الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
نشأة الكورد (الجزء الثالث)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2011
مؤتمر لندن (شباط 1921م)
عُقد مؤتمر في لندن في شباط/فبراير 1921م لبحث المشاكل العالقة، ومن ضمنها المشكلة الكوردية، وكان الحلفاء يعتزمون تقديم تنازلات مهمة في هذه القضية، لكن الحكومة التركية أصرّت على أن المسألة الكوردية يمكن حلها داخلياً ضمن تركيا، لا سيما أن الكورد لديهم الرغبة في العيش مع إخوانهم الأتراك، حسبما زعمت تركيا آنذاك. وأثناء انعقاد مؤتمر لندن عقدت حكومة أنقرة عدداً من الاتفاقيات الدولية التي كرّست الشرعية الدولية القانونية للنظام الجديد في تركيا الحديثة، ثم ألغت الحكومة التركية الجديدة جميع الاتفاقيات والمعاهدات السابقة التي أبرمتها حكومة الأستانة، ومن ضمنها معاهدة سيفر 1920. كل ذلك أدى إلى تعزيز مكانة الحكومة التركية الجديدة، وبذلك فشل مؤتمر لندن في شباط 1921، فوجّه ضربة إضافية للآمال القومية الكوردية في كوردستان.
معاهدة لوزان (12-24 تموز 1923م)
جاءت فكرة عقد معاهدة لوزان (24 تموز 1923) بعد تنفيذ المسرحية التي خططت لها المخابرات الإنجليزية من أجل هدم الإسلام والدين الإسلامي في الدولة العثمانية، والقضاء على الخلافة الإسلامية فيها، بإبراز اليهودي الحقود مصطفى كمال أتاتورك بطلاً مغواراً لتركيا الحديثة استطاع إنقاذ شرف الدولة العثمانية المسلمة التركية من الحلفاء واليونانيين الذين احتلوا إزمير بتمكين من بريطانيا عام 1920م وتوغلوا في الأناضول؛ فقام مصطفى كمال أتاتورك باستثارة روح الجهاد في الأتراك وأكراد تركيا، وخدعهم برفع القرآن، وردّ اليونانيين على أعقابهم، وتراجعت أمامه قوات الحلفاء دون أن يستعمل أسلحته، وأخلت له المواقع. وعندها بزغ نجم مصطفى كمال أتاتورك في العالم الإسلامي كله، ولُقّب بالغازي، ومدحه الشعراء، وأشاد به الخطباء.
ونصّت معاهدة لوزان الموقعة في 24 تموز/يوليو 1923م على أن تتعهد أنقرة بمنح سكان تركيا الحماية التامة والكاملة، ومنح الحريات دون تمييز، من غير أن ترد فيها أية إشارة إلى الأكراد، كما لم تجرِ الإشارة إلى معاهدة سيفر 1920، وعدّ الكورد معاهدة لوزان ضربة قاسية لمستقبلهم ومحطِّمة لآمالهم.
عملت بريطانيا بعد معاهدة لوزان 1923 على إلحاق جنوب إقليم كوردستان، المعروف بولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية (كوردستان العراق)، بالعراق العربي الجديد، بينما رأى الأتراك أن بقاء أكراد ولاية الموصل خارج نطاق سيطرتهم يمهد السبيل أمامهم لإثارة أكراد كوردستان تركيا، لذا طالب الأتراك بضم ولاية الموصل (كوردستان العراق) إلى أراضي تركيا الحديثة.
وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود، فأحالت بريطانيا القضية إلى عصبة الأمم التي أمرت بتشكيل لجنة لبحث قضية ولاية الموصل (كوردستان العراق)، وذلك من أجل استنفاد الوقت وخلق أوضاع جديدة على أرض الواقع، حتى لا تعود الولاية الكوردية (ولاية الموصل، كوردستان العراق الحالية) إلى تركيا الحديثة، وهذه هي طريقة الاحتلال دائماً.
