الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

ولاية الموصل (كوردستان العراق) والمسألة الكوردية (الجزء الثاني)

من محاضرات «الكورد في ولاية الموصل» – 2014

الأكراد وبريطانيا والعراق العربي الجديد

إن محاولة السيطرة على المنطقة الكوردية في كوردستان العراق وسكانها الكورد لم تكن بالأمر السهل على الإطلاق بالنسبة إلى الدخلاء والمحتلين. وقد كانت لدى بريطانيا، بخبرتها في الحدود الشمالية الغربية للهند، فكرة أفضل من غيرها عما يلزم لذلك، حتى وإن بدأت بنوايا طيبة نسبياً. غير أن وعود بريطانيا لم تتحقق بعد الأسابيع الأولى، لأن مقتضيات سياسة بلاد الرافدين دفعتها إلى التراجع عن وعودها للأكراد في كوردستان العراق خطوة خطوة. كذلك فإنه من المشكوك فيه أن تكون الإدارات العربية المتعاقبة قد نوّهت بتلك الالتزامات، وقد قررت بريطانيا ألا تحقق التزاماتها أبداً للشعب الكوردي في حقوقه القومية المشروعة في كوردستان العراق.

لم يكن الأكراد في كوردستان العراق بارعين سياسياً في استجابتهم لظروف ما بعد الحرب العالمية الأولى في ذلك الوقت؛ فقلة الاتصالات من جهة، وانقسام المجتمع الكوردي من جهة أخرى، وجغرافية المنطقة الكوردية (كوردستان)، إضافة إلى طبيعة العلاقات العدائية بين القبائل الكوردية نفسها، جعلت تقديم موقف سياسي كوردي موحد ضرباً من المستحيل. وعلى العموم كان الآغوات والشيوخ الأكراد سعداء بالدخول ضمن الخطط الإنكليزية، على اعتبار أن هذه الخطط كانت تقضي بإدارة بريطانية لهم من خلال نظام الرعاية التقليدية، ولكن خضوع الأكراد في كوردستان العراق للحكم العربي بقي شوكة في حلوقهم. وقد أدى الحكم العربي المباشر الذي فرضه العراق العربي الجديد على الأكراد في كوردستان العراق إلى بروز طبقة جديدة بين الكورد، تتمثل في المشتغلين بالثقافة والوظائف من غير القبليين في مدن كوردستان العراق. ومن سوء حظ هؤلاء أنهم في الوقت الذي باتوا فيه جاهزين لتحريك الأكراد بوصفهم شعباً كوردياً لا قبائل كوردية، كانت بريطانيا قد تخلت عن عرضها بحق تقرير المصير للشعب الكوردي. وفي هذه الأثناء كانت بريطانيا والعرب في بغداد قد اعتمدوا على طبقة الآغوات الأكراد وسطاء لضمان خضوع الشعب الكوردي في كوردستان العراق لسياستهم.

فرض النظام في ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية

هناك عدة عوامل زادت من حالة عدم الاستقرار السياسي في المنطقة الكوردية (كوردستان الجنوبية – كوردستان العراق) قبل تسوية مشكلة ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية. فقد بدأت المحاولات التركية الرامية إلى زعزعة ولاية الموصل الكوردية في وقت مبكر من عام 1919، ومع ذلك كان على بريطانيا أن تلوم نفسها وحدها على جو الحيرة والتردد. وكما لوحظ، فإن بريطانيا لم تقرر بشكل حاسم ضم ولاية الموصل (كوردستان الجنوبية – العراق) ذات الأغلبية الكوردية إلى بلاد الرافدين (ميسوبوتاميا)، أي ولايتي بغداد والبصرة فقط، إلا في نيسان/أبريل من عام 1920، حينما لم تعد تستطيع تأجيل قرارها أكثر من ذلك. وحتى في ذلك الوقت لم تكن متأكدة من أن ولاية الموصل (كوردستان العراق) ستبقى في منطقة النفوذ البريطاني، ولم تتأكد من ذلك إلا في نهاية عام 1925. علاوة على ذلك أكدت بريطانيا للأكراد أن فكرة حق تقرير المصير للشعب الكوردي في كوردستان ستكون الدليل في طريقة فهمها للقضية الكوردية، ومع ذلك لم تعطِ أية فكرة عن كيفية تطبيق هذا المبدأ.

