الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

التعريب في كوردستان (الجزء الرابع)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

تقسيم لواء درنه وباجلان الكوردي

لكي تضع الحرب أوزارها في جبهتي زهاو وأرضروم عقدت الدولة العثمانية وإيران مصالحة بينهما سنة 1238هـ/1823م، ويوجد نص وثيقة المصالحة في «تاريخ جودت» (ج12 ص228-235) باللغة التركية، كما توجد وثائق بخصوصها، ولكن المشاكل بقيت معلقة بينهما. فمنذ احتلال إيران مدينة زهاو، مركز اللواء، سنة 1823 تركتها الدولة العثمانية لإيران، ثم أقرت معاهدة أرضروم الثانية، التي أُبرمت سنة 1847م بينها وبين إيران بوساطة بريطانيا وروسيا، حيث كان لكل منهما ممثل في لجنة المعاهدة، تقسيمَ لواء درنه وباجلان الكوردي بين إيران والدولة العثمانية، فأُعطي القسم الشرقي منه لإيران، بينما أُعطي القسم الغربي، ومنه منطقة خانقين، للدولة العثمانية.

ومن حسن الحظ أن رسالة من ست صفحات حافلة بالمعلومات وصلت إلى عبد الرقيب يوسف في 17/7/2003 من الكاتب الفاضل الأخ إبراهيم باجلان، وهي مؤرخة في الثلاثين من شهر حزيران 2003م، وكان قد طلب منه أكثر من مرة جمع المعلومات عن متصرفية باجلان، فأعلمه أن لديه وثائق بخصوصها. والرسالة قلادة ثمينة كبيرة يعجز عن حملها جِيدُ هذا البحث النحيف، لذلك نستعير منها ما يزيد البحث رونقاً وجمالاً.

كتب الباجلاني نقلاً عن «حديقة سلطاني»، الذي ألّفه بالفارسية محمد علي سلطاني من المؤلفين الأكراد في كرمانشاه: إن باشوات باجلان حكموا مناطق زهاو القديمة، وهي هورين وشيخان وبن كوره وقورتو وسرقلعه وجيكران وكويس، والمناطق الواقعة خلف جبل «به مو»، وباوه وجوانرود وروانسر، وإن نفوذهم وصل أحياناً إلى شهربان.

وذكر الباجلاني أن جيمس بكنغهام كتب في الجزء الثاني من «رحلته إلى العراق» (ص208-247) معلومات مفصلة عن إمارة باجلان في زهاو، وقد تجول فيها سنة 1816م، وطلب منه أمير باجلان محمد باشا أن يحضر عنده (علماً أن محمد باشا هو محمد جواد باشا الذي ذكرناه سابقاً). كما نقل معلومات من كتاب «شهرزور - السليمانية» (ص195) لعباس العزاوي، بتحقيق محمد علي قره داغي، بخصوص أمير باجلان حاكم زهاو عبد الفتاح باشا، مثلما نقل من «كرد وترك وعرب» (ص14) لإدموندز أن خانقين كانت جزءاً من باشوية زهاو الكوردية.

كما نقل أيضاً معلومات بخصوص إمارة باجلان من «كوردستان في عهد السلام بعد الحرب العالمية الأولى» (ص282-286) للدكتور أحمد عثمان الأربيلي، وجاء فيها أن أول من لُقّب بـ«باشا» من أمراء باجلان كان أحمد باشا الذي قاتل نادر شاه، وأنه على أثر توصية لجنة معاهدة أرضروم الثانية، التي كان عثمان باشا (متصرف درنه وباجلان سابقاً) عضواً فيها، بأن تبقى أسرة باجلان الحاكمة في الرعية العثمانية، نزحت الأسرة إلى خانقين التي ما تزال مقراً لها.

كما نقل الأستاذ إبراهيم باجلان معلومات من «الصراع العراقي الفارسي» (ص264) للدكتور عماد عبد السلام، الذي ذكر فيه أن درتنك أصبحت في سنة 1574 سنجقاً (لواءً) من سناجق إيالة بغداد، وفي القرن الثامن عشر أُدمج مع سنجق باجلان الذي كان يتبع إيالة الموصل (بل الصحيح إيالة شهرزور)، وعُرفا بعد الدمج بـ«سنجق درنه وباجلان»، وأضاف أن درنه تقع الآن ضمن شهرستان قصر شيرين.

