الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
الحركات الكوردية في العصر الحديث 1908–1918 (الجزء الثاني)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
في نهاية الحرب العالمية الأولى 1918
أسفرت الحرب العالمية الأولى عن تقسيم جديد للقوى الاستعمارية في العالم، فالدول الاستعمارية المنتصرة أخذت تنهب ممتلكات الإمبراطوريات والدول الاستعمارية المهزومة في هذه الحرب وتستولي عليها. وقد كانت الإمبراطورية العثمانية من أكبر هذه الإمبراطوريات التي صارت ممتلكاتها نهباً بين الضواري المنتصرة.
وجسّد مؤتمر الصلح الذي انعقد في باريس عام 1919، وما رافقه وأعقبه من معاهدات، عمليةَ الاقتسام هذه، وكان بمثابة التعبير «الحقيقي» عنها على النطاق الدولي.
ونظراً لموقع كوردستان الاستراتيجي المهم، وللثروات المعدنية الغنية فيها، ولا سيما النفط، فإنها كانت هدفاً لأطماع الدول الاستعمارية، وخاصة إنكلترا وفرنسا، إذ اشتد الصراع بينهما متخذاً شكلاً واضحاً في الصراع حول مسألة ولاية الموصل.
وعندما عقد الاستعماريون المنتصرون معاهدة سيفر عام 1920م مع الحكومة التركية المنهارة تحت ضربات الحركة التحررية الوطنية التركية الكمالية، وضعوا فيها بعض البنود التي تقر ببعض الحقوق القومية الأولية للشعب الكوردي.
ولم تكن الدوافع الأساسية لذلك رغبة المستعمرين في تحقيق مطامح الشعب الكوردي المشروعة، وإنما كان ذلك لأسباب عديدة، منها وقف تأثير ثورة أكتوبر عام 1917م في شعوب الشرق المضطهدة، ومنها الشعب الكوردي. فثورة أكتوبر عام 1917م أثّرت بأفكارها ومبادئها في شعوب البلدان المجاورة للاتحاد السوفيتي (السابق)، وبما قامت به من حلٍّ للقضية القومية في روسيا بإعطائها كافة الحقوق القومية المشروعة لأبناء القوميات المضطهدة من قبل القيصرية، وبذلك قدّمت المثال الحي على إمكانية حل المسألة القومية حلاً صائباً، وعلى إمكانية تمتع الشعوب المضطهدة «المتأخرة» بحقها في تقرير مصيرها، هذا إلى جانب ما قامت به من فضح لمعاهدة سايكس–بيكو التي وُقّعت سنة 1916 بين إنكلترا وفرنسا، والتي انضمت إليها روسيا القيصرية بعد ذلك.
كل هذا جعل ثورة أكتوبر عام 1917م عاملاً قوياً من أبرز عوامل النهوض الذي تميزت به الحركة القومية الكوردية بعد الحرب العالمية الأولى، حين تعاظم نضال الأكراد من أجل إقامة دولة قومية، وأصبحت مسألة تأسيس مثل هذه الدولة مطروحة على بساط البحث في الميدان الدولي، الأمر الذي دفع المستعمرين إلى اتخاذ الإجراءات لمواجهة ضغط هذا النضال، ومنها إدراج هذه النصوص.
ومن جهة أخرى فإن المستعمرين الإنكليز والفرنسيين الذين كانوا يحاربون الحركة التحررية التركية (الثورة الكمالية) كانوا يأملون كسب ود الأكراد إلى جانبهم في هذه الحرب، لأن الأكراد كانوا قوة مهمة من قوى الثورة الكمالية، إذ إن الأكراد قد برهنوا فعلاً في أثناء الثورة الكمالية التركية على تضامنهم الوثيق معها ضد الأجانب. ففي مؤتمر قادة الحركة الوطنية الكوردية، المنعقد في الوقت نفسه الذي عُقد فيه مؤتمر الكماليين المسمى (مؤتمر الدفاع عن الحقوق)، قرر قادة الحركة التحررية الكوردية العطف على الحركة الكمالية والتعاون الوثيق معها، ووفاءً بهذه التعهدات شُكّلت القطعات المسلحة من العشائر الكوردية التي ساهمت في الثورة الكمالية.