لقد كانت النقطة الجوهرية الأولى تكمن في إعادة النظام والازدهار إلى منطقة مدمرة (المنطقة الكوردية/كوردستان). وهذا ما كانت تهدف إليه زيارة (الميجر نوئيل)، الضابط السياسي البريطاني في كركوك والسليمانية، إلى المنطقة الكوردية (كوردستان العراق) الواقعة بين الزاب الصغير وديالى في تشرين الثاني/نوفمبر 1918. وكانت التوجيهات المعطاة له تتلخص في عدم إعطاء الكورد ترتيباً نهائياً، وهي كما يلي:

  1. «يجب أن يكون هدفك هو التنسيق مع الزعماء الأكراد المحليين لإعادة النظام والحفاظ عليه في المناطق الكوردية (كوردستان العراق) الواقعة خارج حدود سيطرتنا العسكرية (البريطانية).

  2. ويجب أن توضّح للزعماء الكورد أن أية ترتيبات قد تُتخذ الآن لكوردستان إنما هي مؤقتة بحكم الضرورة، وبالتالي هي خاضعة لإعادة النظر في أي وقت نحو الأفضل (حق تقرير المصير للشعب الكوردي).

  3. إنك (الميجر نوئيل) مخوّل بتعيين الشيخ محمود الحفيد ممثلاً لنا (لبريطانيا) في السليمانية بكوردستان العراق إذا ما رأيت ذلك مناسباً.

  4. ولك حرية التصرف في تعيينات أخرى في السليمانية وجمجمال وحلبجة وغيرها.

  5. ينبغي أن توضّح للزعماء القبليين الأكراد الذين ستقيم العلاقات معهم أنه ليست هناك أية نية لفرض إدارة عليهم تكون غريبة عن عاداتهم وتقاليدهم الاجتماعية والدينية الكوردية ورغباتهم القومية كشعب كوردي.

  6. وينبغي تشجيع الزعماء القبليين الكورد على تشكيل اتحاد كوردي لتسوية المشاكل الكوردية العامة تحت وصاية الموظفين السياسيين البريطانيين».

باشر (الميجر نوئيل) العمل بقوة، وأجرى الترتيبات مع الشيخ محمود الحفيد في السليمانية ومع آخرين. وهو الذي كان ينادي بريطانيا ويناشدها من قبل ألا تقصي كوردستان من قائمة الشعوب المحررة من حكم العثمانيين الأتراك، وأن تمنح الشعب الكوردي في كوردستان حق تقرير المصير.

وفي الأول من كانون الأول/ديسمبر عام 1918 زار (أرنولد ويلسون)، بصفته المندوب المدني السامي البريطاني الفعلي، كوردستان، وقابل الشيخ محمود الحفيد ونحو 60 زعيماً كوردياً من جنوبي كوردستان (كوردستان العراق الحالية)، بمن فيهم زعماء رئيسيون من الجانب الآخر من الحدود الإيرانية (كوردستان إيران). وقد استطاع (أرنولد ويلسون) أن يشرح بعض الصعوبات في الموقف البريطاني في المنطقة، وأن يأخذ فكرة عن مطالب هؤلاء الزعماء الأكراد، فبدا واضحاً أن ثمة إجماعاً على ضرورة عدم رجوع العثمانيين الأتراك إلى المنطقة الكوردية (كوردستان)، واعترافاً عاماً من الكورد بالحاجة إلى الحماية البريطانية. ولكن العديد من الزعماء الأكراد لم يكونوا واثقين من قدرة بريطانيا على إدارة كوردستان، في حين أصر آخرون على فصل كوردستان العراق عن العراق العربي الجديد وإدارتها مباشرة من لندن لا من بغداد، على أمل العودة إلى الحرية والمساواة والعدل التي تمتعوا بها حين كانوا يُحكمون من إسطنبول سابقاً. واكتشف (أرنولد ويلسون) أيضاً أن الشيخ محمود الحفيد، الذي عزمت بريطانيا على تنصيبه حاكماً أعلى في المنطقة الكوردية (كوردستان العراق)، ليس محل احترام جميع رؤساء القبائل الكوردية بأي شكل من الأشكال؛ فقد ذكر زعماء أكراد من (كفري وكركوك) أنهم وسكان مدنهم الكوردية غير راغبين في الوقوع تحت سيطرته، فسُمح لهم بإجراء ترتيبات خاصة.

