الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

الإمارات والممالك والحكومات الكوردية في كوردستان (الجزء الأول)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2013

مقدمة

إن من يملك زمام اللغة والتاريخ والمعرفة ويحافظ عليها جيلاً بعد جيل هو الذي يمكّن رموز المعرفة والقوة من أن تؤسس لنفسها كياناً ذاتياً. وذلك ما أحدثه الشعب الكوردي، المؤلَّف من قبائل كوردية عدة كانت قاعدتها منطقة جبال زاكروس وآرارات في الألف الثاني قبل الميلاد.

إن وجود عشائر أو قبائل كوردية قديمة، مثل: لولو، وكوتي، وكورتي، وجوتي، وجودي، وكاساي، وسوباري، وخالدي، وميتاني، وهوري، ونايري، زاحمتها قوة القبائل الأخرى تارة، وزاحمت هي غيرها تارة أخرى، قد أدى إلى تنقلها من مكان إلى آخر. وربما لم يكن الماء والكلأ لمواشيها هو العامل الحاسم بقدر ما فرضه العامل المناخي في أيام الشتاء الباردة، فعادت إلى كوردستان في القرن العاشر قبل الميلاد لتستوطن مناطق شعوبها الكوردية الأصلية من الميديين والكاردوخيين، وهما نواة الأمة الكوردية (1).

لقد قامت للأمة الكوردية كيانات متعددة عبر مراحل التاريخ الإنساني القديم، وكانت لها أدوار مهمة ومؤثرة في مجريات الأحداث في المنطقة؛ فقد خدمت الشعب الكوردي، كما قدمت خدمات جليلة وإنسانية للبشرية قبل انتشار الدين الإسلامي. ومن المعروف أن الممالك والإمارات الكوردية قد تعاقبت على الظهور والنشوء، ثم اضمحلت الواحدة بعد الأخرى بفعل الصراعات المحلية والإقليمية والدولية، وهو واقع الحال الذي يحدث في أي بقعة من هذا العالم الواسع الأطراف بين الأمم والشعوب والقبائل التي سكنت هذه الأرض (المنطقة الجغرافية الكوردية) منذ فجر التاريخ.

الدولة الكوتية الكوردية (حوالي 2210–2116 ق.م)

كان الكوتيون الكورد، كشعوب لولو والكاشيين والميتانيين والخوريين، أكراداً من سكان منطقة كوردستان القدماء الذين تكوّن منهم، ومن المهاجرين الآريين المتأخرين، الشعب الكوردي. وكانت لغات السكان الأصليين للمنطقة الجغرافية الكوردية، وهي لغة الكورد القدماء، متقاربة، أو كانت لهجات كوردية يتفاهمون بها كاللهجات الكوردية الحالية.

يقول معظم الباحثين والمؤرخين، وتذكر الدراسات التاريخية في التاريخ القديم، أن الموطن الأصلي للكوتيين الكورد كان يمتد من الزاب الصغير إلى منطقة زهاو، الواقعة جنوب موطن شعب لولو الكوردي الأصلي، أي منطقة السليمانية الكوردية. واتخذ الكوتيون الكورد مدينة كركوك (أربخا) الكوردية عاصمة لهم، ثم توسع إطلاق اسم (كوتي) في الألف الأول قبل الميلاد حتى شمل المنطقة الكوردية (كوردستان)، أي بلاد ميديا وبلاد ماننا. ومما لا شك فيه أن اسم جبل الجودي منحدر من اسم الشعب الكوتي، وأن منطقة بوتان (بهتان) كانت جزءاً من بلادهم، وكذلك منطقة كيموخي، أي منطقة ماردين أو منطقة طور عبدين وحدها، وتوجد تفاصيل الآراء في المصادر (2).

كان أول ملك كوتي كوردي قبل استيلاء الكوتيين الكورد على العراق هو الملك (أريد وبزير)، المعاصر لـ(نرام سين 2254–2218 ق.م)، وقد وصف نفسه بملك الجهات الأربع. وكان الملك الكوتي السادس (إيلو لوميش) هو الذي قضى على الدولة الأكدية (3). وقد حكمت الدولة الكوتية الكوردية العراق إحدى وتسعين سنة وأربعين يوماً، ويرى بعض العلماء في التاريخ أن مدة حكم الكوتيين كانت 125 سنة. وقد ذكرنا في موضوع الدولة الأكدية كيف منحت الدولة الكوتية الكوردية الحكم الذاتي للأكديين والسومريين، ويُعدّ ذلك أقدم حكم ذاتي معروف في التاريخ؛ ولهذا فهو نظام سياسي مبتكر طبّقه قدماء الأكراد هناك.

