الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
نشأة الكورد (الجزء الثاني)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2011
المواقف الدولية من القضية الكوردية
يعيش الكورد في أربع دول بصورة أساسية، وقد عرفوا الإسلام خلال الفتوحات العربية الإسلامية في فارس أيام الخليفتين الراشدين أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب الفاروق، ويلتزمون بالمذهب الشافعي السني، وكانوا مخلصين دائماً لدولة الخلافة الإسلامية. وقد انضم الكورد إلى الدولة العثمانية في صراعها ضد الصفويين الشيعة، ولكن الدولتين اتفقتا في اتفاقية أماسيا 1555 على تقسيم كوردستان، كما انضم الكورد في كوردستان تركيا إلى تركيا الحديثة في الحرب العالمية الأولى، ثم بدؤوا يطالبون باستقلال كوردستان من خلال المؤتمرات الدولية.
معاهدة سيفر (10 آب 1920م) في باريس
نجح ممثل الكورد شريف باشا السليماني في إدخال ثلاثة بنود تتعلق بالقضية الكوردية في معاهدة سيفر التي أبرمها الحلفاء في باريس في 10 آب/أغسطس 1920م، وقد كرّس ذلك تدويل القضية الكوردية بصورة رسمية، رغم أن الدولة العثمانية حاولت مراراً أن تصف القضية الكوردية بأنها قضية داخلية تستطيع الدولة التركية حلّها.
وكان من الممكن أن تصبح معاهدة سيفر 1920 محطة مهمة في تاريخ القضية الكوردية، إذ نصّت على حل المشكلة الكوردية على مراحل، فإذا اجتاز الكورد هذه المراحل، وطالبوا باستقلال كوردستان، ورأت دول الحلفاء أهليتهم لذلك، يصبح استقلال كوردستان أمراً واقعاً، وعلى الحكومة التركية الاعتراف به. لكن ردّ تركيا على المعاهدة كان عنيفاً، فقد وصفها مصطفى كمال أتاتورك بأنها بمثابة حكم بالإعدام على تركيا الحديثة، وحاول بمختلف الوسائل وضع العراقيل لمنع تطبيقها.
وهكذا لم ترَ معاهدة سيفر 1920 النور، بسبب صعود نجم مصطفى كمال أتاتورك والحركة الكمالية التركية وتوسع مناطق نفوذها، وكذلك لرغبة أوروبا في إبراز مصطفى كمال أتاتورك بطلاً يجب دعمه في حربه على الإسلام وعلى الخلافة العثمانية الإسلامية في تركيا الحديثة، مقر الخلافة الإسلامية؛ لذا لم يكن من مصلحة أوروبا إضعافه بتمكين الكورد من الحصول على استقلالهم في كوردستان.
لكل ذلك لم يمرّ عام ونصف العام على توقيع معاهدة سيفر في 10 آب 1920 حتى طُرحت فكرة إعادة النظر فيها، وجاءت هذه المواقف من قبل بريطانيا وفرنسا وإيطاليا، واتخذ المجلس الأعلى للحلفاء قراراً بهذا الشأن يوم 25 كانون الثاني/يناير 1921م، إضافة إلى توجيه الدعوة إلى وفد حكومة أنقرة لحضور المؤتمر القادم، الأمر الذي دلّ على اعتراف الحلفاء بالواقع الجديد في تركيا الحديثة.
ومعاهدة سيفر هي معاهدة السلام التي وُقّعت في 10 آب/أغسطس 1920 عقب الحرب العالمية الأولى بين الإمبراطورية العثمانية وقوات الحلفاء، ولكنها رُفضت من قبل الحركة الوطنية التركية بزعامة مصطفى كمال أتاتورك، التي شكّلت جمهورية تركيا الحديثة في 29 تشرين الأول/أكتوبر 1923 على أنقاض الإمبراطورية العثمانية. وكان رفض مصطفى كمال أتاتورك تطبيق بنود المعاهدة نابعاً من أن تطبيقها كان سيعني خسارة حجم هائل من المناطق التي كانت تابعة للعثمانيين، ومنها كوردستان تركيا.
تقسيم الإمبراطورية العثمانية بموجب معاهدة سيفر (10 آب/أغسطس 1920)
كانت معاهدة سيفر 1920 تنص على:
حصول منطقة الحجاز على الاستقلال.
حصول أرمينيا على الاستقلال.