قامت هذه اللجنة، لجنة عصبة الأمم لبحث قضية ولاية الموصل، باستطلاع آراء أهل الولاية ذات الأغلبية الكوردية في القضية، فمنهم من كان يريد الرجوع إلى الحكم التركي بدافع الدين الإسلامي، ورفض حكم الإنجليز غير المسلمين، بينما كانت الأقليات المسيحية واليهودية تصرّ على عدم العودة إلى الحكم التركي.
أما الكورد، الذين يؤلّفون ثلاثة أخماس سكان ولاية الموصل (كوردستان العراق)، فكانوا ضد الحكم العربي والتركي، وكان كبار الملاك منهم هم الطبقة الوحيدة المؤيدة للحكومة العربية، والتي ترى تبعية الولاية لحكومة بغداد العربية.
في ذلك الوقت قامت ثورة كوردية بزعامة الشيخ سعيد بيران في آذار/مارس 1925م ضد السلطات التركية، واتهمت تركيا الحكومة البريطانية بتحريض الكورد على الثورة في كوردستان، ورغم عدم وجود أدلة على ذلك، فإن الثابت أن بريطانيا قابلت ثورة الشيخ سعيد بيران بارتياح.
وابتداءً من عام 1931م بدأ الكورد بالثورة ضد الدولة الإيرانية والعراقية والتركية، بقيادة عائلة البارزانيين الذين ظهروا على مسرح الأحداث منذ 1908م، وعُرفوا بالسيادة والقيادة الدينية والعسكرية. وكان من أبرزهم الشيخ عبد السلام البارزاني، الذي قاد الكورد لمقاومة القوانين الجديدة التي فرضها نظام تركيا الفتاة العلماني، وأعلن الثورة الكوردية المسلحة ضدهم حتى تمّ الصلح عام 1909م، ولكن السلطات التركية أعدمته بعد ذلك عام 1914م لتقدّمه بمطالب كوردية خاصة بجمع الضرائب بما يوافق الشريعة الإسلامية وإنفاقها في إصلاح المرافق في كوردستان، وطلبه تعيين مفتين على المذهب الشافعي، واعتماد التعليم في كوردستان باللغة الكوردية، وكذلك لرفضه إرسال متطوعين أكراد للقتال مع الجيش التركي في الحرب العالمية الأولى. وكان منهم أيضاً الشيخ أحمد البارزاني الذي اتصف بالقسوة حتى مع الكورد.
ثم ظهر الزعيم الكوردي الخالد الملا مصطفى البارزاني على مسرح الأحداث منذ ذلك الوقت ولفترة طويلة، خاض فيها معارك كثيرة، وأعلن الثورة الكوردية على الحكومة العراقية، وتنقّل بين كوردستان العراق وكوردستان تركيا وروسيا، وحُدّدت إقامته مدة عشر سنوات في الناصرية ثم السليمانية، ثم فرّ من منفاه في السليمانية ليتزعم الحركة الثورية الكوردية، ويؤسس الحزب الديمقراطي الكوردستاني.
دعّم مصطفى البارزاني قواته بعد ذلك، ودخل في معارك كثيرة مع الجيش العراقي، مستعيناً بعلاقات قوية مع الولايات المتحدة التي كانت ضد حكومة العراق، ومستعيناً كذلك بإمدادات عسكرية كبيرة من إيران التي كانت تعادي حكومة العراق، ولكن من يعتمد على الولايات المتحدة لا بد أن يخسر في النهاية؛ إذ رعت أمريكا اتفاقية الجزائر بين العراق وإيران في 6 آذار/مارس 1975م عن طريق وزير خارجيتها اليهودي الشهير هنري كيسنجر، ومن ثَمّ سحبت إيران الشاه أسلحتها، وتركت الكورد فريسة لهجوم عراقي كاسح أسفر عن هزيمة تامة للقوات الكوردية (البيشمركة) وللملا مصطفى البارزاني، وانتهاء الثورة الكوردية بقيادة الحزب الديمقراطي الكوردستاني في ذلك الوقت تماماً، ولجوء الملا مصطفى البارزاني إلى كوردستان إيران. وقد نشأت بعد هذه الهزيمة التي سببتها اتفاقية الجزائر تيارات سياسية مختلفة انبثقت عنها أحزاب كوردية جديدة.
