الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

الحركات الكوردية في العصر الحديث 1908–1918 (الجزء الثالث)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

تطور الحركة الكوردية في العصر الحديث بين عامي 1908 و1918

بعض الحركات القومية الكوردية

  1. لقد كُتب الكثير عن الحركة الكوردية ومآسيها التي أدمت الكيان العراقي طويلاً، وشلّت جزءاً كبيراً من قدراته، وكانت مدخلاً نفذ منه أعداء العرب والأكراد معاً من أجل استنزاف القوى واستهلاك الطاقات. وقد لمست ذلك بنفسي من خلال عملي ضابطاً في المنطقة الشمالية (كوردستان العراق) لفترة زمنية، ومعايشتي الميدانية لظروف أهل المنطقة وأحوالهم، واطلاعي على السلبيات التي أفرزتها الأجهزة الأمنية العائدة للدولة، والعناصر المحسوبة على الحركة الكوردية والمتطفلة على الأحزاب الكوردية.

  2. ولمّا كانت للحركة القومية الكوردية خلفية تاريخية كباقي الحركات القومية في العالم، فإننا نراها قد نشأت في بيئة غير صحيحة، فأصابها ما أصاب الحركة القومية العربية من تخلف وضعف في ظل هيمنة الدولة العثمانية مرة، والاستعمار الغربي والحكومات الرجعية مرة أخرى، إذ كانت تداهن الاستعمار وتسايره، كما كانت في بدايتها ضعيفة التأثير الأيديولوجي (مشوشة الأهداف)، عشائرية التنظيم والقيادة والنفوذ.

  3. وعليه قام الأكراد بحركة قومية سنة 1843–1846م بقيادة بدرخان باشا، أُسر على أثرها بدرخان ونُفي إلى جزيرة كريت. وفي أيام حرب القرم ضد روسيا قام يزدان شير، من أقارب بدرخان، بالحرب في هكاري وبوتان سنة 1855م، واحتل بتليس والموصل، وانحدر جنوباً فاستولى على جميع الأراضي الواقعة بين وان وبغداد، ثم أُسر بخدعة من قبل العثمانيين. وفي سنة 1877–1878م قامت حركة كوردية أخرى في هكاري وبادينان (العمادية وبوتان) قام بها أبناء بدرخان من الأسرة نفسها، وأُحبطت أيضاً. أما في سنة 1880م فقام الشيخ عبيد الله النهري بحركة هدفها استقلال كوردستان، بدأها من الأراضي الإيرانية، ثم نُفي إلى مدينة مكة المكرمة. وبعدها جاءت ثورة الشيخ سعيد بيران سنة 1925م، وثورة الشيخ محمود الحفيد في السليمانية 1918م ولعدة مرات، وثورة أعزب وانج سنة 1930، وثورة ديرسم 1937، وثورة بارزان 1943م المتكررة، وغيرها كثير. ومن الإمارات الكوردية أيضاً: الإمارة الأردلانية في إيران، والإمارة البابانية في إيران والعراق، والإمارة البادينانية في بهدينان، والإمارة الشمدينانية في الجزيرة، وكذلك الحكومات الكوردية التي يذكرها كتاب (الدول والإمارات الكوردية) لمحمد أمين زكي بك.

  4. الشعب الكوردي أحد أقدم شعوب الشرق الأوسط، وله آثار ملحوظة في تاريخ المنطقة، وشارك إخوانه العرب في بناء الحضارة العراقية. ولقد سبقني الكثيرون إلى دراسة تاريخ الشعب الكوردي في العصور القديمة والحديثة بصورة قد تكون غنية بما تحويه من حقائق تاريخية عن هذا الشعب العريق والأصيل. واستناداً إلى التحولات الاجتماعية والسياسية عبر التاريخ لدول المنطقة التي تنفي أصالة هذا الشعب ولا تعترف بحقوقه القومية، وجب أن نتناول بشكل مبسط تاريخ الشعب الكوردي، ليكون المدخل للبحث في المشكلة القائمة بين زعماء القبائل الكوردية والحكومات التي تناوبت على الحكم في العراق: من هم وراء هذه الخلافات، ومن المستفيد منها، وما آلت إليه من ويلات ودمار للمنطقة. ومن خلال دراسة ماضي الحركة الكوردية قد نوفَّق إلى التوصل إلى حل لما وصلت إليه الأمور في الوقت الحاضر أو لما سيحدث في المستقبل، وهذا هو المبرر الذي دعانا إلى دراسة الحركة الكوردية بين عامي 1908 و1918م، أي قبل الحرب العالمية الأولى وحتى نهايتها، والمعروفة بحركات الشيخ محمود الحفيد من السليمانية.

