفويين الفرس وعلى عديد من المدن، ولكن الصفويين كانوا في كل مرة يستغلون عودة السلطان إلى بلاده، فينقضّون على هذه المدن مرة أخرى. وفي آخر حملة وصلته رسل الشاه الصفوي طهماسب وهو في مدينة أماسيا التركية، فقبل أن يوقّع المعاهدة هناك رغبة في التفرغ للميادين الأخرى التي كان يواجه فيها صعوبات شتى. وتُعدّ معاهدة أماسيا 1555 أول معاهدة رسمية بين الدولتين، وتمّ بموجبها تكريس تقسيم كوردستان رسمياً وفق وثيقة رسمية نصّت على تعيين الحدود بين الدولتين العثمانية التركية والصفوية الفارسية، وخاصة في مناطق كوردية من كوردستان مثل شهرزور وقارص وبايزيد (وهي مناطق كوردية صرفة)، مما شكّل صفعة لآمال الكورد في الحصول على استقلال كوردستان. كما حددت المعاهدة حدود قواطع بغداد وتبريز وأذربيجان.

وقد وُقّعت عدة معاهدات تالية لتلك الاتفاقية، منها معاهدة «زهاب» (قصر شيرين) لتنظيم الحدود عام 1639م، التي أكدت معاهدة أماسيا 1555 فيما يخص تعيين الحدود، مما زاد في تعميق المشكلة الكوردية، ثم عُقدت بعد ذلك معاهدات أخرى مثل «أرضروم الأولى» (1823م)، و«أرضروم الثانية» (1847م)، واتفاقية طهران (1911م)، واتفاقية تخطيط الحدود بين الدولتين الإيرانية الفارسية والعثمانية التركية عام 1913م في الأستانة، وكذلك بروتوكول الأستانة في العام نفسه 1913. وكل هذه المعاهدات كرّست تقسيم كوردستان، ثم جاءت اتفاقية سايكس بيكو في أيار 1916 فحطمت آمال الكورد في تدويل القضية الكوردية.

أسهمت هذه المعاهدات، ومنها معاهدة أماسيا 1555، في تكريس تقسيم إقليم كوردستان، وزاد من حدة مشاعر الغضب الكوردية بدء انتشار الأفكار القومية الكوردية في الشرق مع بدايات القرن التاسع عشر، حين بدأت الدول الأوروبية تحتك بكوردستان عن طريق الرحالة الأجانب والإرساليات التبشيرية، وكذلك عن طريق بعض القنصليات، وأهمها البريطانية والروسية والفرنسية ثم الأمريكية.

وقد أدت كل هذه الجهات أدواراً مهمة في تحريض العشائر الكوردية ضد الدولة العثمانية خاصة، ثم الإيرانية، لكي تحصل على مزيد من الامتيازات، أو يزداد نفوذ الدول الأوروبية في الدولة العثمانية خاصة، وذلك بغية تحقيق هذه الدول مآربها في إثارة القلاقل داخل الدولة العثمانية، لتتمكن من إضعافها عن طريق إثارة المشاكل الداخلية فيها.

دخلت القضية الكوردية منعطفاً جديداً مع اشتداد الصراع الدولي في المنطقة، وخاصة بين بريطانيا وروسيا، إذ أخرج هذا الصراع القضية الكوردية من الحيز الإقليمي إلى النطاق الدولي، فقد بدأت روسيا ثم بريطانيا في وقت مبكر اتصالاتهما بالكورد، كما حاولت فرنسا الأمر ذاته.

وكانت أمريكا كذلك موجودة في منطقة كوردستان، على عكس ما كان شائعاً من تطبيقها لمبدأ «مونرو» الذي يؤكد عدم تورط أمريكا في المشاكل السياسية خارجها.

وفي الوقت ذاته التقت رغبات الدول العظمى بمحاولات بعض الكورد التقرب من الأجانب من أجل البحث عن حلّ للقضية الكوردية، وكانت جهود الدبلوماسي الكوردي شريف باشا السليماني واضحة في هذا المجال، إذ حاول الاتصال بالإنجليز عام 1914م ليعرض خدماته، لكن الحكومة البريطانية لم تستجب له.

عندما نشبت الحرب العالمية الأولى سنة 1914م لم يكن للأكراد مصلحة فيها، ومع ذلك وجد الكورد أنفسهم وقد جرفتهم أحداث الحرب إلى الاشتراك في القتال على الجبهتين القوقازية والعراقية؛ فقد انضم الكورد إلى جانب تركيا في الحرب، وتمكن الأتراك من توجيههم لقتال الأرمن والأثوريين (الآشوريين) الذين خانوا تركيا وتمردوا عليها وانضموا إلى جبهة الحلفاء المعادية. وقد أصيب الكورد بخسائر فادحة، شأنهم في ذلك شأن الشعوب الأخرى التي تورطت في الحرب، ولكنهم أثبتوا أنهم مفيدون للأتراك في أداء المهمات التي أنيطت بهم.

ضُربت الجهود الكوردية للاستقلال في مقتل إثر اتفاقية سايكس بيكو في 16 أيار/مايو 1916م، إذ اجتمع وزراء الخارجية الروسية والبريطانية والفرنسية، ودارت بينهم مباحثات سرية حول الترتيبات المقبلة للشرق الأوسط، بعد أن أصبحت هزيمة ألمانيا وحليفتها الدولة العثمانية وشيكة. وتضمنت اتفاقية سايكس بيكو 1916 تقسيم تركة الدولة العثمانية، وبما أن القسم الأكبر من كوردستان كان تحت السيطرة العثمانية فقد شملها التقسيم، وهذا الوضع الجديد زاد المشكلة الكوردية تعقيداً بشكل فعّال؛ إذ تُعدّ معاهدة سايكس بيكو 1916 أول معاهدة دولية اشتركت فيها ثلاث دول كبرى (بريطانيا وروسيا وفرنسا)، وقد حطمت آمال الكورد في تحقيق حلمهم في تقرير المصير.