حصول كوردستان على الاستقلال حسب المواد 62 و63 و64 من القسم الثالث من معاهدة سيفر 1920، والسماح لولاية الموصل (كوردستان العراق) بالانضمام إلى كوردستان استناداً إلى المادة 64، ونصها: «إذا حدث، خلال سنة من تصديق هذه الاتفاقية، أن تقدم الكورد القاطنون في المنطقة الكوردية التي حددتها المادة (62) إلى عصبة الأمم قائلين إن غالبية سكان هذه المنطقة ينشدون الاستقلال عن تركيا، وفي حالة اعتراف عصبة الأمم بأن هؤلاء السكان أكفاء للعيش في حياة مستقلة وتوصيتها بمنح هذا الاستقلال، فإن تركيا تتعهد بقبول هذه التوصية وتتخلى عن كل حق في هذه المنطقة. وستكون الإجراءات التفصيلية لتخلي تركيا عن هذه الحقوق موضوعاً لاتفاقية منفصلة تعقد بين كبار الحلفاء وبين تركيا».
ونتيجة للرفض التركي الأتاتوركي لبعض بنود معاهدة سيفر 1920، وخاصة ما يتعلق بالحدود الغربية والجنوبية الغربية (مع اليونان) والجنوبية الشرقية (مع سوريا)، عُدّل مسار بعض الأجزاء الحدودية في معاهدة تالية عُقدت في لوزان السويسرية في 12-24 تموز عام 1923، وعُرفت باسم معاهدة لوزان. وقد أعادت معاهدة لوزان إلى تركيا أراضي في القسم الأوروبي (غرب إسطنبول) من الدولة العثمانية، وضمّت الأقاليم السورية الشمالية إلى تركيا الحديثة.
المواد التي تناولت القضية الكوردية في معاهدة سيفر (10 آب/أغسطس 1920)
المواد الثلاث التي ضمتها معاهدة سيفر هي (62، 63، 64)، وهي المواد التي تناولت وضع الشعب الكوردي وآفاقه آنذاك في كوردستان، وهذا هو النص العربي الذي أورده زهير عبد الملك في كتابه «الكورد وبلادهم كوردستان بين سؤال وجواب»، السويد، 1999، ص 160-161، بعد مقارنته بالنص الإنكليزي الذي اعتمده في:
Maxime, R., in: Chaliand, G. (ed.) 1980, People Without a Country: The Kurds and Kurdistan, translated by Michael Pallis, London, pp. 43-43.
المادة 62: تتولى هيئة تتخذ مقرها في إسطنبول، مكونة من ثلاثة أعضاء تعيّنهم حكومات كل من بريطانيا وفرنسا وإيطاليا، التحضير أثناء الأشهر الستة الأولى التي تعقب تنفيذ هذه الاتفاقية لوضع خطة لمنح حكم محلي للمناطق الكوردية (من كوردستان تركيا الحديثة والعراق الجديد، أي ولاية الموصل، كوردستان العراق الحالي) التي تسكنها غالبية من الكورد، والتي تقع إلى شرق الفرات وإلى جنوب الحدود الأرمينية التي ستحدد فيما بعد، وإلى شمال الحدود بين تركيا وسورية وبلاد ما بين النهرين، وعلى النحو المحدد في المادة 27 من القسم الثاني (2 و3). وفي حالة عدم توافر إجماع في الآراء بصدد أي قضية، يحيلها أعضاء الهيئة المذكورة كلٌّ إلى حكومته. وينبغي أن توفر الخطة ضمانة كاملة لحماية الآشوريين (الأثوريين) والكلدانيين والجماعات العرقية أو الدينية الأخرى في المنطقة الكوردية، ولهذا الغرض ستزور المنطقة الكوردية هيئة مكونة من ممثلي بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وبلاد فارس والكورد، لكي تتولى تحديد أي تعديل -إن وجد- ينبغي إدخاله على الحدود التركية أينما تلتقي مع الحدود الفارسية، وذلك على النحو الموضح في هذه المعاهدة.
المادة 63: توافق الحكومة العثمانية من الآن على قبول وتنفيذ القرارات التي تتخذها الهيئتان المقرر تشكيلهما في المادة 62 أعلاه خلال ثلاثة أشهر من تاريخ إخطارها بتلك القرارات.