الشيخ محمود الحفيد

وُلد الشيخ محمود بن سعيد بن محمد بن كاك أحمد الشيخ بن محمد معروف النوديهي البرزنجي في السليمانية عام 1880م، في عائلة دينية معروفة بين الأكراد بالتمسك بالتعاليم الإسلامية، وباتباع طرق التصوف المتبعة في كوردستان، أمثال النوربخشية والقادرية والنقشبندية، وكانت أسرته على رأس الطريقة القادرية في المنطقة، وورث تلك الشهرة والمعرفة عن أسلافه. وبذلك نستنتج أن الشيخ محمود الحفيد كان معروفاً بين الأكراد لا بسبب جهد شخصي بذله فحسب، بل لأنه ورث الشهرة عن عائلته فحافظ عليها وحصّنها كما كان يفعل آباؤه وأجداده. وكان الشيخ محمود الحفيد يمتاز بالشجاعة والإصرار والعناد، وكان واسع الثقافة والاطلاع (قرأ القرآن، وتعلم اللغات العربية والفارسية والتركية في صغره)، وشارك مع رجال عشيرته في القتال ضد العشائر الأخرى في النزاعات المحلية. وقُتل والده الشيخ سعيد وأخوه الشيخ أحمد أمام السراي في مدينة الموصل على أيدي بعض المرتزقة، بتآمر من السلطات العثمانية التركية، كما يقال، أي جماعة الاتحاد والترقي التركية، وكان لقتلهما أثر كبير في حياته الشخصية والسياسية.

الحركة الكوردية في العراق قبل الحرب العالمية الأولى

ظهرت بوادر الدعوة إلى القومية الكوردية في أواخر أيام الخلافة العثمانية، مع تفكك الإمبراطورية العثمانية وقيام حركات انفصالية داخلها، مما شجع الشيخ محمود الحفيد على دخول تيار السياسة الذي بدأ سنة 1905م، إذ كانت هذه الفترة وما تلاها مليئة بالأحداث، منها:

  • نجاح جماعة الاتحاد والترقي التركية في الاستحواذ على الحكم في تركيا عام 1908م.
  • اندلاع الحرب بين الروس والعثمانيين، ومشاركة الشيخ محمود الحفيد في الحرب ضد الروس.
  • دخول الإنكليز العراق.
  • وصول البلاشفة الروس إلى الحكم في روسيا بعد ثورة أكتوبر 1917م.
  • مقتل والد الشيخ محمود الحفيد (الشيخ سعيد) في الموصل، الذي مهّد له الطريق ليخلف والده في الزعامة.

إن هذه الفترة كانت مهمة في تاريخ كوردستان لخطورة الأحداث التي وقعت فيها، إلا أن الشيخ محمود الحفيد لم يكن ملمّاً بالسياسة الدولية في المنطقة، إذ كانت خارطة المنطقة في تغيّر مستمر، وكانت المؤامرات السياسية قائمة على قدم وساق، وكانت القوى المتنازعة تتسابق لكسب المؤيدين لها.

الحركة الكوردية في أتون الحرب العالمية الأولى

لقد عكس قرار اشتراك الإمبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولى، في واقعه، الطموحاتِ الواسعة لإمبراطورية هزيلة وغير متجانسة، لم تستطع أن تبني سياسة صحيحة وواضحة، ولا أن تخلق نفوذاً قوياً في العالم الإسلامي، ولا أن تضع حداً للتغلغل الأجنبي، وكانت تتخبط في سياستها وتلجأ إلى إجراءات متضاربة لا يتصورها العقل السياسي السليم؛ فمثلاً حين اندلعت الحرب كانت بعثة ألمانية تشرف على القوات البرية العثمانية، بينما كانت بعثة أخرى إنكليزية تشرف على القوات البحرية العثمانية.

إلا أنه بغض النظر عن كل ذلك، لم يكن بوسع الشعب الكوردي على أي حال أن يقف بمعزل عن لظى الحرب الدائرة، لأن موطنه بات ميداناً لصراع ضروس بين ثلاثة جيوش (العثماني والروسي والبريطاني)، إضافة إلى الألمان العاملين في القوات العثمانية؛ لذا يمكن القول إن الشعب الكوردي اشترك في أحداث الحرب العالمية الأولى منذ بدايتها دون إرادته.

