الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
الإمارات والممالك والحكومات الكوردية في كوردستان (الجزء الثاني)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2013
الإمارة الحسنوية البزركانية الكوردية، مؤسسها حسناوي بن حسين
الحسنويون الكورد أصحاب الإمارة الكوردية التي عرفت بالإمارة الحسنوية الكوردية (959–1015)، وكانت تحكم غرب إيران (كوردستان إيران) وشمال بلاد ما بين النهرين (كوردستان العراق)، وكانت عاصمتها (مدينة دينور) الواقعة شمال شرق مدينة كرمنشاه الحالية في كوردستان إيران. وسميت الإمارة بالحسنوية الكوردية نسبة إلى مؤسسها (حسناوي بن حسين)، الذي كان رئيس قبيلة (بزركاني) الكوردية. تمكن حسناوي بن حسين من تشكيل إمارته الكوردية المستقلة بعد صراع طويل مع الحاكم البويهي لمدينة همدان (صهلان بن مسافر)، وتوفي حسناوي بن حسين عام 979 في شمال مدينة (بيستون) الإيرانية.
وبعد وفاة مؤسس الإمارة الحسنوية الكوردية نشب صراع بين أبنائه حول من يخلفه، وأدى هذا الخلاف إلى إضعاف الإمارة الحسنوية الكوردية، وفتح الباب على مصراعيه لتدخل البويهيين الفرس، الذين استطاعوا أن يلحقوا الهزيمة بالقوات الموالية لأحد أبناء حسناوي بن حسين، وكان اسمه فخر الدين. واضطر الابن الآخر، نصير الدولة، إلى أن يتحالف مع البويهيين، واستفاد نصير الدولة من هذا التحالف في توسيع حدود إمارته الحسنوية البزركانية الكوردية حتى وصلت إلى نهاوند (إيران) وأسد آباد (إيران) والأهواز وكرمنشاه (إيران) وكركوك (كوردستان العراق) (29).
الإمارة العنازية أو العيارية الكوردية، مؤسسها أبو الفضل محمد بن عيار
العنازيون الكورد أصحاب الإمارة الكوردية التي عرفت بالإمارة العنازية الكوردية (990–1117)، واستناداً إلى المؤرخ ابن الأثير (1160–1233) فإن تسميتهم بهذا الاسم جاءت نسبة إلى اشتهارهم بتربية الماعز، بينما يرى المؤرخ ابن المستوفي أن تسمية العياريين أضبط من العنازيين، لأن مؤسس الإمارة الكوردية (العنازية العيارية) كان اسمه أبو الفضل (محمد العيار)، وكلمة العيار تستخدم بين الأكراد بمعنى الداهية أو الشخص الذكي. وقد أحدث هذا الاسم جدلاً لوجود قبيلة عربية باسم بني (عنزة)، ولكن الأكراد يعدّون تسمية العنازيين خطأً، ويرون العياريين الاسم الأكثر دقة.
امتدت منطقة نفوذ العنازيين (العياريين) من مدينة كرمنشاه (إيران) إلى داقوق ومندلي (كوردستان العراق)، حسب ما ورد في الصفحة 97 من الموسوعة الإيرانية. وكان أبو الفضل محمد بن عيار (990–1011) مؤسس الإمارة الكوردية العيارية، وكانت هناك صراعات بينه وبين الأكراد الحسنويين (الإمارة الحسنوية الكوردية). ولما تسلم الإمارة من بعده ابنه (حسام الدولة أبو الشوك) كانت فترة حكمه مليئة بالصراعات الداخلية والتهديد الخارجي من فخر الملك البويهي وشمس الدولة السلجوقي.
وفي عام 1045 تمكن (طغرل بك) من القضاء على الإمارة الكوردية العيارية (العنازية) في معركة مشهورة بالقرب من نهر (سيروان)، الذي يسمى أيضاً نهر ديالى (30).
الإمارة المروانية الكوردية، مؤسسها أبو علي بن مروان، في ديار بكر وملاذكرد
المروانيون الكورد سلالة كوردية حكمت في شمال سوريا (كوردستان سوريا) وجنوب الأناضول (كوردستان تركيا) ما بين عامي 990 و1084، واتخذ المروانيون الكورد ديار بكر الكوردية مقراً لهم في البداية.