ومن إنجازات الدولة الكوتية الكوردية تحرير العبيد في العراق، لأن أغلبهم كانوا من الكوتيين واللولويين الكورد الذين استُعبدوا في العهود السابقة، على ما كتبه الدكتور فوزي رشيد في (تاريخ العراق القديم)، موضوع (الكوتيون)، ص56–57. وكان تحرير العبيد حقاً إنجازاً اجتماعياً وإنسانياً عظيماً، ويحتمل أنه أول تحرير للعبيد في التاريخ. وبخصوص العبيد من الكوتيين واللولو الكورد وغيرهم من سكان بلاد سوبارتو الكوردية توجد التفاصيل في الكتاب القيم (العبيد في العراق القديم) لصالح حسين الرويح، ص43–52 وغيرها.

لقد بلغ عدد ملوك الكوتيين الكورد حكام العراق واحداً وعشرين ملكاً، كان آخرهم (تريقان) الذي ثار عليه (أتو حيكال) أحد أمراء السومريين، وقضى على الحكم الكوتي الكوردي، ونشأت مكانه الدولة السومرية المعروفة بسلالة أور الثالثة.

يتضح من الحقائق السابقة أن كوردستان الجنوبية (كوردستان العراق) كانت مستقلة خلال عهد الدولة الكوتية الكوردية، وكان ذلك زهاء قرن من الزمن، وأن العراق كان تحت حكم الكوتيين الكورد.

المانيون الكورد

المانيون أحد الشعوب الكوردية القديمة التي استوطنت المنطقة الجغرافية التي تعرف حالياً بأذربيجان الإيرانية في الفترة ما بين القرن العاشر والقرن السابع قبل الميلاد، وقد ذُكر اسمهم في العهد القديم من الكتاب المقدس (4). كان المانيون الكورد مجاورين للآشوريين ولدولة أرارات الكوردية، وهي العلامة الرئيسة لهذه الأقوام الكوردية. ولم يكن المانيون الكورد من الشعوب الهندو-أوروبية، ولم يكونوا خاضعين كلياً لسيطرة الإمبراطوريات المجاورة. ولم يكن هذا الشعب الكوردي متنقلاً، بل كان ثابتاً ومستقراً في بقعته الجغرافية من كوردستان، يعتمد على الزراعة وتربية المواشي.

ويرى المؤرخ الكوردي محمد أمين زكي (1880–1948) في كتابه “خلاصة تاريخ الكورد وكوردستان” أن هناك احتمالاً كبيراً بأن هذه المجموعة الكوردية تشكلت من عدة قبائل كوردية قديمة، مثل: “لولو، كوتي، كورتي، جوتي، جودي، كاساي، سوباري، خالدي، ميتاني، هوري، نايري”. وفي القرن الثامن قبل الميلاد اتخذ المانيون من مدينة (زرتا) عاصمة لهم، ووصلوا إلى أوج قوتهم بين عامي 725 و720 قبل الميلاد، ولكن الصراع بدأ يظهر بين المانيين الكورد والآشوريين، واستطاع الملك الآشوري سرجون الثاني القضاء على حكمهم في عام 716 قبل الميلاد.