التيارات السياسية الكوردية
يعيش الكورد في أربع دول بصورة أساسية. وقد انضموا إلى الدولة العثمانية في صراعها ضد الصفويين الشيعة، ولكن الدولتين اتفقتا في اتفاقية أماسيا 1555 على تقسيم كوردستان، كما انضم الكورد إلى تركيا في الحرب العالمية الأولى، ثم بدؤوا يطالبون باستقلال كوردستان من خلال المؤتمرات الدولية، وعندما لم يحصلوا على بغيتهم قاموا بعدة حركات ثورية بقيادة البارزانيين، واستعانوا خلالها بإيران وأمريكا، التي خذلتهم برعايتها لاتفاقية الجزائر في 6 آذار/مارس 1975م بين العراق وإيران، وتركتهم فريسة لهجوم عراقي كاسح أسفر عن هزيمة تامة للقوات الكوردية (البيشمركة) وللملا مصطفى البارزاني، وانتهاء الثورة الكوردية بقيادة الحزب الديمقراطي الكوردستاني في ذلك الوقت تماماً، ولجوء الملا مصطفى البارزاني إلى إيران.
خيّمت حالة من الإحباط والذهول على حركة المقاومة الكوردية إثر انهيار الثورة الكوردية بعد اتفاقية الجزائر، وإعلان القيادة الكوردية إنهاء الكفاح المسلح، وتسريح قوات البيشمركة (الفدائيين)، وإنهاء النضال السياسي الكوردي أيضاً، غير أن بعض القوى حاولت استئناف الحركة الكوردية مرة أخرى؛ ففي حزيران/يونيو 1975م أُعلن قيام الاتحاد الوطني الكوردستاني بقيادة جلال الطالباني (الرئيس العراقي الحالي)، وكان هذا الاتحاد يشمل:
الحركة الاشتراكية الكوردستانية.
العصبة الماركسية اللينينية الكوردستانية.
كان هذا الاتحاد إذن يساري النزعة بدرجة متطرفة، وكان من منهجه بطبيعة الحال القضاء على الإمبريالية والطبقات البرجوازية والملكية العقارية، وكذلك القضاء على الإقطاعية والعلاقات العشائرية في كوردستان العراق، وإقرار حق الشعب الكوردي في الحكم الذاتي ضمن جمهورية عراقية مستقلة، وإجراء الإصلاح الزراعي.
وقد أنشأ الاتحاد الوطني الكوردستاني قوة عسكرية خاضعة له تسمى قوات البيشمركة.
وفي الوقت الذي كان الملا مصطفى البارزاني يعيش لاجئاً في كوردستان إيران ثم في الولايات المتحدة، كان أبناؤه والبقية الباقية من العناصر القيادية في الحزب الديمقراطي الكوردستاني يحاولون استئناف العمل من كوردستان إيران.
وفي تشرين الثاني/نوفمبر 1975م شُكّلت القيادة المؤقتة للحزب الديمقراطي الكوردستاني من هذه العناصر القيادية المثقفة، التي اختارت مسعود البارزاني (رئيس إقليم كوردستان الحالي وابن الملا مصطفى البارزاني) رئيساً مؤقتاً للحزب، ولكن هذا التشكيل كان يحمل في طياته بذور الانشقاق لوجود اتجاهات فكرية متباينة.
وقد تحقق الانشقاق بالفعل بعد مؤتمر الحزب الذي انعقد ما بين 4 و11 تشرين الثاني/نوفمبر 1979م، إذ انسحبت العناصر اليسارية في الحزب بسبب اتجاه مسعود البارزاني وأخيه الأكبر إدريس إلى التعاون مع الثورة الإيرانية ضد أكراد كوردستان إيران، وأسست تلك العناصر حزب الشعب الديمقراطي الكوردستاني.
