الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
الحركات الكوردية في العصر الحديث 1908–1918 (الجزء الأول)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
كوردستان في منتصف القرن التاسع عشر
أدت السياسة العثمانية الجديدة، التي استهدفت إعادة السيطرة المركزية على مختلف مناطق الإمبراطورية ومنها كوردستان، إلى زيادة تأثير الإدارات العثمانية والموظفين الأتراك في كوردستان، من أجل التحكم بإدارتها واقتصادها. وبحلول منتصف القرن التاسع عشر استطاعت الدولة العثمانية إنهاء حكم الأمراء الكورد من خلال الحملات العسكرية على الإمارات الكوردية القائمة منذ عدة قرون. ولم تكتفِ السلطات العثمانية بالقضاء على الإمارات الكوردية، بل أبعدت الأمراء الكورد وعائلاتهم إلى مناطق بعيدة عن كوردستان لمنع الكورد من القيام بأية ثورات في المستقبل. وحتى (يزدان شير)، الذي أُسندت إليه إمارة بوتان مقابل موقفه ودوره في إنهاء حكم الأمير بدرخان، أقدمت الدولة العثمانية، خوفاً من اتساع نفوذه، على إبعاده من إدارة إمارة بوتان، وأرسلت جيوشها للتمركز في مختلف مناطق الإمارات الكوردية ومدنها، وعيّنت والياً آخر عليها. وهكذا استغل يزدان شير حالة الاستياء العام في كوردستان من تصرفات الإدارة العثمانية، وعزل الزعماء الكورد، وزيادة الضرائب والتجنيد، بالإضافة إلى الهزائم العثمانية أمام الروس في حرب القرم (1853–1856)، فقام بحركته الكوردية سنة 1853م.
ورغم كل الإجراءات التي اتخذتها السلطات العثمانية في كوردستان، فإنها لم تستطع كسب ثقة الكورد، لأنهم كانوا لا يزالون يتذكرون المذابح والجرائم التي ارتكبتها قواتها في كوردستان. ومن جانب آخر فإن تلك الانتكاسات العسكرية للكورد أمام الجيوش العثمانية لم تُنهِ المقاومة الكوردية، وفشلت في القضاء على طموح الكورد إلى الحرية، بدليل استمرار المقاومة والثورات ضد الحكم العثماني في الفترة اللاحقة. وعن إعادة الإدارات العثمانية والقضاء على الإمارات الكوردية يقول (مهرداد إزادي): «إن إزاحة القيادات التقليدية في كوردستان تُعدّ ارتداداً إلى الخلف في مسيرة تطور الكورد اجتماعياً وسياسياً، فلقد كانت الكيانات المحلية … مصدراً للتطور والرقي وانتشار الثقافة … فقد كان الأمراء المُزاحون ينظمون أمر المترحلين، ويتابعون حال رجال الدين، ويعتنون بإقامة العلاقات الاقتصادية مع العالم الخارجي».
لقد كانت السلطات العثمانية تستهدف من وراء إزاحة القيادات الكوردية أن تُظهر للكورد عدم وجود أمراء أو قادة يقودون نضالهم. وكان من النتائج الطبيعية لاختفاء دور الأمراء أن رجال الدين والشيوخ أدّوا فيما بعد دوراً قيادياً مهماً في الأحداث. وأصبح رؤساء العشائر، بعد القضاء على الأمراء الكورد، أداة الاتصال مع الموظفين الأتراك، مما أدى إلى تثبيت مركز رؤساء العشائر، لأن سيطرة الحكومة على العشائر الكوردية كانت ضعيفة. ويؤكد (لونگريگ) أن عودة الحكم المركزي العثماني إلى كوردستان لم تُحسّن الأوضاع، فيذكر: «إن خلع البيكات الأكراد من عروشهم التي كانوا فيها مدة طويلة، وهم بين مستقل أو تابع، يُعدّ تقدماً يُستبشر به، فإنما ذلك هو تقدم من وجهة النظر التركية فقط، ذلك لأن حكم الأفندية الحديثين مع جيشهم لا يمكن أن يُعدّ تحسناً عما قبله في نظر الفلاح أو الراعي». وهناك من يعدّ ذلك إضعافاً لمعالم الحضارة في كوردستان من فنون وعلوم على أيدي الإدارة العثمانية المفروضة، ويعدّ أحد الباحثين القضاء على الإمارات الكوردية وإبعاد أمرائها الشرعيين نهايةَ مرحلة في كوردستان وبدايةَ مرحلة جديدة.