كان رد الفعل الكوردي إزاء الحرب رفضَ العشائر الكوردية الاستجابة لنداءات الدولة العثمانية المتكررة إلى الجهاد المقدس والتجنيد العام، كما هرب قسم من الأكراد من الجيش التركي والتحقوا بالجيش الروسي مع رؤسائهم، وأخذ قسم من رؤساء العشائر الكوردية يهاجمون القوات العثمانية بدوافع مختلفة، منها تحريض الإنكليز، ومنها الحصول على الغنائم. وبعد أن دارت رحى الحرب، واتضحت نوايا الإنكليز في احتلال جنوب العراق والتوغل نحو الشمال، واستعداد الروس لاحتلال كوردستان العراق، قامت العشائر الكوردية بمقاومة الاحتلال الروسي القيصري بزعامة الشيخ محمود الحفيد، الذي تمكن من التصدي للروس المعتدين. ومهما تكن دوافع تصدي الشيخ محمود الحفيد للروس، فإنه يُعتقد أن للنداء الذي رفعته تركيا إلى «الجهاد المقدس» أثراً مباشراً في تصدي العشائر الكوردية للروس، وبذلك ازداد نفوذ الشيخ محمود الحفيد على أثر الانتصار الذي حققه عليهم.

ولم تمضِ فترة طويلة على عودة الشيخ محمود الحفيد إلى السليمانية من محاربة القوات الروسية حتى كلّفه الأتراك بمحاربة الإنكليز هذه المرة، وكانوا قد نزلوا في جنوب العراق عام 1914م، إذ طلب قائد الجيش التركي السادس (علي إحسان باشا) من الشيخ محمود الحفيد، باسم الحكومة التركية، المشاركة في مواجهة القوات الإنكليزية التي بدأت تجتاح العراق. وبالفعل قاد الشيخ محمود الحفيد أكثر من ألفي فارس من الأكراد، واتجه بهم إلى جنوب العراق (البصرة – الشعيبة)، واشتبك مع الإنكليز في معركة الشعيبة إلى جانب الجيش التركي، لكنه لم يفلح هذه المرة بسبب طبيعة الأرض وأسلحة العدو الحديثة، فتكبدت القوات الكوردية خسائر كبيرة، وجُرح الشيخ محمود الحفيد نفسه. وقاد الانسحاب العثماني القائد التركي (سليمان باشا العسكري) الذي انتحر فيما بعد، فتقدم الإنكليز واحتلوا العمارة والكوت وتقدموا نحو بغداد. وكان فشل الأكراد في مواجهة الإنكليز دليلاً على ضعف قابليتهم بصورة عامة على القتال في المناطق الصحراوية غير الجبلية. وفي تلك الفترة عاد الروس إلى احتلال كوردستان إيران، وتقدموا نحو كوردستان العراق، ووصلوا إلى رواندوز وخانقين، فطلب الأتراك من الشيخ محمود الحفيد مقاومة الروس، فتوجه فعلاً إلى الجبهة، وقبل احتدام المعارك قامت ثورة أكتوبر في روسيا عام 1917، وانسحب الجيش الروسي من كوردستان العراق دون قتال، وعاد الشيخ محمود الحفيد إلى السليمانية.

الحركة الكوردية بعد الحرب العالمية الأولى

عندما أوشكت الحرب العالمية الأولى أن تضع أوزارها، بات انتصار الحلفاء على ألمانيا وحليفتها تركيا واضحاً، وكان الجيش الإنكليزي يحتل أكثر من ثلثي العراق، ومنه بغداد، واستمر الأتراك (الجيش العثماني) في الانسحاب نحو الشمال. أما الشيخ محمود الحفيد فقد استخدم نفوذه السياسي والعسكري والمعنوي بين صفوف الأكراد، ولا سيما في منطقة السليمانية، وبدأ الاتصال برؤساء العشائر الكوردية وجمعهم حوله، وأخذ يتصل بممثلي حكومتي الدولتين اللتين حاربهما (الروس والإنكليز) طالباً العون منهما ضد الأتراك، وذلك لسببين: الأول إساءة الأتراك إلى الأهالي في كوردستان في الجولة الأخيرة من معاركهم مع الروس التي دارت على أرض كوردستان العراق، إذ عمّ المنطقة الغلاء والقحط ونهب الأموال والبيوت بحجة تعبئة القوات المحاربة التركية (العثمانية) وتموينها. أما السبب الثاني فهو الاستفادة من انهيار الأتراك العثمانيين أمام الإنكليز، واغتنام فرصة الانتقام منهم، وتحقيق الأماني القومية الكوردية.