حفلت الساحة الكوردية بالعديد من الأحزاب التي خالفت المنهج الإسلامي، كالأحزاب الثلاثة السابقة وغيرها، وخاصة اليسارية منها، فتأسست الشبيبة الكوردية (نوادي الثقافة الثورية الديمقراطية)، وظهرت جمعية النساء الثورية الديمقراطية وجمعية المعلم الديمقراطي وغيرها من التنظيمات اليسارية؛ لذا كان من الطبيعي أن تظل هذه الساحة تعاني من الانشقاقات والمؤامرات وغياب الهوية.
وفي خضمّ هذا الحراك انبثق حزب العمال الكوردستاني (PKK) من منظمة شيوعية تركية كانت تُدعى منظمة الشباب الثوري، وأُعلن عن إنشائه يوم 27 تشرين الثاني/نوفمبر 1978م، واختير عبد الله أوجلان رئيساً له. ويُعرف عن حزب العمال الكوردستاني توجهه الماركسي اللينيني، ومن أهدافه الجوهرية إنشاء دولة كوردستان الكبرى المستقلة.
وقد تحوّل حزب العمال الكوردستاني بسرعة من مجموعة قليلة من الطلاب الماركسيين غير المؤثرين في الساحة السياسية الكوردية إلى أهم تنظيم سياسي يقود عملاً مسلحاً يحظى بتعاطف الكثير من كورد كوردستان تركيا، وخصوصاً العمال والمثقفين والفلاحين.
ومنذ سنة 1984م بدأ حزب العمال الكوردستاني نشاطه العسكري داخل كوردستان تركيا، وقد أعانت تضاريس المنطقة الوعرة متمردي (ثوار) الحزب في حربهم ضد الجيش التركي. واتخذوا من كوردستان العراق منطقة تحمي قواعدهم الخلفية، كما أقاموا تحالفاً مع الحزب الديمقراطي الكوردستاني العراقي بزعامة مسعود البارزاني.
وكانت الحكومة التركية قد أعلنت تطبيق قانون الطوارئ في الأقاليم الكوردية من كوردستان تركيا سنة 1979م، وقررت التدخل العسكري المباشر في المنطقة منذ أيلول/سبتمبر 1980م.
وقد تجاوز عدد عناصر جيش حزب العمال الكوردستاني في التسعينيات 10 آلاف مقاتل كوردي. ورغم التوجه اليساري للحزب فإنه لم يحصل على تمويل من المنظومة الاشتراكية، بل اعتمد في تمويل عملياته وإعداد مقاتليه على مصادره الخاصة، وتتهمه الأوساط التركية بأن تمويله مشبوه وغير شرعي.
وكان عقدا الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي أكثر فترات الصراع دموية بين الكورد في كوردستان تركيا والجيش التركي؛ فقد تعقّب الجيش التركي المسلحين، واتُّهم بتدمير آلاف القرى الكوردية في كوردستان تركيا، وبالتهجير القسري لعدد كبير من الأسر الكوردية من كوردستان تركيا إلى داخل تركيا. كما تذهب بعض الإحصاءات إلى أن مجموع من قتلهم المسلحون الكورد يبلغ 40 ألف شخص.
ولم تقتصر العمليات العسكرية لمسلحي حزب العمال الكوردستاني على الجيش التركي، بل شملت المدنيين أتراكاً وكورداً، وخصوصاً المتعاونين مع الحكومة التركية، كما شملت بعض السائحين الأجانب، ووجّهوا ضرباتهم إلى بعض المصالح التركية في البلدان الغربية.
اعتُقل زعيم حزب العمال الكوردستاني عبد الله أوجلان في نيروبي يوم 15 شباط/فبراير 1999م بعد 15 سنة من العمل العسكري المسلح في كوردستان تركيا، وحُكم عليه بالإعدام في حزيران/يونيو من السنة نفسها 1999، ثم خُفّف الحكم من الإعدام إلى السجن المؤبد في جزيرة صغيرة في بحر مرمرة.