فبعد وفاة عضد الدولة البويهي (983م) بدأت الدولة البويهية بالانحلال، فقام أحد قادة العشائر الكوردية (بني مروان)، واسمه أبو علي بن مروان (990–997م)، بإنشاء إمارة كوردية مستقلة في ديار بكر وملاذكرد. وبسبب الحروب المتواصلة مع جيرانهم وضعفهم، وضع المروانيون الكورد أنفسهم تحت حماية الدولة الفاطمية في مصر (969–1171).
وعرفت الدولة المروانية أوج قوتها السياسية في أثناء حكم كل من أبي منصور (997–1011م) ثم نصر الدولة أحمد (1011–1064م)، إذ عمل الأمراء المروانيون الكورد على تشجيع حركة العمران وبناء المدن، كما شجعوا العلماء والأدباء في دولتهم الكوردية المروانية. وصدّ المروانيون الكورد غزوة لإحدى قبائل الغز (الأوغوز) التركمانية في المنطقة سنة 1042م. وبعد سنة 1061م بدأ أفراد الأسرة المروانية الكوردية بالتناحر حتى ضعفت الدولة المروانية، وأصبحوا مجبرين على العيش تحت جناح الدولة السلجوقية التركية عام 1070، إلا أن ذلك لم يشفع لهم، فقام السلاجقة الأتراك بطردهم وإجلائهم (تهجيرهم) عن منطقة ديار بكر الكوردية نهائياً سنة 1084م، وفي سنة 1096م تم القضاء على آخر الحكام من أفراد الأسرة المروانية الكوردية (31).
الدولة الأيوبية (الأيوبيون) الكوردية
الأيوبيون الكورد، بنو أيوب، أسرة صلاح الدين الأيوبي، حكموا مصر وسورية والحجاز وشمال العراق (كوردستان) وديار بكر وجنوب اليمن في القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين. وترجع أصول الأسرة الأيوبية الكوردية إلى الأكراد الروادية، وأصولهم من أكراد أذربيجان.
وكانت أسرة نجم الدين أيوب، بمن فيها أخوه (أسد الدين شيركوه) وابنه (يوسف صلاح الدين)، تمثل سلسلة القيادة السياسية والعسكرية خلال فترة الحروب الصليبية 1095–1193.
1. تأسيس الدولة في مصر
التحق يوسف (صلاح الدين الأيوبي) بن أيوب بخدمة (نور الدين زنكي)، الذي كان أميراً على ولاية الموصل، وخلال فترة وجيزة أُرسل إلى مصر ليستكمل عمل عمه (أسد الدين شيركوه) في بسط سيطرته عليها والعمل على الدفاع عنها في مواجهة الصليبيين في حملتهم على مصر، وفي الوقت ذاته ليستكمل انتزاعها من الفاطميين الذين كانت دولتهم في أفول. فنجح صلاح الدين بعد موت عمه أسد الدين شيركوه في عرقلة هجوم الصليبيين على مصر سنة 1169، وتمكن من قمع تمرد للجنود الزنوج، كما فرض نفسه وزيراً للعاضد، الخليفة الفاطمي العاجز، فكان صلاح الدين الحاكم الفعلي لمصر، وأعادها بعد موت العاضد لدين الله إلى خلافة الدولة العباسية اسمياً. فكان بذلك القائد الكوردي الذي وضع أسس الوحدة الإسلامية بين مصر وسوريا عام 1174.
2. سورية
أخذ صلاح الدين الأيوبي يبسط نفوذه على أقاليم الداخل السوري وكوردستان العراق، مرجئاً مواجهة الصليبيين إلى حين، وإن كان عادة ما ينتصر عليهم عندما تقع المواجهة. وعندما تمت له السيطرة على سورية استدار ليواجه الصليبيين، وظل في سجال معهم إلى وفاته، وكان أعظم نصر له عليهم فتح القدس يوم 2 تشرين الأول (أكتوبر) عام 1187 بعد معركة حطين. ومتجنباً تأسيس إمبراطورية مركزية، ولّى صلاح الدين أبناء عشيرته الكوردية إمارات وراثية في مختلف الأقاليم التي سيطر عليها.
