الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

التعريب في كوردستان (الجزء الثاني)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

3- قضاء خانقين: أصله التاريخي والتعريب فيه

كانت منطقة خانقين الكوردية في كوردستان جزءاً من بلاد الشعب الكوتي «كوتو»، وهو من أصول الشعب الكوردي، وذلك في الألف الثالث قبل الميلاد، حيث كانت بلاده الأصلية في بداية تاريخه، على رأي بعض الباحثين والمؤرخين في التاريخ القديم، تشمل سهول كرمانشاه الغربية بما فيها زهاو (ألوان - حلوان - درتنك) إلى الزاب الصغير. ومن المعلوم أن مدينة كركوك (أربخا) كانت عاصمة الدولة الكوتية الكوردية التي حكمت العراق، بعد قضائها على الدولة الأكدية، زهاء قرن من الزمن (حوالي 2210-2116 ق.م)، مع اختلاف في ذلك.

وكانت منطقة خانقين أيضاً جزءاً من مقاطعة «ياراهشي» التي كانت تمتد من نهر سيروان إلى جبال بشتكوه، مشتملة على سهل كرمانشاه أيضاً، وكانت متاخمة لمنطقة «نامار» التي كانت تضم سهول قره تبه وكفري، وكانت تحكمها ملكة كوردية كوتية باسم «ناوار تيوم» في القرن الثامن قبل الميلاد، وسيلاحظ القارئ المصادر التي استندنا إليها.

ليست لدينا معلومات بخصوص الاستيطان الأول لمدينة خانقين (1)، وكل ما نعلمه أنها نهضت في عهد الدولة السلوقية الإغريقية (331-127 أو 129 ق.م)، وكانت تسمى «أرتميتا»، أي إن السلوقيين خلفاء الإسكندر المقدوني سمّوها باسم الإلهة الإغريقية «أرتميس - أرتميتا» التي كانت لها صفات مشابهة لصفات «عشتار» الإلهة السومرية، وصفات «أناهيتا» الإلهة الآرية التي عُبدت في كوردستان. وكانت مساحتها آنذاك 1.5 كم²، بينما كانت نفوسها تقدر بعشرين ألف (20000) نسمة أو أكثر، فكانت أكبر بخمس مرات من مساحة أي مدينة أخرى في منطقة سهول ديالى، على ما حققه روبرت ماك آدامز في كتابه «أطراف بغداد» (ص219).

وفي العهد الساساني ظهر اسم «بلشفر» لمقاطعة تشمل حلوان وقصر شيرين وخانقين، وقد انتشرت فيها الديانة المسيحية آنذاك، وظهر فيها «مار سابا» الذي ترك الزرادشتية واعتنق المسيحية، وأدخل كثيراً من الزرادشتيين والميترائيين الأكراد في الديانة المسيحية، وأرجّح أنه هو «مرساوه» الذي بُنيت له صومعة صغيرة في معبد ميترائي صخري في وادي قرية «ديره شى» في جبل «به رى كَارى» جنوب العمادية، وقد صُوِّرت وشُخِّصت هويتها سنة 1995.

هذا وكانت خانقين وفيروز قباذ وكوهستان وتامرّا وأربل (جاءت في المصادر بصيغتي «أريل» و«أربيل» أيضاً، ولا أدري أهي سربول أم لا) من المدن التابعة لحلوان في العهد الساساني، وقبله في العهد الأشكاني (الفرثي) أيضاً (2). وفي العهد العباسي كانت هذه المدن الخمس من طساسيج (نواحي) كورة (لواء) حلوان، على ما ذكره قدامة بن جعفر المتوفى سنة 932م في كتابه «الخراج وصنعة الكتابة» (ص159، طبع بغداد 1981)، وكانت حلوان مركز أولى كُوَر إقليم الجبل الكوردي.

واعتبر اليعقوبي، من جغرافيي القرن التاسع الميلادي، في «كتاب البلدان» (ص34) مدينة جلولاء القديمة بداية إقليم الجبل (الكوردي بصورة عامة) من أقاليم الدولة العباسية، وهي الواقعة في السفح الجنوبي لجبل حمرين عند «المنصورية/الصدور»، وفي شمال شهربان بحوالي 9 كم، عند سد ديالى الثابت، أي الموقع السياحي الحالي. علماً أن مدينة جلولاء الحالية (قره غان سابقاً، أو كرخ جدان حسب تحقيق الملا جميل الروزبياني، التي يُنسب إليها الشيخ معروف الكرخي ابن فيروزان الكوردي من أئمة الصوفية) سمّتها الحكومة العراقية باسم جَلولاء القديمة.

