الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

ولاية الموصل (كوردستان العراق) والمسألة الكوردية (الجزء الأول)

من محاضرات «الكورد في ولاية الموصل» – 2014

مقدمة

ورثت بريطانيا المحتلة أرض العراق خلال الحرب العالمية الأولى (1914–1918)، بما فيها أرض كوردستان الكبرى عدا الجزء الإيراني منها؛ إذ كانت بريطانيا من الناحية العملية تمارس سياسة نشيطة مع العائلة القاجارية الحاكمة في إيران. ولم يكن لتركيا صوت مسموع في السياسة والجغرافية، وجيوش الحلفاء (بريطانيا وفرنسا وإيطاليا) على أراضيها (1919–1920)، والحلفاء بقيادة بريطانيا يخططون لخلق دولة أرمنية وأخرى كوردية على التراب التركي. أما في العراق المحتل بالقوات البريطانية، فقد وجدت لندن أن الضرورة باتت ملحة لتنصيب الملك فيصل الأول ابن الشريف حسين بن علي ملكاً على عرش العراق في 23 آب عام 1921، ولكنه كان مكبل اليدين في كل ما يمت إلى القضية الكوردية وحقوق الكورد في إنشاء دولة كوردية مستقلة خاصة بهم، أو حكم ذاتي كوردي قابل للتطور في كوردستان العراق.

إن ساسة الدول الاستعمارية الأوروبية الطامعة في ولايات الإمبراطورية العثمانية التركية المسلمة كثيراً ما عملوا على إضعافها للفوز بثرواتها. وتبدو بريطانيا، صاحبة الصوت السياسي والعسكري الأقوى في أوروبا، على صلة وثيقة بتطورات الوضع في بلاد ما بين النهرين، وفي مناطق كوردستان الجنوبية (ولاية الموصل) ذات الأغلبية الكوردية (كوردستان العراق)، وكوردستان الشمالية (كوردستان تركيا – ولاية ديار بكر)، لاستمالة الأقليات غير التركية، ولا سيما الكوردية. ومع الإنجاز العسكري الذي حققته بريطانيا خلال الحرب العالمية الأولى، صار الحديث يدور عن إنشاء دولة كوردية مستقلة في المناطق ذات الأغلبية الكوردية (كوردستان)، كما هو حال عرب العراق في العراق العربي. وكان رد ساسة بريطانيا على الكورد: لماذا لم يمنحكم المسلمون العثمانيون الأتراك والإيرانيون الفرس ذلك الحق (الحكم الذاتي في كوردستان بلدانهم) وأنتم تدينون معهم بدين الإسلام؟ وهل من الصواب في شيء أن تُقوَّض إمبراطورية إسلامية لتُخلق بجوارها دولة كوردية إسلامية؟ إن ما توافقت عليه بريطانيا وفرنسا هو استثمار النفط في كوردستان العراق (كركوك) ضمن ولاية الموصل، لا إعطاء ولاية الموصل (كوردستان الجنوبية) ذات الأغلبية الكوردية، وفيها كركوك الغنية بالنفط، للكورد، ولا السماح لروسيا البلشفية بالتغلغل في كوردستان إيران وكوردستان العراق وسائر المناطق الكوردية. ولكي تتجنب بريطانيا المشاكل الناجمة عن الثورات الكوردية، ومنها ثورة الشيخ محمود الحفيد في السليمانية بكوردستان العراق عام 1919، لبست وجهاً مقنّعاً في سياستها تجاه الكورد، ومن ذلك معاهدة سيفر في 10 آب عام 1920، وفي عقلها أن تضرب عصفورين بحجر واحد كما يقول المثل.