وكتب الباجلاني أيضاً أنه بعد معاهدة أرضروم (أي بعد تقسيم المنطقة) شُكّل في الجانب العثماني لواء باسم «لواء باجلان»، وكان يتكون من أقضية خانقين وكفري (وكانت مدينة قديمة ذات أسوار) (4) وطوزخورماتو ومندلي وقزانية وبدرة، كي يحكمه أمراء باجلان. وأخيراً نرجو من الأستاذ إبراهيم الباجلاني أن ينشر رسالته القيّمة أو مقالاً خاصاً بهذا الموضوع، وأن يستمر في تتبعه ويؤلف فيه كتاباً مستقلاً.

المطالبة بإحياء لواء باجلان الكوردي في مذكرة من أكراد السليمانية إلى الحكومة العراقية في 30 نيسان 1930

في الثلاثين من نيسان 1930 قدّم عدد من وجهاء السليمانية مذكرة باللغة الكوردية إلى الحكومة العراقية، في عهد وزارة نوري السعيد ذي الأصول الكوردية، طلبوا فيها تشكيل «لواء باجلان» الكوردي، أي إحياءه، وكان مركزه مدينة خانقين الكوردية في العهد العثماني إلى أوائل الاحتلال البريطاني، كما طلبوا تشكيل «لواء دهوك». ويُعلم من المذكرة أن النواب الأكراد في البرلمان العراقي قد طالبوا بتشكيلهما سابقاً.

كانت المذكرة باسم «الوفد الكوردي» على ما كُتب في آخرها، أما الذين نظموها فكانوا، حسب تحقيق الأديب والكاتب الوطني الكوردي المعروف الأخ الأستاذ آزاد عبد الواحد:

ميرزا توفيق قزاز، وعزت بك عثمان باشا جاف، ورمزي فتاح، وفائق علي بك بابان، ومجيد أفندي، وحمه آغا، وأورحمان آغا، وعزمي بك بابان، وشيخ قادر الحفيد. ويُعلم أنهم قدموا قبلها أكثر من مذكرة بخصوص حقوق الشعب الكوردي، حيث كُتبت في أعلاها عبارة «لاحقه ى زماره 2/3».

لقد كتب هؤلاء الوطنيون الأكراد مذكرتهم تعقيباً على بيان صادر عن وزارة نوري السعيد، الكوردي الأصل، نُشر في الجرائد البغدادية في اليوم العاشر من نيسان 1930م بخصوص حقوق الشعب الكوردي، وجاء في المذكرة: «إن مضمون البيان ليس بشيء جديد، وإنما هو توصية لعصبة الأمم بخصوص حقوق الأكراد ضمن الدولة العراقية العربية الجديدة، كما هي في المادة الثالثة من المعاهدة البريطانية العراقية سنة 1922 والمادة (17) من الدستور العراقي، وكما تحدث عنها واعترف بها مراراً رئيس الوزراء السابق المرحوم عبد المحسن السعدون، وإن قسماً من تلك الحقوق قد طُبّق في كوردستان، وإن الشعب الكوردي يطالب الوزارة الحالية (وزارة نوري السعيد) بتطبيق القسم الباقي، وإن الشعب الكوردي لا يريد أن يضيع أوقاته بالوعود الفارغة… إن تعيين توفيق وهبي بك متصرفاً للسليمانية ليس محل الممنونية، ولأجل جلب اعتماد الشعب الكوردي كان عليها تعيين متصرف كوردي لكركوك، وتعيين متصرف لأربيل، وتشكيل لواء دهوك ولواء باجلان حالاً، حسبما طالب به النواب الأكراد في المجلس».