ورغم كل الآثار السلبية لفرض السلطة المركزية على كوردستان، فإن ذلك أدى من جانب آخر إلى زيادة الوعي القومي لدى الكورد، ودفعهم إلى العمل على تحرير أجزاء كوردستان بعد إلغاء حدود الإمارات الكوردية المحلية، إذ كان نضال تلك الإمارات، فضلاً عن صراعاتها الداخلية، يتميز غالباً بطابع محلي، دون العمل على توحيد جهودها ضد العدو المشترك المتمثل بالدولة العثمانية.
ورغم هذه النتائج غير المباشرة، فإن معظم الباحثين والمؤرخين اتفقوا على أن السيطرة المركزية العثمانية التي فُرضت بقوة الحديد والنار على كوردستان تركت آثاراً سلبية تُضاف إلى كل ما حلّ بكوردستان من دمار وقتل وخراب خلال الحملات العسكرية العثمانية في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن التاسع عشر. ولذلك عمّ الاستياء العام في كوردستان من وصول القوات العثمانية إلى أهم مناطقها، وما رافق ذلك من فرض التجنيد، وأعمال السلب والنهب لإجبار الكورد على تموين الجيوش العثمانية في أثناء عملياتها العسكرية، وفرض جميع أنواع الضرائب بصورة قسرية، فترتبت على ذلك المصادمات المستمرة مع القوات العثمانية.
ومن الأمثلة الواضحة على ذلك المحاولات المستمرة للسلطات العثمانية منذ عدة أجيال للسيطرة على عشائر الملي ونهب ممتلكاتها وإخضاعها لسلطتها. فبعد مقتل رئيس عشائر الملي (تيماوي بك) في إحدى المعارك ضد العثمانيين، وكان قد تحالف مع (إبراهيم باشا) قائد الجيش المصري المتقدم في الشام، اضطر الجيش المصري نفسه إلى الانسحاب من الشام أمام العثمانيين وحلفائهم الأوروبيين بعد فرض معاهدة لندن سنة 1840م، فعادت السلطة العثمانية إلى المناطق التي تسكنها عشائر الملي الكوردية، فتعرضت للكوارث والمصائب، ولا سيما بسبب أعمال السلب والنهب التي قام بها الجيش العثماني في تلك البلاد. واستمرت عشائر الملي الكوردية تعيش تلك الحالة حتى استطاع (محمود بك) ابن تيماوي بك أن يلمّ شمل العشيرة تحت رئاسته بمساعدة والي الشام، واتخذ من (ويران شهر) مقراً له، ولكن سرعان ما هاجمه جيش عثماني بقيادة والي آمد (ديار بكر) (عمر باشا)، فقبض عليه وسجنه في آمد، حتى نجح ابنه (إبراهيم باشا) فيما بعد في استصدار العفو السلطاني عنه. ويمكن الإشارة إلى حالة أخرى أدّى فيها (قاسم خان)، أحد أبرز زعماء الكورد في منطقة (قارص)، وكان يملك نفوذاً كبيراً على عشائر المنطقة، دوراً في الصراع الروسي العثماني، إذ حاول استغلال ظروف الحرب لصالحه حين دخل في مفاوضات مع الروس حول ذلك.
وبالرغم من كل ما ذكرناه، فقد سيطرت الدولة العثمانية سيطرة قوية على معظم مناطق كوردستان، إذ أصبح الحكم بيد باشا عثماني يعاونه بعض الموظفين. ومن جانب آخر استطاعت الدولة العثمانية، من خلال قضائها على الإمارات الكوردية، أن تقلل إلى حد كبير من التدخل الإيراني في حدودها منذ أوائل النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بالإضافة إلى ضعف السلطة المركزية في إيران نفسها ووجود النفوذ الروسي في شمال إيران. وانعكس ذلك على جهود الولاة، ولا سيما في الولايات القريبة من الحدود، وترتب عليه قطع العلاقات التي أقامها الدبلوماسيون الغربيون مع الأمراء الكورد.
وقامت الحكومة العثمانية في منتصف القرن التاسع عشر بإعادة تنظيم الوحدات الإدارية، فأصبحت إيالة هكاري تضم ألوية (هكاري، ماردين، وان، الجزيرة)، وإيالة كوردستان تضم ألوية (موش، ديرسم، آمد)، وإيالة الموصل تضم ألوية (الموصل، رواندوز)، وإيالة بغداد تضم ألوية (بغداد، السليمانية، البصرة)، وبموجب التقسيمات الجديدة أُلغيت إيالة شهرزور.
