الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
التعريب في كوردستان (الجزء الثالث)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
إمارة باجلان الكوردية ومتصرفو درنه وباجلان
أما اسم «باجلان» الداخل في اسم هذا اللواء فهو اسم قبيلة باجلان الكوردية، التي كانت المصادر العثمانية تذكرها باسم «باجوران» و«باجوان» أيضاً، والتي كانت تقيم في مدينة خانقين ومنطقتها؛ لذا تُعتبر هذه المدينة عند الأكراد مركز باجلان، وهذا ما أكده الملا جميل الروزبياني أيضاً في «مدن كوردية قديمة» (ص250). وكانت منطقة سكناها تمتد حتى زهاو، وهي الآن مقسمة بين العراق وإيران.
وقد قالت المس بيل، سكرتيرة المندوب السامي البريطاني في العراق، بصددها في «فصول من تاريخ العراق القريب» (ص131): إن باجلان أهم عامل سياسي في المنطقة الكوردية، وأضافت أن القسم الكوردي الواقع تحت النفوذ العثماني هو تحت نفوذ الشخصية الكوردية مصطفى بك الذي يقيم في مدينة خانقين الكوردية (أي مصطفى بك ابن عثمان باشا متصرف درنه وباجلان).
وفي «العشائر الكوردية» كتب الميجر سون (E. B. Soane) معلومات دقيقة عن باجلان الكوردية ونفوذها، وذكر أن عبدال بك كان مؤسس إمارة باجلان الكوردية، وكان من إحدى العشائر الكوردية التي كانت تقيم بالقرب من مدينة دياربكر الكوردية، وقدم إلى منطقة زهاو سنة 1630م، ومنحه السلطان العثماني مراد باشوية زهاو الكوردية، أي بعد أن أصبحت منطقة زهاو الكوردية تابعة للدولة العثمانية بموجب معاهدة سربيل زهاب 1639. كما ذكر أن أحمد باشا بن آصف بن عبدال بك كان أول من مُنح منهم لقب الباشا، ومدح مصطفى بك بن عثمان «بنشاطه وحماسه لكل خطة تقضي بمنح كوردستان حكماً ذاتياً». وقد وضع السيد عبد الرقيب يوسف والسيد فؤاد حمه خورشيد شجرة لأمراء باجلان الأكراد ابتداءً من عبدال بك.
لقد أسست هذه القبيلة الكوردية إمارة باجلان في المنطقة الممتدة من جبل حمرين حتى جبال زهاو، ومن نهر سيروان فديالى إلى الشرق من مدينة كرند، أي إلى حدود بشتكوه وكرمانشاه (قرميسين)، وكانت درتنك الكوردية مركز الإمارة. وقد ذكرها شرفخان البدليسي في «شرفنامه» (ص411، طبع مصر، بالفارسية) باسم «إمارة درتنك» الكوردية، وذكر أنها تحكم ياوه وباسكه وآلاني وقلعة زنجير وروانسر وغيرها، لكنه ذكر أن أمراءها من قبيلة كلهور الكوردية. ولعل شرفخان البدليسي أخطأ في ذلك، فأمراء درتنك (زهاو) الكوردية المعروفون في عهده كانوا من باجلان الكورد، وكانت الأسرة الحاكمة تقيم في زهاو، ولكن إمارة المنطقة كانت قبل باجلان لكلهور الكوردية، ثم أخذتها منها باجلان.
ولما كانت هذه الإمارة (باجلان/زهاو/درنه) الكوردية ليست موضوع بحثنا، فلا يجب علينا ذكر كافة أمرائها، وإنما نذكر من تولوا منهم متصرفية درنه وباجلان الكوردية. وكان المتصرف يقيم في زهاو مركز هذه المتصرفية التي شملت مدن زهاو ودرنه وقصر شيرين وخانقين وكرند، مع المدن والأماكن التي ذكرها شرفخان البدليسي. ونظراً للأهمية الاستراتيجية لهذه المنطقة، إذ كانت البوابة الشرقية الرئيسية لبغداد التي كانت تنفذ منها الحملات الإيرانية على العراق وعاصمته بغداد، فقد كانت الدولة العثمانية تمنح لقب «باشا» لمن يتولون هذه المتصرفية تقديراً لهم.