لقد كان من المتوقع أن يصدر الحاكم السياسي البريطاني في العراق بياناً حول أفكار الإنكليز وخططهم لإقامة كيان معين للأكراد بالتعاون مع الشيخ محمود الحفيد، لكن هجوم الأتراك على كركوك وطردهم الإنكليز منها أخّر ذلك، إذ حصل الأتراك على معلومات عن تعاون الشيخ محمود الحفيد مع الإنكليز، فاستدرجوه إلى كركوك، ووُضع في السجن، وحكم عليه قائد الجيش التركي (خليل باشا) بالإعدام، ولكن عفا عنه وأطلق سراحه القائد الجديد (علي إحسان باشا) الذي كان يعرفه جيداً منذ مشاركته في معركة الشعيبة في البصرة. ويعتقد البعض أن الحكم بالإعدام ثم إطلاق السراح كان خطة لإجباره على التعاون مع الأتراك، بل إن الأتراك عيّنوه حكمداراً في منطقة السليمانية، ووضعوا الحامية التركية في السليمانية وأسلحتها تحت قيادته بعد انسحابهم سنة 1918م. فوجد الشيخ محمود الحفيد في ذلك فرصة للتعاون مع الإنكليز ضد الأتراك، إذ وصل إلى السليمانية (الميجر نوئيل) مزوداً بتعليمات خاصة، وعقد اجتماعاً مع الشيخ محمود الحفيد ورؤساء العشائر، وأعلن باسم الحكومة البريطانية الشيخ محمود الحفيد حكمداراً على كوردستان العراق، وحدد له راتباً قدره 1500 روبية، وعيّن الميجر نوئيل نفسه مستشاراً له. لقد كانت مناورة بارعة من الإنكليز أرادوا بها:

  • فرض سيطرتهم على كوردستان المحررة من الجيوش الأجنبية.
  • تثبيت موقعهم في العراق وتأمين موطئ قدم في كوردستان.
  • شراء ذمم بعض رؤساء العشائر الكوردية.
  • اتخاذ كوردستان العراق منطلقاً لبسط نفوذهم على بقية المناطق الكوردية.

الشيخ محمود الحفيد يشكّل حكومة كوردية

في 21 تشرين الثاني 1918م اجتمع رؤساء العشائر الكوردية في دار الشيخ محمود الحفيد، وبايعوه حكمداراً على هيئة أسموها «حكومة كوردية»، كما وافق المجتمعون على تعيين كل من:

  • السيد عمر البرزنجي متصرفاً للسليمانية.
  • الشيخ حسن البرزنجي قاضياً.
  • الشيخ قادر سعيد الحفيد قائداً للجيش.
  • الميجر نوئيل، الذي نصّب نفسه حاكماً سياسياً ومستشاراً للحكومة.
  • المستر كوينهارس سكرتيراً خاصاً للشيخ محمود الحفيد.

وقد عُدّت هذه التركيبة، التي ضمت أفراد عائلة الشيخ محمود الحفيد، من أهم المثالب التي كثيراً ما انتقده عليها أصدقاؤه.

أوضاع كوردستان العراق قبيل الحرب العالمية الأولى

غلب الطابع الريفي الزراعي والرعوي على المجتمع الكوردي في كوردستان العراق عشية اندلاع الحرب العالمية وخلالها، وهذه السمة لم تكن بعيدة عن بقية أجزاء العراق في الوسط والجنوب، غير أن المدن في كوردستان العراق لم تشهد تقدماً يوازي ما شهدته مدن الوسط والجنوب، وربما كانت الطبيعة الطوبوغرافية للمنطقة السبب الرئيس في عدم مجاراتها للتقدم الذي شهدته المدن العراقية الأخرى. ومن الثابت تاريخياً أن فترة الاحتلال العثماني للعراق قد شهدت إهمالاً لمظاهر التقدم والتطور فيه، وتركّز الاهتمام على جباية الضرائب، باستثناء فترات قصيرة شهدت مظاهر الازدهار، كعهد ولاية داود باشا (1817–1831)، وعهد ولاية مدحت باشا (1869–1872).