المادة 64: إذا ما طلب السكان الكورد في مناطقهم الكوردية المحددة في المادة 62، في غضون سنة واحدة من تاريخ تنفيذ هذه الاتفاقية، من مجلس عصبة الأمم، وأعربت غالبية سكان تلك المناطق عن رغبتها في الاستقلال عن تركيا في دولة كوردية، وإذا ما ارتأى المجلس الأعلى للتحالف أن هؤلاء السكان مؤهلون للاستقلال في دولة كوردية مستقلة في كوردستان، وأوصى بمنحهم إياه في وطنهم كوردستان، فإن تركيا توافق من الآن على قبول مثل هذه التوصية، وتتنازل عن جميع حقوقها وامتيازاتها في تلك المنطقة من كوردستان للكورد.
وستكون تفاصيل هذا التنازل موضوعاً لاتفاقية خاصة تعقد فيما بين تركيا والدول الحليفة الكبرى. وإذا تمّ التنازل فلن تعترض الدول الحليفة الكبرى إذا ما سعى الكورد الذين يقطنون ذلك الجزء من كوردستان الذي يقع حالياً ضمن ولاية الموصل (كوردستان العراق) وكوردستان تركيا لأن يصبحوا مواطنين في الدولة الكوردية المستقلة حديثاً.
معاهدة سيفر 1920 ومشروعية استقلال كوردستان
تمرّ في هذه الأيام الذكرى التسعون لمعاهدة سيفر التي أبرمت في 10 آب عام 1920م، وكانت ثمرة لمجمل النضال الجماهيري والنخبوي للشعب الكوردي طوال القرن التاسع عشر، وهو نضال موجّه أساساً ضد السيطرة العثمانية التركية. كما جاءت المعاهدة أحد أبرز نتائج الحرب العالمية الأولى وترجمة لانعكاساتها الجيوسياسية على منطقة الشرق الأوسط، إذ اتفق بموجبها الحلفاء المنتصرون مع حكومة إسطنبول التركية المؤقتة، «حكومة الداماد فريد باشا»، على مجموعة من البنود يتم على ضوئها ترسيم الحدود وتنظيم بنية ما تبقى من نواة «الإمبراطورية العثمانية».
ومن أهم تلك البنود والنصوص بالنسبة إلينا ما يتعلق باقتراح الحلول المناسبة للمسائل القومية عموماً، والمسألة الكوردية على وجه الخصوص.
فقد وضعت معاهدة سيفر 1920 الأسس القانونية لحق تقرير المصير للشعب الكوردي، وحق سيادته السياسية على أرض كوردستان (أرض الأكراد منذ آلاف السنين)، مع تأمين حقوق الأقليات داخل المناطق الكوردية، وذلك بإشراف دولي متمثل في حينه بعصبة الأمم. فقد جاء في البنود 62 و63 و64 من معاهدة سيفر 1920: «تشكَّل لجنة من حكومات بريطانيا وفرنسا وإيطاليا لتقدم خلال ثلاثة أشهر خطة للحكم الذاتي المحلي للمناطق الكوردية التي تقطنها الغالبية الكوردية شرق نهر الفرات… وسوف يضمن المشروع ضماناً تاماً حماية الآشوريين (الأثوريين) والكلدان وغيرهم من الأقليات القومية والعرقية في هذه المناطق من كوردستان» (المادة 62). «توافق الحكومة التركية بموجب هذه المعاهدة على قبول وتنفيذ القرارات المتخذة في المادة (62) في غضون ثلاثة أشهر من إبلاغ القرارات للحكومة المذكورة» (المادة 63). وقد ورد في المادة 64 من المعاهدة: «وإذا حدث، خلال السنة الأولى من تطبيق هذه الاتفاقية، أن تقدّم الشعب الكوردي القاطن في المناطق الكوردية التي حددتها المادة (62) إلى مجلس عصبة الأمم قائلين: إن غالبية سكان هذه المناطق الكوردية ينشدون الاستقلال عن تركيا، وفي حال اعتراف عصبة الأمم بأن هؤلاء السكان أكفاء للعيش حياة مستقلة وتوصيتها بمنح الاستقلال لهم ضمن منطقتهم، فإن تركيا تتعهد بقبول هذه التوصية وتتخلى عن كل حق في هذه المناطق. وسوف تكون الإجراءات التفصيلية لتخلي تركيا عن هذه الحقوق موضوعاً لاتفاقية منفصلة تعقد بين كبار الحلفاء وتركيا.
وفي حال حصول التخلي، فإن الحلفاء لن يثيروا أي اعتراض ضد انضمام الكورد القاطنين في ولاية الموصل (كوردستان العراق حالياً) انضماماً اختيارياً إلى هذه الدولة الكوردية».