هذا وفي سنة 1201هـ/1786م كان متصرفها عبد الفتاح باشا، الذي عزله في السنة نفسها سليمان باشا والي بغداد، وعيّن في مكانه ابن عمه (لا عمه) عبد القادر باشا، على ما ذكره الشيخ رسول الكركوكي في «دوحة الوزراء» (ص187) وعباس العزاوي في «تاريخ العراق» (ج6 ص101). وقد ذكر الشيخ رسول الكركوكي في (ص235) أن عبد الفتاح باشا كان متصرفاً سنة 1221هـ/1806م، لكن عبد الرحمن باشا بابان عزله سنة 1226هـ/1811م ونصّب ابن عمه خالد باشا بابان مكانه. علماً أن خانقين أُعطيت مراراً لأمراء بابانيين مع مندلي وبدرة وجسان، وكذلك شهربان وبلدروز حيناً، كما سنذكره في موضوع مدينة مندلي.
وقد ذكر السفير العثماني بطهران عبد الوهاب بسنجي زاده، في تقرير مطول له بتاريخ 1226هـ/1811م، أن عبد الفتاح باشا كان يقيم ببغداد فعُيّن متصرفاً لدرنه وباجلان الكوردية، علماً أن هذا التقرير موجود الآن في مركز الوثائق العثمانية بإستانبول تحت رقم (H.H/ 14257)، وتوجد نسخة مصورة منه. وجدير بالذكر أن عبد الله باشا والي بغداد كان لاجئاً عند عبد الرحمن باشا بابان، وتوصّل إلى منصب ولاية بغداد بقوة عبد الرحمن باشا بابان الذي أصبح أقوى شخصية في العراق، حتى وصفه الشيخ رسول الكركوكي بأنه استولى على العراق، وكذلك في مصادر فارسية؛ لذلك لم يعترض عبد الله باشا والي بغداد على إجرائه المذكور (راجع أيضاً عباس العزاوي، ج6 ص209).
ويُعلم من ملخص تحريرات لعبد الله باشا والي بغداد إلى السلطان العثماني محمود الثاني، كُتب سنة 1227هـ/1812م، وقد كتب عليه السلطان محمود الثاني بيده هامشاً من ستة أسطر (خط همايون)، أن عبد الله باشا والي بغداد أعاد عبد الفتاح باشا إلى متصرفية درنه وباجلان، وأن هذا كان بعد عزل عبد الرحمن باشا في السنة السابقة. وجاء فيه أيضاً أن القوات الإيرانية استولت على زهاو، وطلب عبد الله باشا والي بغداد تهيئة جيوش حلب وديار بكر والرقة والموصل للحرب إذا لزم الأمر. والملخص مطوّل غزير بالمعلومات، ويشتمل على ذكر عبد الفتاح باشا، علماً أن رقمه في مركز الوثائق العثمانية هو (H.H/ 36940). إن إعادة عبد الفتاح باشا إلى وظيفته كانت في سنة 1811م، ويؤيد هذا ما ذكره بسنجي زاده، وعلى هذا فإن عبد الفتاح باشا تولى متصرفية درنه وباجلان ثلاث مرات.
لقد أُنيطت متصرفية درنه وباجلان الكوردية في سنة 1230هـ/1815م بمحمد جواد باشا باجلان، وذلك من قبل سعيد باشا والي بغداد (1813-1816م). وفي السنة التالية جمع الشهزاده محمد علي ميرزا حاكم كرمانشاه قوات كبيرة للزحف على العراق، احتجاجاً على عزل سعيد باشا والي بغداد محمودَ باشا ابن عبد الرحمن باشا بابان عن إمارة بابان، وتعيين عمه عبد الله باشا بابان (ابن محمود باشا بابان) مكانه أميراً على إمارة بابان. وطلب الشهزاده محمد علي ميرزا من محمد باشا (محمد جواد) الانضمام إليه وعدم المقاومة، حيث كانت متصرفيته في طريق الزحف الإيراني، وكانت قواته قد وصلت إلى «دشت حرّ» الذي يخترقه نهر «كنكَير»، أي نهر مندلي، وحدثت المراسلة والموافدة بين الطرفين.