ومنذ اعتقال رئيس حزب العمال الكوردستاني عبد الله أوجلان ومحاكمته أخذت القضية الكوردية، بما فيها العمل العسكري، منعطفاً جديداً وإن لم يستمر، من أبرز معالمه:
إعلان الكورد وقف إطلاق النار من جانب واحد في أيلول/سبتمبر 1999م، وهو الإعلان الذي لم يصمد بعد ذلك.
حلّ حزب العمال الكوردستاني (PKK) وإنشاء حزب مؤتمر الحرية والديمقراطية الكوردستاني (كاديك) في تشرين الثاني/نوفمبر 2003م، تفادياً لإدراجه على قوائم الجماعات الإرهابية، ثم غيّر اسمه مرة ثانية فصار المؤتمر الشعبي الكوردستاني (KONGRA GEL).
وقد أُدرج حزب كاديك أو كونغرا جيل (الصيغة الجديدة لحزب العمال الكوردستاني) ضمن قائمة المنظمات الموضوعة أوروبياً وأمريكياً على لائحة التنظيمات الإرهابية.
وكان عثمان أوجلان، الأخ الأصغر لعبد الله أوجلان، قد قاد حزب العمال الكوردستاني، ثم انشق عنه مشكّلاً حزب الوطنيين الديمقراطيين الكورد ذا التوجه القومي، المتبنّي للنهج السلمي في حل القضية الكوردية في كوردستان تركيا.
ومنذ حزيران/يونيو 2004م عاد الوضع العسكري في منطقة كوردستان تركيا إلى التأزم بعد خمسة أعوام من الهدوء، فاستأنف المسلحون الكورد في كوردستان تركيا الهجوم على الجيش التركي، وظهر تنظيم عسكري جديد أُطلق عليه اسم «صقور الحرية» في كوردستان تركيا، تصفه تركيا بأنه استمرار لحزب العمال الكوردستاني.
وقد استمرت الأوضاع كرّاً وفرّاً بين حزب العمال الكوردستاني التركي والجيش التركي، حتى آلت إلى ما هي عليه الآن من قيام قوات حزب العمال الكوردستاني بقتل جنود أتراك انطلاقاً من الأراضي العراقية (كوردستان العراق)، وتهديد الحكومة التركية باكتساح كوردستان العراق للقضاء على قواعد حزب العمال الكوردستاني التركي.
ولكن القوى الكوردية الفاعلة في المجتمع الكوردي ليست يسارية فقط، فهناك قوى إسلامية ظاهرة يُعتَّم إعلامياً عليها وعلى جهودها البارزة في خدمة الكورد، مثل الاتحاد الإسلامي الكوردستاني.
معاهدة لوزان (12-24 تموز 1923م)
دخلت الإمبراطورية العثمانية، التي كانت تسمى «الرجل المريض»، الحرب العالمية الأولى (1914-1918) إلى جانب ألمانيا، وخسرت الحرب. ووقّعت كل من بريطانيا وفرنسا وروسيا القيصرية اتفاقية سرية باسم اتفاقية سايكس بيكو في 16 أيار عام 1916، تضمنت تقسيم الممتلكات العثمانية بينها، بما فيها كوردستان العثمانية (كوردستان تركيا وكوردستان العراق، أي ولاية الموصل، وكوردستان سوريا). وانسحبت روسيا من اتفاقية سايكس بيكو بعد ثورة تشرين الأول/أكتوبر الاشتراكية بزعامة لينين عام 1917، وبذلك انفردت بريطانيا وفرنسا الاستعماريتان بحكم المنطقة. وهنا أصبحت القضية الكوردية أكثر تعقيداً، بل أصبحت من المعضلات الدولية، إذ أصبحت بموجب هذه الاتفاقية كوردستان الجنوبية (ولاية الموصل، كوردستان العراق) ضمن خارطة العراق العربي الجديد المستحدث، وكوردستان الغربية (كوردستان سوريا) ضمن خارطة سوريا الجديدة المستحدثة، وكوردستان الشمالية (كوردستان تركيا) ضمن خارطة تركيا الحديثة، بينما بقيت كوردستان الشرقية (كوردستان إيران) على حالها ضمن خارطة إيران، لأن اتفاقية سايكس بيكو لم تشمل إيران وكوردستان إيران. وقد كرّست الدول الاستعمارية هذا التقسيم لكوردستان ولدول الشرق الأوسط في مؤتمر سان ريمو عام 1920.
