الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

التعريب في كوردستان (الجزء الأول)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

1- تعريب قضاء خانقين الكوردي نموذجاً لسياسة التعريب

يحتل قضاء خانقين، ذو الأغلبية الكوردية، اليوم موقع الصدارة في المفاوضات الجارية بين الحكومة المركزية وحكومة إقليم كوردستان العراق، إلى جانب القضايا الأخرى ذات العلاقة بالمادة (140) من دستور العراق الحالي، بل إن قضاء خانقين بات يمثل «قميص عثمان» في معظم تلك المفاوضات.

ووجدت بعض وسائل الإعلام الفرصة كي تصب الزيت على النار وتحرق الأخضر باليابس، دون اعتبار لحقائق التاريخ والجغرافيا في منطقة قضاء خانقين. ففي صحيفة «الشرق الأوسط»، في عددها الصادر في 14/9/2000، استُلهم ما ورد في «واشنطن بوست» من آراء تجاوزت الحقائق كثيراً، بهدف خلط الأوراق وتأزيم الأوضاع التي تعمل الأطراف ذات العلاقة على وضع حد لها والحيلولة دون تطورها.

إن عبارات مثل: «تكريد السكان» في قضاء خانقين، و«تغيير التركيبة السكانية» للقضاء، و«توسيع الكورد لسلطاتهم»، و«تهجير العرب من خانقين»، إلى جانب كونها أبعد ما تكون عن الواقع، تهدف إلى إثارة حفيظة الأطراف الأخرى وتهديد الأمن والاستقرار في المنطقة الكوردية (كوردستان).

إن ما ورد في الصحيفة المذكورة على لسان أزلام النظام السابق، من أن أغلب سكان قضاء خانقين من العرب، أو أن نسبتهم في قصبة جلولاء تتراوح بين 85 و90% من مجموع سكانها، لا أساس له من الصحة. ومن المفيد أن نشير إلى الحقائق التالية:

  1. يتضح من تقرير الحاكم البريطاني في العراق السير إدموندز، الخبير في الشؤون السياسية للمنطقة (كوردستان)، أن «القسم الشرقي من لواء ديالى كان يسكنه الكورد تماماً» قبل تهجيرهم القسري والتطهير العرقي فيه، وأن نسبتهم في كل من ناحيتي ميدان وقوره تو نحو 100%، وفي ناحية مركز قضاء خانقين 80%، وفي ناحيتي جلولاء والسعدية (قزلرباط) 50%. وجدير بالذكر أن مؤلف كتاب «خناجر وجبال» السيد أحمد فوزي أورد مثل هذه النسب كذلك، معتمداً على تعداد سكان العراق لسنة 1947.

  2. وبخصوص ناحية السعدية (قزلرباط)، التي كانت تسمى سابقاً «خسرو آباد»، فإن المؤرخ العراقي المرحوم عبد الرزاق الحسني ذكر في كتابه «العراق قديماً وحديثاً» أن أهلها الكورد يتكلمون الكوردية في الأغلب، شأنهم شأن سكان مدينة خانقين. كما جاء في كتاب المرحوم محمد أمين زكي الموسوم «خلاصة تاريخ الكورد وكوردستان»: «إن في مدينة السعدية حيّين: أحدهما باسم (جولك) ويسكنه الكورد، والآخر باسم (خالدي) ويضم الكورد بالإضافة إلى التركمان الذين استوطنوها في العهد العثماني».

  3. أما جلولاء فهي بلدة قديمة تقع على طريق خراسان، وعُرفت قديماً باسم «كرخ جدان» أو «قره غان» كما يسميها أهلها. وقد تعرضت جلولاء لحملات تعريب واسعة من الحكومات العراقية السابقة، نظراً لأهمية موقعها الجغرافي، ولا سيما بعد أن تحولت إلى مركز لناحية باسمها، وأضيفت إليها العديد من القرى ذات الأغلبية العربية من محافظة كركوك، لرفع نسبة السكان العرب فيها وتعريب المنطقة الكوردية.

وفي دراسة أكاديمية لسكان المنطقة الكوردية وجلولاء سنة 1972، ظهر أن نسبة الكورد في قصبة جلولاء لا تقل عن 42% من مجموع سكانها، فيما كان العرب والتركمان يمثلون ما تبقى من سكانها، على الرغم من عمليات التعريب الحكومي المستمرة والمذكورة في الوثائق الرسمية.