أما طبيعة الإدارة العثمانية في كوردستان في منتصف القرن التاسع عشر، بعد القضاء على الإمارات الكوردية، فيتفق معظم المؤرخين على أنها كانت تتميز بالضعف والفساد وانتشار الرشوة وسلب ممتلكات الناس واستغلالهم. فيذكر لونگريگ أنه ترتب على الوضع الإداري الجديد أن «خُلّي (تُرك) المجال للتعليمات المدونة على الورق، وللموظفين الجبناء الذين يُباعون ويُشترون بالمال، وللاستغلالية الواهنة، واللغة التركية الغريبة». ويؤيده في ذلك محمد أمين زكي، إذ يذكر أن الإدارة العثمانية في كوردستان كانت تتميز بالتأخر، وكانت «أرواح وأموال الأهالي معرضة دائماً للخطر والهلاك، إذ كان الحكام والموظفون لا ينظرون إلا إلى إشباع نزواتهم وتحقيق شهواتهم بابتزاز أموال الأهالي وسلب مقتنياتهم، حتى إن الولاة والمتصرفين المتجاورين يتبارون ويتنافسون في ذلك أشد المنافسة». ولعل سوء الإدارة هذا هو ما دفع (بادجر) إلى القول: «إنه على يقين من أن أكراد تركيا (الدولة العثمانية) لو عاشوا في ظل إدارة عادلة لكانوا مواطنين أكثر طاعة وفائدة».
وبالإضافة إلى كل الإجراءات التي اتخذتها السلطات العثمانية في كوردستان، فقد رافقها على الجانب العثماني تنظيم الحملات العسكرية على المناطق الثائرة التي تشكل تحدياً وخطراً على تلك الإجراءات. وفي مقدمة تلك المناطق تأتي منطقة (ديرسم)، التي جعلها موقعها الجغرافي في أقصى شمال غرب كوردستان خطاً أمامياً. فقد وجهت السلطات العثمانية إليها حملة عسكرية من (15) ألف جندي قبل اندلاع حرب القرم بين روسيا والدولة العثمانية وحلفائها سنة 1853م، إذ أرادت الدولة العثمانية إخضاع ديرسم وتأمين خطوط إمداد جيوشها وتحويلها إلى قاعدة لذلك. فاستخدمت الجيوش العثمانية كعادتها كل الأساليب القاسية ضد السكان، ونكّلت بالزعماء الكورد، فاضطر قائد المقاومة (علي بك بن الشيخ حسين بك) إلى التراجع إلى الجبال ومقاومة الجيوش العثمانية منها، ونجح في دحر هجماتها الواحدة تلو الأخرى، حتى اضطرت السلطات العثمانية إلى سحب قواتها الرئيسية من ديرسم والإبقاء على حاميات صغيرة في بعض المناطق الاستراتيجية، وهكذا فشلت الحملة العسكرية العثمانية في تحقيق أهدافها.
أما من الناحية الاقتصادية فقد أصيب اقتصاد كوردستان بأضرار كبيرة، لأنها تحولت إلى مسرح للحروب والصراعات: الداخلية، عند مقاومة الكورد للحملات العسكرية العثمانية، والخارجية، نتيجة الحروب بين الدولة العثمانية وإيران وروسيا، مما أصاب الاقتصاد بالضعف والانحطاط. ومع ذلك فقد حوّلت السلطات العثمانية كوردستان إلى مصدر رئيسي مهم للخزينة المركزية العثمانية، سواء في مجال الزراعة أو الصناعة أو التجارة. ونتج عن ذلك أن الأوضاع الاقتصادية في كوردستان كانت تسوء يوماً بعد يوم بسبب الضرائب الباهظة التي أجبرت العديد من الكورد على هجرة قراهم واللجوء إلى الجبال. وفي الوقت نفسه كانت الأوضاع الاقتصادية في الدولة العثمانية نفسها تتدهور باستمرار بسبب العلاقات الاقتصادية السائدة وتغلغل النفوذ التجاري والسياسي للدول العظمى فيها؛ ويمكننا أن نورد أن قيمة واردات الدولة العثمانية من إنكلترا بلغت سنة 1827م أكثر من (532) ألف جنيه إسترليني، بينما ارتفعت إلى (5.2) مليون جنيه إسترليني سنة 1853م. وكان ذلك التدهور الاقتصادي يترك آثاراً سلبية كبيرة على الكورد.