احتلال بريطانيا للعراق وكوردستان الجنوبية وتأسيس الدولة العراقية (23 آب 1921)
تشكلت بعد الحرب العالمية الأولى الدول القومية العربية والتركية التي ضمّت أجزاء من كوردستان، وهي تركيا والعراق وسوريا وإيران. ونحن هنا نعالج قضية العراق العربي وكوردستان الجنوبية الكوردية، أي ولاية الموصل (كوردستان العراق). فقد احتلت القوات الإنكليزية بقيادة الجنرال مود بغداد في 11 آذار 1917، وفي 30 تشرين الأول عام 1918 احتلت القوات البريطانية أجزاء من كوردستان الجنوبية (ولاية الموصل)، التي تسمى اليوم كوردستان العراق، بعد معارك طاحنة مع القوات العثمانية. وقرر مجلس الحلفاء الأعلى وضع العراق العربي تحت الانتداب البريطاني في 25 نيسان 1920. وقد ورد في المادة السادسة عشرة من «لائحة الانتداب البريطاني» في 9 كانون الأول عام 1920 بصدد القضية الكوردية ما يلي: «لا شيء في هذا الانتداب يمنع المنتدب البريطاني من تأسيس حكومة كوردية مستقلة إدارياً في المقاطعات الكوردية» (كوردستان العراق، ولاية الموصل).
الانتفاضات الكوردية والتدخل البريطاني بإلحاق كوردستان الجنوبية بالعراق العربي الجديد
قاد الزعيم الكوردي الشيخ محمود الحفيد انتفاضته الأولى عام 1919، التي أُخمدت بقوة السلاح الإنكليزي، ولكنه ما لبث أن قاد انتفاضته الثانية المشهورة عام 1922، وأجبر المستعمرين الإنكليز على أن يستدعوه لتشكيل حكومة كوردية مستقلة ذات علاقة بالدول المجاورة.
وقد اعترفت الحكومتان العراقية والبريطانية بحكومة الشيخ محمود الحفيد التي كانت عاصمتها السليمانية، ونصّب الشيخ محمود الحفيد نفسه ملكاً عليها ورفع العلم الكوردي.
ومن جانب آخر كانت بريطانيا تخطط لضرب الحركة التحررية الكوردية، فاتفقت مع الحكومة العراقية على صياغة بيانات تجعل الكورد يقتربون من الحكومة العراقية العربية والإنكليز. ففي 22 كانون الأول عام 1922 صدر بيان موقع من قبل الحكومتين البريطانية والعراقية العربية يقول: «تعترف حكومة صاحب الجلالة والحكومة العراقية بحق الكورد القاطنين ضمن هذه الحدود (كوردستان العراق، ولاية الموصل)، وهما تأملان أن تصل العناصر الكوردية المختلفة إلى اتفاق فيما بينها حول الشكل المرغوب للحكومة الكوردية في كوردستان العراق وحدودها، وأن يرسل الكورد مندوبين عنهم لمناقشة علاقاتهم الاقتصادية مع حكومة صاحب الجلالة والحكومة العراقية».
وفي 19 تموز/يوليو عام 1924 احتلت القوات البريطانية مدينة السليمانية، عاصمة حكومة الشيخ محمود الحفيد، وألحقت كوردستان الجنوبية (كوردستان العراق، ولاية الموصل) بالعراق العربي الجديد المستحدث. لكن الشيخ محمود الحفيد قاد انتفاضة أخرى عام 1930 بعد «اليوم الأسود»، وهو اليوم الذي أطلقت فيه الشرطة النار على المتظاهرين من أهالي السليمانية في 6 أيلول 1930 أمام سراي الحكومة في السليمانية، إثر مظاهرة اشترك فيها العمال والفلاحون والكسبة الكورد ضد سلطات الاحتلال البريطاني. فأقسم القائد الكوردي الشيخ محمود الحفيد أن يأخذ بثأر الشهداء الأكراد، لكن القوات البريطانية والعراقية سحقت الانتفاضة الكوردية، ونُفي الشيخ محمود الحفيد إلى الهند.