أما المقدسي، وكان من جغرافيي القرن العاشر الميلادي أيضاً، فقد عدّ في «أحسن التقاسيم» (ص115، طبع بريل 1906) خانقين ومندلي (البندنيجين) وبوزجان وشلاشان والجامد والحرّ من المدن التابعة لحلوان، مثلما أدخل الهمداني في «كتاب البلدان» (ص212) بدرة وجسان ضمن إقليم الجبل. وقد ذكر الملا جميل الروزبياني في كتابه القيّم «مدن كوردية قديمة» (ص261) أن شهربان (المقدادية) كانت تابعة لحلوان عاصمة الدولة العنازية الكوردية في القرن الحادي عشر الميلادي، التي أسستها عشيرة شاذنجان الكوردية (سنجاوي عند الملا جميل الروزبياني)، ومنها عشيرة برازى (آنازى - عنازى) الكوردية الكبيرة في أورفا وكوردستان سورية. علماً أن مدينة شهربان، التي تقيم حالياً في أطرافها عشائر كوردية مستعربة مثل «جوران» و«كروي»، كانت خارجة عن العراق الذي كان حده الشمالي الشرقي ينتهي عند «علث» الواقعة بين الخالص وسامراء، وكانت شهربان (المقدادية) وبلدروز من المدن الكوردية حتى القرن الثاني عشر، على ما سنذكره مفصلاً.

لواء خانقين

لقد ذكر عباس العزاوي في «تاريخ العراق بين احتلالين» (ج7 ص143) خانقين باسم «لواء خانقين»، وقال إن الأستاذ سليمان فائق (المؤرخ) كان قائمقاماً، أي متصرفاً، للواء خانقين سنة 1863م، وهي السنة التي مُدّ فيها خط التلغراف إلى خانقين ثم رُبط بخط إيران.

إن التغييرات الإدارية التي قام بها مدحت باشا والي بغداد شملت لواء خانقين، حيث أُلغي هذا اللواء واتُّخذت خانقين قضاءً ملحقاً ببغداد، وذلك سنة 1869، على ما ذكره عباس العزاوي (ج7 ص169) والملا جميل الروزبياني («مدن كوردية» ص255). وإن لم يكونا مخطئين، فلا بد أن خانقين الكوردية اتُّخذت لواءً من جديد، إذ ذُكرت باسم «لواء خانقين» في سندين عثمانيين من سنة 1892 لدى الأستاذ إبراهيم باجلان، وهما بتاريخ (7 كانون الثاني 1308) رومي، أي سنة 1891م، ويتعلقان بأراضٍ زراعية لفتح الله بن عبد الرزاق آغا باجلان في قرية «بنكوره» من لواء خانقين الكوردي، ويوجد على أحدهما اسم خليل آغا فتح الله آغا أيضاً مع اسم المالك الأول محمد صالح، وعلى الآخر اسم المالك الأول موسى بن أحمد.

خانقين في العهد العثماني ولواء درنه وباجلان الكوردي

كانت خانقين في العهد العثماني ضمن لواء (متصرفية - محافظة - سنجاغ بالتركية) ورد في الوثائق العثمانية باسم «سنجاغ باجلان»، ثم باسم «سنجاغ درنه وباجلان»، وكان مركزه مدينة زهاو (حلوان) أو درتنك في القرن الثامن عشر، على ما في «تاريخ العراق بين احتلالين» (ج6 ص165) للمؤرخ الكبير عباس العزاوي وغيره. وكان أمراء باجلان في زهاو (حلوان) يتولون هذه المتصرفية التي كانت امتداداً لـ«سنجاغ باجلان»، الذي كان تابعاً لإيالة (ولاية) شهرزور الكوردية التي كان مركزها مدينة كركوك الكوردية.