ويشير المستشرق السوفيتي (فيلجيفسكي) في مجلة (الإثنوغرافيا السوفيتية)، العدد 5–6 لسنة 1936م، إلى الآثار السلبية التي تركتها السيطرة العثمانية على التطور الاجتماعي في كوردستان.
ويمكننا أن نستنتج جانباً من الأوضاع الاقتصادية والمعيشية المتردية التي كان يعيشها الكورد في ظل الإدارة العثمانية، حين كان من الصعب تأمين أبسط مقومات الحياة من مأكل ومأوى، من خلال الصورة التي نقلها (بادجر) من القرى الكوردية الواقعة بين آمد وماردين، إذ وصف له السكان أوضاعهم قائلين: «ماذا علينا أن نفعل؟ إذا ما سكنّا السهول وبنينا القرى، فإن الأتراك يهدمون قرانا، ويسلبوننا أدوات حراثتنا، يقتلوننا، يأسروننا … ماذا بوسعك أن تفعل والحال هذه؟ نترك بيوتنا رغماً عنا، ونبحث عن الملجأ لدى إخوتنا في الجبال، لأنهم هناك لا يتعرضون لأي اضطهاد. هذه هي قسمتنا».
لقد كان الكورد يتذمرون كثيراً من الضرائب والتجنيد، وكثيراً ما كان ذلك دافعاً للسلطات العثمانية إلى تنظيم الحملات العسكرية في مختلف مناطق كوردستان بحجة جمع الضرائب وفرض التجنيد. ففي منتصف القرن التاسع عشر استمرت الدولة العثمانية في سياستها رغم سيطرتها على مختلف مناطق كوردستان؛ ففي سنة 1850م ارتكبت القوات العثمانية بقيادة (محمد باشا) مذبحة قرية (أومريان) في منطقة (جبل طور)، وكان السبب امتناع السكان عن دفع الضريبة للمرة الثانية، فقد كان الجابي قد اختلس الضرائب حين جمعها أول مرة، وبدلاً من معاقبته أمره الموظف المسؤول عن الضرائب بجمعها مرة ثانية. وكانت النتيجة، رداً على امتناع السكان الكورد عن دفع الضريبة مرة أخرى، أن قامت القوات العثمانية بحملة عسكرية على القرى الكوردية في تلك المنطقة، فدمرتها كالعادة، ونهبت الممتلكات، وأسرت السكان. وكان (بادجر) في ماردين عند عودة قوات محمد باشا من مهمتها، فصوّر موكب جنوده وهم يسوقون الماشية والأسرى.
وظهرت الآثار السلبية لإرغام الكورد على الخدمة العسكرية مع بداية حرب القرم مع روسيا سنة 1853، إذ إن الخيّالة الكورد في الجيش العثماني، الذين قُدّر عددهم بـ(4–5) آلاف مع بداية الحرب، لم يبقَ منهم أحد ضمن الجيش العثماني بعد سنة، فقد عادوا إلى مناطقهم. وأدت الأوضاع إلى اندلاع حركة يزدان شير، كما ذكرنا، التي قال عنها القائد الروسي (ليخوتين): «إن رياء الباشا وظلمه واستبداده قد أثار السخط العام، ليس لدى الأكراد فحسب، بل لدى جميع من رأى أن حكم القائد الكوردي لا بد أن يكون أفضل من حكم الباشا».
إن نهاية الإمارات الكوردية تشكل نهاية مرحلة مهمة من التاريخ الكوردي، لتبدأ مرحلة أخرى تمتد بضعة عقود، تواصل خلالها الوعي القومي الكوردي ليعبّر عن نفسه بوضوح كبير في ثورة 1880 بقيادة الشيخ عبيد الله النهري، ثم وصولاً إلى القرن العشرين الذي شهد سطوعاً أشد للوعي القومي الكوردي الحديث والمعاصر.
نشوء المسألة الكوردية وتطورها قبل عام 1908
جنباً إلى جنب مع نمو العلاقات الرأسمالية وتطورها في كوردستان، ونمو الطبقة البرجوازية الكوردية، نمت الحركة التحررية للشعب الكوردي بمعناها الحديث وتطورت ضد المغتصبين وضد الإقطاعيين، وذلك منذ نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وبشكل خاص منذ عام 1908 وما أعقبه من سنوات. ولكن ذلك لا يعني أن الحركات والانتفاضات الكوردية لم تظهر قبل ذلك، ولكنها لم تكن على درجة كافية من النضوج والوعي.