مشكلة ولاية الموصل (كوردستان العراق) والادعاءات التركية بها
بعد سيطرة قوات مصطفى كمال أتاتورك على مجمل الأراضي التركية، عمل جاهداً على إبطال تنفيذ بنود معاهدة سيفر (10 آب عام 1920) التي أقرّت بالحقوق القومية للشعب الكوردي في كوردستان. وشاركت تركيا الكمالية في مؤتمر لوزان بسويسرا، ونجح الوفد التركي في إقناع ممثلي دول الحلفاء بالتوقيع على معاهدة لوزان في 24 تموز عام 1923، التي ألغت اتفاقية سيفر 1920، وبذلك احتلت قوات تركيا الحديثة (تركيا مصطفى كمال أتاتورك) كوردستان الشمالية (كوردستان تركيا) كاملة.
وبقي النزاع الحدودي بين تركيا والعراق، فقد نصّت المادة الثالثة من معاهدة لوزان (24 تموز 1923) في هذا الصدد على ما يلي: «ستتم تسوية الحدود الفاصلة بين تركيا والعراق بطريقة ودية بين الحكومتين البريطانية والتركية في غضون تسعة أشهر، وإن لم تتوصل الحكومتان إلى اتفاق خلال المدة المعينة، تُحال القضية إلى مجلس عصبة الأمم» (مشكلة ولاية الموصل، كوردستان العراق).
وفي الحقيقة والواقع لم يكن هذا النزاع مجرد نزاع محدد على الحدود، وإنما كان نزاعاً على ولاية الموصل كلها، أي على كوردستان الجنوبية التي تسمى اليوم كوردستان العراق، وذلك بسبب النفط، وأصبح مصير الكورد العراقيين مرتبطاً بهذا النزاع.
المسألة الكوردية في كوردستان تركيا
كانت كوردستان تركيا قد لفتت أنظار الأتراك عندما بدؤوا يفكرون جدياً في توسيع رقعة دولتهم على حساب أراضي الشعوب الإسلامية المجاورة، أسوة بأراضي البلقان. وكان العثمانيون، في أعقاب انتصارهم على الصفويين الفرس في وادي «جالديران» عام 1514م، في المعركة التي دارت رحاها بين قزلباش الشاه إسماعيل الصفوي الشيعة وإنكشارية العثمانيين السنة وسباهية السلطان سليم الأول العثماني، قد فرضوا سيطرتهم على قسم كبير من المنطقة الجغرافية في كوردستان (كالموصل وديار بكر وماردين وأورفة وحصن كيفا)، كما هرع أمراء الكورد من أردلان والعمادية وجزيرة ابن عمر الكوردية إلى تقديم الولاء للعثمانيين، وأقيمت حامية عثمانية قوية في ولاية وان (Van) الكوردية. وكان قانصوه الغوري يدرك تماماً أن المنتصر من الجانبين في جالديران سيعمل على تصفية الموقف في المشرق بالاصطدام العنيف مع المماليك، أي أن كوردستان كانت تشكل نقطة تحول بالنسبة إلى مستقبل القوى المتصارعة في المنطقة.
وجاء عقد معاهدة «زهاب/قصر شيرين» عام 1639م لتنظيم حدود الدولتين العثمانية والصفوية وشؤونهما، بعد تنازل فارس عن جزء من كوردستان لصالح العثمانيين. وفي عام 1746م عُقدت معاهدة «كرون» بين الدولتين العثمانية والفارسية، مؤكدة معاهدة الحدود (زهاب/قصر شيرين) لعام 1639م التي اعتُبرت نافذة وملزمة للطرفين، ثم جاءت معاهدة «أرضروم الأولى» بينهما عام 1823م حول وضع كوردستان.