فعيّن أخاه العادل في الجزيرة الكوردية وشرق الأردن، وأخاه طغتكين في اليمن، وأبناء إخوته في بعلبك وحماة، وأبناء عمه أسد الدين شيركوه في حمص.
وبعد وفاة صلاح الدين الأيوبي سنة 1193 قُسمت مملكته بين أولاده الثلاثة، فنال أكبرهم (الأفضل) دمشق، وكان من المفترض أن يكون سلطاناً أعلى على كل الباقين، ونال (العزيز) مصر، وحكم ثالثهم (الظاهر) حلب (32).
الإمارة البدليسية الكوردية، أسستها قبيلة روزاكي الكوردية
البدليسيون الكورد أصحاب الإمارة الكوردية التي عرفت بالإمارة البدليسية الكوردية (1182–1847)، وقد تأسست على يد أبناء قبيلة (روزاكي) الكوردية بعد أن استطاعوا تحقيق نصر على ملك جورجيا داود كوربالاس، وتمكنوا من الهيمنة على منطقتي بدليس وساسون الواقعتين في أراضي أرمينيا. وعندما ضعفت الإمارة البدليسية الكوردية تناوب على حكمها قبيلة آق قوينلو التركمانية (من 1467 إلى 1495) والصفويون الفرس (من 1507 إلى 1514)، وهي السنة التي خسر فيها الصفويون الفرس معركة (جالديران) أمام القوات العثمانية بقيادة السلطان العثماني سليم الأول.
ومن أعظم إنجازات البدليسيين الكورد كتاب “الشرفنامة”، الذي يعدّ أول كتاب عن تاريخ الإمارات الكوردية، ومن أهم المصادر في تاريخ الشعب الكوردي، وقد كتبه المؤرخ الأمير شرف الدين البدليسي، ابن أمير بدليس شمس الدين البدليسي.
اضطر الأمير شمس الدين البدليسي، تحت ضغوط السلطان العثماني سليمان القانوني ابن السلطان سليم الأول، إلى الفرار إلى كوردستان إيران والاحتماء بالصفويين الفرس، وفي أثناء وجود شمس الدين البدليسي في كوردستان إيران وُلد ابنه المؤرخ شرف الدين البدليسي عام 1543، وقد نصّبه السلطان العثماني مراد الثالث أميراً على بدليس عام 1583، وهي إشارة واضحة إلى أن الإمارة البدليسية الكوردية فقدت استقلالها عن الدولة العثمانية (33).
الإمارة الأردلانية الكوردية، مؤسسها باوه أردلان
الأردلانيون الكورد أصحاب الإمارة الكوردية التي عرفت بالإمارة الأردلانية الكوردية (1169–1867)، وكانت تهيمن على المنطقة الكوردية من كوردستان التي يقطنها في الوقت الحاضر أكراد كوردستان إيران وأكراد كوردستان العراق، وكانت عاصمتها مدينة سنندج، أو ما يسمى (سنه) عند الأكراد، علماً أن شهرزور في كوردستان العراق كانت العاصمة القديمة للإمارة الكوردية الأردلانية، وما زالت قبائل الأردلان تعيش في المنطقة الكوردية نفسها من كوردستان العراق. وهناك مزاعم (ادعاءات) من قبل علماء التاريخ القديم والباحثين بأن الأردلانيين الكورد من أحفاد صلاح الدين الأيوبي. واستناداً إلى ما نوّه عنه كتاب “الشرفنامة” للمؤرخ شرف خان البدليسي، الذي يعدّ من أهم المصادر في تاريخ الشعب الكوردي، وكتاب “تاريخ الإمارات الكوردية” للمؤرخ محمد أمين زكي، فإن مؤسس الإمارة الكوردية الأردلانية كان اسمه (باوه أردلان)، وفي القرن الرابع عشر امتدت حدود إمارته الكوردية إلى مناطق تقع الآن في كوردستان العراق مثل خانقين وكفري وكركوك. وكان الولاء والتحالف يتراوحان بين الصفويين الفرس والعثمانيين الترك، حتى فاجأهم القاجاريون الفرس بقيادة ناصر الدين شاه (1848–1896) بهجوم غادر، وسلبوا نفوذ إمارة الأردلانيين الكورد عام 1867. وتفيد معلومات الحكومة العراقية بأن بقايا العائلة الأردلانية المالكة للإمارة يسكنون في مدينة كركوك بكوردستان العراق، ويعملون في التجارة، ويصل تعدادهم إلى ثمانين نسمة تقريباً، ويتمتعون بتقدير جميع السلطات والحكومات العراقية المتعاقبة واحترامها، ولا يتدخلون في السياسة العامة باستثناء بعض الأفراد منهم. ومن أهم أدوارهم بعد تأسيس الدولة العراقية في 23 آب عام 1921 أن (محمد الأردلاني)، عضو مجلس الأعيان في المملكة العراقية عام 1921، كان الشخصية الأكثر تأثيراً في قرارات مملكة العراق. ولا تزال لعائلة الأردلان علاقات وطيدة بأمراء الدول الخليجية، وخاصة بالمملكة الأردنية الهاشمية وسلطنة عُمان والمملكة المتحدة (بريطانيا) (34).