إن سياسة التعريب التي تعرض لها قضاء خانقين أثّرت بلا شك في التكوين القومي لسكانه، فبينما ارتفعت نسبة العرب من 40% إلى 68% وفقاً لبيانات الحكومة العراقية السابقة للفترة بين 1965 و1977، انخفضت نسبة السكان الكورد من 80% إلى 54% خلال السنوات بين 1947 و1965، ثم من 54% إلى 27% فقط من مجموع سكان القضاء بين 1965 و1977. لاحظ الجدول التالي:

نسب التوزيع القومي لسكان قضاء خانقين ذي الأغلبية الكوردية

القومية 1965 (%) 1977 (%)
الكورد 54.3 27.3
العرب 40.3 67.9
التركمان 3.3 4.1
الآخرون 2.1 0.7
المجموع 100 100

والذي لا شك فيه أن أهلنا الكورد في قضاء خانقين، رغم كل الأساليب التي استخدمها النظام والحكومات العراقية السابقة، من تسفير وتهجير وترحيل لآلاف الأسر والعوائل الكوردية من قضاء خانقين إلى خارج الوطن، وترحيل آلاف أخرى من الكورد وتهجيرهم قسراً إلى محافظات وسط العراق وجنوبه، أو زجّهم في معسكرات أُطلق عليها «المجمعات السكنية»، لا يزالون يمثلون النسبة الغالبة في خانقين، وتشهد بذلك نتائج الانتخابات التي جرت في البلاد بعد عام 2005م.

والوثائق التي بين أيدينا تعكس حقيقة تلك الوسائل، ومن بينها ما ورد على لسان طه ياسين رمضان في زيارته لمدينة خانقين في تموز 1998م بضرورة تقليل نسبة الكورد في المدينة إلى 20%، ودعوته إلى نقل المعلمين والمدرسين الكورد إلى خارج قضاء خانقين، ثم الإجراءات التي سبقت تلك الزيارة وتلتها، والتي كانت تصب في الأهداف نفسها، ومنها: كتاب قائمقامية قضاء خانقين المرقم س/2/42 في 17/1/1999 إلى قيادة الحزب الحاكم (حزب البعث)، الذي ينص على ضرورة توزيع دور المرحّلين والمهجّرين قسراً من الكورد على العرب الوافدين من جنوب العراق إليها لغرض التعريب، وتقليص عدد الموظفين من القومية الكوردية؛ وكذلك كتاب بلدية خانقين العدد 177 في 28/2/1999 القاضي بتهديم أحياء كوردية في مدينة خانقين ذات الأغلبية الكوردية، بحجة إعادة تصميم المدينة وخريطتها.

لقد استغلت السلطات والحكومة العراقية السابقة الحرب العراقية الإيرانية بين سنتي 1980 و1988 للإسراع في تنفيذ سياسة التعريب في قضاء خانقين.

وبقرار مجلس قيادة الثورة المرقم (1469) في 2/11/1991 شُكّلت لجنة حكومية برئاسة محافظ ديالى لبيع دور المرحّلين والمهجّرين قسراً من الكورد في قاطع خانقين-جلولاء، وتوزيعها على السكان العرب الوافدين إليها من وسط العراق وجنوبه لغرض التعريب، شريطة أن يشغلوها بأنفسهم.

إن التلاعب بالأقلام والأرقام، أو محاولة إعادة عجلة التاريخ إلى الوراء من جديد، لن يجلب للعراق سوى المزيد من عدم الاستقرار، ولا سيما أن قضاء خانقين الكوردي ذا الأغلبية الكوردية يمثل أهمية استراتيجية، سواء بموقعه الجغرافي بجوار الحدود العراقية الإيرانية، أو بأهميته النفطية. وبالتالي فإن أبناء هذا القضاء، وخاصة الكورد، غير مستعدين من جديد لتمرير السياسات العنصرية للحكومات العراقية السابقة واللاحقة، التي سبق أن فشلت في المنطقة، رغم كل ما حشدته لها الأنظمة والحكومات العراقية السابقة من قوة، ورغم تنوع الوسائل والأساليب التي استخدمتها في التهجير القسري للأكراد من مناطقهم ومساكنهم.