وإلى جانب الأسباب المذكورة فإن الإنكليز كانوا متأكدين من انهيار السلطة العثمانية (السلطان) تحت ضربات الكماليين، ولذلك فإن هذه المعاهدة (سيفر، 10 آب عام 1920م) ستزول بزوال هذه السلطة، فلا خوف من النصوص الواردة فيها.
لكن هذا لا يعني بأي حال من الأحوال أن إدراج هذه النصوص لا أهمية له، بل على العكس، فإن إدراجها عكس إلى حد ما تأثير الحركة التحررية الكوردية نفسها، كما أنها تُعدّ أول وثيقة دولية تنص على هذه الحقوق.
لقد نصت المواد 62 و63 و64 من معاهدة سيفر المعقودة في 10 آب عام 1920 على حق الشعب الكوردي في تركيا «بالاستقلال عن تركيا» بالشكل الآتي:
- المادة 62:
«تقدم لجنة في القسطنطينية مكونة من ثلاثة أعضاء يعيَّنون من قبل الحكومات البريطانية والفرنسية والإيطالية مشروعاً للحكم الذاتي المحلي للأكراد في المساحات التي تقطنها غالبية كوردية، الواقعة شرق الفرات، وجنوب الحدود الجنوبية لأرمينيا كما ستتقرر، وشمال حدود تركيا مع سوريا وما بين النهرين (ميزوبوتاميا) كما هو محدد في المادة 27 القسم الثاني (2) و(3). وفي حالة عدم حصول الإجماع في الرأي حول المسألة تُحال القضية إلى الحكومات الثلاث. وسيحوي المشروع ضمانات لحماية الآثوريين والكلدانيين والأقليات الدينية والقومية الأخرى في هذه المناطق، ولهذه الغاية تتكون لجنة من الممثلين البريطاني والفرنسي والإيطالي والفارسي والكوردي، تزور البقعة وتفحصها وتقرر التعديلات عند الضرورة على الحدود التركية حيث تتطابق تلك الحدود مع الحدود الفارسية حسب نصوص المعاهدة الحالية».
- المادة 63:
«توافق الحكومة التركية على قبول وتنفيذ مقررات اللجنتين المذكورتين في المادة 62 خلال ثلاثة أشهر من إيصالها لتلك الحكومة».
- المادة 64:
«إذا قررت الشعوب الكوردية في المناطق المحددة في المادة (62)، خلال سنة من بدء تنفيذ المعاهدة الحالية، أن تبيّن لمجلس عصبة الأمم أن أكثرية سكان هذه المناطق الكوردية تريد الاستقلال عن تركيا، وإذا قرر المجلس أن هذا الشعب الكوردي قادر على هذا الاستقلال وأوصى بمنحهم إياه، توافق تركيا على تنفيذ التوصية وتتخلى عن جميع الحقوق في هذه المقاطعات الكوردية. وستكون النصوص التفصيلية لهذا التخلي موضوعاً لاتفاقية منفصلة بين الدول الحليفة الرئيسية وتركيا.
وعندما يحدث هذا التخلي لن تعارض الدول الحليفة الرئيسية انضمام الأكراد القاطنين في ذلك القسم من كوردستان ضمن ولاية الموصل الكوردية إلى هذه الدولة الكوردية المستقلة».
وبعد انتصار الثورة الكمالية التركية وتسلّم مصطفى كمال أتاتورك السلطة، أخذ الحلفاء يعملون لعقد معاهدة جديدة مع تركيا تتجاوب مع متطلبات الوضع الجديد، فكانت معاهدة لوزان التي عُقدت في 24 تموز 1923، والتي لم يُذكر فيها أي بند ينص على حقوق الشعب الكوردي في تقرير مصيره ولو شكلياً، إلا بعض النصوص حول قسم من الحقوق الأولية.
وبدأ الكماليون الأتراك سياستهم الداخلية بتطبيق سياستهم الشوفينية الطورانية فور تسلّمهم زمام الحكم، لذا ما إن تم التوقيع على معاهدة لوزان في 24 تموز 1923م حتى تحوّل مصطفى كمال أتاتورك تحولاً سريعاً عن سياسة التعاون، وتنكّر للمبادئ التي وعد بها الأكراد قبل ذلك.