وقد شكّل هذه الإيالة السلطان العثماني سليمان القانوني بن السلطان سليم الأول عندما استولى على العراق وكوردستان الجنوبية سنة 1534م، وكانت تمتد من سنجاغ «جنكَوله» الواقع فيما وراء خانقين، أي في منطقة كرمانشاه الحالية باتجاه جبال بشتكوه، حتى منطقة مريوان (مهربان) التابعة الآن لأستان كوردستان (سنندج - سنه)، وحتى منطقة سردشت ومنطقة شنو (آشنه) من أستان أورمية في إيران، وإلى ما وراء «شيروان مزن» من منطقة بارزان، أي إلى جزء من منطقة هكاري. وهكذا جمع السلطان العثماني سليمان القانوني كوردستان الجنوبية (كوردستان العراق)، ما عدا منطقة إمارة العمادية الكوردية حتى سنجار (شنكال)، في وحدة إدارية واسعة، وأصبحت كركوك الكوردية العاصمة الإقليمية لهذا الجزء من كوردستان، والتفاصيل في موضوع إيالة شهرزور (3).

ويدل على أن سنجاغ باجلان كان داخلاً ضمن إيالة شهرزور الكوردية وثيقةٌ موجودة في مركز الوثائق العثمانية بإستانبول تحت رقم (مهمة دفتري 7/2585). ويُعلم من رسم خطها، ومن تسلسل الوثائق، وهي أحكام سلطانية مكتوبة في هذا المجلد السابع من مجموعة «مهمة دفتري» التي تتكون من مائة مجلد مخطوط، أن هذه الوثيقة تعود إلى القرن السادس عشر. وهي عبارة عن حكم (أمر) وجهه السلطان العثماني إلى بكلربكي إيالة شهرزول (شهرزور)، أي والي الإيالة، ولو كان سنجاغ باجلان تابعاً لإيالة بغداد لوجّهه إلى بكلربكي بغداد. والوثيقة تبدأ بما يلي: «شهرزول بكلر بكيسنه حكم كه باجورانلو دولاور دام عزه»، وأُعلم فيها والي شهرزور بالمبلغ المقطوع سنوياً لدلاور الباجلاني متصرف السنجاغ، وللسنجاغ كله، وهو (148.576) آقجه. وندرج هنا النص التركي للوثيقة كما كُتب، علماً أن قراءة الخطوط العثمانية القديمة صعبة جداً، وهي تعود إلى النصف الثاني من القرن السادس عشر، وإلى عهد السلطان العثماني سليمان القانوني على الأغلب (مهمة دفتري 2585)، باللغة التركية:

«شهرزول بكلر بكيسنة حكم كه باجورانلو دلاور دام عزه نك خاصلرى يوزقرق سكزبيك بيشيوز يتمش التي اقجه اولوب مجرد تصدر ايجون سنجاغى زياده تامله اولسون ديو ذكراولنان خاصلرين ايكي يوز قرق بيك اقجيه قبول ايدوب اناكورا بلدر لمش ايكن خواص هما يوندن بعض جولك وبعض خاصلرى خالي وخرابه ديو طالب اولوب امر شريف او لمدين ايكيوز قرق بيك اقجيه ينشدروب برات ايدون بالامر متصرف اولمشدر ديو شهرزور دفترى كتخداسى اولوب ناظر اموال اولان محمد اعلام ايتمكن بيوردوم وصول يولدقره مشارا ليهنك سابقا وحالا النده اولان براتلرين كتوردوب نظر ايدوب كوره سى في الواقع مقدما خاصلرى او لمقدار اولوب بعده تصدر خصو صيجون او لقدره قبول اتمن ايكن بالامر خواص هما يوندن دفترندن مزرعه وجولك و (لو بكر؟) الوب براتنه قيد اتدرمش سه بالامر شريف نمقدارتنه اولوب براتنه الحاق اتدرمشدر اصله تدر صحتى اوزره يازوب بلدره سن».

الترجمة العربية للوثيقة كما ترجمها السيد الملا أحمد يوسف:

«أمر إلى بكلربك شهرزور:

حصلت الموافقة على تخصيص مائة وثمانية وأربعين ألفاً وخمسمائة وستة وسبعين آقجه صافية لدلاور الباجلاني وكافة السنجاغ.

حصلت الموافقة على مائتين وأربعين ألف آقجه كما أصبح معلوماً من الأموال الخاصة السلطانية (مع) الأراضي الخالية غير المستغلة. صدر أمري الشريف بمائتين وأربعين ألف آقجه، وأصبح تحت التصرف لدفتردار كتخدا شهرزور وناظر الأموال. أبلغوا محمداً أن الأمر قد صدر بذلك وهو في الطريق.