الإمارة الهذبانية الكوردية في أربيل (437–534هـ / 1046–1139م)
ظهرت الإمارة الهذبانية الكوردية (35) في أربيل بين كورد القبيلة الهذبانية، وشمل حكمها بالإضافة إلى أربيل بعض المناطق القريبة منها. ولا تسعفنا المصادر المتاحة إلا بمعلومات قليلة عن الإمارة الهذبانية، وخصوصاً في فترة تأسيسها، وكل ما نعرفه بخصوص ذلك أن الإمارة الكوردية الهذبانية كانت قائمة في النصف الأول من القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي)، وكان أميرها في حدود سنة 437هـ/1046م عيسى بن موسى الهذباني (36)، ومن ذلك نستنتج أن الكورد الهذبانيين حكموا أربيل وكوّنوا إمارتهم قبل سنة 437هـ/1046م (37).
ونستدل مما أورده ابن الأثير على أن تاريخ الإمارة الكوردية الهذبانية في تلك الفترة شهد منازعات داخلية بين أبناء الأسرة الهذبانية الكوردية الحاكمة، مما فتح الباب على مصراعيه أمام القوى الإقليمية، وخصوصاً العقيليين في الموصل (380–489هـ / 990–1096م)، للتدخل في شؤون الإمارة الكوردية الهذبانية (38).
إن علاقة الأمير عيسى بن موسى الهذباني بأخيه الأمير سالار لم تكن حسنة، مما حدا بالأمير سالار إلى اللجوء إلى العقيليين في الموصل. ويظهر أن حكم الأمير عيسى بن موسى الهذباني لم يخلُ من المنافسين، إذ قتله أبناء أخ له سنة 437هـ/1046م وملكوا قلعة أربيل، وعندما علم الأمير سالار بذلك سار مع قرواش العقيلي (39) إلى أربيل وملكها وأخذ زمام الإمارة فيها (40).
والظاهر أن أمير الإمارة الكوردية الهذبانية في حدود سنة 440هـ/1049م هو الأمير أبو الحسن بن موسك الهذباني، الذي اختلف مع أخيه أبي علي بن موسك الهذباني، فأعان رئيسُ الكورد الحميدية في العقر أبو الحسن بن عيسكان أبا علي المذكور على أخيه الأمير أبي الحسن، فتمكنا من القبض عليه، وتولى الأمير أبو علي الهذباني مقاليد الإمارة الكوردية الهذبانية في أربيل (41). ويظهر أن الأمير أبا علي بقي يحكم الإمارة الكوردية الهذبانية إلى بداية النصف الثاني من القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) (42)، في الفترة التي وقعت فيها أكثر مناطق المشرق الإسلامي بيد السلاجقة الأتراك. ويظهر أن علاقة أمراء الهذبانيين بالسلاجقة الأتراك كانت حسنة بعد تلك الفترة، إذ نستدل مما أورده ابن منقذ على أن الأمير أبا الهيجاء الهذباني، الذي تولى حكم الإمارة الهذبانية الكوردية بعد الأمير أبي علي، كانت تربطه علاقة جيدة بالسلاجقة الأتراك، وقام بالوساطة بين السلاجقة الأتراك والمروانيين الكورد أيام حكم السلطان ملكشاه السلجوقي (465–485هـ / 1073–1092م) (43).