ذكر أرنولد ويلسن، وكيل الحاكم السياسي البريطاني العام في العراق، خانقين باسم «لواء خانقين» في أحداث 1918م، وذلك في الجزء الثاني من كتابه «بلاد ما بين النهرين». وفي أوائل عهد الاحتلال البريطاني للعراق اتُّخذت بعقوبة وخانقين حاكمية سياسية بريطانية واحدة، وذلك سنة 1920، على ما ذكرته المس بيل في كتابها المذكور (ص233). ثم في التشكيلات الإدارية للعراق، الذي ألحقت به بريطانيا كوردستانَ الجنوبية نهاية سنة 1925، اتُّخذت خانقين قضاءً تابعاً للواء ديالى الذي مركزه بعقوبة. ويمتد القضاء من جبل حمرين الواقع جنوب مدينة خانقين على مسافة 40 كم إلى قبالة مدينة دربنديخان التي تقع جنوب السليمانية على مسافة 68 كم، فطول القضاء 120 كم.

ومن ينظر بدقة إلى خارطة هذا القضاء يشعر أن امتداده إلى القرب من أنف السليمانية نابع من فكرة تجزئة المناطق الكوردية المترابطة جغرافياً، النابعة بدورها من فكرة تعريب كوردستان، مثل إلحاق قضاء مخمور، ذي الحدود القومية الجغرافية الطبيعية، وهو على نهر دجلة حيث يقع في شرقه، إذ فصله النظام السابق وقيادة حزب البعث برئاسة صدام حسين عن أربيل القريبة منه، وألحقه بالموصل البعيدة عنه والواقعة غرب نهر دجلة، للفكرة نفسها: تجزئة المنطقة الكوردية لغرض التعريب.

ومثل ذلك ما فعله صدام حسين أيضاً بقضاء طوز، مع أن بعض نواحيه متوغلة باتجاه السليمانية، حيث فصله عن محافظة كركوك مع قربه من مركز المحافظة، وألحقه بمحافظة تكريت (محافظة صلاح الدين) البعيدة والواقعة غرب نهر دجلة، وذلك جزءاً من خطة تعريب المناطق الكوردية. علماً أنه لم يكن على نهر دجلة، في السنوات الأولى من هذا الإلحاق الإداري الظالم، جسر يربط تكريت بقضاء طوز، فكان على المواطن الكوردي في قضاء طوز، بما فيه ناحية قادر كرم البعيدة، أن يأتي إلى بغداد لينام فيها ليلة، ومن ثَمّ يتجه شمالاً إلى تكريت في اليوم الثاني، وهكذا كان عليه أن يقطع مسافة أكثر من 450 كم حتى يصل إلى مركز المحافظة تكريت.

وقد تعرضت مدينة خانقين الكوردية وأطرافها ونواحيها، قزلرباط (السعدية) وجلولاء وقوره تو، لحملة قاسية من التعريب، وقد شرّد نظام صدام حسين وهجّر ورحّل كثيراً من سكانها الأكراد، ونقل قسماً منهم، وكذلك الموظفين وعمال نفط خانقين الأكراد، إلى وسط العراق وجنوبه على شكل دفعات، كما رحّل قسماً منهم إلى محافظة السليمانية ابتداءً من سنة 1974، وأُخليت كافة القرى الكوردية من خانقين إلى جبل «بمو». وقد صُوِّرت مجموعات منهم ألقتهم الحكومة في العراء في أطراف كلار في حرّ صيف سنة 1974. وجلب النظام عشرات الألوف من العرب من وسط العراق وجنوبه وأسكنهم في مدينة خانقين والمدن والمناطق التابعة لها لغرض التعريب في كوردستان العراق. وسيجد القارئ الوثائق الخاصة بالتعريب في الكثير من الكتب، ويرى مدى اهتمام النظام السابق وقيادة حزب البعث بتعريب مدينة خانقين وقضائها (تعريب محافظة ديالى) على ما يتكرر في تلك الوثائق، وقد جاء في خطة التعريب العامة لسنة 1993 (ص5) ما نصه:

«تعطى الأولوية في حسم الواقع السكاني لمدينة خانقين وكذلك مدينة الموصل».

ومن الوثائق الخاصة بتعريب قضاء خانقين كتاب رسمي بتوقيع محافظ ديالى الفريق الركن أحمد إبراهيم حماش بتاريخ 23/6/1997.

