الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
ولاية الموصل (كوردستان العراق) والمسألة الكوردية (الجزء الثالث)
من محاضرات «الكورد في ولاية الموصل» – 2014
نكث بريطانيا بوعودها للشعب الكوردي
ولكن خلف هذه الأحداث المتعلقة بولاية الموصل (كوردستان العراق) والحقوق الكوردية يكمن سبب باعث على الحزن، ألا وهو تخلي بريطانيا عن العهود التي قطعتها للأكراد بحق تقرير المصير أسوة بغيرهم، ومنهم الشعوب العربية. وهو تخلٍّ يمكن شرح أسبابه، ولكن لا يمكن لبريطانيا بأي شكل من الأشكال أن تجد له تبريراً. وينبغي أن نعيد إلى الأذهان أن كلاً من بريطانيا وفرنسا قد صرّحتا معاً في السابع من تشرين الثاني/نوفمبر 1918 بأن هدفهما من الحرب العالمية الأولى هو حق تقرير المصير للشعوب المضطهدة التي كانت تحت النير العثماني:
«التحرير الكامل والنهائي للشعوب التي عانت من اضطهاد الأتراك العثمانيين لفترة طويلة، وإقامة إدارات وحكومات قومية لها (للشعوب المضطهدة، ومنها الشعوب العربية) تستمد سلطتها من الممارسة الحرة لروح المبادرة والاختيار لدى السكان الأصليين في تلك المناطق التي اضطُهدت شعوبها».
وكان (أرنولد ويلسون)، المندوب السامي البريطاني في العراق، يشير إلى هذا البيان (حق تقرير المصير للشعوب المضطهدة) عند اتفاقه مع زعماء الأكراد في الأول من كانون الأول/ديسمبر 1918. وفي تلك المرحلة كان «ضم» الأكراد في ولاية الموصل (كوردستان العراق) إلى العراق العربي الجديد يعني تماماً الانضمام إلى بريطانيا، لا إلى الإدارة العربية الجديدة في العراق، وهي حقيقة فهمها الشعب الكوردي جيداً، كما فهمها (أرنولد ويلسون) وزملاؤه. بيد أنه كان هناك نوع من الخلاف بين واضعي السياسة البريطانية الملتزمين بمبادئ حق تقرير المصير للشعوب المضطهدة، وبين المنفذين لها على مضض من البريطانيين، وعلى رأسهم المندوب السامي (أرنولد ويلسون). فبالنسبة لواضعي السياسة البريطانية كان الإغراء الرئيسي في حق تقرير المصير للشعوب المضطهدة هو إمكانية إدارة بريطانية شبه استعمارية بدون أية نفقات عليها، في حين كان (أرنولد ويلسون)، الذي تعلم في الهند البريطانية، يرى كيف تُدار البلاد العربية في العراق بشكل فعال وفق «أفضل المبادئ» التي استُنبطت من خبرة بريطانيا الاستعمارية في الهند. لقد كانت المفاهيم الخيالية مثل حق تقرير المصير للشعوب مناسبة جداً للتصريحات الغامضة عن النوايا البريطانية المخفية، ولكن الإدارة في العراق العربي الجديد ينبغي في نظره أن تبقى في أيدي أفضل المؤهلين من البريطانيين الموجودين، أي فريق الموظفين السياسيين البريطانيين التابع لقوة الحملة الهندية البريطانية.
إن تعليقات (الميجر هاي)، الضابط السياسي البريطاني في (أربيل)، هي أفضل شرح لطبيعة تفكير هؤلاء الموظفين السياسيين البريطانيين:
«إن لدى الكوردي عقلاً أشبه ما يكون بعقل التلميذ، ولكن دون أن يفتقر إلى القسوة المتأصلة في التلميذ؛ إنه يحتاج إلى الضرب في يوم، وإلى الحلوى في اليوم التالي. إن القسوة أو الدلال الزائدين يجعلانه صعب القياد. ومثل التلميذ أيضاً فإنه يكذب في كل مرة لكي يخلّص نفسه».
وكما أخبر (الميجر هاي) رؤساءه البريطانيين، فإن الزعماء الأكراد، مثل الزعماء المحليين في أي مكان آخر، ينقسمون إلى فئات واضحة المعالم:
«يمكن تقسيم الأكراد إلى آغوات جيدين وآغوات سيئين، إضافة إلى عامة الشعب الكوردي. ولكل منطقة كوردية آغاها الكوردي السيئ، وهؤلاء هم الذين يتسببون في كل المشاكل في تلك المناطق الكوردية من كوردستان، والذين من الضروري أن نقمعهم بشدة وبكافة الوسائل والسبل المتاحة. والذي يدفعهم إلى ذلك هو الجشع والطموح الشخصي المحض. إن هؤلاء الآغوات الأكراد السيئين، دون غيرهم، هم الذين ليس لديهم أي شيء يُقال ضد الحكومة العراقية العربية الجديدة، وإننا بقمعهم إنما نحمي أنفسنا ونقدم الخدمة للآخرين ولعموم شعب كوردستان.