ولعل ما ذهب إليه المؤرخ محمد أمين زكي حول هذه الأقوام الكوردية هو أن التاريخ الذي ظهرت فيه الممالك الكوردية قد أوصله إلى أنهم أحد الأصول القديمة للشعب الكوردي، ولم يظهر لأحد من الباحثين والمؤرخين ما يناقض هذا الاستنتاج الذي حكمته الظروف المعيشية وتاريخ النزاعات القبلية المتواصلة للسكان الكورد القاطنين بين جبال زاكروس وكوردستان. ولم يكن سهلاً أن نختار حقبة تاريخية يُشكّ فيها بالانحياز؛ إذ ما لبث بعض المؤرخين والباحثين أن أشار لنا إلى أن الكورد قد أخذوا أسماء عديدة عبر تاريخهم الطويل الحافل بالحروب؛ فقد أطلق عليهم السومريون والآشوريون لقب (أكوتو) أو كوتي، وسماهم الإيرانيون الفرس (سيرتي)، وعندما اختلطت قبائل الميديين الكوردية بالكوتيين الكورد طغى عليهم الاسم الأول، أي الميديين الكورد، فيما اختار القائد اليوناني (أكزنفون) لهم اسم (كوردوخ)، وسماهم الأرمن (كاردوئين). وفي كل الأحوال، فإن حقبة ما قبل التاريخ قد حفلت بوجود الإمارات والممالك الكوردية، ومنها:

مملكة كاردوخ (الكاردوخيون) الكورد

كانت مملكة كاردو أو كاردوخ الكوردية أحد أقاليم الإمبراطورية الرومانية، وكان هذا الإقليم الكوردي واقعاً في شمال ما بين النهرين، دجلة والفرات (باللغة الآرامية)، أو ميزوبوتاميا (Mesopotamia)، أي بلاد ما بين النهرين التي كانت تشمل الأرض الواقعة بين نهري دجلة والفرات، ومنها أراضٍ تقع الآن في كوردستان سوريا وكوردستان تركيا وكوردستان العراق.

وكان موقع إقليم كاردو (كاردوخ) الكوردي شرق أرمينيا، وجنوب غرب مدينة ديار بكر، وشمال شرق مدينة هكاري في كوردستان الشمالية (كوردستان تركيا)، وقد احتُل هذا الإقليم على يد القائد الروماني بومبياس (106–48 قبل الميلاد).

وهناك إجماع واضح وصريح لا يقبل الجدل من قبل المؤرخين والباحثين على أن هذا الإقليم الكوردي (كاردو أو كاردوخ) سماه الرومان (كاردو) لكونه مسكوناً بالأكراد. وكانت هذه المنطقة الكوردية من كوردستان تعرف عند الآشوريين باسم “جوتي”، التي تعني في اللغة الحديثة “المحارب”، ولكن كان لها عند الآشوريين مرادف آخر هو “جاردو” أو “كاردو”. وقد ذُكر اسم إقليم كاردو الكوردي في مخطوطات قديمة تتحدث عن وقائع معركة بين شابور الثاني (309–379) ملك الفرس وكلوديوس جوليان (331–363) الإمبراطور الروماني، وكان من نتائج هذه المعركة انتهاء فترة نفوذ الرومان على إقليم كاردو (كاردوخ) الكوردي. وذكر المؤرخ اليوناني زينوفون (427–355 قبل الميلاد) في كتاباته شعباً كوردياً وصفه بـ”المحاربين الأشداء ساكني المناطق الجبلية من كوردستان”، وأطلق عليهم تسمية الكاردوخيين، وهم الذين هاجموا الجيش اليوناني في أثناء عبوره المنطقة عام 400 قبل الميلاد، وكانت تلك المنطقة الكوردية من كوردستان، استناداً إلى زينوفون، تقع جنوب شرق بحيرة (وان) الواقعة في شرق تركيا (كوردستان تركيا). ويعدّ بعض المؤرخين والباحثين الكاردوخيين الكورد أحد أهم الجذور القديمة للشعب الكوردي، إلا أن بعضهم الآخر، ومنهم المؤرخ الكوردي محمد أمين زكي (1880–1948) في كتابه “خلاصة تاريخ الكورد وكوردستان”، يعدّ الكاردوخيين شعوباً هندو-أوروبية انضمت إلى الشعب الكوردي (5).

إمبراطورية ميديا (الميديون) الكورد

كان الميديون الكورد أحد الأقوام الكوردية التي استوطنت غرب إيران قديماً، إذ عاشوا في الشمال الغربي لما يعرف الآن بإيران (كوردستان إيران)، وكان موطنهم بحسب الجغرافية الحالية يشمل كوردستان إيران وأذربيجان ومنطقة كاردوخ الكوردية، استناداً إلى كتابات المؤرخ اليوناني هيرودوت، الذي أشار إلى أن الميديين الكورد كانوا مؤلفين من ست قبائل كوردية رئيسة هي: (بوزا، وباريتاك، وستروخات، وآريا، وبودي، وموغي)، وأطلق هيرودوت اسم الآريين على القبائل الميدية الكوردية.