وبعد أن كشفت الحكومة التركية عن سياستها الشوفينية تجاه الأكراد، عملت حتى على إلغاء معاهدة لوزان (24 تموز 1923م) التي جاءت فيها بعض النصوص البسيطة عن حقوق الشعب الكوردي الأولية، إذ نصت المواد 38 و39 و40 من الفصل الثالث من معاهدة لوزان على أن:
«الحكومة التركية تتعهد بأن للأكراد، الذين هم أقلية جنسية في تركيا، الحق الصريح في التكلم والتحدث بلغتهم الكوردية، والمرافعة بها أمام المحاكم التركية، وإصدار الجرائد والمجلات والكتب باللغة الكوردية، وإنشاء أندية كوردية علمية واجتماعية وتهذيبية، وفي التجوال والحركة داخل تركيا وخارجها بكل حرية، وأن يكونوا متمتعين بجميع الحقوق السياسية التي يتمتع بها الأتراك».
كما أن المادة (37) تنص على ألا تصدر تركيا قراراً يناقض الحقوق السابقة.
كما تنص المادة (44) على أن تعهدات تركيا هذه دولية لا يجوز نقضها، ولا يحق للدول الأخرى التدخل للإشراف على تنفيذها.
وهكذا أُزيل بإلغاء معاهدة لوزان 1923 آخرُ نص في الوثائق الدولية يتعلق بحقوق الشعب الكوردي.
ونتيجة لإلغاء معاهدة لوزان عام 1923م وما قامت به الحكومة التركية من إجراءات الاضطهاد ضد الأكراد، حدثت العديد من الحركات والانتفاضات الكوردية، وكانت أكبرها الحركة التي قادها الشيخ سعيد بيران سنة 1925 في كوردستان تركيا، وقد تضمنت مطالبها حق تقرير المصير، ولكنها فشلت ونُكّل بقادتها، إذ حُكم على 46 منهم بالإعدام شنقاً.
لقد خاطب رئيس المحكمة (محكمة الاستقلال) القادة الأكراد بهذه العبارات: «قاد بعضَكم حبُّ الذات، والطموحُ السياسي البعضَ الآخر، ولكنكم متحدون على نقطة واحدة هي قيام كوردستان مستقلة، ولعملكم في هذا السبيل ستدفعون ثمن جرائمكم على المشنقة».
وفي عام 1927 حدثت حركة في آرارات (آگري داغ) كان المحرك الأساسي لها حزب خويبون (الاستقلال)، وكانت بقيادة الجنرال إحسان نوري باشا، وقد استمرت نحو سنة وانتهت بالفشل، إذ نكّل الجيش التركي بالأكراد بشكل وحشي. وقد كانت هذه الحركة أكثر تنظيماً من الحركات السابقة.
وكذلك حدثت حركة كوردية ثالثة عام 1927 في إقليم (ديرسم)، وقد انتهت كسابقاتها بالفشل، إذ نُكّل بها بقسوة بالقصف الجوي وغيره، وشُنق اثنا عشر من الثوار الكورد.
وكذلك حدثت حركات وانتفاضات وثورات كوردية في المناطق الأخرى من كوردستان، مثل التي حدثت في كوردستان العراق بين 1920 و1930، وفي مهاباد في كوردستان إيران.
وقد كانت القسوة التي قُمعت بها هذه الثورات الكوردية، ولا سيما في تركيا، مثار استنكار الرأي العام العالمي الذي احتج على المجازر التي ارتكبتها الحكومة التركية ضد الأكراد.