ولحسن الحظ فإن الآغوات الكورد الجيدين، أولئك الذين يرغبون في العيش بسلام ورؤية المستأجرين لأراضيهم من الفلاحين في حالة ازدهار، ليسوا نادرين، وحيثما يمكن العثور عليهم أعتقد أنه ينبغي علينا ألا ندخر أية وسيلة في ضمهم إلى حكمنا»، والمقصود بهم الانتهازيون وذوو المصالح الشخصية.
ومثلما تجاهلت هذه العقيدة الساذجة مضامين حق تقرير المصير للشعوب المضطهدة، فإنها تجاهلت أيضاً، وبكل سهولة، النزاعات الطويلة الأمد بين القبائل الكوردية المتنافسة والمتجاورة، وبين الآغوات الكورد في القبيلة نفسها. فاختيار أحد الآغوات الكورد دون غيره كثيراً ما استخدمه الموظفون السياسيون البريطانيون ليدفعوا منافسيه إلى تبني موقف مناوئ للحكومة العراقية العربية الجديدة، مثلما فعل الموظفون العثمانيون في زمنهم. وقد أطلق (الميجر هاي) العنان لامتعاض الآخرين من الحكومة (البريطانية – العراقية العربية)، ومنهم عائلة (ميران) التي يمكن تتبع امتعاضها حتى اليوم، حينما أطاح بخيارها حاكماً أعلى لآغوات خوشناو، لمصلحته الشخصية.
وليس مستغرباً بالتالي أن نجد أنه حيثما كانت السياسة البريطانية واضحة، كان منفذوها «يُكلَّفون بمهمة تأسيس كوردستان جنوبية (ولاية الموصل – العراق) مستقلة تحت الرعاية البريطانية». وقد دلت الأحداث في الواقع على أن هناك تصميماً عملياً على إخضاع الأكراد لفوائد «النظام البريطاني» سواء أحبوا ذلك أم لا، ولهذا السبب انفجر الغضب في مناطق كوردية من كوردستان مثل العمادية وبارزان وزيبار، وقامت انتفاضة الشيخ محمود الحفيد الأولى في السليمانية عام 1919.
ولكن عند التحقق فعلياً مما يطالب به الشعب الكوردي في جنوبي كوردستان (كوردستان العراق)، كانت الإدارة البريطانية تجد نفسها في حالة تخبط. ففي أوائل عام 1919 أجرت استشارة عامة وُصفت فيما بعد بأنها سخيفة، على هيئة استفتاء شعبي كوردي في ولاية الموصل (كوردستان العراق)؛ إذ جرى في الواقع البحث عن آراء الأعيان البارزين والشيوخ والآغوات الكورد، ولم تكن آراء بعضهم وطنية قومية ولا حتى سرية، بل شخصية انتهازية مصلحية.
وبما أن البريطانيين كانوا في موقع السيطرة الفعلية ويوفرون النجدة العاجلة في فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى، فإن أحداً لم يكن ليعارض وجودهم. فالفوائد المادية للانتماء إلى دولة «مركزية» تحت الوصاية البريطانية قد فاقت في أهميتها الحقائق غير المؤكدة لدى أولئك الأكراد الذين يعيشون خلف الخطوط البريطانية بعد ما ذاقوه من مجاعة وحرمان. وكانت الفوائد الاقتصادية متضمنة ضمنياً في الترتيبات القاضية بعدم فصل كوردستان الجنوبية (كوردستان العراق) عن الأسواق العراقية العربية الجديدة. ولكن هذا لا يعني أنه لم تكن لدى الأكراد رغبة في حكم ذاتي لكوردستان العراق، وهذا ما كان يعرفه البريطانيون تماماً.