لا يُعرف الكثير عن أصل الميديين الكورد، واستناداً إلى العهد القديم من الكتاب المقدس فإنهم من سلالة يافث بن نوح. وكان أول ذكر لهم في المخطوطات اليونانية عام 836 قبل الميلاد، عندما ذُكر دفع الميديين الكورد الجزية للملك الآشوري شلمنصر الثالث. وهناك نوع من الإجماع على أن الميديين الكورد لم يكونوا من الفرس، علماً أن لغتهم الكوردية كانت متقاربة مع لغة الفرس.

واستناداً إلى د. زيار في كتابه “إيران: ثورة في انتعاش”، الذي طُبع في تشرين الثاني (نوفمبر) عام 2000 في باكستان، فإنه بحلول سنة 1500 قبل الميلاد هاجرت قبيلتان رئيستان من الآريين (كوردية وفارسية) من نهر الفولغا شمال بحر قزوين، فاستقرت القبيلة الكوردية في الشمال الغربي وأسست مملكة ميديا الكوردية، وعاشت الأخرى (الفارسية) في الجنوب في منطقة أطلق عليها الإغريق فيما بعد اسم بارسيس، ومنها اشتق اسم فارس. غير أن الميديين الكورد والفرس أطلقوا على بلادهم الجديدة اسم إيران، التي تعني “أرض الآريين”.

هناك اعتقاد راسخ لدى الأكراد بأن الميديين الكورد هم أحد جذور الشعب الكوردي، وتبرز هذه القناعة في نشيدهم الوطني، إذ توجد في هذا النشيد الوطني الكوردي إشارة واضحة إلى أن الأكراد هم “أبناء الميديين الكورد”. واستناداً إلى المؤرخ الكوردي محمد أمين زكي (1880–1948) في كتابه “خلاصة تاريخ الكورد وكوردستان”، فإن الميديين الكورد، وإن لم يكونوا النواة الأساس للشعب الكوردي، قد انضموا إلى الأكراد هناك في المنطقة الجغرافية الكوردية (كوردستان)، وشكلوا، حسب تعبيره، الشعب أو “الأمة الكوردية”.

ويستند التيار المقتنع بأن جذور الأكراد آرية إلى جذور الميديين الكورد، معتمداً على إجماعٍ على أن الميديين الكورد من الأقوام الآرية. واستناداً إلى كتابات هيرودوت فإن أصل الميديين الكورد يرجع إلى شخص اسمه (دياكو)، كان زعيم قبائل منطقة جبال زاكروس الكوردية. وفي منتصف القرن السابع قبل الميلاد حصل الميديون الكورد على استقلالهم وشكلوا (إمبراطورية ميديا) الكوردية، وكان فرورتيش (665–633 قبل الميلاد) أول إمبراطور لميديا الكوردية، وجاء بعده ابنه هوخشتره.

وبحلول القرن السادس قبل الميلاد تمكن الميديون الكورد من إنشاء إمبراطورية كوردية ميدية واسعة امتدت مما يعرف الآن بأذربيجان إلى آسيا الوسطى وأفغانستان. ثم اندمج الميديون الكورد بالفرس، وتعدّ قوميات كثيرة في يومنا هذا نفسها امتداداً للميديين الكورد، كالأكراد واللر والأصفهانيين والأذريين. اعتنق الميديون الكورد الديانة الزرادشتية، وتمكنوا سنة 612 قبل الميلاد من تدمير عاصمة الآشوريين في نينوى، وأوقع هذا الحدث الخشية في قلوب البابليين، فبادروا إلى عقد الصلح مع الميديين الكورد، إذ تزوج الملك البابلي (نبوخذ نصر) ابنة إمبراطور الميديين الكوردي سياخريس. واستمر نفوذ الميديين الكورد في المنطقة إلى سنة 553 قبل الميلاد (6).

