الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
الحركات الكوردية في العصر الحديث 1908–1918 (الجزء الرابع)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
الحركة القومية الكوردية خلال الحرب العالمية الأولى وبعدها
لا أظن أن شعباً ذاق ما ذاقه الشعب الكوردي، ولا يزال، من مرارة الظلم والاضطهاد، ومع كل ذلك لم يأخذ الأكراد العبر من دروس الماضي وتجاربه، وظلت القضية الكوردية طوال حقب التاريخ أسيرة صراع القوى المتنازعة على منطقة الشرق الأوسط. وعملت هذه القوى، ولا سيما الاستعمارية منها، على تقديم مصالحها على عدالة القضية الكوردية، وعقدت الصفقات والمساومات على حساب آمال الشعب الكوردي ومعاناته وتضحياته الجسام.
وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وانهيار الإمبراطورية العثمانية نهضت شعوب المنطقة مطالبة بالحرية والاستقلال، وكان طبيعياً أن يطالب الشعب الكوردي بحقوقه المشروعة والعادلة غير منقوصة، شأنه في ذلك شأن شعوب المنطقة الأخرى.
وجاءت معاهدة سيفر (10 آب عام 1920) مشجعة لآمال الأكراد، وجاء في المادة 64 من المعاهدة ما يلي:
«وفي مدة سنة من هذه المعاهدة، إذا طلب الأكراد في المناطق الكوردية (كوردستان) المذكورة في المادة 62 من مجلس العصبة الاستقلال، وأثبتوا أن أكثرية الشعب الكوردي تريد ذلك، ووافق مجلس العصبة (عصبة الأمم) على أهلية الأكراد للاستقلال، وأوصى بذلك، فإن تركيا تتعهد منذ الآن بتنفيذ هذه التوصيات، ولا تتمسك بأي حق في هذه الأقاليم. ويُتفق على تفاصيل هذا التنازل ما بين تركيا وقوى الحلفاء الأساسية، وإذا وقع هذا التنازل لا تعترض قوى الحلفاء على دخول سكان كوردستان من الأكراد التابعين حتى الآن لولاية الموصل في هذه الدولة الكوردية المستقلة».
كانت منطقة كوردستان العراق برمّتها تقع ضمن حدود ولاية الموصل العثمانية، وكانت قد اكتُشفت كميات هائلة من النفط في حقول بابا كركر بكركوك، مما زاد من قيمة هذه المنطقة الكوردية من كوردستان، وعمّق الصراع عليها بين بريطانيا وتركيا أكثر، وقد تدفق النفط لأول مرة في بئر بابا كركر بكركوك في 15/10/1927.
وعندما تصلّب الأتراك في الدولة الكمالية الحديثة في موقفهم، وأصروا على المطالبة بولاية الموصل وعدّوها جزءاً من الأراضي التركية الحديثة، قررت بريطانيا اللجوء إلى استخدام القضية الكوردية عاملَ ضغط ناجحاً على تركيا. ويبدو أن الاستعمار البريطاني لم يكن صادقاً أبداً في وعوده للشيخ محمود الحفيد بمنح كوردستان الاستقلال، وحتى عندما كان يقوم بخطوات عملية لاستقلال كوردستان لم يكن موقفه واضحاً فيما إذا كان يعدّ كركوك وحقولها الغنية بالنفط ضمن أراضي كوردستان أم لا.
وفي معاهدة لوزان (24 تموز عام 1923م) تنكّر الحلفاء لمعاهدة سيفر (10 آب عام 1920)، وتصلّب موقف الدولة الكمالية التركية الحديثة حيال الأكراد أكثر من السابق، وفي هذه المعاهدة المشؤومة قُضي على كل أمل للأكراد بنيل حقوقهم كما وعدهم الحلفاء أسوةً بالشعوب الأخرى.
ونصت الفقرة الثانية من المادة الثالثة من معاهدة لوزان (24 تموز عام 1923م) على إحالة الخلاف حول الحدود العراقية التركية في المنطقة الكوردية (كوردستان)، وعائدية ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية، إلى عصبة الأمم، إذا عجزت الحكومتان التركية والبريطانية عن إيجاد حل ودي بينهما خلال تسعة أشهر من تاريخ إبرام المعاهدة.