نعلم جيداً أن فكرة إنشاء «لواء دهوك» كانت قديمة، إلا أن المتنفذين من القوميين والتجار العرب في الموصل عارضوا ذلك سنوات طوالاً لأسباب سياسية قومية واقتصادية، إلى أن تحقق ذلك في أواخر ستينيات القرن الماضي بإصرار من الجانب الكوردي.

لقد نشرت بعض الصحف مؤخراً أن التحالف ينوي إلحاق قضاء خانقين وقضاء كفري بمحافظة ديالى حسب النظام الإداري القديم المتبع في عهد النظام السابق، بل الواجب على التحالف الدولي، الذي حرر العراق من النظام السابق (نظام صدام حسين) ويريد إرساء الديمقراطية في العراق والقضاء على آثار التعريب وآثار نظام حزب البعث، أن يراعي في النظام الإداري الجديد للعراق الجوانب التاريخية والقومية والجغرافية، فيشكّل محافظة جديدة تتألف من أقضية خانقين وكفري ومندلي لتحل محل «لواء باجلان»، ويجعل مدينة خانقين مركز المحافظة كما في العهد العثماني، حسب الأسس الجغرافية والقومية والتاريخية. وعلى التحالف الدولي أن يرفع الحيف الذي أصاب المناطق الكوردية من الناحية الإدارية أيضاً، النابع من سياسة تغيير الواقع القومي (الديموغرافي) في كوردستان، التي أوردنا عليها الأمثلة الإدارية السابقة، وعلى القيادة الكوردية إفهام التحالف الدولي ذلك والعمل على إنشاء محافظة خانقين وإلحاقها بكوردستان العراق (5).

منطقة خانقين حتى زهاو (حلوان)

في ضوء المعلومات المذكورة نجد أن حدود العراق العربي الجغرافية والتاريخية الحقيقية لم تتجاوز جبال حمرين إلى خانقين وحلوان، وأن إدخالهما في العراق العربي الجديد، وامتداد حدود العراق إلى داقوقا الواقعة جنوب شرق كركوك الكوردية عند ابن حوقل فقط على ما انفردت به خارطته، إنما يمثل الحدود الإدارية (المالية) لإقليم العراق مدة أقل من مائتي سنة من العهد العباسي. فقد قسّمت الدولة العباسية إدارياً، كما ذكرنا، المناطق الكوردية الواقعة في كوردستان العراق، التي يطلق عليها الآن اسم كوردستان الجنوبية، بين ثلاثة أقاليم هي: إقليم العراق العربي، وإقليم الجزيرة الكوردية، وإقليم الجبل (كوردستان العراق).

فكانت كورة (لواء - محافظة) حلوان (درتنك - زهاب - زهاو)، التي تبعد عن خانقين بحوالي 68 كم وعن جبل حمرين بحوالي 100 كم، وتقع الآن في أستان كرمانشاه، ملحقة بإقليم العراق العربي، وكانت تسمى كما في العهد الساساني «أستان»، وكذلك كورة (أي لواء أو محافظة) «شاذ فيروز»، وتتبعها خمسة طساسيج (نواحٍ)، وهي: طسوج فيروز قباذ، وطسوج الجبل، وطسوج تامرّا (علماً أن نهر تامرّا هو نهر ديالى)، وطسوج أربيل، وطسوج خانقين (6). ثم فُصلت كورة حلوان عن العراق وأُلحقت بإقليم الجبل الكوردي (بلاد البهلويين - قوهستان - كوهستان)، وفُصل خراجها عن خراج طساسيج العراق، على ما قاله قدامة بن جعفر المتوفى سنة 320هـ/932م في «كتاب الخراج وصنعة الكتابة» (ص243)، كما ذكرها ضمن إقليم الجبل الكوردي (كوردستان العراق) عند البحث في فتوحات إقليم الجبل (7).