  1. الممالك والإمارات الكوردية قبل الإسلام، وهي:

    • أ. قبائل المانيين (الدولة المانية).
    • ب. الدولة الكوتية.
    • ج. إمارة كوردا.
    • د. دولة كاردونياش الكاشية.
    • هـ. المملكة الحورية الميتانية.
    • و. المملكة الكاردوخية.
    • ز. الإمبراطورية الميدية.
    • ح. الإمارة الهزوانية.
  2. الممالك والإمارات الكوردية في العهد الإسلامي، وهي:

    • أ. الإمارة الشبانكارة الكوردية (في فارس).
    • ب. الإمارة الأتابكية اللورية الكوردية الكبرى (حكومة الفضلوية) في لورستان الكوردية من 543 إلى 827هـ.
    • ج. الإمارة اللورية الكوردية الصغرى.
    • د. الإمارة الروادية الكوردية (بأذربيجان).
    • هـ. الإمارة السلارية الكوردية (بأذربيجان).
    • و. المملكة الشدادية الكوردية (بإيران) و(قرباغ) في القوقاز.
    • ز. الإمارة الحسنوية البزركانية الكوردية (من همذان إلى شهرزور) من 348 إلى 446هـ.
    • ح. الإمارة العنازية العيارية الكوردية (بنو عناز) في حلوان.
    • ط. الإمارة المروانية و(بنو سرمان) الدوستكية الكوردية من 356 إلى 489هـ.
    • ي. الإمارة البوتانية الكوردية.
    • ك. الدولة الأيوبية الكوردية.
    • ل. إمارة الجزيرة الكوردية.
    • م. الإمارة البدليسية الكوردية.
    • ن. إمارة شيروان الكوردية.
    • س. إمارة حصن كيف الكوردية.
    • ع. الإمارة الأردلانية الكوردية.
    • ف. إمارة المحمودي الكوردية.
    • ص. الإمارة البهدينانية الكوردية.
    • ق. الإمارة الزندية الكوردية.
    • ر. إمارة البراخوئية الكوردية.
    • ش. الإمارة السورانية الكوردية.
    • ت. إمارة برادوست الكوردية.
    • ث. إمارة مكري الكوردية.
    • خ. الإمارة البابانية الكوردية.
    • ذ. إمارة كلهر الكوردية.
    • ض. دولة ديسم وبني مسافر الكوردية في 326–654هـ.

وغيرها من الإمارات الكوردية.

عوامل ظهور الإمارات الكوردية

تأثر الكورد، كباقي الشعوب الأخرى، بالتطورات السياسية التي شهدتها الدولة العباسية منذ القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي)، من تراجع دور السلطة العباسية المركزية، وظهور المتغلبين، وفساد النظام المالي السائد في الدولة العباسية، وتعسف الولاة وابتزازهم الأموال، وتراجع دور الكفاءة، وانعدام الرقابة. وقد مهّد ذلك لظهور مرحلة جديدة دخلت فيها الشعوب الإسلامية، ولا سيما أقاليم المشرق الإسلامي، تميزت بانفصال تلك الأقاليم عن الدولة العباسية وقيام دول وإمارات محلية فيها، مع الالتزام بإظهار الطاعة والولاء الشكلي لخلفاء بني العباس. وأدى ذلك إلى ظهور نوع من التسابق والمنافسة بين مختلف شعوب المنطقة، بمن فيهم الكورد، على الانفصال، نتيجة لعوامل بعضها موضوعي يتعلق بالدولة العباسية والوضع العام في داخلها، وبعضها الآخر ذاتي يتعلق بالكورد والتطورات الحاصلة في بلادهم (كوردستان).

الإمارة الهزوانية الكوردية

الهزوانيون، ويطلق عليهم أيضاً اسم الأديابينيين الكورد، شعب كوردي قديم استوطن بلاد ما بين النهرين (بالآرامية)، أو ميزوبوتاميا (Mesopotamia) باليونانية، التي كانت تشمل الأرض الواقعة بين نهري دجلة والفرات، بما فيها أراضٍ تقع الآن في كوردستان سوريا وكوردستان تركيا وكوردستان العراق. أسس الهزوانيون الكورد مملكة كوردية (هزوانية)، واتخذوا من مدينة (أربيل) عاصمة لهم. ويعدّ بعض المؤرخين والباحثين الهزوانيين الكورد من أوائل الأكراد الذين اعتنقوا الديانة اليهودية، إذ قامت الملكة التي كانت تدعى (هيلين) وابنها (مونباز) ببناء قصور لهما في القدس.