بقاء قضية ولاية الموصل دون تسوية

بقيت قضية ولاية الموصل (كوردستان الجنوبية – العراق) ذات الأغلبية الكوردية دون تسوية. فقد كان الكماليون الأتراك (تركيا الحديثة) بعد الحرب العالمية الأولى غير راغبين في المساومة على الميثاق الوطني التركي الذي طالب بكل تركيا العثمانية ما عدا الأراضي العربية منها، وكانوا يخشون أن تقوّض المشاعر الكوردية في ولاية الموصل (كوردستان العراق) ذات الأغلبية الكوردية مساعيهم في «التتريك» شمالي الحدود.

وفي الوقت ذاته لم يكن البريطانيون راغبين في التنازل عن ولاية الموصل (كوردستان العراق) لتركيا الحديثة. فقد أصبح النفط مسألة ذات أهمية أكبر بعدما فُهمت مسألة احتياطي النفط على نحو أفضل في ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية (كركوك)، ومع ذلك لم يكن هو العامل الحاسم؛ إذ كانت بريطانيا مستعدة للتخلي عن نصف حصة شركة النفط البريطانية–الفارسية البالغة 70% من الأسهم النفطية في ولاية الموصل لشركة (ستاندارد أويل) الأمريكية، لكي تحصل على دعم الولايات المتحدة الأمريكية لاحتفاظها بولاية الموصل الكوردية (كوردستان العراق) في عام 1923. بل كان (كيرزون) وزير خارجية بريطانيا راغباً في تسليم ولاية الموصل (كوردستان الجنوبية – العراق) ذات الأغلبية الكوردية إلى فرنسا من أجل التمسك بأحكام (مؤتمر لوزان) في 24 تموز عام 1923، ولكن أسكته أصحاب المصالح في الدفاع عن بلاد الرافدين، أعني الوزارات البريطانية التالية: وزارة المستعمرات، ووزارة الهند، ووزارة القوة الجوية، ووزارة الحرب. لقد حاولت كل من تركيا الحديثة وبريطانيا إغراء الأخرى بالتنازل عن مطلبها مقابل إعطائها نسبة كبيرة من النفط، لكن أياً من الطرفين لم يكن راغباً في ذلك التنازل، ولذلك لم تشهد قضية حقل نفط كركوك، الذي تدفق لأول مرة عام 1927، أية تسوية حتى ذلك العام.

لم تكن بلاد الرافدين (ميسوبوتاميا)، أو العراق العربي الجديد الذي كان يضم ولايتي بغداد والبصرة فقط ثم أضيفت إليه ولاية الموصل (كوردستان العراق) ليصبح ما يسمى الآن (جمهورية العراق)، قادرة على الاستمرار سياسياً وعسكرياً واقتصادياً بدون منطقة كوردستان الجنوبية (ولاية الموصل)، لأنها سلة غذاء العراق العربي الجديد وعماد اقتصاده. وهنا تكمن المسألة؛ فعندما صادقت كل من بريطانيا والعراق العربي الجديد على معاهدة التحالف بينهما عام 1924، تضمنت المعاهدة ملحقاً ينص على أنها تُعدّ لاغية إذا ما فشلت بريطانيا في حماية حقوق العراق في كامل ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية، أي كوردستان العراق الحالية.

وفي مؤتمر لوزان (12–24 تموز 1923) طالبت تركيا الحديثة باستفتاء شعبي في ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية (كوردستان العراق)، ولكن بريطانيا لم توافق عليه، وفضّلت بدلاً من ذلك التحكيم من جانب عصبة الأمم، وهو خيار لم تكن تركيا الحديثة تحبذه لأنها كانت تعدّ عصبة الأمم أداة في يد القوى الكبرى. وقد ظلت تركيا الحديثة متمسكة بالاستفتاء في ولاية الموصل وراغبة في مهلة غير محددة من الوقت، اعتقاداً منها بأن ذلك سيتيح لها فرصة جيدة للاستيلاء على ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية. وذلك ما ترك سكان المنطقة الكوردية في ولاية الموصل (كوردستان العراق) في ورطة. وكان أحد أسباب الصعوبات وتزايد الخطر يكمن في غياب حدود واضحة لشمالي ولاية الموصل، ولم تكن المهمة تقتصر على رسم الخريطة، بل إن العثمانيين تعمدوا ترسيم الحدود بما يقسم بعض الاتحادات (القوى) الكوردية والمناطق الكوردية في كوردستان الصعبة المراس، ثم تغييرها وفق ما تقتضيه الظروف السياسية المحلية. ومن بين حدود ولاية الموصل الكوردية كلها كانت الحدود الواقعة بين ولاية الموصل وولاية وان هي الأكثر غموضاً، لأنه لم تكن هناك في الحقيقة خريطة رسمية لها.