وقّع (أرنولد ويلسون)، نائب المندوب السامي البريطاني في العراق، اتفاقية مع الزعماء الأكراد تؤكد أن:

«الحكومة البريطانية قد أعلنت رسمياً أن هدفها من الحرب العالمية الأولى (1914–1918) هو تحرير الشعوب الشرقية من الاضطهاد التركي (العثماني) ومنحها المساعدة اللازمة لإنجاز استقلالها. وإن زعماء كوردستان وممثلي شعبها الكوردي قد طلبوا من الحكومة البريطانية قبولهم في الانضواء تحت الحماية البريطانية وإلحاقهم بالعراق العربي الجديد، حتى لا يُحرموا من فوائد الاتحاد مع العراق العربي، وطلبوا من المندوب السامي البريطاني المدني في العراق (أرنولد ويلسون) أن يرسل إلى أكراد كوردستان ممثلاً مخولاً بتقديم المساعدة اللازمة لتمكين الشعب الكوردي من التقدم سلمياً وفق أسس حضارية وتحت الرعاية البريطانية. وإذا ما بسطت الحكومة البريطانية مساعدتها وحمايتها عليهم، فإنهم يتعهدون بالانصياع لأوامرها ومشورتها».

إن هذا يكاد يشير إلى شكل الحكومة في العراق العربي الجديد الذي كان في مخيلة الحكومة البريطانية. بل على العكس من ذلك، ربما خلقت مقدمة الوثيقة انطباعاً في مخيلة الأكراد بالعودة إلى استقلال الدول والإمارات الكوردية القديمة، بمساعدة ودية من الدولة المتسلطة المعترف بها في لندن. فإذا كان الأمر كذلك، فإنهم قد أغفلوا العبارة الأخيرة المشؤومة من الاتفاقية.

في هذا الوقت بدا واضحاً لرجال الإدارة البريطانيين أن فكرة أن تكون كوردستان الجنوبية (كوردستان العراق – ولاية الموصل) دولة كوردية مستقلة غير عملية حالياً، وذلك «بسبب حالة التخلف في البلد، والافتقار إلى المواصلات، والطبيعة الجغرافية الجبلية للمنطقة الكوردية، وانقسام القبائل الكوردية بعضها عن بعض». وقد اعتُرف أيضاً بأن جنوبي كوردستان (ولاية الموصل – كوردستان العراق) يعتمد استراتيجياً واقتصادياً على سهل وادي الرافدين (ميسوبوتاميا)، أي العراق العربي الجديد الذي يشمل ولايتي بغداد والبصرة فقط. فانتقل التفكير البريطاني إلى إقامة شبكة من الولايات الكوردية في ولاية الموصل الكوردية (كوردستان الجنوبية – العراق)، أو مناطق إدارية كوردية تعكس الانقسام القبلي ومناطق التجمع الاقتصادي، في انتظار اندماجها في كيان كوردي واحد في وقت لاحق.

ولكن الثقة الكوردية في ثبات هذه الترتيبات الأولية اهتزت عندما أبدت بريطانيا موقفاً ضعيفاً في التمسك بالمنطقة الكوردية (كوردستان)، ولأنها أظهرت من قبل أنها غير جديرة بثقة الأكراد. فقد تعاون بعض الزعماء الكورد مع القوات البريطانية عند تقدمها في كوردستان في أيار/مايو 1918، وكانت النتيجة أن تُركوا وحدهم ليواجهوا الأعمال الانتقامية من الأتراك عند انسحاب تلك القوات البريطانية بشكل مفاجئ من كوردستان العراق. وكما كتب (أرنولد ويلسون) بنفسه فيما بعد:

«إن الأكراد الذين لم يتخذوا بأي شكل من الأشكال موقفاً عدائياً تجاهنا (بريطانيا) قد أصبحوا مرة أخرى ضحايا الشك والريبة من سياسة بريطانيا. فقد بدا واضحاً أن التطمينات بالدعم التي أعطاها مجاناً موظفون بريطانيون غير مسؤولين كانت غير قابلة للاعتماد عليها، وأما الذين أغرتهم بكشف أوراقهم لأعدائهم الأتراك فقد تركناهم في موقف حرج. ولم يستطع زعماء الهماوند الكورد بشكل خاص أن يغفروا لنا ذلك، وبقوا معادين لنا لعدة سنوات تلت».

وبعد الاحتلال البريطاني للعراق أعادت بريطانيا قواتها إلى الوطن (لندن) في آذار/مارس 1919:

«أخبر بذلك تجار وآخرون عند عودتهم من البصرة إلى بغداد، إذ رأوا الجنود البريطانيين يغادرون يومياً على متن السفن أو بالقطار، فترسخ في مخيلة الكثيرين اعتقاد بأننا (بريطانيا) سنخلي كوردستان مرة أخرى، ونترك لسكانها الكورد حرية العمل، أو نتركهم لمكائد المطالبين المتنافسين على السلطة، وقد أصبح ذلك حقيقة».

وكان هناك توتر من نوع آخر تماماً بسبب حضور اللاجئين الآثوريين من هكاري وأورمية، الذين كان الأكراد المحليون من قبيلة برادوست الكوردية قد طردوهم من منطقة العمادية أثناء الحرب العالمية الأولى. وفي عام 1919 شكّل البريطانيون قوات آثورية سُميت بقوات (الليفي)، واستُخدمت كتيبتان (فوجان) من هذه القوات المجندة الآثورية بغية «تطهير بعض المناطق الكوردية من كوردستان» لإعادة توطين اللاجئين الآثوريين. كذلك زادت المخاوف الكوردية نتيجة تحمس الحلفاء (بريطانيا) الواضح لمنح المسيحيين الآثوريين حق تقرير المصير، والحديث عن إنزال العقاب بالمتورطين في جرائم الحرب ضدهم. وفي نهاية شهر أيار/مايو من عام 1919 أعلنت بريطانيا بكل وضوح، وهي تواجه ثورة كوردية خطيرة، أنها لن تحاكم الأكراد المذنبين في تلك الجرائم. ولكن ذلك لم يُزل العداوات كلها؛ فعندما أخفق الآثوريون في محاولتهم العودة إلى منازلهم في تشرين الثاني من عام 1920، دمّروا قرية بارزان الكوردية وقرى أخرى وأحرقوها وسوّوها بالأرض.

إن هذه الخلافات كانت نتيجة لخلافات أخرى طويلة الأمد، أوضحها حرية التصرف المتقلبة لدى العديد من الزعماء القبليين الكورد تجاه الحكومة وتجاه منافسيهم، وعدم رغبتهم في قبول زعيم واحد. وكما تبين، فإن العديد من مالكي الأراضي الأكراد، وخاصة في المناطق الجبلية من كوردستان، لم يكونوا يريدون أسئلة وتصرفات خرقاء عن ملكية الأراضي، إذ لم تكن لدى الكثيرين منهم سندات تمليك لأراضيهم، بل كانوا يحتفظون بها بوضع اليد قسراً. وبالنتيجة تقرر، لباقةً ومراعاةً لمصالح الإقطاعيين والملاكين الكورد، أن تُترك سجلات الأراضي في السليمانية بدلاً من جلبها إلى بغداد للتدقيق. وكانت هناك أيضاً الحقيقة التي أُدركت مؤخراً، وهي أنه مهما كان الذي يدور في ذهن البريطانيين عندما بدأوا الحديث عن إدارة المنطقة الكوردية (كوردستان) من بغداد، فإن الأكراد لا يرغبون في الخضوع لحكم العرب، لأن العرب لا يكنّون لهم الاحترام.