واستناداً إلى المستشرقين والمؤرخين والباحثين وحاخامات التلمود، فإن اعتناق هذه المجموعة من الأكراد الديانة اليهودية كان بتأثير من اليهود الذين نفاهم الملك الآشوري شلمنصر الثالث بين عامي 858 و824 قبل الميلاد. وهناك إجماع على أن الأكراد اليهود الذين هاجروا إلى إسرائيل هم أحفاد هذه المجموعة الكوردية الهزوانية. واستناداً إلى بعض المخطوطات القديمة فإن مملكة الهزوانيين الكوردية كانت تمتد إلى ما وصفته المخطوطات بمكان استقرار (سفينة نوح)، الذي يقع حسب العديد من المصادر في جنوب شرق تركيا (كوردستان تركيا)، ثم ما لبثت هذه المملكة الكوردية أن امتدت إلى شمال مدينة القدس، حيث دُفن فيها بعض ملوكها. واستمر حكم هذه المملكة الكوردية الهزوانية قرابة مئة سنة، بدأها الملك الأول (إيزاتيس) الذي بدأ حكمه سنة 15 للميلاد، وانتهت بقضاء الرومان على حكم ملكهم الأخير (مهراسبيس) عام 116 للميلاد، بعد أن أصبح تحت رحمة الرومان. وقد حكم الملك مونباز عشرين سنة، وتوفي عام 58 للميلاد، وخلّف وراءه 24 ابناً، ودُفن في القدس (7).

المملكة الشدادية الكوردية، مؤسسها محمد بن شداد

الشداديون الكورد أصحاب المملكة الكوردية التي عرفت بالمملكة الشدادية الكوردية (951–1199)، وقد حكمت أجزاء من أرمينيا ومنطقة أران التي كانت جزءاً مما يعرف الآن بأذربيجان، ويرجع سبب التسمية إلى مؤسس الإمارة محمد بن شداد.

بدأت هذه المملكة الشدادية الكوردية من مدينة (دفين DIVN)، ثم امتدت إلى مدينتي باردا وكانجا، وهما في أذربيجان. تحالف الشداديون الكورد مع السلاجقة الأتراك، وخاضوا معارك عديدة مع الإمبراطورية البيزنطية من عام 1047 إلى عام 1057، وكانت المملكة الشدادية الكوردية في أوج قوتها تمتد بين نهر كورا ونهر آراس. وفي عام 1044 شن الإمبراطور البيزنطي قسطنطين التاسع (1000–1055) الحرب على ملك أرمينيا (خاغيك الثاني)، وكان قسطنطين قد أرسل قبل الحملة رسالة إلى (علي لشكري)، الذي كان أمير المملكة الشدادية الكوردية، يطلب منه الانضمام إليه في حملته ضد ملك أرمينيا (خاغيك الثاني)، على أن تُضم الأراضي الأرمنية التي تستولي عليها قواته الشدادية في الحملة إلى المملكة الشدادية الكوردية، وهو ما أدى إلى هزيمة ملك أرمينيا (خاغيك الثاني) وإضافة أراضٍ أرمنية جديدة إلى مملكة الشداديين الكوردية، وكان الفضل في ذلك لآخر ملوك الشداديين (8).

الإمارة الروادية الكوردية (337–463هـ / 948–1071م)

ظهرت الإمارة الروادية الكوردية (9) في ثلاثينيات القرن الرابع الهجري (أربعينيات القرن العاشر الميلادي) في أذربيجان، وشمل حكمها جميع منطقة أذربيجان مدة تسعين سنة (10). ومن أهم مدن أذربيجان في تلك الفترة: مراغة، وتبريز، وأردبيل، وميانج، وأرمية، وخوي، وسلماس، وسراو، ومرند، وباجروان، وسيسر، ومدن أخرى صغيرة (11). وينتسب أمراء الإمارة الروادية الكوردية إلى الكورد الرواديين (ره وه ند)، والروادية بطن من بطون القبيلة الهذبانية الكوردية (12). ويذكر صاحب “تاريخ الباب والأبواب” أن محمد بن حسين الروادي هو أول من حكم من الرواديين في بعض مناطق أرمينية، ثم امتدت سلطته إلى بعض مناطق أذربيجان بعد أسر السالار مرزبان سنة 337هـ/948م (13).