وبقيت الإمارة الهذبانية الكوردية تحكم منطقة أربيل على الرغم من تقلص سلطتها، وقد حفظ لنا ابن الأثير أخبار بعض أمرائها الكورد الهذبانيين، وذلك ضمن كلامه عن الموصل في عهد العقيليين وبعدهم (44). وتعدّ سنة 534هـ/1139م التاريخ النهائي لحكم الإمارة الهذبانية الكوردية في أربيل، بعد تعرضها لهجمات عماد الدين زنكي (45).
الإمارة الشدادية الكوردية (340–595هـ / 951–1198م)
ظهرت الإمارة الشدادية الكوردية (46) وحكمت في منطقة أران التي تقع بين أذربيجان وأرمينية (47)، وقد عدّها المعنيون بتحديد الأصقاع من البلدانيين تارة ضمن بلاد أرمينية (48)، وأفردوها تارة أخرى إقليماً قائماً بذاته (49)، ونجد أنها في حوالي القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) كانت تتبع أذربيجان من الناحية السياسية (50).
أما حدود أران فهي من ناحية الشرق بحر قزوين، ومن الغرب أرمينية وبلاد الكرج، ومن الشمال سلسلة جبال القبق (القوقاز) (51)، كما يفصلها نهر (الرس) من حدها الجنوبي والجنوبي الشرقي عن أذربيجان (52). ومن أهم مدنها: برذعة، ودبيل، وكنجه، وبيلقان، والباب والأبواب (دربند)، وتفليس، وورثان، وبرديج، وشمكور، والشابران، وباكو، والشروان، وبعض مدن أخرى (53).
الإمارة البهدينانية الكوردية، مؤسسها بهاء الدين شمزيني
البهدينانيون أصحاب الإمارة الكوردية التي عرفت بإمارة بهدينان الكوردية (1376–1843)، ومصدر الاسم مؤسس الإمارة (بهاء الدين شمزيني)، الذي كان من منطقة شمزين في مقاطعة هكاري الواقعة في جنوب شرق تركيا (كوردستان تركيا). وبهدينان اسم لمنطقة في كوردستان العراق حالياً، وهو أيضاً اسم إحدى اللهجات الرئيسة للغة الكوردية. وفي أثناء حكم هذه الإمارة الكوردية البهدينانية وُلد أحد أعظم الشعراء الأكراد، أحمدي خاني (1651–1707)، كاتب الملحمة الشعرية الكوردية المشهورة (مه م وزين).
وكانت (العمادية)، التابعة حالياً لمحافظة دهوك في كوردستان العراق، عاصمة هذه الإمارة الكوردية، وشملت إمارة بهدينان أيضاً مدن عقرة وزاخو وزيبار وشيخان وأجزاء من الموصل وأربيل.
خاضت إمارة بهدينان الكوردية عدة صراعات مع العثمانيين الأتراك والصفويين الفرس، ولكن نهايتها لم تكن على يد أي من هاتين القوتين، بل على يد إمارة كوردية أخرى منافسة هي إمارة سوران الكوردية، عام 1843. وفي العام نفسه سيطر العثمانيون الأتراك على هذه المنطقة الكوردية من كوردستان، وضموها إلى ولاية الموصل الكوردية ذات الأغلبية الكوردية (54).
الإمارة السورانية الكوردية، مؤسسها كولوس
كلمة سوران بالكوردية تعني “الحمر”، وهناك بعض الروايات التي تشير إلى أن مصدر التسمية الصخور الحمراء التي كانت تحيط بإحدى قلاع مجموعة كوردية منافسة لسلالة كولوس، إذ استطاع أحد أبناء كولوس احتلال القلعة واتخاذها نواة لإمارة سوران الكوردية. وقد انفردت إمارة سوران الكوردية من بين الإمارات الكوردية بأن أميرة كوردية كانت تحكمها في فترة من الزمن، وكان اسمها (خانزاد).