وخلال تلك الحقبة من تاريخ كوردستان العراق كانت القبيلة تمثل أساس البناء الاجتماعي في قراها ومدنها، وتعيش تلك القبائل إما في المدن والقرى، أو رحّالةً تتنقل من مكان لآخر بحثاً عن الكلأ، ويسميها الكورد (خيل). وهناك بعض القبائل شبه الرحّالة يسميها الكورد (كوچەر Kochar)، وهي تقطن شتاءً في قرى مؤقتة، وتتنقل في الصيف في مساحات شاسعة بحثاً عن المراعي. وتخضع جميع تلك القبائل لسلطة زعماء محليين، يُطلق على من كان منهم من أصل كوردي تسمية (بيك)، وعلى من كان يعود بأصله إلى سلالة الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) تسمية السيد أو الشيخ.

وعلى الرغم من الخصائص الاجتماعية المشتركة بين المجتمعات الكوردية الحضرية في المدينة والمناطق الريفية والقبائل المرتحلة، فإن طبيعة المدينة المزدحمة بالسكان جعلت لها طابعاً خاصاً يميزها عن الطابع الريفي من حيث طبيعة العلائق الاجتماعية والتقاليد المحلية. كما أن الحياة القاسية التي كانت تعيشها القبائل المرتحلة وشبه المرتحلة غالباً ما كانت تدفعها إلى الإغارة على القرى لسلب محاصيلها وماشيتها.

كانت إدارة القبيلة الكوردية عموماً في كوردستان خلال تلك الحقبة تعتمد على تمتع الشيخ أو البيك بسلطة قانونية وإدارية غير محدودة. ولقب الشيخ يدل على تمتع صاحبه بمركز مهم في المجتمع الكوردي، إذ يتيح له المجال لأن يتولى الزعامة الروحية والسياسية، وعادة ما يجعله يأخذ على عاتقه مهمة الوقوف في وجه الأعداء أو معارضة السلطة المركزية. وغالباً ما كان يحيط نفسه بأتباع مسلحين كانوا بمثابة سلطة تنفيذية، كما يعتمد الشيخ أو البيك على مجموعة من الأتباع يشكلون «مجلساً استشارياً». وبمرور الزمن أخذت تلك التنظيمات العشائرية الكوردية تتفكك ليحل محلها الولاء السياسي الممزوج بالولاء العشائري، إذ تحوّل رئيس العشيرة إلى مالك إقطاعي.

وفي العقد الأول من القرن العشرين ظهرت، بتأثير العوامل السياسية والاقتصادية، ملكيات إقطاعية نتيجة استحواذ الأثرياء وشيوخ القبائل الكوردية على الملكيات الفلاحية الصغيرة، الأمر الذي أدى إلى توطيد الإقطاع في تلك المناطق، إذ كان الإقطاعيون المتسلطون خلال تلك الحقبة «… من كبار ملاكي الأرض، ومثلاً حياً للإقطاعيين تحت الستار العشائري الكوردي، وكانت ممتلكاتهم تبلغ أحياناً عشرات الآلاف من الهكتارات، وكانوا يجندون العساكر ويدفعون الضرائب لولاة السلطان العثماني». وكثيراً ما أصبح هؤلاء الزعماء الإقطاعيون خلال تلك الحقبة من تاريخ المنطقة أمراء محليين يتمتعون باستقلال نسبي عن الولاة العثمانيين، ويقومون بإدارة مناطق نفوذهم، ويتلقون أحياناً الرواتب المقطوعة من الحكومة. كما أن تطور الإقطاع، من جانب آخر، أدى إلى تحول معظم البدو الكورد إلى عمال زراعيين بسبب صعوبة تنقلهم بين المراعي. ويعبّر كوتلوف عن هذه الحقيقة قائلاً: «وقد تحولت القبائل التي تقطن جنوب كوردستان إلى تنظيمات طبقية لخدمة مصالح الإقطاعيين».

ومما عجّل في نمو الإقطاع في تلك المنطقة اضطرار الفلاحين إلى رهن أراضيهم لدى الإقطاعيين أو بيعها لهم، بفعل زيادة الضرائب التي كانت تستوفيها الدولة العثمانية منهم، فضلاً عن سعي الحكومة العثمانية إلى إلغاء ملكية الأرض المشاعية.