علماً أن خراج حلوان السنوي كان آنذاك تسعة ملايين درهم، على ما ذكره قدامة بن جعفر في كتابه (ص250)، أما حسب قائمة الجهشياري للخراج في عهد هارون الرشيد (786-809م) فكان أربعة ملايين وثمانمائة ألف درهم، على ما في «تاريخ الإسلام السياسي» (ج2 ص280) للدكتور حسن إبراهيم، وكان حسب قائمة ابن خلدون في زمن المأمون (813-833م) مطابقاً لقائمة الجهشياري (بخصوص قائمة ابن خلدون راجع «تاريخ التمدن الإسلامي» ج2 ص61). وذكر اليعقوبي، قبل قدامة بن جعفر المتوفى في أوائل القرن العاشر الميلادي، أن حلوان من كُوَر الجبال (كوردستان العراق) مثل الصيمرة والدينور وسيروان (أي سيروان بشتكوه)، وذلك في «كتاب البلدان» (ص35)، وقد دوّن اليعقوبي معلوماته في القرن الثالث الهجري (القرن التاسع الميلادي). وكذلك أدخل ابن الفقيه الهمداني حلوان، وكذلك مندلي (البندنيجين) وشهرزور وبدرة وجسان (وبشتكوه)، ضمن إقليم الجبل (عراق العجم) كوردستان العراق، وذلك في (ص210) من «مختصر كتاب البلدان».

أما أربيل وكركوك وشهرزور فكانت ملحقة بإقليم الجزيرة الكوردية، ولكن شهرزور (منطقة السليمانية الحالية) فُصلت عن ولاية الموصل (كوردستان العراق)، أي عن إقليم الجزيرة الكوردية هذا، في عهد هارون الرشيد (786-809م)، وأصبحت مستقلة برأسها، على ما قاله قدامة في (ص383). علماً أن إقليم الجبل (عراق العجم) كوردستان العراق كان يمتد من كورة (لواء - محافظة) حلوان، ومنها طسوج (ناحية) خانقين، أي يمتد من جبل حمرين حتى الري (طهران) (8).

ولزيادة الإيضاح هناك خارطة ابن حوقل لإقليم الجبال التي كُتب عليها بخط كبير «مصايف الأكراد ومشاتيهم»، مما يدل على أن الأكراد كانوا القوة الرئيسية في إقليم الجبال (عراق العجم). علماً أن اليعقوبي وصف في «كتاب البلدان» (ص6) بلاد الجبل (كوردستان العراق) بكونها «دار الأكراد»، أي بلاد الأكراد، وفي (ص34) أدخل جلولاء الكوردية، الواقعة في السفح الجنوبي لجبل حمرين وخلف شهربان، ضمن بلاد الجبل الكوردية (كوردستان العراق). كما أن الكاتب التركي أوليا جلبي ذكر في (ص382) من الجزء الرابع من «سياحتنامه» أن حدود كوردستان تمتد إلى «كوه أقرع»، أي الجبل الأقرع الواقع غرب الري بطهران بمسافة يومين، علماً أنه جاب المنطقة.

بناءً على هذه المعلومات، فإن إدخال المنطقة الممتدة من جبل حمرين حتى حلوان ضمن إقليم العراق، وترسيمها على خارطته من قبل بعض البلدانيين الذين أتوا بعد اليعقوبي وقدامة بن جعفر، إنما كان حسب الوضع المالي أو الإداري المالي لإقليم العراق في فترة ما قبل زمنهم وقبل زمنهما أيضاً، أي في فترة أقل من ثلث العهد العباسي. ومما هو جدير بالإشارة أن الدولة العثمانية شكّلت في القرن السادس عشر في هذه المنطقة سنجاغاً (سنجقاً) أو لواءً باسم «سنجاغ باجلان»، وكان مركزه مدينة درتنك (زهاو)، وكان هذا اللواء تابعاً لإيالة شهرزور الكوردية التي كان مركزها مدينة كركوك، على ما تدل عليه وثيقة هي عبارة عن أمر سلطاني إلى والي (بكلربك) إيالة شهرزور حُدّدت فيها ميزانية السنجاغ (السنجق) في عهد متصرفه «دلاور باجورانلو»، أي دلاور الباجلاني، والوثيقة من القرن السادس عشر ومحفوظة في مركز الوثائق العثمانية بإستانبول تحت رقم (مهمة دفتري 7/2582)، وقد سبق ذكرها في موضوع خانقين.