والسورانيون الكورد أصحاب الإمارة الكوردية التي عرفت بإمارة سوران الكوردية (1399–1838)، والسورانية أيضاً اسم إحدى اللهجات الرئيسة للغة الكوردية. واستناداً إلى كتاب “الشرفنامة”، الذي يعدّ من أهم المصادر في تاريخ الشعب الكوردي وتاريخ الإمارات الكوردية، فإن مؤسس الإمارة كان شخصاً اسمه (كولوس)، وكان، حسب المصدر نفسه، ابناً لرجل كوردي معروف في بغداد، وهو ما أكده المؤرخ الكوردي (حسين حزني الموكرياني) من أن كولوس هذا كان من منطقة رواندوز الواقعة في كوردستان العراق. واستناداً إلى كتاب “خلاصة تاريخ الكورد وكوردستان” للمؤرخ الكوردي محمد أمين زكي (1880–1948)، فإن كولوس كلمة كوردية قديمة تعني الشخص الذي سقطت أنيابه (أسنانه).
وكانت حدود الإمارة السورانية الكوردية ومدى استقلالها عن الآخرين تتغير حسب التحالفات والضغوط الخارجية والصراعات الداخلية. وعندما بلغت إمارة سوران الكوردية أوج قوتها كانت تحكم إمارات أربيل وكركوك والموصل، حتى وصلت حدودها إلى نهر الزاب الصغير، وهو الحد الفاصل بينها وبين إمارة بابان الكوردية. وتذكر مصادر التاريخ الكوردي أن العثمانيين الأتراك شنوا عام 1838 هجوماً واسعاً على إمارة سوران الكوردية، وواجهوا مقاومة ودفاعاً شرساً من قبل السورانيين الكورد. وحسب ما ذكره المؤرخون الأكراد، فإن الوالي العثماني التركي (رشيد باشا) بعث برسالة إلى الأمير السوراني محمد، وكان مضمون الرسالة “الكف عن إراقة دماء المسلمين”، وتنصيب الأمير محمد “أميراً لأمراء سوران”، ومنحه “الخلع والنياشين”. وعندما رفض الأمير العرض واعتبره خضوعاً للإمبراطورية العثمانية (التركية)، تدخل مفتي الإمارة (الملا محمد الخطي)، فأصدر فتواه وأعلن أن “كل من يحارب جيش الخليفة العثماني غير مؤمن، وزوجته منه طالق”. ويعدّ الأكراد هذه الفتوى السبب الرئيس في سقوط الإمارة السورانية الكوردية (55).
إمارة بشتكو الكوردية
بعد سقوط الإمارة الأتابكية اللورية (اللور الصغرى) الكوردية على يد الشاه الفارسي عباس الصفوي عام 1597م، انتقل أحفاد شاهويردي، آخر أمراء الأتابكية، إلى مناطق الكورد الكلهور في بشتكو الكوردية، حيث قصبة (دي بالا)، مدينة عيلام الحالية، وأسسوا إمارة بشتكو الكوردية. وفي هذا الصدد يقول المرحوم الأستاذ محمد جميل روزبياني في حاشيته على ترجمة كتاب “الشرفنامة”، نقلاً عن مؤرخنا الجليل المرحوم محمد أمين زكي بك، إن أحفاد شاهويردي قد أسسوا إمارة كوردية صغيرة في منطقة بشتكو الكوردية، وعرف حكامها بـ(الوالي)، وقد حكمها بالتوالي تسعة ولاة أكراد، هم:
- حسين خان.
- إسماعيل خان.
- أسد خان.
- حسن خان.
- كلب علي خان.
- علي خان.
- حيدر علي خان.
- حسين قولي خان.
- غلام رضا خان.