2- جغرافية مدينة خانقين الكوردية في ظل سياسة التعريب الحكومي للنظام السابق

تتبوأ مدينة خانقين، ذات الأغلبية الكوردية، موقعاً جغرافياً متميزاً قريباً من الحدود العراقية الإيرانية، عند النقطة التي تنعطف فيها هذه الحدود باتجاه العاصمة العراقية بغداد، بحيث لا تزيد المسافة بينهما على 150 كم. ويمر عبرها طريق خراسان التاريخي الذي يربط عاصمتي البلدين المتجاورين (العراق وإيران)، كما كان ينتهي عند مدينة خانقين خط السكة الحديدية بين بغداد وكركوك وأربيل، مما أكسب المدينة أهمية استراتيجية، ولا سيما بعد تأسيس شركة نفط خانقين سنة 1925م التي تولت استخراج النفط من المنطقة، حيث تتوزع آبار النفط شمال المدينة في منطقة «جيا سورخ»، وآبار النفطخانة جنوبها. وأُنشئ مصفى للنفط سُمّي «مصفى الوند» سنة 1926م ليزود أسواق العراق بالمنتجات النفطية.

إن هذه المميزات جعلت من مدينة خانقين مركز عبور للوافدين من الشرق، ولا سيما من إيران وأفغانستان وباكستان، لزيارة العتبات المقدسة، وخلال مواسم الحج والمناسبات الدينية، وخاصة شهر محرم الحرام من كل عام. وبالتالي فقد أصبحت المدينة مهوى للسياح والتجار، وساعدها على ذلك نقاء هوائها واعتدال مناخها وكثرة مرتفعاتها وغاباتها، ووجود نهر الوند الذي يشق طريقه عبرها، وقد أقيمت عليه قنطرة الوند الحجرية. قال عنها السيد عبد الرزاق الحسني: «إنها قنطرة حجرية فخمة، يرجع تاريخها إلى تاريخ إنشاء البلدة، وقد تهدمت واستُعيض عنها بقنطرة ثانية ذات إحدى عشرة فتحة بُنيت بحجارة القنطرة الأولى». أما القنطرة القديمة فقد ذكرها ياقوت الحموي قائلاً: «قنطرة عظيمة على واديها، تتكون من أربعة وعشرين طاقاً، كل طاق يكون عشرين ذراعاً، عليها جادة خراسان إلى بغداد وتنتهي إلى قصر شيرين».

وتأسيساً على ذلك، فإن مدينة خانقين الكوردية كانت حتى العقد السابع من القرن الماضي تضاهي أهم مدن العراق، بما في ذلك مدينة بعقوبة مركز محافظة ديالى؛ فبينما تجاوزت نسبة سكان قضاء خانقين 24% من مجموع سكان لواء ديالى عند تشكيله، كانت نسبة سكان قضاء بعقوبة تقل عن 20% من مجموع السكان.

وتشير نتائج إحصاء السكان لسنة 1947 إلى أن مجموع سكان مدينة خانقين بلغ 10080 نسمة، يتوزعون على جانبي نهر الوند؛ فالجانب الشرقي يضم 75% من سكانها، ومن أبرز محلاته: الجامع، وعبد الله بك، والحميدية، والهاشمية. أما الجانب الغربي فيضم 25% من مجموع سكان المدينة، ومن أهم محلاته: محلة آغا، وخليفة.

وفي ضوء نتائج تعداد سكان العراق لسنة 1957 ارتفع حجم سكان مدينة خانقين بنسبة 5% سنوياً، واستمرت نسب الزيادة في الارتفاع حتى بلغت 7% سنوياً بين سنتي 1957 و1965 (لاحظ الجدول رقم 1)، وذلك بفعل مجموعة الخصائص الجغرافية والاقتصادية التي سبقت الإشارة إليها.

جدول رقم (1): نسبة الزيادة السنوية لسكان مدينتي خانقين ذات الأغلبية الكوردية وبعقوبة (%)

السنة مدينة خانقين مدينة بعقوبة
1947-1957 5 7.6
1957-1965 7 11.1
1965-1977 2 9.8
1977-1987 -3.8 9.3

من جهة أخرى، تميزت العقود التالية بانخفاض سريع في وتائر نمو سكان مدينة خانقين، ولا سيما بالمقارنة مع مدينة بعقوبة مركز محافظة ديالى؛ فبينما لم تتجاوز نسب الزيادة في سكان مدينة خانقين 2% سنوياً، بلغت نحو 10% في مدينة بعقوبة خلال الفترة بين سنتي 1965 و1977. بل إن العقد التالي (1977-1987) شهد انخفاضاً في حجم سكان مدينة خانقين بنسبة بلغت نحو 4% سنوياً، بينما استمر ارتفاع حجم سكان مدينة بعقوبة بنسب تزيد على 9% سنوياً (انظر الجدول رقم 1 أعلاه)، وهي ظاهرة جديرة بالدراسة والتحليل.