ولم يكن مستغرباً بالتالي أن تنشب بعض الصدامات الثانوية التي بلغت ذروتها حينما أسر سكان القرى الآثورية في المنطقة الحدودية الحاكم التركي المحلي هناك. ورداً على ذلك زحفت قوة تركية عبر المنطقة الكوردية (كوردستان العراق) التي تسيطر عليها الحكومة في العراق العربي الجديد لمهاجمة تلك القرى الآثورية في أيلول/سبتمبر عام 1924، فطردت سكانها الآثوريين، الذين يربو عددهم على 8,000 نسمة، بمنتهى القسوة. وفي هذه الأثناء أحالت بريطانيا مشكلة ولاية الموصل (كوردستان العراق) رسمياً إلى عصبة الأمم في 6 آب/أغسطس 1924. ورغم الاحتجاجات البريطانية في 29 أيلول/سبتمبر و5 تشرين الأول/أكتوبر عام 1924، رفضت تركيا الحديثة الانسحاب من بقية المنطقة الكوردية من ولاية الموصل التي تطالب بها بريطانيا. ولم تُتجنَّب الحرب إلا عندما رسمت عصبة الأمم خطاً أُطلق عليه «خط بروكسل» حدوداً مؤقتة لا تمس النتيجة النهائية، وذلك في انتظار قرار لجنة تقصي الحقائق الأممية التي شكلتها عصبة الأمم.

وصلت لجنة تقصي الحقائق الأممية التابعة لعصبة الأمم إلى ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية (كوردستان العراق) في شهر كانون الثاني 1925 بعد زيارات إلى لندن وأنقرة وبغداد، ولم تكن مهمتها سهلة. فقد كانت أغلبية سكان ولاية الموصل من الأكراد بشكل لا يمكن إنكاره، لأن ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية كانت تمثل المحافظات العراقية الحالية: الموصل وأربيل وكركوك والسليمانية، وأخيراً دهوك التي كانت تابعة للموصل، وأجزاء من ديالى. في حين كان سكان مدينة الموصل نفسها من العرب بشكل رئيسي، بينما كانت البلدات والقرى الواقعة على الطريق العام المؤدي إلى بغداد من التركمان والأكراد الناطقين بالتركية والكوردية. ولكن، وكما لاحظت اللجنة، فإن الأكراد يسيطرون على الأراضي الصالحة للزراعة، وتوجد بعض البلدات، وخاصة التركمانية منها، على الطريق العام. وعند محاولة رسم خط بين العرب والأكراد، وهو الخط القومي الكوردي الوحيد الذي يمكن رسمه، لم يتحقق ذلك بسبب التكامل الاقتصادي بين الموصل والمنطقة الكوردية، أي أهميتها الاقتصادية. ومن ناحية أخرى قالت اللجنة التي شكلتها عصبة الأمم:

«إذا ما أُخذت المسألة العرقية وحدها بعين الاعتبار، فإن الاستنتاج الضروري الذي ينبغي أن تتوصل إليه اللجنة هو وجوب إقامة دولة كوردية مستقلة في كوردستان، باعتبار أن الأكراد يشكلون خمسة أثمان سكان المنطقة الكوردية (ولاية الموصل)».