كما أن سليمان باشا بابان، أخا محمود باشا بابان، الذي لجأ إلى الشهزاده محمد علي ميرزا أيضاً، أرسل إلى محمد باشا باجلان رسالة ودية طلب فيها منه أن يقف بجانب محمود باشا بابان. وإزاء هذا الوضع الحرج أرسل محمد باشا باجلان ثلاث رسائل إلى سعيد باشا والي بغداد يطلعه فيها على الموقف، كانت الأولى بتاريخ 15 رجب سنة 1231هـ (= 12/6/1816م)، وهي في مركز الوثائق العثمانية تحت رقم (H.H/ 37200-L)، والثالثة بتاريخ 29 رجب ورقمها (H.H/ 39200-N). ويوجد على هذه الرسائل ختم محمد باشا باجلان: «وما محمد إلا رسول الله»، وعلى ظرفها كتابة فارسية تحمل عنوان المرسل إليه وتبدأ بعبارة «يا خير الناصرين»، وعليه أيضاً كتابة تركية بخط مغاير هي: «محمد جواد باشا جوابي يازلدي في 20 ن سنة 1231»، ومعناها أن جواب محمد جواد باشا قد كُتب، أما تاريخ (20 رمضان سنة 1231هـ) فهو تاريخ كتابة الملاحظة المذكورة.
وقد ذكر في رسالته الأولى أن الشهزاده محمد علي ميرزا أرسل إليه رسولاً يحمل منه رسالة يأمره فيها بأن يتهيأ ويحضر، أي يأمره بأن يقف بجانب إيران، كما ذكر فيها أن طوائف (عشائر) كوران (كَوران) والأكراد بقيادة محمد باقر خان قد وصلت إلى «دشت حرّ»، وأن قوات أخرى بقيادة محمد علي خان شام بياتي وراءهم.
وتوجد أيضاً الرسالة المؤرخة (16 ب 1231). لقد أرسل سعيد باشا والي بغداد رسائل محمد باشا باجلان الثلاث إلى إستانبول، مع رسالة سليمان باشا بابان، ورسالتين لمحمد حسين خان ابن الشهزاده محمد علي ميرزا كان قد أرسلهما إلى محمد باشا، وكذلك رسالة للشهزاده، ورسالة لمحمود باشا بابان إلى وجهاء كركوك لكي ينضموا إليه، وكان متمركزاً بقواته في دربندي بازيان قرب السليمانية لمواجهة القوات العثمانية المرسلة مع عمه عبد الله باشا بابان.
لقد أرفق سعيد باشا والي بغداد هذه الرسائل كلها برسالة من عنده إلى السلطان العثماني محمود الثاني، وتوجد ملخصات هذه الرسائل كلها بالترجمة التركية أيضاً في مركز الوثائق العثمانية، وتوجد نسخة مصورة منها، وفي مقدمتها ملخص رسائل محمد باشا، وقد كُتب عليها: «باجلان متصرفي مومي إليه محمد باشا بغداد واليسي حضرتلرينه ارسال»، أي «محمد باشا متصرف باجلان».
إن الرسالة التي أرفقها سعيد باشا والي بغداد بالرسائل المذكورة هي رسالته المؤرخة في (9 أو 19 شعبان) من السنة نفسها، والتي تحمل الرقم (H.H/ 37200-A)، بقياس (72×42 سم)، وقد كتب فيها تلك الأحداث مع ذكر محمد باشا باجلان («درنه وباجلان متصرفي محمد باشايه») مراراً، وذكر عدد من أمراء بابان. وقد كتب سعيد باشا والي بغداد رسائل أخرى إلى السلطان العثماني بصدد هذه الأحداث، ومنها رسالة مطولة فيها ذكر الأمراء الفيليين الأكراد آزاد خان وكريم خان وعظم خان الذين قادوا عشائرهم للاستيلاء على مندلي وبدرة وجسان، وفي أسفل الرسالة ختمه: «سعيد بن سليمان بن سَعْد سُعد كرود».