وإذا أردنا دراسة أسباب فشل الحركات الكوردية التي حدثت بعد سنة 1908، فإننا نجد أنها، على الرغم من أنها كانت أكثر عمقاً ووعياً من سابقاتها التي حدثت قبل هذا التاريخ، نتيجة للنهوض الكبير الذي امتازت به حركات الشعوب المضطهدة في الإمبراطورية العثمانية التي تأثرت إلى حد بعيد بالحركة التحررية المناهضة للأوتوقراطية العثمانية، نقول: بالرغم من عمق وعيها وتبلور أهدافها بشكل أكبر، فإن هذه الحركات كانت تفتقر إلى القيادات الناضجة والمنظمة ذات الأهداف المتبلورة، إذ كانت الحركة الكوردية تخلو آنذاك من الأحزاب والمنظمات الشعبية التي نهضت بشكل خاص بعد الحرب العالمية الثانية. كما أن قيادتها كانت من المراتب العليا في المجتمع الكوردي، التي كانت ذات مصالح طبقية ضيقة، وغير قادرة على قيادة هذه الحركات حتى نهايتها المنتظرة. هذا طبعاً إلى جانب موقف الفئات الحاكمة، ولا سيما في تركيا، التي جابهت هذه الحركات بكل قسوة وعنف، وقد أيّدها الاستعمار الذي له مطامح ومصالح مهمة في هذه المنطقة الكوردية بعد اكتشاف البترول، وغيرها من الأسباب والعوامل التي أدت إلى عدم نجاح هذه الانتفاضات والحركات الكوردية في تحقيق أهدافها.
وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى نشأ ظرف موضوعي جديد، أعني به تقسيم كوردستان وارتباط أجزائها بأربع دول «مستقلة» ذات كيان دولي معروف، هي العراق وتركيا وإيران وسوريا، مما كان يستوجب تغيير خط الحركة الوطنية الكوردية وأساليبها، كما سنرى ذلك فيما بعد.
إذ جراء تقسيم منطقة الشرق الأوسط بين الدولتين الاستعماريتين إنكلترا وفرنسا انقسمت كوردستان كذلك، ومنذ ذلك الحين تغيّر وجه تطور المسألة الكوردية، ونشأ وضع نوعي جديد تحتّم على الحركة الوطنية الكوردية أن تأخذه بنظر الاعتبار عند رسم أهدافها وخططها، وهي الحركة التي صارت ذات سمات خاصة تتميز بالتعقيد والتشابك. فقبل هذا التقسيم، ولا سيما بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى مباشرة، كانت الحركة الوطنية التحررية الكوردية الناهضة تطالب بقيام دولة كوردية تضم كل كوردستان، وكان هذا المطلب، فضلاً عن انسجامه مع أماني الشعب الكوردي ومطامحه العادلة، مطلباً واقعياً أيضاً؛ إذ إنه بعد الحرب العالمية الأولى هبّت الحركات الوطنية لشعوب الشرق، كالشعب العربي والأرمني، تطالب بإنشاء دولها القومية ذات الحكم الذاتي، وتوجه بعض مندوبي هذه الحركات القومية العربية والأرمنية إلى مؤتمر الصلح في باريس عام 1919م. وكذلك الحال مع الشعب الكوردي، إذ أرسلت بعض الحركات القومية الكوردية وفداً إلى مؤتمر الصلح في باريس عام 1919م يطالب بتشكيل الدولة الكوردية المستقلة.
ولكن المساومات التي جرت بين الدول الاستعمارية على حساب مصالح الشعوب، ومنها الشعب الكوردي، أدت إلى تجزئة أوطان هذه الشعوب، فنشأت العديد من الدول العربية الخاضعة للاستعمارين الفرنسي والبريطاني. وكذلك بالنسبة إلى الشعب الكوردي، إذ جُزّئ وطنه كوردستان، وأُلحقت أجزاؤه المقسمة بأربع دول كما أسلفنا. وبذلك لم يعد ممكناً طرح شعار الدولة الكوردية شعاراً عملياً مباشراً يمكن تحقيقه لعموم كوردستان أو لجزء منها، وصارت أمام الحركة التحررية الكوردية مهام أخرى وشعارات غيرها تؤدي في النتيجة إلى تحقيق أماني الشعب الكوردي في الوحدة القومية والحرية والتقدم.
وعلى مر السنين نشأت روابط مختلفة متنوعة (اقتصادية وسياسية واجتماعية) بين الشعب الكوردي في كل جزء من أجزاء كوردستان والشعب الذي يعيش معه في ظل دولة واحدة تدير شؤونهما، كما هي الحال مثلاً بين القسم العربي وكوردستان العراق الموجودين داخل إطار الدولة العراقية. لهذا كله أصبحت المسألة الكوردية مسألة معقدة وذات سمات خاصة:
- أن كوردستان مجزأة بين أربع من دول الشرق الأوسط هي تركيا وإيران والعراق وسوريا.