علماً بأن هذا الرقم لم يشمل الأكراد اليزيديين والشبك، ولو أضيف هؤلاء لأصبحت نسبة الأكراد في ولاية الموصل أكثر من ثلاثة أرباع تقريباً. ومع ذلك اعتقد مجلس عصبة الأمم الذي شكل لجنة تقصي الحقائق الأممية أن الأكراد في مجموعهم لم يحركهم التضامن القومي الكوردي. أما إذا أُخذت المسألة الاقتصادية بعين الاعتبار، فيمكن أن تكون ولاية الموصل (كوردستان العراق) ذات الأغلبية الكوردية ضمن حدود الدولة العراقية العربية الجديدة، لأنها سلتها الغذائية وعماد اقتصادها.

«لقد وجدت (لجنة تقصي الحقائق الأممية) بين الأكراد وعياً قومياً كوردياً متنامياً، وهو بلا ريب شعور قومي كوردي وليس عربياً، وهو شعور يزداد قوة كلما اتجهنا جنوباً، ويتناقص شمالاً، ويتلاشى في سهل ولاية الموصل وجبال (عقرة/آكري) في كوردستان العراق».

وكان هناك تقسيم آخر لولاية الموصل والكورد:

«إن الأكراد الذين يسكنون الإقليم المتنازع عليه (ولاية الموصل) ذا الأغلبية الكوردية، وخاصة أولئك الذين يعيشون شمالي الزاب الكبير، مرتبطون من حيث اللغة الكوردية والصلات الإثنية والعلاقات الاجتماعية والشخصية والاقتصادية بأكراد ولايتي هكاري وماردين الكورديتين في تركيا الحديثة أكثر من غيرهم، في حين يميل الأكراد الذين يسكنون جنوبي الزاب الصغير إلى الارتباط بأكراد كوردستان إيران. ومن الصعوبة بمكان رسم الحدود بين هذين النهرين (الزاب الكبير والزاب الصغير)»، لأنهم شعب كوردي واحد.

علاوة على ذلك كانت هناك في كل منطقة كوردية من كوردستان انقسامات بين البدو والفلاحين الأكراد، وبين القبائل الكوردية المتجاورة، بل حتى بين فئات داخل القبيلة الكوردية نفسها. وقد لاحظت لجنة تقصي الحقائق الأممية التي شكلتها عصبة الأمم أن الشعور القومي الكوردي تجلى في معارضة أي تدخل سياسي خارجي، أو نشاطات أشخاص من أصول كوردية في أماكن مثل إسطنبول ممن قطعوا علاقاتهم وصلاتهم مع أقربائهم الأكراد في المناطق الكوردية على نطاق واسع، بسبب التهجير القسري والاضطهاد القومي الذي مارسته عليهم تركيا الحديثة. وكان هناك استثناء وحيد لهذا الرأي العام في مقاطعة السليمانية، حيث قالت اللجنة:

«وجدنا الشعور القومي الكوردي في السليمانية من كوردستان العراق، رغم كونه فتياً، معقولاً بما فيه الكفاية؛ فقد ذكر الشعب الكوردي في السليمانية أنه رغم أن طموحه الأسمى هو الاستقلال التام لكوردستان، فإنه يعترف بفوائد وصاية متنوّرة وذكية».

وكان رأي بعض الأكراد في التقسيم (كوردستان) بشكل عام كما يلي:

«هناك انقسام في الرأي الكوردي؛ فمجموعة أكراد السليمانية والمقاطعات المجاورة لها، التي تطالب بالحكم الذاتي الكوردي في كوردستان العراق ضمن الدولة العراقية العربية الجديدة، تشكل نحو نصف مجموع السكان الأكراد في كوردستان العراق».

وقد ترك ذلك الرأي ما يقارب النصف الآخر أقل اقتناعاً به. كما كانت هناك حجج أخرى ضد محاولة قيام دولة كوردية مستقلة في كوردستان العراق على أسس عرقية في ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية:

«إذاً فلا الحدود السياسية للإقليم الكوردي المتنازع عليه (ولاية الموصل – كوردستان العراق) محددة مع كوردستان إيران ولا مع كوردستان سوريا، ولا الحدود القائمة بينهما، ولا كذلك الحدود التي تطالب بها كل من تركيا الحديثة والعراق العربي الجديد، حدودٌ عرقية معلومة».