لكن استقلال المناطق الكوردية التي كانت تابعة للسلطنة العثمانية لم يتحقق، بل تفتّتت كوردستان في تبعيتها لثلاث أو أربع دول وليدة جديدة في المنطقة. وقد تراجع الحلفاء المنتصرون عن هذه المعاهدة، وتراجعت بريطانيا عن حماسها وتشجيعها لاستقلال كوردستان، كما تزايد اعتراض فرنسا على تشكيل الدولة الكوردية المستقلة الجديدة، إذ لم تكن مقتنعة بها أصلاً. فلماذا لم تتمخض هذه المعاهدة الخطيرة عن دولة كوردستان المرتقبة بعد نضال طويل من قبل الأوساط الكوردستانية كافة، علماً أن الظروف الدولية والإقليمية كانت قد تهيأت، وتوافر الأساس القانوني للاستقلال؟
لقد تكرر هذا السؤال وما يزال يتكرر، ويتبادر إلى ذهن المتابع لتلك المرحلة بصياغة أخرى: ما دام الحلفاء منتصرين ويحتلون معظم الشرق الأوسط والأناضول وكوردستان، وقد وقّعوا هذه المعاهدة التي جاءت تحت ضغط وإلحاح القوى الكوردية المطالبة بالاستقلال، وترجمةً لوعود بريطانيا المتكررة للكورد، فلماذا تراجع الحلفاء واختفت دولة كوردستان في مرحلة عصيبة من تاريخ المنطقة، خاصة في الأعوام (1918-1923) التي اختفت إبّانها آخر إمبراطورية إسلامية في المشرق، الإمبراطورية العثمانية، ولم يكن إعلان الدول على أنقاضها يتطلب سوى حفلة كوكتيل تجمع سفراء وقناصل وبعض جنرالات الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى!
نعم، بالضبط، كانت المناخات يومئذ مهيأة، وكانت الدولة الكوردية تحتاج فقط إلى حفلة كوكتيل يُعلَن فيها ولادة دولة كوردية في كوردستان، إذ كان من الممكن أن يُسمّى رئيس الدولة وتُرسم الخطوط العامة لحدودها، وبعدها كانت الدولة الكوردية ستقوم على قدميها الداميتين، وهذا ما حدث لغيرها من الدول وما كان سيحدث لها.
فهكذا أُنتجت معظم الدول العربية التي ورثت الإمبراطورية العثمانية، أي الخلافة العثمانية.
يبدو أن مجموعة من العوامل قد تشابكت، وتضافرت جملة من المسببات لوقف مشروع استقلال كوردستان وتأجيله. فروايات الدول الحليفة، حسب ما نُشر من وثائق وما كتبه أغلب مؤرخي الغرب ومستشرقيه، أحالت عدم بروز دولة كوردستان إلى عوامل ذاتية خاصة بالكورد، مثل غياب القيادة الكوردية الحكيمة الواعية، والبنية القبلية الكوردية، وعدم اتفاق الكورد جميعاً حول مشروع استقلال كوردستان.
ولكن هذه الحجج تبدو واهية، إذ لا يخفى على أحد أن العديد من الدول ظهرت في المنطقة والعالم وكانت بنيتها قبلية وما زالت، كما أن زعاماتها أوجِدت بمساعي دول الحلفاء أنفسهم، وفي الوقت نفسه نجد أن عدداً آخر من الدول التي صنعتها أوروبا على أسس قومية إثنية ما زالت لا تؤمن بالقومية ولا بالديمقراطية. ومما لا شك فيه أن الدول المنتصرة في الحرب أبرمت مجموعة من الصفقات الثنائية والجماعية لتوزيع المستعمرات والغنائم، وخاصة تركة الرجل المريض «الإمبراطورية العثمانية»، وكان حاصل قسمة هذه الصفقات وحسابها إبقاء كوردستان مجزأة غير مستقلة. فقد كان المشهد في ذلك العصر على الشكل الآتي: أمريكا كانت تحبذ إنشاء دولة أرمنية واسعة على حساب المناطق الكوردية الشمالية من كوردستان، ترجمةً فورية لمبادئ الرئيس الأمريكي ويلسون، وروسيا الشيوعية كانت تميل إلى مدّ نفوذها إلى داخل كوردستان حتى منطقة راوندوز، أما فرنسا فكانت ضد استقلال كوردستان، وكانت تهدف إلى ضم أكبر جزء من كوردستان إلى مستعمرتها في سوريا، بما فيه جزيرة بوتان (كوردستان تركيا) وولاية الموصل العثمانية الكوردية (كوردستان العراق).