- أن للاستعمار مصالح نفطية واستراتيجية ضخمة في هذه المنطقة (كوردستان)، حيث آبار النفط الغنية، وهي تتاخم في الوقت نفسه الاتحاد السوفيتي؛ فكوردستان تؤلف فعلاً الحد الذي يفصل شعوب الاتحاد السوفيتي عن تركيا وإيران والبلدان العربية.
- أن هذه الدول الأربع التي تضم كلٌّ منها جزءاً من كوردستان تعاني شعوبها من نير السيطرة الاستعمارية والإقطاع، لذلك فإن القضية التي كانت تطرح نفسها، ولا تزال حتى الآن، هي القضية المشتركة: قضية التحرر الكامل لكافة شعوب هذه الدول (بما فيها الأكراد) من نير الاستعمار والإقطاعية.
فبالنسبة للعراق مثلاً كانت المسألة الملحة قبل ثورة 14 تموز 1958 هي تحرر الشعب العراقي، عرباً وأكراداً، من نير الاستعمار والإقطاعية، وانتزاع الاستقلال الوطني الناجز. ولا تزال هذه القضية في جوهرها هي نفسها، وإن أصبح هدفها المباشر إقامة حكم وطني ديمقراطي يؤمّن الحكم الذاتي للشعب الكوردي ضمنه، والعمل على التخلص من بقايا السيطرة الاستعمارية الاقتصادية، وتصفية العلاقات شبه الإقطاعية وغير ذلك.
فإذا كان الاستعمار هو العدو المشترك الرئيسي، فإن القضية المشتركة، قضية الكفاح المشترك، هي القضية الملحة في النتيجة. ولكن هل يعني هذا أنه ليست ثمة قضية كوردية الآن في العراق، كما يحاول بعض الشوفينيين العرب إثباته، وأنها، أي القضية الكوردية في العراق، «إنما هي لعبة سياسية دولية لا تمس حكم العراق أو وحدته الوطنية بقدر ما تمس جارتيه في الشمال والشرق (تركيا وإيران)»؟
كلا أبداً. فهناك قضية كوردية، وهي قضية عادلة تنتظر الحل ولا بد أن تُحل. وبالتالي فمن واجب كل القوى التقدمية في تركيا وإيران والعراق وسوريا، ولا سيما القوى التقدمية للشعب الكوردي نفسه، أن تناضل من أجل حل هذه القضية حلاً صحيحاً ينسجم مع مصلحة الشعب الكوردي من جهة، ولا يتعارض من جهة أخرى مع مصلحة النضال العالمي العام ضد الاستعمار، ومن أجل السلم والاستقلال الوطني والديمقراطية والتقدم.
ومما لا شك فيه أن النضال لحل المسألة الكوردية يستلزم قبل كل شيء فهم المسألة ذاتها، عن طريق دراسة ظروفها الموضوعية والذاتية وتحليلها، ومعرفة موقف مختلف القوى الداخلية والخارجية منها بدقة.
لقد أصبحت مهام الكفاح المشترك ضد الاستعمار والرجعية، وفي سبيل التحرر الوطني والقومي، وإقامة أنظمة حكم ديمقراطية تمكّن الشعب الكوردي من ممارسة حقوقه القومية المشروعة، وتمهد لحقه في تقرير مصيره بالشكل الذي يرتضيه ويؤمّن مصالحه ومصالح شعوب المنطقة وأمنها، هي المهام المطروحة أمام الحركة الوطنية الكوردية لتعمل على تحقيقها بأساليب وأشكال متنوعة.
والموقف من هذه المهام وتشخيص أساليب تحقيقها هو محك الوعي والإدراك لمهام الشعب وأهدافه، ويشير هذا الموقف إلى وجود موقفين في القضية الكوردية داخل حركة التحرر الوطني الكوردية.
أما تحديد ظروف القضية الكوردية والعوامل المؤثرة فيها وتشخيص الموقف منها فهو ما سنتناوله في كتابي «القضية الكوردية»، حيث سيكون الكلام هناك بالأساس عن العراق، أي مشكلة كوردستان العراق.
أجزاء «الحركات الكوردية في العصر الحديث 1908–1918» (4 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني (هذا الجزء)
- الجزء الثالث
- الجزء الرابع