وجادلت لجنة تقصي الحقائق الأممية، علاوة على ذلك، بأن أكراد ولاية الموصل (كوردستان العراق) يشكلون نسبة ضئيلة، في الحقيقة نحو 25%، من إجمالي الشعب الكوردي في كوردستان الكبرى. وهكذا تخلت لجنة تقصي الحقائق التابعة لعصبة الأمم عن الاعتبارات القومية الكوردية لصالح الاعتبارات السياسية والاقتصادية، ناهيك عن خيارات السكان الكورد في ولاية الموصل. وهنا بالطبع لم تجد اللجنة سوى التحفظ في الكلام عن الخوف من الأعمال الانتقامية ووجهات النظر المتناقضة:

«إن غياب أي شعور وطني عراقي تجاه العراق العربي الجديد يفسر ذلك العدد الكبير من الخيارات المشروطة. فغلاة الوطنيين العراقيين، مثلاً، يقولون إنهم يفضلون تركيا الحديثة على عراق عربي جديد تحت السيطرة الأجنبية (البريطانية). ومن ناحية أخرى يقول عدد كبير من الزعماء المسيحيين إنهم سيشعرون بارتياب وخوف أقل تجاه حكومة تركية حديثة منهم تجاه حكومة عراقية عربية جديدة بدون سيطرة أوروبية (بريطانية) عليها»، أي إنهم فضّلوا الشيطان الذي يعرفونه. «ويمكن إيجاد الآراء نفسها بين الأكراد اليزيديين. أما أكراد السليمانية فيطالبون بدرجة أكبر من الحكم الذاتي المحلي (لكوردستان العراق) بمساعدة المستشارين البريطانيين. وعلى العموم يمكن القول إن ما يجمع الآراء التي عُبّر عنها هو المصالح المشتركة أكثر من الحب المشترك للوطن (العراق العربي الجديد)».

كذلك وجدت لجنة تقصي الحقائق الأممية أن الادعاء التركي بأن سكان ولاية الموصل (كوردستان العراق) يريدون العودة إلى الحكم التركي غير صحيح.

ولكن في هذا الوقت وقعت في تركيا الحديثة حادثتان قوّضتا، على نحو خطير، المعسكر الموالي للأتراك في ولاية الموصل. ففي آذار/مارس 1924 ألغت أنقرة الأتاتوركية الخلافة العثمانية الإسلامية، متنكرة بذلك لآخر حلقة مهمة تربط المواطنين المسلمين السابقين في الإمبراطورية العثمانية (ومنهم الأكراد المسلمون) بتركيا الأتاتوركية. وفي كوردستان تركيا، أكثر من أي مكان آخر، كانت الطرق الصوفية النقشبندية والقادرية تؤكد أهمية الخلافة الإسلامية العثمانية، فكان إلغاؤها أقوى تعبير عن علمانية تركيا الجديدة وثقافتها التركية. وفي الوقت نفسه الذي كانت فيه لجنة تقصي الحقائق الأممية تقوم بتحرياتها، قُمعت انتفاضة كوردية بقيادة الزعيم والشيخ الكوردي سعيد بيران عام 1925، وهجّر الأتراك الأتاتوركيون قرى كوردية بأكملها من كوردستان تركيا عنوة من مناطقها الجغرافية الكوردية الأصلية.

قررت لجنة تقصي الحقائق الأممية التابعة لعصبة الأمم في حكمها النهائي منح المنطقة الكوردية من كوردستان الواقعة جنوبي خط بروكسل إلى العراق العربي، بشرطين مهمين هما:

  1. «أن يبقى الإقليم (العراق) والمنطقة الكوردية (ولاية الموصل – كوردستان العراق) تحت الانتداب الفعلي لعصبة الأمم (بريطانيا) لفترة تقدر بخمسة وعشرين عاماً.