ومن الملاحظ أن أولئك الزعماء الكورد كانوا يتمتعون بمنزلة مرموقة جداً بين أفراد قبائلهم، وعادة ما كانت هذه الزعامات من مرشدي الطرق الصوفية القادرية أو النقشبندية. وإذا ما قورنت منزلة هذه الزعامات بمثيلاتها في وسط العراق وجنوبه، فهي تفوق منزلة أسر إقطاعية بين أتباعها، كعائلة النقيب في بغداد، أو آل طبيخ وآل مكوطر وغيرهم في الفرات الأوسط. وفي ظل تلك الظروف كانت الأمية تضرب أطنابها في المجتمع القروي الكوردي، أسوة ببقية مناطق الأرياف في وسط العراق وجنوبه، وكان واقع حال التعليم في مدن كوردستان يشير إلى وضع بائس، فلم يكن أكثر من (5%) من السكان يستطيعون القراءة والكتابة.

غير أن الفئة المتنورة كانت موجودة، وتتألف من الكتّاب والشعراء والفقهاء والموظفين والضباط، فضلاً عن الطلاب. وتميزت القرى الكوردية بانتشار المساجد، والمسجد في كوردستان، فضلاً عن أنه مكان لأداء الفرائض الدينية، يُعدّ مدرسة أولية يعلّم فيها الملا أبناء القرية مبادئ القراءة والكتابة والقرآن الكريم، وبعض الموضوعات من مؤلفات فارسية وكوردية، ولا سيما معجم «أحمدي». وكان للمتعلمين درجات، ودور في التوجيه الفكري لأغلب الحركات التي اندلعت في أنحاء كوردستان.

تميز الواقع الاجتماعي بسيادة النظام الإقطاعي، الأمر الذي أدى إلى ترسيخ واقع اقتصادي شديد التخلف، كرّسته وزادته سوءاً وانتشاراً سياسة الاستعمار في المنطقة، التي عرقلت بصورة مباشرة النمو الاقتصادي هناك. وعلى الرغم من الأهمية الاقتصادية لمنطقة كوردستان، لاحتوائها على المعادن، وتوافر الأراضي الخصبة الصالحة للزراعة والمياه الوفيرة فيها، فإن واقع حال الفلاحين في كوردستان كان متدهوراً جداً من الناحية الاقتصادية؛ فالفلاحون الكورد كانوا يقدمون الهدايا إلى شيوخهم، فضلاً عن تأديتهم الضرائب للحكومة، وعادة ما يخدمون في الجيش ويدفعون بعض نفقاته، ناهيك عن الضرائب التي تُفرض على الماشية والمراعي. وفي ظل ذلك الواقع الاقتصادي المتخلف، الذي كان يمثل معاناة المجتمع الكوردي خلال تلك الحقبة، جنى الإقطاعيون أرباحاً طائلة، وارتفعت مداخيلهم بشكل لافت للنظر.

توسعت التجارة في منطقة كوردستان العراق منذ أواسط القرن التاسع عشر على أيدي تجار وكسبة أغنياء، ومع بداية القرن العشرين أصبحت تلك المنطقة مركزاً من مراكز تموين بغداد وإسطنبول وسوريا بالمواشي، فضلاً عن تصدير الصوف والسكر وبعض المواد الاستهلاكية الأخرى، وكانت صادرات كوردستان عموماً أكثر من وارداتها. كما ظهر خلال تلك الحقبة في المدن الكوردية عدد من التجار الذين تعاملوا بالربا لقاء فائدة عالية قد تصل إلى (33%) سنوياً.

وشهدت كوردستان العراق خلال تلك الحقبة تطوراً على الصعيد السياسي، إذ انتشرت الأفكار القومية وأصبحت شائعة بين الناس، وأمست من الأمور المحببة إلى نفوس الكورد، على الرغم من أن ذلك التوجه كان يُعدّ مخالفاً لنهج الدولة العثمانية العام.