ولمزيد من المعلومات عن قضاء شهربان وقضاء مندلي وبلدروز وقضاء بدرة، راجع كتاب الأستاذ عبد الرقيب يوسف «حدود كوردستان الجنوبية تاريخياً وجغرافياً» (ص238).

المصادر

  1. تقع مدينة خانقين شمال جبل حمرين على مسافة 55 كم، ويخترق المدينة نهر الوند الذي يجري من كوردستان التابعة لإيران، وتوجد على النهر في المدينة قنطرة حجرية عظيمة يعود تاريخها إلى ما قبل الإسلام، لعلها إلى زمن الملك الفارسي كسرى الثاني الذي اهتم بإعمار قصر شيرين، كما في «المرشد» (ص23). وقد ذكر ياقوت الحموي أن هذه القنطرة تتألف من أربعة وعشرين طاقاً، كل طاق عشرون ذراعاً، وأن الطريق من بغداد إلى خراسان يمر فوقها ويؤدي إلى قصر شيرين.

لمدينة خانقين موقع جذاب تحيط به بساتين كثيرة الفواكه من البرتقال والتمر والرمان وغيرها، وهي واقعة على الحدود العراقية الإيرانية. وبالنظر إلى كونها في سهل زراعي مهم، ومحطة لسكة القطار بين العراق وإيران، وفيها دائرة الكمرك والجوازات، وبالنظر إلى وقوع آبار النفط ومصفى النفط الحكومي بقربها، فقد ازدادت أهميتها وأخذت تتقدم بسرعة ويتسع عمرانها، فهي تتمتع بمنظر جميل بشوارعها وأحيائها العصرية بالإضافة إلى بساتينها ونهرها. كما يتمتع سكانها الأكراد بشعور قومي ممتاز، فقد اشتركوا في ثورة كوردستان بصورة فعالة، وبرز بينهم ثوار أبطال. وقد شرّدت الحكومة العراقية كثيراً من سكانها الأكراد، وأتت بالعرب إليها لغرض تعريبها، وشأنها في ذلك شأن المناطق التابعة لها التي عرّبتها الحكومة.

وأضيف هنا معلومات جديدة بخصوص خانقين من الأخ الأستاذ عمران أحمد ببي، وهو معلم ذو ثقافة عالية، والسيد إبراهيم سرحان علياوه يي، عضو اتحاد المؤرخين العرب وابن أخت عمران، وهما من قرية علياوه التي تبعد الآن حوالي 4-5 كم عن خانقين في شمالها الغربي وغرب نهر الوند، وذلك في 22/5/2005. ومع معرفتهما الشخصية بخانقين فقد سمعا تلك المعلومات من أحمد ببي، الذي كان من مواليد 1855 حسب جنسيته الرسمية العراقية، ولكن ابنه عمران أكد أنه كان يقول إنه من مواليد 1830م، وتوفي سنة 1967م، فعمّر طويلاً جداً، وكان دارساً يجيد اللغات الكوردية والعربية والفارسية والتركية، ومارس في إستانبول وظيفة في العهد العثماني. ونظراً لما كان يختزنه في ذاكرته القومية من معلومات كثيرة، استدعته وزارة الدفاع العراقية إلى بغداد لتزويدها بمعلومات بخصوص احتلال الروس لمدينة خانقين وتدميرها وقتل الكثير من سكانها، وذلك سنة 1917.

قال المرحوم أحمد إنه اشتغل في بناء جسر خانقين الحالي سنة 1860م (وكان عليه تاريخ 1860)، أما الجسر القديم فتوجد آثاره بقربه شرقاً باستقامة تكية خليفة شمس الدين في القسم الغربي من المدينة، وإن قرية علياوه (علي آباد) كانت مدينة في وقت ما، وكان فيها سوق وحمام، وما زالت آثار الحمام باقية حتى الآن، وإن السكان جاؤوا منها إلى خانقين، وكانت في موقع خانقين، أي في قسمها الشرقي، بساتين. وكان في خانقين خان للمسافرين هدمته السلطات الحكومية البعثية في سبعينيات القرن الماضي وبنت على أرضه مدرسة ثانوية، كما كان فيها خان آخر مقابل «حمام له كله» المنسوب إلى عشيرة «لك»، ثم اتُّخذ خاناً للعربات التي كانت تجرها الخيول، كما كانت تقيم فيه أسر ضعيفة الحال، وكان الخان كبيراً وخاصاً بالمسافرين، هدمته السلطات الحكومية البعثية في السبعينيات أيضاً، وبنت على أرضه مقراً لحزب البعث وآخر للشرطة، وبناية أيضاً لأوروزدي باك. كما كان فيها خان كبير ثالث بطابقين للمسافرين أيضاً، إلا أن أصحابه هدموه وشيدوا على أرضه الدكاكين.