قد يبدو أن البريطانيين كانوا يتخبطون في المجتمع الكوردي النامي، ولكن الذين انخرطوا منهم فيه بشكل مباشر في كوردستان كانوا قد عملوا من قبل في كوردستان الإيرانية قبل الحرب العالمية الأولى أو أثناءها، واعتمد فهمهم على تجربتهم هناك في كوردستان إيران وفي الهند. إن النجاح البريطاني في بلوشستان (أفغانستان) يُعزى إلى عاملين: أولهما السلطة المعترف بها لبعض الزعماء، وثانيهما السيطرة العسكرية الأولية على الريف، بما يشير إلى أن الذين استخدموا السلطة إنما فعلوا ذلك لمصلحة الدولة المتسلطة (بريطانيا).

ولكن حيثما لم يتمتع الزعماء بالسلطة المطلقة، ولم تُخضع القوات البريطانية القبائل لها، أخفقت السياسة، وبشكل خاص بين قبيلة (المحسود) الأفغانية في الحدود الشمالية الغربية للإقليم، حيث أدى التحريض الخارجي من أفغانستان وتحريض رجال الدين البارزين إلى سقوط النظام. وفي هذه النواحي سادت ظروف مشابهة بين الأكراد في كوردستان العراق وقبيلة المحسود الأفغانية؛ فلم يشهد الأكراد احتلالاً عسكرياً بريطانياً لجنوبي كوردستان العراق، شأنهم في ذلك شأن قبيلة المحسود، وكانت كل طائفة قبلية في كوردستان راغبة في التصرف باستقلال عن بقية القبيلة، ناهيك عن الجماعات القبلية المجاورة. ومثل قبيلة المحسود أيضاً، كان الكثير من رجال القبائل الأكراد عرضة لنداء الزعماء الدينيين من أمثال الشيخ محمود الحفيد في السليمانية.

لقد حاولت بريطانيا السيطرة على المنطقة (كوردستان) بأسلوب متسم باللين ولكنه فعال، وذلك باللجوء إلى شبكة من الموظفين السياسيين البريطانيين للحفاظ على العلاقة البريطانية مع الزعماء الأكراد، والتوسط في النزاعات، وضمان جباية الدخل الحكومي من الضرائب، إضافة إلى تجنيد الجندرمة والقوات المجندة التي أملت بريطانيا أن تدير من خلالها المنطقة الكوردية (كوردستان). وكانت كل هذه القضايا حساسة، وقد سببت النزاع في الماضي بين الزعماء الأكراد من جهة والسلطات العثمانية التركية من جهة أخرى.

ولو لم تُفضِ الظروف الجديدة إلى اندلاع أعمال العنف لكان في الأمر معجزة، ولم يستغرق اندلاع النزاعات العنيفة وقتاً طويلاً. ففي نيسان/أبريل من عام 1919 أثار عبد الرحمن الشرنخي، الذي تأثر بالدعاية الإسلامية العثمانية التركية، أكراد كويان لمهاجمة الآثوريين في المنطقة الحدودية من كوردستان، وبلغ ذلك ذروته بمقتل الموظف السياسي البريطاني في (زاخو) الذي جاء للتفاوض معهم. ولم يُشجَّع على الأعمال الانتقامية بالقوات البرية البريطانية، لأنها بذلك ستخترق خط وقف إطلاق النار. وقد قُلّل من أهمية المساعدة العثمانية التركية لهذه القضية، جزئياً بسبب الاعتقاد بأن تركيا هي المثيرة للنزاعات، وأيضاً بسبب فقدانها الاحترام المطلوب. ولذلك لجأت بريطانيا إلى القصف الجوي، وهو تكتيك بدأت تستعمله أسلوباً قياسياً للاقتصاد في نشر القوات البريطانية، إضافة إلى تأثيره المباشر في الأهداف واقتصاده في التكلفة. وبصرف النظر عن عدم تجنب الإصابات بين المدنيين، كان جانبه السلبي يتجسد في خلق هوة بين الحكومة والمحكومين الأكراد.