كان داود الدفتري (داود باشا فيما بعد، 1817-1831م) قد لجأ إلى محمود باشا بابان، وعندما رجع من السليمانية ومعه محمود باشا بقواته أصبح والياً على العراق وهو في الطريق إلى بغداد. ولما وصل إلى طوزخورماتو ومكث فيها أياماً أجرى تغييرات، منها أنه عزل محمد باشا متصرف درنه وباجلان، وعيّن مكانه سليمان باشا بابان، وذلك سنة 1232هـ/1817م. وفي السنة نفسها أسند متصرفية درنه وباجلان إلى عبد العزيز ابن المتصرف الأسبق عبد الفتاح باشا، مع منحه لقب الباشا، على ما ذكره عباس العزاوي في «تاريخ العراق» (ج6 ص236).
وفي مخطوط «معاهدة أرضروم» (ص101) لمحمد سعد الله أنوري، ممثل الدولة العثمانية في المعاهدة (1843-1847م)، وهو باللغة التركية ونسخته موجودة في معهد المخطوطات ببغداد تحت رقم (9219)، أن محمد علي ميرزا لما استولى على زهاو سنة 1811 نصّب محمد باشا حاكماً عليها، ولما استرجعها سعيد باشا والي بغداد أبقى محمد باشا في منصبه متصرفاً للواء درنه وباجلان. ولكن لما استولى محمد علي ميرزا مرة أخرى على زهاو، مركز اللواء، سنة 1817 عزل محمد باشا ونصّب عليها سليمان باشا بابان (وكان قد لجأ إليه كما ذكرنا). وفي سنة 1819 نصّب محمد علي ميرزا عزيز باشا (باجلان) حاكماً على زهاو، ولما أرسل داود باشا والي بغداد القوات مع محمد باشا (باجلان) واستولى على زهاو عيّنه متصرفاً على لواء درنه وباجلان، ودام في منصبه إلى سنة 1238هـ/1823م. ثم استولى محمد حسين ميرزا، بعد وفاة والده محمد علي ميرزا، على زهاو في هذه السنة، ونصّب عبد العزيز باشا حاكماً عليها. وهكذا أصبح محمد باشا متصرفاً على هذا اللواء عدة مرات، علماً أنه أدلى بإفادته هذه أمام لجنة معاهدة أرضروم، على ما ذكره محمد سعد الله أنوري.
وذكر أنوري في (ص94) اسم متصرف آخر للواء درنه وباجلان، ولعله آخر متصرف له، وهو عثمان باشا (والد مصطفى باشا باجلان الذي كان يقيم في خانقين إبان الاحتلال البريطاني)، فذكر أنه عُيّن متصرفاً من قبل داود باشا، وأضاف أن لجنة معاهدة أرضروم قد أخذت إفادة عثمان باشا بخصوص لواء درنه وباجلان والمناطق التابعة له.
وبخصوص تعيين عثمان باشا متصرفاً لهذا اللواء ندرج هنا خلاصة ما جاء في رسالة داود باشا والي بغداد إلى السلطان العثماني بتاريخ 23 ذي القعدة سنة 1237هـ (= 20/8/1822)، الموجودة بمركز الوثائق العثمانية تحت رقم (H.H/ 37117-D) والمصوَّرة: فقد ذكر داود باشا والي بغداد أن القوات العثمانية تمكنت من إخراج السليمانية وكويسنجق من قبضة القوات الإيرانية، وقد احتلت زهاب (زهاو) أيضاً واتخذتها معسكراً. وقد فُوّض سنجق زهاو إلى عثمان بك ابن محمد باشا من بكوات زهاو، وهو شخص جسور، وقال إنه خلع عليه الخِلع، وأرسل معه قوات كافية فاستولى على زهاو بدون قتال، وانهزم الإيرانيون مع عبد العزيز باشا الذي أسندوا إليه حكومة زهاو.
أجزاء «التعريب في كوردستان» (4 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث (هذا الجزء)
- الجزء الرابع