  2. أن تؤخذ بعين الاعتبار الرغبات التي عبّر عنها الأكراد في تعيين موظفين من أصول كوردية لإدارة بلادهم ومناطقهم الكوردية (كوردستان العراق) وإقامة العدالة والمساواة في المجتمع الكوردي، والتدريس في المدارس باللغة الكوردية، وأن تكون اللغة الكوردية هي اللغة الرسمية في هذه المنطقة الكوردية (كوردستان) كلها».

ولن ترتقي هذه المطالب إلى مستوى الحكم الذاتي الكوردي في كوردستان. وقد أشارت لجنة تقصي الحقائق إلى أنه ما لم يُلتزم بهذين الشرطين، فإن السكان الكورد يفضلون السيادة التركية على العربية. وفي مداولاتها الأخيرة كانت عصبة الأمم راغبة في إرجاء النظر في الشرط الأول إذا ما اكتسب العراق العربي الجديد عضوية عصبة الأمم في غضون خمسة وعشرين عاماً. ولكن عندما حصل العراق العربي الجديد على استقلاله عام 1932 لم يوضع أي شرط لضمان الحقوق السياسية أو الثقافية للأكراد، وكان ذلك نكثاً للعهود البريطانية للأكراد.

تحدّت تركيا الحديثة قرار لجنة تقصي الحقائق الأممية، وأصرت على إقامة السيادة التركية الأتاتوركية فعلياً على ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية، وقامت بمحاولة أخرى وأخيرة في آذار/مارس 1925 لإقناع بريطانيا بالتخلي عن ولاية الموصل (كوردستان العراق) مقابل حقوق استغلال حصرية في نفط ولاية الموصل (كركوك). ولكن بريطانيا لم تكن مهتمة بذلك، لأن أهمية مصالحها الاستراتيجية الاقتصادية والسياسية والعسكرية فاقت إلى حد بعيد أهمية المصالح النفطية. وعندما أُجبرت تركيا الحديثة الأتاتوركية على قبول مطلب لجنة تقصي الحقائق الأممية بخصوص الأماني الكوردية، ذكر المتحدث التركي باسمها أن «كافة الأكراد في تركيا لديهم ذات الحقوق التي يتمتع بها الأتراك بلا أية قيود»، وهذا غير صحيح. وقد بقي هذا موقف تركيا الأتاتوركية خلال العقود التالية في إنكار الوجود القومي الكوردي، وإنكار وجود الأكراد في كوردستان تركيا الذين وقعوا ضمن حدودها.

وفي الوقت الذي طلبت فيه عصبة الأمم رأي محكمة العدل الدولية الدائمة، كانت هناك شكاوى جديدة من الطرفين تتعلق بانتهاكات خط بروكسل. وفي هذه الأثناء فرّ 3,000 مسيحي آثوري أو طُردوا من المناطق التركية، بينما قُتل آخرون. وفي شهر تشرين الثاني/نوفمبر 1925 أعطت محكمة العدل الدولية الدائمة رأيها أخيراً بأن قرار عصبة الأمم ملزم للطرفين (بريطانيا وتركيا)، «وسيضع ترسيماً نهائياً للحدود بين تركيا الحديثة والعراق العربي الجديد». كذلك أكدت عصبة الأمم في كانون الأول/ديسمبر 1925 أن توصيات لجنة تقصي الحقائق الأممية ملزمة لتركيا وبريطانيا. وقد أبدت بريطانيا وتركيا موافقتهما على قبول قرار لجنة عصبة الأمم في اتفاق ثنائي بينهما وُقّع في 5 حزيران/يونيو 1926.


أجزاء «ولاية الموصل (كوردستان العراق) والمسألة الكوردية» (3 أجزاء):

  1. الجزء الأول (هذا الجزء)
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث

الجزء الثاني ←