لما قدم الملك فيصل الأول إلى خانقين أحب أراضيها، واستولى على قرى علياوه (علي آباد) ومحمد شير بك وشفيق عزيز، و4-5 قرى من قرى عشيرة سوره ميرى، وشيّد له قصراً على موقع مرتفع قبالة علياوه، وجعله تحت إشراف عبده «هجرس» (السعودي) الذي يقيم ابنه مجيد وأحفاده في علياوه حالياً. وأنشأ الملك فيصل مديرية خاصة لإدارة مزارعه في القرى المذكورة، وكان مديرها عبد الجبار محمود، الذي كانت زوجته من العائلة، فجاء بأسر عربية لإدارة تلك المزارع. وكان الملك فيصل الثاني يأتي أيضاً إلى خانقين ويقيم في قصر جده الذي هدمته الحكومة في عهد عبد الكريم قاسم. وكانت علياوه متكونة من حوالي مائتي أسرة كوردية، وكان ماؤها يأتي في جدول من نهر خانقين من عند الجسر. علماً أن سليمان باشا والي بغداد أعطى إبراهيم باشا بابان خانقين وعلي آباد وقولاي وقزلرباط، وذلك سنة 1790م. وكانت في خانقين قنصلية لإيران جميلة البناء هدمها نظام البعث السابق، علماً أنه كانت فيها مبانٍ مزخرفة. وفي 30/8/1980 سافر عبد الرقيب يوسف من بعقوبة إلى خانقين لتصوير تلك المباني وزخارفها، وباشر بتصوير القسم الغربي، وهو أصل المدينة، إلا أن رجال الأمن للنظام السابق ألقوا القبض عليه واقتادوه إلى دائرة الأمن، ومن حسن الحظ أن مدير الأمن كان من محبي التراث، فلما أطلعه على بعض مقالاته أطلق سراحه، إلا أنه منعه من معاودة التصوير وطلب منه مغادرة خانقين.

  1. راجع «مدن كوردية قديمة» (ص232) للمؤرخ الشهيد الملا جميل الروزبياني.

  2. عبد الرقيب يوسف، المصدر السابق، ص152.

  3. كان الاسم القديم لمدينة كفري «لاهير» و«كيماش» على ما في عدد من المصادر، وفي العهد العثماني عُرفت بـ«صلاحية»، وكانت تتمتع بموقع مهم حيث كانت تقع على «الطريق الملكي» الشهير. إن المدينة الحالية تقع في سفح جبل «بابا شاسوار»، وفيها مبانٍ تراثية مهمة صُوِّرت بصورة رسمية في تسعينيات القرن الماضي. وكانت المدينة في العهدين الفرثي والساساني تقع على الضفة الشرقية لنهرها، وتسمى خرائبها «قره أوغلان»، وقد تمكن عبد الرقيب يوسف مع الأخ السيد شكر محمد زنكَنه، رئيس بلديتها المخلص لتاريخها ودورها التراثي، من تحديد سورها الواسع، ووضعا له مخططاً، وصوّرا آثارها. وفي 6/6/1999 اكتُشف وصُوِّر السور الطويل المشيد بالحجر والجص على الجبل المطل على المدينة القديمة، ولم نجد له ذكراً في أي مصدر من المصادر، ولم تكتشفه المديرية العامة للآثار العراقية، وإن كفري تستحق الاهتمام المتزايد. وكانت المدينة الأقدم التلَّ الأثري الواقع جنوبها على مسافة 8 كم، المسمى «إسكي كفري». وفي سنة 2002 نشر السيد سهيل خورشيد كتاباً جيداً بخصوص كفري، كما سبق أن ألّف كل من مصطفى نريمان ومكرم الطالباني كتاباً بخصوص ثورة إبراهيم خان دلو وتحريره المدينة سنة 1920، وهما تاريخان جيدان لها أيضاً.