قبل هدنة (مودروس) في 30 تشرين الأول 1918 كان رجال الإدارة البريطانيون يدركون أنه إذا كان لا بد من فكرة دولة كوردية مستقلة في كوردستان الجنوبية (العراق)، فلا بد من التفكير في وحدة أكبر من القبيلة، لأن التضامن الكوردي، كما أشار (الميجر نوئيل) الضابط السياسي البريطاني في السليمانية، لا يزال «عشائرياً أكثر منه قومياً كوردياً». غير أن ذلك كان مستحيل التحقق تقريباً؛ فقد سرت شائعات بأن الشيخ محمود الحفيد قد يكون مرشحاً أكثر من غيره لأن يصبح والياً أو ملكاً على جنوب كوردستان (كوردستان العراق)، ولكن بعض الكورد أعلنوا معارضتهم، كأعيان كركوك على سبيل المثال، لأن هؤلاء «كانوا يشعرون بأن طريق التقدم يمر عبر بغداد لا عبر السليمانية. علاوة على ذلك ليس هناك أي أثر للشعور القومي الكوردي لدى هؤلاء الأعيان الكورد في كركوك في حينها. وقد كانت السيطرة البريطانية عليها موضع ترحيب قوي، إضافة إلى انعدام أية حدود إدارية بين أكراد كوردستان العراق والعرب في الحكومة العراقية العربية». وللسبب نفسه كانت كركوك تطلب بإصرار الحماية البريطانية لا العربية (حكومة العراق العربي الجديد).
وهكذا في أيار/مايو 1919، ولدى أول تراجع بريطاني عن إقامة دولة كوردية قائمة بذاتها في جنوبي كوردستان (كوردستان العراق)، بدأ التركيز ينصب على فكرة إقامة ولاية عربية في الموصل تحيط بها دولة كوردية ذات حكم ذاتي في كوردستان العراق، تحت قيادة زعماء أكراد وقبائلهم ومستشارين بريطانيين.
وحتى ذلك الحين لم تكن ثمة نية بريطانية للتراجع عن الفصل السياسي بين الأكراد والعرب. فقد سادت حقاً الغيرة على هذا الفصل، مقرونة بالاقتناع بأن «التربية أفضل من التعليم»، وكان هناك كذلك اعتراف بريطاني في بغداد بأننا «لم نحرر الأكراد بعد، وخاصة الفلاحين الأكراد، من طغيان مالكي الأراضي في ولاية الموصل (كوردستان العراق)، الذين يشكلون القلة الموالية للعرب (للحكومة العراقية العربية)، وهم الطبقة الوحيدة التي تؤيد الحكومة العربية العراقية الجديدة».
بعد ذلك جاءت الانتفاضات الكوردية عام 1919 بقيادة الشيخ محمود الحفيد، فأقنعت البريطانيين الموجودين في العراق العربي الجديد بالحاجة إلى قبضة أكثر إحكاماً في القضايا المحلية، ولكنها أقنعت واضعي السياسة البريطانية في لندن بضرورة التخلي عن المنطقة الجبلية من كوردستان العراق التي كانت السيطرة عليها غالية الثمن. وفي الوقت الذي انتصر فيه رأي الطرف الأول، فإن الحديث عن كوردستان العراق المستقلة، أو حتى عن دول ذات حكم ذاتي، قد خضع للتعديل؛ إذ بعث (أرنولد ويلسون) المندوب السامي البريطاني في العراق برقية إلى رؤسائه في لندن في أعقاب انتفاضة الشيخ محمود الحفيد عام 1919 جاء فيها:
«إن الأحداث الجديدة لم تغيّر رأيي المتعلق بضرورة إعطاء فعالية للسياسة المصادق عليها من قبل حكومة جلالة الملك (بريطانيا) في التاسع من أيار/مايو 1919 بخصوص دولة كوردية ذات حكم ذاتي في كوردستان العراق، ولكن درجة الإشراف البريطاني يجب أن تعتمد على حاجة الدولة الكوردية في كوردستان العراق وعلى الاعتبارات الاستراتيجية».
وهذا معناه حرية التصرف مع عدم التقيد بوعود جديدة. وقد كان (أرنولد ويلسون) يومها يفضل الانتداب البريطاني من جانب عصبة الأمم، على أن «لا يُشترط في ظله أي نظام خاص على المناطق العربية».
وفي تلك الأثناء بدا من الحكمة البريطانية التلاعب بالعواطف الكوردية بطريقة ملتبسة، والتسامح مع إثارة الغيرة والحسد بين منطقة وأخرى، أو بين قبيلة كوردية وأخرى، في كوردستان العراق.
في هذه المرحلة بالضبط وقعت كوردستان الجنوبية (كوردستان العراق) ضحية مطالب القومية العربية وحكومة العراق العربي الجديد؛ فقد بلغ اليأس العربي من أسلوب (أرنولد ويلسون) ذروته في أوائل صيف عام 1920، وانفجر على شكل ثورة شاملة في 30 حزيران 1920 (ثورة العشرين). لقد قاوم (أرنولد ويلسون) طويلاً نمو الشعور القومي في العراق، وتزايد نفاد الصبر في لندن، والإخفاق في تنفيذ السيطرة غير المباشرة من خلال حاكم محلي عربي مرن.