إن الذي في يد المومى إليه سابقاً وحالياً يُراعى بعين الاعتبار، في الواقع إن تخصيصاته هي ذلك المبلغ، ثم صدر الأمر بالموافقة على ذلك المقدار من الأموال السلطانية من المزارع والمراعي، ودخلت تحت صلاحياته بموجب الأمر الشريف، وأُلحق بالأمر السابق. تُكتب وتُعلن هذه الحقيقة».

من الجدير بالذكر أن «الآقجه» كانت نقداً فضياً صغيراً، وكانت (40 آقجه = قرشاً واحداً) في الفترة التي كُتبت فيها هذه الوثيقة، وهي أوائل تشكيلات ولاية شهرزور في عهد السلطان سليمان القانوني حسب تقديرنا. وتتمتع هذه الوثيقة بأهمية كبيرة من حيث كونها أول وثيقة تظهر الآن للقراء بصدد «سنجاغ باجلان»، ومن حيث كون السنجاغ ضمن ولاية شهرزور الكوردية، مع بيان تخصيصاته المالية وذكر متصرفه دلاور الباجلاني الذي كان من أوائل أمراء باجلان. علماً أن المصطلح الإداري «سنجاغ - سنجاق» يأتي بمعنى اللواء وبمعنى القضاء أيضاً، أما «دفتردار» فهو بمثابة وزير المالية، وهو موظف المالية الذي يساعد الكتخدا.

أما «الكتخدا» فهو الشخص الثاني بعد الوزير أو بعد الوالي، وهو ينفذ أعماله. وتتضمن الوثيقة فقرتين: فقرة تخص ميزانية سنجاغ باجلان ومتصرفه دلاور الباجلاني السنوية، والثانية تخص ميزانية دائرة كتخدا ولاية شهرزور الكوردية، وهي مبلغ (240) ألف آقجه يدخل تحت تصرف الموظف المختص بمالية دائرة الكتخدا من واردات الأموال الخاصة السلطانية في ولاية شهرزور الكوردية من المزارع والمراعي. ويُحتمل أن «محمداً» كان كتخدا الولاية، أي مساعد الوالي، أو أنه دفتردار الكتخدا.

لم يذكر أوليا جلبي، المؤرخ التركي (الكوردي الأصل)، سنجاغاً باسم «سنجاغ باجلان»، ولا باسم «سنجاغ درنه وباجلان» مدمجاً، بل ذكر سنجاغ درتنك في «سياحتنامه» (ج4 ص388) باللغة التركية، وقال إن السلطان العثماني سليمان القانوني شكّله واتخذ درتنك مركزاً له، وإن التخصيصات المالية لأمير السنجاق هي (430.000) آقجه، وفي درتنك ألف دار مع جامع وخان وحمام وموظفين.

ثم ذكر أن السلطان العثماني سليمان القانوني شكّل سنجاقاً في إيالة بغداد واتخذ «درنه» مركزاً له، وأن تخصيصات «البك»، أي متصرف السنجاق، هي (406.931) آقجه، وتتكون درنه من (500) أسرة وفيها موظفون، وذكره باسم «لواء درنه»، وهي تقع على مسافة تسع ساعات مشياً جنوب مدينة درتنك (أي ما لا يقل عن 45 كم). علماً أن أوليا جلبي زار درتنك ودرنه سنة 1066هـ/1655م، وذكر «سنجاق جنكَوله» أيضاً، وذكر في (ص389) أن خانقاه الكبير ثم خانقاه الصغير الواقعتين على الطريق الرئيسي (الطريق الملكي) جنوب درنه كانتا تابعتين لسنجاغ درنه، وكانت الأولى تتكون من ألف دار والثانية من خمسمائة دار، فمن المحتمل أن إحداهما كانت مدينة خانقين الكوردية.

لا شك أن «سنجاغ درتنك» هو «سنجاغ باجلان»، إذ كان أمراء باجلان يقيمون في درتنك (ده رته نكَـ)، وكان قد استُحدث منه سنجاغ درنه قبل عهد المؤرخ التركي أوليا جلبي في تاريخ نجهله. ثم بعد عهد أوليا جلبي دُمج سنجاغ درنه مع سنجاغ درتنك في لواء واحد باسم «سنجاغ درنه وباجلان»، وجاء باسم «سنجاغ زهاو الكوردي» أيضاً، حيث كانت درتنك (زهاو) مركز السنجاغ.


أجزاء «التعريب في كوردستان» (4 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني (هذا الجزء)
  3. الجزء الثالث
  4. الجزء الرابع

→ الجزء الأول  |  الجزء الثالث ←