وفي عهد الوالي الأخير (غلام رضا خان) احتلت قوات (رضا خان شاه بهلوي) إمارة بشتكو الكوردية سنة 1928م، وألحقها بالمركز وعين عليها حاكماً عسكرياً، مما أدى إلى هروب الوالي الكوردي غلام رضا خان إلى بغداد دون أن يقاوم. وفي عام 1929م خرج ابنه (علي قلي خان)، وبمساعدة إخوته أعلن نفسه والياً على إمارة بشتكو الكوردية خلفاً لوالده الهارب غلام رضا خان، واستطاع أن يجمع حوله قوات عشائرية من قبائل كوردية (شوهان، كورد، دينار كوه). واستطاعت هذه القوات محاصرة مدينة (دي بالا) التي كان يتحصن فيها الحاكم العسكري للمنطقة المدعو (العميد علي أكبر خان)، ثم زحفت نحو منطقة (إيوان)، إلا أن المدعو (علي آغا الأعظمي)، حاكم منطقة (إيوان) المعين من قبل النظام البهلوي، استطاع جمع القوات العشائرية الموالية للنظام البهلوي، وإيقاف زحف قوات بشتكو الكوردية على مناطقهم، ومن ثم ردّهم على أعقابهم حتى قصبة مهران. واستتب الوضع بعدها لنظام رضا شاه، وأسدل الستار على إمارة بشتكو الكوردية التي حكمت المنطقة نحو مئتي عام (قرنين من الزمن).
والواقع الذي نحن بصدده أن الإمارات الكوردية تمكنت من البقاء على أراضيها الكوردية في كوردستان دون أن تجرؤ الشعوب المجاورة على قهرها أو دمجها، فلا الإسكندر المقدوني ولا الساسانيون من بعده استطاعوا ذلك. كما أن صمود الأكراد في وجه الغارات المدمرة، السلجوقية التركية عام 1051م والمغولية عام 1231م وغارة تيمورلنك عام 1402م، قد هيأ الدليل الساطع على صمود الشعب الكوردي ومدى تحديه لأعدائه واعتزازه بوطنه وأرضه في كوردستان، فدافع الكورد عنها وعن وجودهم القومي، وقدموا من أجل ذلك الكثير وما زالوا. وعندما أصبحت كوردستان في القرن السادس عشر ميداناً للصراع الدموي الذي دار بين الدولتين الصفوية الفارسية والعثمانية التركية، أصيبت بخسائر جسيمة لا تعوض، ومع ذلك لم تستطع أي من الدولتين أن تنعم بسلام دائم من جراء احتلالها لأجزاء من كوردستان. ولعل ذلك يوضحه قول الأمير شرف خان البدليسي: “إذا كان ثمة بعض الملوك والسلاطين قد حدثتهم أنفسهم أحياناً بالاستيلاء على كوردستان وسائر مواطن الكورد الجبلية، فقد لاقوا دون ذلك أهوالاً وألواناً من المشاق والمتاعب، ثم ندموا أشد الندم على ما قاموا به باذلين الجهد الجهيد، الأمر الذي حملهم على إعادة البلاد الكوردية (كوردستان) التي استولوا عليها إلى أصحابها الكورد”.
وعندما حلت الحرب العالمية الأولى ذاقت القبائل الكوردية منها الأمرّين، وأصيبت كوردستان بأفدح الأضرار. وبعد أن وضعت الحرب أوزارها عُقدت معاهدة سيفر في 10 آب عام 1920، التي وافق الحلفاء بموجبها على إنشاء دولة كوردية في كوردستان، إلا أن التطورات الدولية التي أعقبت حرب تركيا واليونان أدت إلى عقد معاهدة لوزان في 24 تموز 1923، التي نسفت بنود معاهدة سيفر السابقة وحرمت الشعب الكوردي من حق تقرير مصيره. وبعد أن رُسمت خارطة دول الشرق الأوسط فيما بعد، مُزّقت كوردستان، وأصبحت اليوم ملحقة بكل من تركيا وإيران والعراق وسوريا، كما يقع جزء صغير منها ضمن أرمينيا السوفيتية.
ومن ذلك يتضح أنه ما من شبر من أراضي كوردستان، بجبالها ووديانها وعبر تاريخها الحافل الطويل، إلا وقد روته دماء أبنائها الأكراد، دفاعاً عن ترابهم ووطنهم (كوردستان) الذي ورثوه أباً عن جد، وترعرعوا فوق أديمه، واستقوا مياه ينابيعه العذبة، ودفاعاً عن وجودهم القومي كشعب له حق الحياة والحرية كباقي الشعوب.
أجزاء «الإمارات والممالك والحكومات الكوردية في كوردستان» (4 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني (هذا الجزء)
- الجزء الثالث
- الجزء الرابع