إن الموقع الجغرافي لمدينة خانقين، بالقدر الذي كان له دور في ازدهار حركتها التجارية وتطورها العمراني خلال النصف الأول من القرن الماضي، أدى دوراً سلبياً خلال النصف الثاني منه، مع تصاعد وتائر الأزمات بين الدولتين العراقية والإيرانية، بالإضافة إلى تفاعلات ثورتي الكورد: ثورة 11 أيلول 1961، وثورة كولان في العقد السابع (1976)، وحتى الوقت الحاضر. وقد ترتبت على ذلك نتائج انسحبت على حجم سكان المدينة ونموهم من جهة، وعلى خصائصها القومية واللغوية الكوردية من جهة ثانية، كما سنرى:

  1. شهد النصف الثاني من القرن الماضي تدهوراً واضحاً في العلاقات العراقية الإيرانية، أخذ صوراً مختلفة، من بينها ما يلي:

    أ- تحويل عدد من الأنهار والجداول المائية والمسيلات التي تشكل نهر الوند، أو استثمار مياهه استثماراً أوسع في الجانب الإيراني، بحيث تسبب ذلك في انخفاض مناسيب مياه النهر، مما هدد النشاط الزراعي في المنطقة وشجع على هجرة سكانها.

    ب- كان تدهور العلاقات العراقية الإيرانية سبباً في انخفاض حركة السياحة والزيارات المتبادلة بين مواطني البلدين، بحيث لم يعد لطريق خراسان الدولي أهميته السابقة في حركة النقل والتجارة.

    ج- كما أدى تصاعد الأزمات بين الدولتين العراقية والإيرانية إلى توقف إنتاج النفط في آبار النفطخانة، وكذلك في مصفى الوند المجاور لمدينة خانقين.

    د- لعل أكثر من دفع ضريبة تصاعد الأزمات بين العراق وإيران هم الكورد الفيليون؛ لذلك سعت الحكومات العراقية بين فترة وأخرى إلى تسفير الآلاف من الكورد الفيليين من سكان مدينة خانقين إلى الجانب الآخر من الحدود (إيران)، وشهد العقدان السابع والثامن من القرن الماضي أوسع حملات التسفير تلك للكورد الفيليين.

    هـ- ثم كانت الحرب العراقية الإيرانية بين سنتي 1980 و1988، التي تسببت في هجرة الآلاف من سكان المدينة ذات الأغلبية الكوردية، حيث كانت المنطقة إحدى أبرز ساحات تلك الحرب بحكم موقعها الجغرافي المجاور للحدود العراقية الإيرانية.

  2. من جانب آخر، أدت تفاعلات ثورتي الكورد، ثورة 11 أيلول 1961 وثورة كولان منذ العقد السابع (1976) من القرن الماضي، وحتى اليوم، إلى أن تتعرض مدينة خانقين لحملات متوالية لتهجير سكانها (الأكراد الفيليين)، وتجميعهم في مواقع بعيدة عن أهلهم وديارهم، كما استقبلت المناطق المحررة من إقليم كوردستان العراق الكثيرين منهم، ولا تزال الحكومة العراقية الحالية تدفع بهم إلى مثل تلك الجهات.

  3. وتزامناً مع حملات التسفير والتهجير القسري لسكان مدينة خانقين الأكراد، سعت الحكومات العراقية السابقة إلى زرع المدينة بالأحياء والتجمعات العربية الوافدة من وسط العراق وجنوبه لأجل التعريب، من خلال تشجيع الأسر والعشائر العربية على الاستقرار فيها. كما استبدلت بأسماء الأحياء القديمة في المدينة أسماء عربية، فأطلقت على محلة «المزرعة» اسم «البعث»، وعلى محلة «آغا وخليفة» اسم «17 تموز»، وعلى محلة «الأركوازي» اسم «7 نيسان».

وكان الهدف الأساس في كل ذلك هو التأثير في التكوين القومي الكوردي لسكان المدينة لصالح العرب، بوصول الوافدين العرب لغرض التعريب. وقد كشفت نتائج تعدادات السكان ذلك؛ فبينما كانت نسبة الكورد تزيد على 80% من مجموع سكان مدينة خانقين سنة 1947م، فإن تعداد السكان لسنة 1957م أشار إلى أنهم لا يتجاوزون 58%، وفي تعداد السكان لسنة 1977 بلغت نسبة السكان الكورد أقل من تلك النسبة أيضاً.

إذن كانت عملية التعريب مستمرة في مدينة خانقين ذات الأغلبية الكوردية بشكل متواصل، وفي كل العهود السابقة والحالية.


أجزاء «التعريب في كوردستان» (4 أجزاء):

  1. الجزء الأول (هذا الجزء)
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث
  4. الجزء الرابع

الجزء الثاني ←