وفي شهر تشرين الثاني/نوفمبر 1920 حلّ (بيرسي كوكس – Percy Cox) محل (أرنولد ويلسون) مندوباً سامياً بريطانياً في العراق العربي، وفي غضون أسبوعين أقنع نقيب أشراف بغداد الطاعن في السن عبد الرحمن النقيب بأن يترأس مجلس الدولة (الوزراء)، وبذلك أعطى إشارة إلى نيته في إقامة حكومة عربية في العراق الجديد. وهذا بدوره طرح السؤال: من سيترأس الدولة العراقية العربية الجديدة؟ وما هي بالضبط حدود تلك الدولة؟ وحينما عُدّل القانون الانتخابي في كانون الأول/ديسمبر 1920 لم يتضمن أي اعتراف بالضمانات الممنوحة للشعب الكوردي في كوردستان العراق في معاهدة سيفر (10 آب 1920)، التي لم يكن قد مضى على توقيعها سوى أربعة أشهر. ومن الصعوبة بمكان تجنب الاستنتاج القائل إن بريطانيا لم تعد لديها النية في ضمان مصالح الشعب الكوردي في كوردستان العراق، بل أصبحت القضية الكوردية (كوردستان العراق) خاضعة للاعتبارات الاستراتيجية والاقتصادية لبريطانيا والعراق العربي الجديد.
وفي نهاية تلك السنة (1920) صدر قرار بنقل المسؤولية عن العراق من وزارة الهند البريطانية إلى وزارة المستعمرات البريطانية بقيادة وزير المستعمرات الجديد (ونستون تشرشل – Winston Churchill)، الذي سارع مباشرة إلى عقد (مؤتمر القاهرة) في آذار/مارس 1921، وكان الهدف الرئيسي من المؤتمر «إبقاء السيطرة البريطانية على العراق العربي الجديد والمنطقة بأقل كلفة ممكنة».
وفي (مؤتمر القاهرة) (12–24 آذار 1921) تم التخلي نهائياً عن فكرة السماح بإقامة دولة مستقلة في كوردستان الجنوبية منفصلة عن العراق العربي الجديد، لصالح الإبقاء عليها جزءاً منه. لقد كانت المناقشة المستفيضة استراتيجية، ولكن (ونستون تشرشل) وزير المستعمرات البريطاني و(بيرسي كوكس) المندوب السامي البريطاني في العراق اعترفا بالحاجة إلى إدارة «أنكلو–كوردية» تراعي المشاعر الكوردية في كوردستان العراق، ورأيا أن أفضل سياسة هي «اعتبار الأكراد في كوردستان العراق أقلية في العراق العربي الجديد، مع إعطاء الشعب الكوردي فرصة بعد ثلاث سنوات لإعادة النظر في قراره بتشكيل دولة كوردية مستقلة أو حكم ذاتي في كوردستان العراق ضمن العراق العربي الجديد». وهكذا أُحيلت مسألة الحكم الذاتي المحلي لكوردستان الجنوبية (العراق)، التي تم التطرق إلى نقاطها المهمة، إلى مسودة الانتداب البريطاني في العراق العربي الجديد.
وفي السليمانية كان (الميجر سون) معادياً لضم لواء السليمانية وأطرافه من كوردستان العراق إلى العراق العربي الجديد، وكذلك كان الشيخ محمود الحفيد. وقد رأى نذير الشؤم في تأسيس (بيرسي كوكس) لمجلس الدولة (الوزراء) برئاسة الشيخ عبد الرحمن النقيب، وفي نهاية تلك السنة (1920) أوضح (الميجر سون) أن رأيه هو أن إخضاع السليمانية وأطرافها من كوردستان العراق لحكومة عربية (العراق الجديد) يمكن أن يكون مؤقتاً فقط، في انتظار إقامة دولة كوردية مستقلة في جنوب كوردستان (كوردستان العراق).
ولذلك طرد (بيرسي كوكس) المندوب السامي البريطاني في العراق (الميجر سون) بعد (مؤتمر القاهرة) في آذار 1921 مباشرة. وقد عمل (الميجر سون)، مثل بقية زملائه، انطلاقاً من القناعة الأبوية البريطانية بأنه يعرف ما هو الأفضل لأبناء البلد (كوردستان)، ولكن لا أحد يستطيع أن يشك في التزامه بخير السليمانية وشعبها الكوردي وصالحها.
أجزاء «ولاية الموصل (كوردستان العراق) والمسألة الكوردية» (3 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث (هذا الجزء)