فمنذ نهاية القرن الثامن عشر قامت في كوردستان العديد من الحركات التي كانت تهدف إلى رفع الظلم والحيف عن الأكراد وتحقيق مطامحهم القومية، إذ رفع بعضها شعار الاستقلال لكوردستان. كما قامت بعض الإمارات الكوردية التي كانت تستهدف تحقيق الاستقلال عن الإمبراطورية التركية متى ما كان ذلك ممكناً لها. ومن أبرز هذه الإمارات في كوردستان العراق الإمارة البابانية التي أسسها (بابا سليمان) الذي بنى مدينة السليمانية، والتي اصطدم أحد أمرائها المعروفين، عبد الرحمن باشا الباباني الذي تولى إمارتها عام 1788، مع الأتراك، وكان يهدف إلى تأسيس حكومة كوردية مستقلة في العراق. وقامت إمارة أخرى في رواندوز عام 1810، وأعلن حاكمها محمد مصطفى بك، الذي عُرف فيما بعد بالأمير الكبير، استقلاله عن الوالي العثماني في بغداد عام 1820. ثم قضى الجيش العثماني على هذه الإمارة وعلى سائر الإمارات الكوردية الأخرى، ولم يبقَ سوى الإمارة البابانية التي كانت آخذة هي الأخرى بالزوال. وفي منطقة الجزيرة العليا قامت إمارة كوردية نشطة بقيادة بدرخان باشا عام 1812، ثم قضى الجيش العثماني على إمارته. وبعد ذلك انتهز ابنُ بدرخان، الذي كان يقود جموع المتطوعين الأكراد الذين جندتهم الحكومة التركية في قتالها مع روسيا سنة 1877، الفرصةَ، ففرّ إلى الجزيرة سنة 1879 وأعلن استقلال إمارتها.
وفي غمار الحرب الروسية التركية اندلعت انتفاضة كوردية عارمة في قضاء (شمدينان) بقيادة الشيخ عبيد الله النهري النقشبندي سنة 1880، استهدفت تحقيق الاستقلال الذاتي تحت إشراف الإمبراطورية العثمانية، إلا أن هذه اضطرته في النهاية إلى التسليم.
وهكذا أخذت مقدمات الحركة الوطنية الكوردية تظهر وتتسع حتى نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.
إن الحركة الوطنية الكوردية قد تطورت بفعل التناقضات داخل المجتمع الكوردي من جهة، وتحت تأثير الحركة التحررية العالمية من جهة أخرى، ولا سيما الثورتين الروسيتين (1905) و(1917)، والحركات التحررية في كل من إيران وتركيا.
وكتب جيركوف، القنصل الروسي العام في مدينة (خوي) بإيران، بهذا الخصوص: «في أثناء سفرات التجار الأكراد ومساعديهم من المثقفين الأكراد إلى (نيجني نوفغورود) لحضور معرض سوق ماكارييف، كانوا يلتقون هناك بالديمقراطيين والجنود الروس، وقد أخبرهم هؤلاء بدورهم عن أهم الحوادث المتعلقة بثورة روسيا عام 1905». بالإضافة إلى ذلك فإن العناصر التقدمية في المجتمع الكوردي من المثقفين والطلاب والشباب والضباط والموظفين اشتركت في الحركة التقدمية لشعوب الشرقين الأدنى والأوسط؛ فمثلاً شارك الأكراد بصورة فعلية في الثورة الإيرانية (1905–1911)، إذ تشكلت في معظم المدن الكوردية في كوردستان إيران لجان «أنجمن» الثورية، ومنها مدن كرمانشاه ومهاباد وسنه وسقز، ودافعت عن المكتسبات والمنجزات الديمقراطية التي حققتها الثورة الإيرانية، وناضلت ضد الغاصبين الأتراك الذين احتلوا بعض المناطق الكوردية في إيران آنذاك. وقد أثرت هذه اللجان في الشعب الكوردي تأثيراً قوياً، وساهمت في العديد من حركاته التحررية التي نشبت عام 1907 في مناطق كوردية مثل بتليس وأرضروم وولاية الموصل.
وكذلك نشبت في ربيع عام 1905 حركة كوردية بقيادة جعفر آغا شكاك (سمكو) في كوردستان إيران، وكانت تهدف إلى استقلال كوردستان إيران. وبعد مدة بدأت حركة كوردية أخرى في منطقة بارزان بقيادة الشيخ عبد السلام البارزاني.