في حين ظلت بريطانيا مترددة ومتوترة، ثم حسمت رأيها بضم كوردستان الجنوبية، أي ولاية الموصل (كوردستان العراق) مع نفطها، إلى مملكة العراق العربي الجديد المستحدث، وقد ظل بعض رجالات بريطانيا في ولاية الموصل ضد ضمها إلى العراق العربي الجديد حتى آخر لحظة، أمثال الميجر «نويل»، الضابط السياسي البريطاني في كوردستان العراق.
وكان الغطاء القانوني لكل هذه الإجراءات الاستعمارية هو إلغاء معاهدة سيفر 1920 والتمهيد لاتفاق جديد في لوزان في 12-24 تموز 1923. وقد تمخض هذا الاتفاق الجديد، أو هذه الصفقة، عن تثبيت الحدود الحالية للدول في المنطقة، والتوصية بتأمين الحقوق الثقافية للكورد داخل دولتي تركيا الجديدة (كوردستان تركيا) والعراق المستحدث (كوردستان العراق، ولاية الموصل الكوردية).
وبناء على قراءة سريعة لتلك المرحلة وملابساتها يمكن الاستنتاج بأن أبرز مسببات هذا التحول المشؤوم تجاه كوردستان كانت:
عدم اقتناع الحلفاء عموماً، وكل من فرنسا وبريطانيا خصوصاً، بدعم استقلال كوردستان وإعلانه، وهذا التردد كان وراء كل المناورات التي تلت الحرب الأولى، وخاصة في أعوام 1920-1923. وعلى ما يبدو ثمة عامل آخر خفي لم يظهر إلى العلن بعد، يقف وراء موقف الحلفاء السلبي من استقلال كوردستان في أكثر الأوقات ملاءمة وسهولة لولادة هذه الدولة الكوردية.
شكّل إلغاء الخلافة العثمانية الإسلامية حافزاً ومؤشراً على تقارب حكومة الكماليين التركية مع الغرب المسيحي، ومدخلاً لتغيير المنظومة الإسلامية (الخلافة العثمانية الإسلامية الشكلية) في المشرق، وشكّلت هذه الخطوة في الواقع أول رشوة قدمها الكماليون الأتراك للغرب، وحافزاً جديداً لمعاقبة الكورد المتهمين زوراً بالمشاركة في مجازر المسيحيين، وخاصة الأرمن.
تحالف الكماليين الأتراك مع البلاشفة الروس، وموقف البلاشفة السلبي من المسألة الكوردية ومن إمكانية دعم استقلال هذا الشعب الكوردي، الذي لم يكن على ما يبدو مسجلاً في دفاتر البلاشفة الروس شعباً يستحق حق تقرير المصير على ضوء النظريات والكراريس اليساروية المعتمدة لديهم.
خوف بريطانيا من مواجهة أعداء جدد جراء التمسك بإعلان الدولة الكوردية ورعايتها، مثل روسيا وتركيا الكمالية وإيران الشاهنشاهية والقوميين العرب، حلفاء بريطانيا الأساسيين إبان الحرب الأولى.
واليوم، بعد مرور هذه الحقبة الزمنية الطويلة، وفي ظل عدم استقرار الوضعين الإقليمي والدولي، نستعيد ذكرى معاهدة سيفر 1920 بوصفها أول محاولة دولية قانونية لوضع أسس لمشروعية تحرر كوردستان واستقلالها التام.
ولا بد من التذكير في هذا الصدد بمسؤولية أوروبا المباشرة تجاه مأساة شعب كوردستان والتأكيد عليها، وينبغي القول دون تحفظ بأن الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى، وخاصة بريطانيا وفرنسا وروسيا، هي شركاء حقيقيون للدول التي تقتسم كوردستان اليوم وتضطهد الشعب الكوردي، لذلك يفترض أن تقدم الاعتذار للشعب الكوردي، وأن تعمل جادّة من أجل خلق مناخ إقليمي ودولي لعقد مؤتمر متعدد الأطراف لإحياء معاهدة سيفر 1920 وبثّ الروح في أوصالها من جديد، واعتبارها أساساً نظرياً لحل المشكلة الكوردية في كوردستان، آخذين بعين الاعتبار الوضع الدولي والتطور العام للمجتمعات البشرية، وبالتالي الإقرار بحق تقرير المصير السياسي لشعب كوردستان وتحديد شكل علاقته الطوعية مع حكومة أنقرة، والعمل الجاد من أجل وضع حد لمعاناة الشعب الكوردي في كوردستان، الذي كان وما زال الضحية الأولى للصفقات التآمرية الكولونيالية بين دول الحلفاء المنتصرة.