  4. نُشر موضوع خانقين هذا في جريدة «التآخي»، وكان لذلك صدى وتأثير في ازدياد رغبة سكان قضاء خانقين في المطالبة بفصل القضاء عن محافظة ديالى واتخاذه محافظة مرتبطة بكوردستان، حتى إنهم قاموا بمظاهرة جماهيرية شارك فيها قسم من العرب الساكنين في القضاء (قبل التعريب)، وقدموا مذكرة إلى التحالف بهذا الغرض.

  5. بخصوص حلوان وطساسيجها (نواحيها) راجع: ابن خرداذبه، «المسالك والممالك» (ص6)، و«كتاب الخراج وصنعة الكتابة» لقدامة بن جعفر المطبوع مع «المسالك والممالك» (ص235 و236 وغيرها)، وفي (ص36) أن كورة (لواء - محافظة) حلوان أضيفت إلى كورة الجبل وفُصلت عن السواد (سواد العراق). وكانت خانقين تسمى «أرتميتا» في العهد السلوقي الإغريقي (331-127 ق.م)، وقد توسعت في هذا العهد، وكانت مساحة المدينة حوالي 1.5 كم²، أي أكبر خمس مرات من مساحة أي مدينة أخرى في منطقة ديالى، وكانت نفوسها عشرين ألف نسمة أو أكثر، على ما في (ص219) من «أطراف بغداد» لروبرت ماك آدامز.

  6. «كتاب الخراج وصنعة الكتابة» (ص220) المطبوع مع «المسالك والممالك» لابن خرداذبه. وفي «كتاب الخراج» (ص383)، بتحقيق الدكتور محمد حسين الزبيدي، المطبوع ببغداد سنة 1981، ذكر قدامة بن جعفر في موضوع «فتح شهرزور والصامغان» أنه في عهد هارون الرشيد (786-809م) فُصلت شهرزور الكوردية والمناطق التابعة لها عن الموصل (كوردستان العراق)، أكبر مدن الجزيرة الكوردية، ونُصّب على شهرزور الكوردية والصامغان و«دار أباذ» والٍ منفرد، أي إن شهرزور وملحقاتها لم تُلحق بإقليم الجبل (كوردستان العراق/العراق العربي)، أي كانت منطقة مستقلة برأسها، على عكس ما قاله في مكان آخر. ثم بعد مدة أصبحت شهرزور خالية من أي موظف للدولة، إذ ذكر ابن حوقل في «صورة الأرض» (ص314) أنه «ليس بها أمير من قبل السلطان ولا عامل على وجوه أموالها، وهي من رغد العيش وكثرة الرخص…»، أي إنها لم تكن تدفع الخراج للدولة العباسية على عهد ابن حوقل، أي لم تكن لها علاقة بالدولة، ولكننا نعلم أنها كانت في وقت ما جزءاً من الدولة الحسنوية الكوردية. وقد أشار إلى هذا المؤرخ عباس العزاوي في «شهرزور - السليمانية» (ص116)، فقال إن شهرزور الكوردية أصبحت لواءً مستقلاً في آخر أيام هارون الرشيد. ويؤسفني أنني أجهل موقع الصامغان و«دار آباذ - داراباد»، أما الري وقزوين وأبهر وزنجان فليست من إقليم الجبل (عراق العجم) كوردستان العراق.

  7. بخصوص إقليم الجبل الكوردي (عراق العجم/كوردستان العراق) راجع البحث الخاص به في المصادر البلدانية نفسها: الإصطخري وابن حوقل والمقدسي وقدامة والهمداني.


أجزاء «التعريب في كوردستان» (4 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث
  4. الجزء الرابع (هذا الجزء)

→ الجزء الثالث