ولو أردنا دراسة أسباب كافة الحركات التحررية والانتفاضات الفلاحية قبل عام 1908 ودوافعها، لوجدنا في مقدمة هذه الأسباب الواقع المؤلم الذي كانت تعيشه الجماهير الشعبية الكوردية، ولا سيما جماهير الفلاحين التي كانت ترزح تحت نير الاضطهاد والاستغلال، إلى جانب نمو الطموح القومي وازدياده، وهو الطموح الذي اشتد عند كل شعوب الشرق منذ القرن التاسع عشر، ومنها الشعب الكوردي.
وبالرغم من أن الجيش الأساسي لكل هذه الحركات والانتفاضات كان جماهير الفلاحين، فإن قيادتها كانت بيد الإقطاعيين وزعماء القبائل الكوردية ورجال الدين، وكانت تفتقر إلى التنظيم، وليست لها أهداف واضحة المعالم، إذ لم تكن تقودها أحزاب أو منظمات متبلورة. لذلك أصاب الفشلُ هذه الحركات، وتعرضت الجماهير الكوردية للاضطهاد والتنكيل الوحشي. وغالباً ما كانت تُستخدم لأغراض لا تنسجم مع مصالح الجماهير الكوردية، وكثيراً ما كانت قيادات هذه الحركات تقوم بالمساومات على حساب مصالح الجماهير من أجل منافعها الخاصة. ولكن كل هذا لا ينفي دوافعها الأساسية، وهي رغبة الجماهير الكوردية، والفلاحين خاصة، في رفع الحيف والاضطهاد عن كاهلها وتحقيق مطامحها القومية العادلة.
إن هذا الواقع، مقترناً بتبلور المصالح الطبقية في المجتمع الكوردي، هو الذي أوجد الحاجة إلى تأسيس المنظمات الكوردية ذات الأهداف والبرامج المحددة.
لقد أثرت الحركة التحررية التركية والنضال من أجل الإصلاحات الدستورية، الذي كانت تقوده جمعية الاتحاد والترقي التركية، تأثيراً كبيراً في أبناء الشعوب المضطهدة من قبل الإمبراطورية العثمانية، ومنها الشعب الكوردي، إذ اعتقدوا أنها ستحقق أهدافهم متى ما انتصرت في نضالها ضد الأوتوقراطية العثمانية. وعلى هذا الأساس شارك الأكراد مع العرب والألبان والأرمن وغيرهم في جمعية الاتحاد والترقي، ولكن سرعان ما اتضحت الأهداف الشوفينية لقادة هذه المنظمة بعد أن تسلّمت السلطة على أثر انقلاب 1908، مما أدى إلى انسحاب أغلبية الأكراد وأبناء القوميات الأخرى منها، وبدأوا العمل على تشكيل منظماتهم الخاصة بهم (العربية والكوردية والأرمنية وغيرها). لذا ظهرت العديد من النداءات على صفحات الجرائد والمجلات الكوردية المنتشرة في إسطنبول والقاهرة وجنيف، تدعو الشعب الكوردي إلى النضال في سبيل حقوقه القومية والعمل في منظماته الخاصة. ومن أبرز الجمعيات التي تشكلت جمعية باسم (جمعية تعالي وترقي كوردستان) سنة 1908، من الأكراد الأعضاء السابقين في جمعية الاتحاد والترقي التركية، ومن الشباب الأكراد في جامعات إسطنبول والقاهرة والمعاهد العالية في أوروبا. وبعدها تشكلت عام 1910 جمعية (هيوا، أي الأمل)، وهي منظمة نصف سرية للطلبة الأكراد. وتأسست سنة 1908 جمعية (نشر المعارف) الكوردية، وفتحت مدرسة لتثقيف أبناء الأكراد. وبعد الهدنة تأسست في القاهرة جمعية الاستقلال الكوردي، كما تأسست جمعية (تعالي كوردستان)، وجمعية (التشكيلات الاجتماعية الكوردستانية)، و(حزب الأمة الكوردي)، ومنظمة (جهانداني) في كوردستان إيران عام 1913، وغيرها من المنظمات التي تركت آثاراً كبيرة في رفع الوعي السياسي والقومي عند الشعب الكوردي.
وأصدرت هذه المنظمات الكوردية العديد من الصحف والمجلات باللغة الكوردية، مثل (هيواي كورد)، و(روزي كورد)، و(ههتاوي كورد)، و(يهكبوني كورد)، و(ژين كوردستان)، وغيرها.
أجزاء «الحركات الكوردية في العصر الحديث 1908–1918» (4 أجزاء):
- الجزء الأول (هذا الجزء)
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث
- الجزء الرابع