وكان هناك اضطراب في (العمادية) في شهر حزيران/يونيو عام 1919 إثر اغتيال موظف سياسي بريطاني مساعد وزملائه، وكان المتورطون في ذلك أعيان العمادية الأكراد وعدداً من الآغوات الأكراد المحليين، ولا سيما من قبيلة (برواري) الكوردية. وفي هذه الأثناء برزت عدة عوامل: انسحاب كتيبة مجاورة من القوات البريطانية، مما أعطى الانطباع بأن أمراء الحرب الكورد أحرار فيما يودون القيام به؛ والمخاوف من إعادة الآثوريين إلى الوطن (كوردستان)؛ وجباية الضرائب بشكل فعال وقوي؛ إضافة إلى الإجراءات التي قوّضت سلطة الأعيان والزعماء المحليين الكورد. وقد تضمن العامل الأخير ظهور الجندرمة، الذي كان يعني ضمناً زوال سلطة هؤلاء الرجال القبلية، واشتراط الدفع المباشر، وتأمين البذور لإحياء الزراعة، مما قوّض الرعاية الزراعية التي كان يسيطر عليها الزعماء الكورد. ولم تستطع قوة بريطانية إعادة السيطرة البريطانية على المنطقة إلا خلال شهري آب وأيلول 1919.

بعد ذلك اندلع اضطراب ثالث أكثر خطورة في منطقة الزاب الكبير من كوردستان، في منطقة (بارزان – زيبار)، وامتد ليشمل إقليم (عقرة/آكري). وكانت المنطقة مشهورة بعنادها، ويعود ذلك في جزء كبير منه إلى العداوة المزمنة بين زعماء زيبار وشيوخ بارزان. وكان النزاع إقليمياً إلى حد ما، باعتبار أن شيوخ بارزان قد أقاموا على الضفة اليمنى لنهر الزاب في أواسط القرن التاسع عشر، مقابل قبيلة زيبار الكوردية تقريباً. ولكن قادة بارزان هددوا الزيباريين بشكل مباشر لأنهم جذبوا الكثير من الفلاحين من قبيلة زيبار ومن القبائل الكوردية المجاورة الأخرى، فأصبحوا بذلك قوة عسكرية وسياسية جديدة وقوية في المنطقة الكوردية (كوردستان).

لقد كانت كل من (بارزان وزيبار) تقعان ضمن المنطقة الإدارية لعقرة (آكري). ومن أجل الحفاظ على حلقة الوصل بين زيبار وبارزان منع (فارس آغا)، رئيس قبيلة زيبار، عبور الزاب إلى إقليم بارزان. ومن الناحية الأخرى كان الشيخ (أحمد البارزاني) يريد أن تنتقل بارزان إدارياً إلى (رواندوز) بعيداً عن عقرة (آكري) التي تسيطر عليها قبيلة زيبار.

وفي أعقاب فرض غرامة من قبل الموظف السياسي البريطاني المحلي، تقدم زعيمان من زيبار، على نحو غير متوقع، إلى الشيخ أحمد البارزاني طلباً للمساعدة، وذلك في شهر تشرين الثاني/نوفمبر 1919. ونصبت القبيلتان (زيبار وبارزان) معاً كميناً للموظف السياسي البريطاني، وقتلتاه مع معظم حاشيته، ثم تقدمتا لنهب (عقرة)، وانضمت إليهما قبيلة (سورجي) الكوردية. ويبدو أن القضية برمتها كانت ثورة غضب أكثر منها انتفاضة كوردية مخططاً لها. وتقدمت قوة كوردية بقيادة بريطانية نحو المنطقة، وأحرقت بيوت زعماء قبيلتي زيبار وبارزان الذين كانوا قد فروا إلى الجبال. بعد ذلك عرض الزعماء المحليون المساعدة في التعامل مع الثائرين الكورد، وهو دليل على طبيعة التعاون بين الأكراد في السياسة الداخلية القبلية أكثر مما يدل على ولائهم للأوامر الخارجية المفروضة عليهم.


أجزاء «ولاية الموصل (كوردستان العراق) والمسألة الكوردية» (3 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني (هذا الجزء)
  3. الجزء الثالث

→ الجزء الأول  |  الجزء الثالث ←