وعندما سقطت الإمبراطورية العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، كان مصطفى كمال أتاتورك في البداية يتحدث باسم الحركتين التركية والكوردية، ويؤكد في جميع خطاباته أن دولة تركيا الجديدة هي دولة الكورد والأتراك معاً. ويُعتقد أنه كان مرشحاً لقيادة إحدى الحركتين المذكورتين أو كلتيهما معاً، ولكن عندما بدأت كفة الميزان تميل لصالح القومية التركية، وتغيرت الأوضاع لصالحها، وبعد أن حصل على الدعم والتأييد البريطاني، أخذ يقود الحركة القومية التركية، وبدأ بتصفية الحركة القومية الكوردية.
ففي 31 أيار 1925م توجّه مصطفى كمال باشا أتاتورك بنداء إلى السكان أشار فيه إلى أن الحكومة بدأت بتسريح الجيش المرسل للقضاء على الانتفاضة الكوردية بقيادة الشيخ سعيد بيران.
أما محاكم الاستقلال فستواصل نشاطها، وأشار في الختام إلى أن القمع المتواصل بعد انتفاضة الشيخ سعيد بيران الكوردية يجب أن يذكّر بالعقاب الصارم الذي ينتظر كل من يفكر في الإطاحة بالجمهورية التركية الحديثة العلمانية و«عرقلة التقدم الوطني».
وفي 29 أيار 1925م حكمت ما تسمى «محكمة الاستقلال» في ديار بكر على سبع وأربعين (47) شخصية كوردية من المشاركين الأساسيين في الانتفاضة الكوردية، وعلى رأسهم الشيخ سعيد بيران، بالإعدام شنقاً حتى الموت، ونُفّذ الحكم في اليوم التالي (30 أيار 1925م).
وأمام حبل المشنقة قال الشيخ سعيد بيران: «إن الحياة الطبيعية تقترب من نهايتها، ولم آسف قط عندما أضحّي بنفسي في سبيل شعبي الكوردي في كوردستان، إننا مسرورون لأن أحفادنا لن يخجلوا أمام الأعداء».
وتلا ذلك إعدام مئات المناضلين الكورد في كوردستان تركيا بقرارات من محاكم صورية في الولايات الكوردية المختلفة في كوردستان تركيا.
احتلت القضية الكوردية حيزاً مهماً في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى، فقد دُعي الوفد الكوردي برئاسة الجنرال إحسان نوري باشا إلى مؤتمر الصلح في باريس عام 1919م للمشاركة في تحديد مصير كوردستان بعد سقوط الدولة العثمانية.
وبالفعل أقرّت معاهدة سيفر (10 آب عام 1920م) حقوق الشعب الكوردي في تقرير المصير، إذ نصّت المواد 62 و63 و64 من هذه المعاهدة بين تركيا ودول التحالف على إقامة كيان قومي كوردي مستقل في كوردستان تركيا. وكانت بريطانيا تفكر في تأسيس دولة كوردية (كوردستان) في الشرق الأوسط، إلا أن بنود معاهدة سيفر 1920، التي انعقدت تحت المظلة البريطانية، ضُرب بها عرض الحائط، واستُبدلت بها اتفاقية لوزان (24 تموز عام 1923م) التي تجاهلت الحقوق الكوردية وحق الكورد في تقرير مصيرهم.
إذ إن بريطانيا بدّلت موقفها من المسألة الكوردية لعدة اعتبارات؛ فمن جهة أدركت أن قيام دولة كوردية مستقلة في كوردستان قد يؤدي إلى الإخلال بتوازن القوى في الشرق الأوسط لصالح الدولة السوفيتية، ومن جهة أخرى أخذت بريطانيا بعين الاعتبار مسألة الاعتماد على تركيا حليفاً دائماً ومستمراً في مواجهة الثورة البلشفية في روسيا، وضرب كافة الحركات التحررية والثورية في المنطقة، وتضييق الخناق على العرب.
أجزاء «نشأة الكورد» (3 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث (هذا الجزء)