ما بعد الحرب العالمية الأولى

تحرك الكورد لاستثمار الظروف الدولية وهزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى لنيل مطالبهم، والاستفادة من مبادئ الرئيس الأمريكي ويلسون في حق الشعوب في تقرير المصير. وقد بذلوا جهوداً مضنية لإيصال صوتهم إلى مؤتمر الصلح في باريس (18 كانون الثاني/يناير 1919م – 21 كانون الثاني/يناير 1920)، ولا سيما بعد أن صرّح رئيس الولايات المتحدة الأمريكية وودرو ويلسون بحق الشعوب في تقرير مصيرها في بنوده الأربعة عشر المشهورة. ولم يكن للأكراد كيان سياسي مستقل حتى يشارك وفدهم رسمياً في ذلك المؤتمر، شأنهم في ذلك شأن القوميات والشعوب المضطهدة الأخرى، ولذلك خوّل الشعب الكوردي، من خلال العشائر والجمعيات السياسية الكوردية، شريف باشا السليماني تمثيله والمطالبة بالمطالب الكوردية المشروعة في كوردستان.

بدأ الكورد يركزون جهدهم على مطالبة الهيئات الدولية التي احتلت الأستانة (عاصمة العثمانيين) بتوحيد المناطق الكوردية في كوردستان ومنحها حكماً ذاتياً، فراجعوا لهذا الغرض اللجان الأوروبية والأمريكية التي تكونت لاستفتاء الشعوب التي انفصلت عن الإمبراطورية العثمانية. كما رأى مفكرو الكورد وجوب توجيه مساعيهم الوطنية إلى خارج الدولة العثمانية بعد أن رفضت وزارة فريد باشا في تركيا منح الأكراد الاستقلال الذاتي في كوردستان. وقد ركز الكورد اهتمامهم على مؤتمر الصلح الذي انعقد في باريس في آذار/مارس 1919م، خاصة أن هذا العام كان حافلاً بالآمال بالنسبة إلى الأكراد والعرب والأرمن، فقد أقبلت سنة 1919 ومعها وعود الرئيس الأمريكي ويلسون بتقرير مصير الشعوب.

وقد أصدر الحلفاء، بعد استكمال تحضيراتهم لمؤتمر باريس، قراراً في كانون الثاني/يناير 1919م نصّ على ما يأتي: «… إن الحلفاء والدول التابعة لهم قد اتفقوا على أن أرمينيا وبلاد الرافدين (ولايتي بغداد والبصرة) وكوردستان (تركيا والعراق)، أي ولاية الموصل العثمانية، وفلسطين والبلاد العربية، يجب انتزاعها بكاملها من الإمبراطورية العثمانية».

وانطلاقاً من هذا القرار قدّم الممثل الكوردي شريف باشا السليماني مذكرتين مع خريطتين لكوردستان إلى مؤتمر الصلح في باريس، إحداهما بتاريخ 21/3/1919م، والأخرى يوم 1/3/1920م. كما طلب من القائمين على شؤون مؤتمر الصلح تشكيل لجنة دولية تتولى تخطيط الحدود بموجب مبدأ القوميات، لتصبح كوردستان شاملة ولاية الموصل، أي كوردستان تركيا والعراق، والمناطق التي تسكنها الغالبية الكوردية. وجاء في المذكرة الأولى (31 آذار 1919): «إن تجزئة كوردستان لا يخدم السلم في الشرق…».

كما جاء في المذكرة الثانية (1 آذار 1920): «إن الترك يتظاهرون علناً بأنهم مع المطالب الكوردية، وأنهم متسامحون معهم، لكن الواقع لا يدل على ذلك مطلقاً…». وطلب شريف باشا السليماني رسمياً من رئيس مؤتمر الصلح جورج كليمنصو، رئيس وزراء فرنسا، أن يمارس نفوذه مع حكومة الأستانة لمنع اضطهاد الشعب الكوردي، وجاء في رسالته إليه: إنه منذ أن تسلمت جماعة الاتحاد والترقي التركية (العلمانيون) السلطة، تعرّض جميع الذين يحملون آمال الحرية القومية للاضطهاد المستمر، وإن من الواجب الإنساني للمجلس الأعلى للحلفاء أن يمنع إراقة الدماء مجدداً، وإن السبيل لضمان السلم في كوردستان هو التخلي عن مشروع تقسيم هذه البلاد.

ودلّ كل ذلك على أن المشكلة الكوردية تقدمت خطوة كبيرة إلى الأمام في أعقاب الحرب العالمية الأولى. وعندما رأى شريف باشا السليماني أن تعاطف الدول الأوروبية كبير مع القضية الأرمنية، ربما بسبب الانتماء الديني للأرمن، استطاع أن يعقد معاهدة ائتلافية بينه وبين نوبار باشا، رئيس الوفد الأرمني، في كانون الأول/ديسمبر سنة 1918م بباريس، لحل المسائل المتنازع عليها بين الكورد والأرمن حلاً سلمياً دون ترك فرصة للقوى الأخرى للتدخل فيها، وعلى أساس أن تكون كوردستان دولة كوردية مستقلة عن الدولة الأرمنية المزمع تأليفها.


أجزاء «نشأة الكورد» (3 أجزاء):

  1. الجزء الأول (هذا الجزء)
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث

الجزء الثاني ←