وبهذه المناسبة لا بد من الإشارة إلى أن جزءاً من المسؤولية يقع أيضاً على كاهل النخب الثقافية والسياسية الكوردية، خاصة تلك التي تقيم في أوروبا، فمن واجبها إحياء هذه المناسبة كل عام، وشرح مضمون معاهدة سيفر 1920 للقوى والأوساط الفاعلة في المجتمعات الأوروبية والأمريكية، وتسليط الضوء على الأحداث المأساوية التي تعرّض ويتعرّض لها الشعب الكوردي في كوردستان، أرض الآباء والأجداد منذ آلاف السنين، بسبب عدم تطبيق هذه المعاهدة الدولية.
وكذلك الإشارة الدائمة إلى المسؤولية الأخلاقية لحكومات أوروبا وشعوبها تجاه عملية الاتجار بالدم الكوردي طوال القرنين التاسع عشر والعشرين من قبل الأوساط الأكثر براغماتية ولا أخلاقية في حكومات أوروبا وأمريكا، وتحميل المسؤولية لتلك القوى التي كانت تحكم وتصنع القرار السياسي الذي جاء دائماً عكس حقوق الشعب الكوردي في كوردستان ومطامحه وقضيته التحررية الإنسانية العادلة.
نص اتفاقية سيفر
المكان: ضاحية سيفر قرب باريس.
الزمان: 10 آب 1920.
عندما وُقّعت هدنة مودروس في 30 تشرين الأول 1918، بدا وكأن مصير الإمبراطورية العثمانية الإسلامية قد تقرر باتفاقات مختلفة موقّعة بين الحلفاء، كان من أهمها معاهدة سيفر في 10 آب 1920 التي نتحدث عنها، والاتفاق الإنجليزي الفرنسي المعروف باتفاق سايكس بيكو الموقع في 16 أيار/مايو 1916، واتفاق سان جان دي موريان الفرنسي الإنجليزي الإيطالي الموقع في نيسان 1917. وقد اعترف هذا الاتفاق الأخير بحقوق إيطاليا في جزء كبير من جنوب الأناضول مع سميرنا وأضاليا وقونية، وكان مشروطاً بموافقة الحكومة الروسية التي نقضته، فسارع الإنجليز والفرنسيون إلى تأييد النقض لإخراج إيطاليا من المنطقة. وبدت الحكومتان الفرنسية والإنجليزية مؤيدتين للادعاءات اليونانية التي تمتد حتى منطقة سميرنا، وكانت اليونان قد احتلت هذه المدينة في أيار 1919، وقام الإيطاليون بإنزال في منطقة أضاليا. وأخيراً تقرر في مؤتمر لندن في شباط 1920 أن يحتفظ الأتراك بالقسطنطينية، وأن يقيم اليونانيون في منطقة سميرنا، والإيطاليون في أضاليا، والفرنسيون في كيليكيا. وفي نيسان 1920 أضاف مؤتمر سان ريمو تحديدات أخرى: أن تمتلك اليونان كامل تراقيا الشرقية، وأن تُنزع أسلحة المضائق وتُحيَّد تحت إشراف لجنة دولية. ورفضت الولايات المتحدة عرضاً بالانتداب على أرمينيا والقسطنطينية والمضائق.
أهم بنود معاهدة سيفر (10 آب 1920)
منح منطقة تراقيا والجزر التركية الواقعة في بحر إيجة لليونان.
التنازل عن سورية والعراق العربي للانتداب البريطاني الفرنسي.
الاعتراف باستقلال أرمينيا في الأناضول الشرقي.
الاعتراف بدولة كوردية مستقلة ذاتياً في الجنوب الشرقي لتركيا (كوردستان تركيا)، والسماح لولاية الموصل (كوردستان العراق) بالانضمام إلى هذه الدولة الكوردية.
اعتبار مضيقي البوسفور والدردنيل منطقتين مجردتين من السلاح وتحت إدارة عصبة الأمم.
على تركيا تسليم أسطولها البحري وإنقاص عدد جيشها إلى خمسين ألف جندي.
أجزاء «نشأة الكورد» (3 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني (هذا الجزء)
- الجزء الثالث