وارتبطت الحركة القومية الوطنية في كوردستان منذ بداياتها الأولى بظروف المجتمع الكوردي الذاتية والموضوعية، وتأثرت بعوامل خارجية كغيرها من الحركات. ومن العوامل التي بلورت نمو تلك الحركة نمو الفئة المثقفة وتبلور أفكارها بفعل احتكاكها المباشر بالأوساط البرجوازية النامية في إسطنبول وبعض المدن الأوروبية. كما أسهم بعض الكورد مع غيرهم من القوميات الأخرى في تشكيل بعض المنظمات للمطالبة بحقوقهم، على أمل استجابة السلطات العثمانية لتلك المطالب. ويمكن عدّ العقد الأول من القرن العشرين مرحلة انتقالية دخلتها الحركة الوطنية بشكل عام، من خلال انتشار الصحافة والأدبيات والتنظيم الحزبي، وهي عوامل جديدة سعى من خلالها المثقفون الكورد إلى المطالبة بحقوقهم.

ومن السمات الواضحة التي ميزت الواقع السياسي في كوردستان العراق خلال تلك الحقبة ضعف سيطرة السلطة العثمانية على مقاليد الأمور في تلك المنطقة، ولا سيما المناطق الجبلية الوعرة منها، وقد استمر الحال على ما هو عليه، برغم مساعيها لفرض سيطرتها على تلك المناطق، حتى نهاية الحرب العالمية الأولى. ويشير صديق الدملوجي، الذي كان موظفاً في منطقة كوردستان العراق أواخر العهد العثماني، إلى أن المناطق الكوردية كانت تشكل أنموذجاً واضحاً للانحلال الذي كانت تعيشه الدولة العثمانية، إذ كانت سيطرتها ضعيفة للغاية، «بل إن الشعور بوجودها كان معدوماً بالمرة في المناطق الجبلية وبين القبائل الكوردية القوية». كما فشلت الدولة العثمانية في الإبقاء على بعض المكاسب التي تحققت لها بين العشائر الكوردية من ناحية انخراط أبنائها في صفوف الفرق الحميدية الكوردية، إذ شهدت تلك الحقبة نفوراً من تلك الفرق بين أبناء العشائر الكوردية، وكان الرؤساء المتنفذون والزعماء المعروفون، ومنهم الشيخ محمود الحفيد، يشجعون ذلك النفور.

واستمدت الحركة الوطنية الكوردية دوافعها الحقيقية من أعماق التاريخ الكوردي الحافل بالانتفاضات والسعي الدائم إلى الانعتاق القومي، على الرغم من أن جماعة «تركيا الفتاة» قد اتبعت سياسة قمعية ضد الشعب الكوردي مستخدمة حملات عسكرية مسلحة، جعلت الكورد مضطرين إلى الدفاع عن قراهم. وكانت المتغيرات التي طرأت على الحركة الوطنية الكوردية مبرراً لانتهاج الدولة العثمانية سياسة مستهجنة تعتمد على زرع الشقاق والخلاف بين القبائل والطوائف الكوردية لضرب رؤساء الكورد بعضهم ببعض، فضلاً عن انتهاج سبل الترهيب والترغيب وسياسة التهجير لحمل الكورد على التسليم والخضوع لسياستها. وبلغ الكفاح الكوردي درجة من التطور والنضوج في صياغة الأهداف السياسية والوطنية توازي ما بلغه الوسط المثقف الكوردي في إسطنبول والمدن الكبرى، إذ كان الشيخ محمود الحفيد وغيره من المتحمسين للجهاد والقيادة لبلوغ الأهداف التي كانت تسعى إليها تلك الحركة. كما أدى ذلك النشاط السياسي إلى ظهور نساء قديرات، كعادلة خانم وحفصة خانم، اللتين تبوأتا مركزاً متميزاً في المجتمع الكوردي آنذاك.

إن تلك الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي عاشتها منطقة كوردستان العراق عشية الحرب العالمية الأولى قد بلورت الظروف المواتية لظهور زعماء وطنيين من أمثال عبد الرزاق بدرخان والشيخ عبد القادر الشمديناني، إلا أن الشيخ محمود الحفيد، الذي ظهر على مسرح الأحداث خلال الفترة ذاتها، كان من أبرز الزعماء الوطنيين الكورد، وقد تأثرت سمات شخصيته وتبلورت من خلال تلك الظروف، لحصوله على قدر من الثقافة يزيد على ما حصّله أقرانه من الزعماء، فضلاً عن أن الظروف دفعته إلى مركز القيادة في ظل تعقيدات سبقت الإشارة إليها، الأمر الذي ميّزه عن بقية الزعماء الكورد الآخرين.


أجزاء «الحركات الكوردية في العصر الحديث 1908–1918» (4 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث (هذا الجزء)
  4. الجزء الرابع

→ الجزء الثاني  |  الجزء الرابع ←