وبعد موت الأمير محمد بن حسين الروادي تولى الحكم بعده ابنه الأمير حسين بن محمد بن حسين الروادي، وهو (أبو الهيجاء الروادي)، ويظهر أنه هو نفسه أبو الهيجاء الروادي الذي ذكره ابن حوقل سنة 344هـ/955م (14)، بينما ذكره مسكويه باسم حسين بن محمد بن الرواد (15). وقد تمكن الأمير حسين بن محمد بن الرواد (أبو الهيجاء الروادي) من الاستيلاء على تبريز سنة 345هـ/956م، وبعد خمس سنوات جعلها مركزاً لحكمه، وقوي مركزه في المنطقة (16)، وفرض ضرائب سنوية على بعض حكام المقاطعات الأرمنية (17)؛ ولذا يعد المؤسس الثاني للإمارة الكوردية الروادية.

وجاء بعد موت الأمير أبي الهيجاء (حسين بن محمد بن الرواد) ابنه الأمير محمد بن حسين الروادي، الذي اشتهر في المصادر الأرمنية باسم (مملان)، تصغير محمد (18)، وكنيته أيضاً (أبو الهيجاء). وقد تمكن من أن يوسع رقعة إمارته الكوردية الروادية بعد موت الأمير السالاري إبراهيم بن المرزبان سنة 373هـ/983م، فشملت معظم أذربيجان. وفي السنة التالية تمكن أبو الهيجاء (الأمير محمد بن حسين الروادي، مملان) من أن ينهي حكم الفرع الثاني من آل المرزبان في أذربيجان، إذ قبض على المرزبان بن إسماعيل، فوقعت أذربيجان كلها بيد الأمير أبي الهيجاء (19). وبعد أن وطّد مملان حكمه في الداخل وجّه أنظاره نحو المناطق الأرمنية، فشن على أرمينيا حملتين يمكن أن نعدهما من معارك الجهاد الإسلامي في المنطقة (20).

وبعد وفاة الأمير محمد (مملان) سنة 391هـ/1000م حلّ محله ابنه أبو نصر حسين بن محمد، وتوفي سنة 416هـ/1025م، فخلفه أخوه أبو منصور وهسوذان بن محمد الروادي، الذي حكم مدة طويلة وتوفي في صفر سنة 451هـ/1059م، فحكم بعده ابنه الأمير محمد بن وهسوذان الروادي، الذي عُرف أيضاً بـ(مملان) (21). ويذكر ابن الأثير في حوادث سنة 451هـ/1059م أن السلطان طغرلبك (22) أقرّ مملان بن وهسوذان على ولايته بأذربيجان (23)، لكن يظهر أن علاقة مملان بالسلاجقة الأتراك لم تكن حسنة في الفترات اللاحقة؛ فعندما توجه السلطان ألب أرسلان ابن أخي طغرلبك (24) سنة 456هـ/1064م إلى بلاد أذربيجان بقصد غزو الروم، أُبلغ بأن سكان مدينتي خوي وسلماس لم يظهروا الطاعة، فتمكن من إخضاعهم (25). وبما أن المدينتين كانتا تقعان ضمن نفوذ الإمارة الروادية الكوردية (26)، نستنتج أن العلاقة بين الأمير مملان والسلطان ألب أرسلان كانت متوترة، ومما يؤكد ذلك أن السلطان ألب أرسلان لما عاد من غزوة الروم سنة 463هـ/1071م قبض على الأمير مملان وأولاده، وبهذا انتهى حكم الإمارة الروادية الكوردية (27). ولكن الأسرة الروادية بقيت في أحد فروع الأتابكيات في مدينة مراغة بأذربيجان إلى الغزو المغولي لتلك المناطق (28).


أجزاء «الإمارات والممالك والحكومات الكوردية في كوردستان» (4 أجزاء):

  1. الجزء الأول (هذا الجزء)
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث
  4. الجزء الرابع

الجزء الثاني ←