وكانت ولاية الموصل (كوردستان) داخلة في منطقة النفوذ الفرنسي حسب الاتفاقيات السرية (سايكس–بيكو) التي كانت قد عُقدت بين الاستعمارين البريطاني والفرنسي سنة 1916، ولكن فرنسا تنازلت عن ولاية الموصل (كوردستان) لحليفتها بريطانيا منذ عام 1919، وتم هذا التنازل بشكله النهائي في مؤتمر (سان ريمو) سنة 1920، أما الحكومة التركية فقد ظلت تطالب بولاية الموصل (كوردستان).
وبعد أن عجزت بريطانيا وتركيا عن إيجاد حل لمشكلة ولاية الموصل (كوردستان)، تولّت عصبة الأمم المهمة، فقررت في 30/9/1924 تعيين لجنة دولية مؤلفة من الكونت تيليكي، رئيس وزراء هنغاريا السابق، والكولونيل بوليس من بلجيكا، وفيرسن الوزير المفوض السويدي، يساعدهم عدد من الخبراء، وذلك لدرس مشكلة ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية درساً تاماً من جميع وجوهها، وتقديم التوصيات إلى عصبة الأمم حتى تستطيع إصدار قرارها على ضوئها.
ووصلت اللجنة إلى بغداد في 16/12/1924، وفي اليوم التالي ذهبت إلى الموصل، وبعد شهرين من التجوال في المنطقة والاطلاع على آراء أبنائها، رفعت تقريراً إلى عصبة الأمم نهاية شباط 1925 يؤكد صلاحية «خط بروكسل» خطاً للحدود بينهما، وأوصت بضم المنطقة الواقعة جنوب خط بروكسل، أي ولاية الموصل (كوردستان العراق الحالية) كلياً، إلى العراق العربي، على أن يُلاحظ الشرطان التاليان:
- أن يبقى العراق تحت الانتداب البريطاني مدة خمسة وعشرين عاماً.
- أن تُراعى مصالح الأكراد في الشؤون الإدارية، وأن تكون لغة التقاضي والتعليم في المنطقة اللغة الكوردية، التي يجب أن تُعدّ اللغة الرسمية هناك، وإلا فقد يكون أكثر نفعاً أن تبقى المنطقة تحت السيادة التركية.
حظيت توصيات لجنة تقصي الحقائق بموافقة عصبة الأمم، إلا أن مصالح الأكراد لم تُراعَ كما أوصت اللجنة، بل ضُربت من قبل بريطانيا والحكومتين التركية والعراقية، وكُرّس تقسيم كوردستان على النحو الذي نراه اليوم.
وبقيت تركيا غير معترفة بقرار عصبة الأمم وبخط بروكسل الحدودي، ولكن الأتراك (تركيا الحديثة) خضعوا في الأخير للضغوط البريطانية على مضض، وفي 5/6/1926 تم التوقيع على معاهدة ثلاثية بين العراق وبريطانيا وتركيا، اعترفت تركيا بعدها بخط بروكسل، وبذلك كُرّس تقسيم كوردستان، ووُضعت الأسس للتعاون المشترك بين الأطراف الموقعة على المعاهدة الثلاثية في جميع المجالات، وبالأخص في مجال محاربة الحركة القومية التحررية الكوردية وضربها. وجاء حلف السنتو امتداداً لهذه السياسات والتوجهات، ونلاحظ أن التعاون بينهم لا يزال قائماً حتى يومنا هذا ضد أي نهوض للحركة القومية الكوردية.
إذن يمكن القول إن معاهدة لوزان (24 تموز عام 1923م) وما أعقبها من أحداث وتطورات، ولا سيما ما سُمّي بمشكلة ولاية الموصل (كوردستان العراق)، سارت كلها ضد مصالح الشعب الكوردي، وسُوّيت الخلافات بين الغاصبين على حساب حقوق الشعب الكوردي المظلوم وأرضه (كوردستان). وبحل مشكلة ولاية الموصل الكوردية استقرت سياسة الاستعمار البريطاني في الشرق الأوسط، وتحقق له ما أراد، ومنذ ذلك اليوم وقف، ولا يزال يقف حتى يومنا هذا، إلى جانب مضطهدي الشعب الكوردي.
إن الأكراد، باعتراف أدموندز، المستشار السياسي لوزارة الداخلية العراقية آنذاك، في كتابه (كرد وترك وعرب)، أنقذوا كيان الحكومة العراقية العربية الجديدة لدى ذهاب لجنة عصبة الأمم لتقصي الحقائق إلى كوردستان العراق (ولاية الموصل) لاستطلاع آراء المواطنين في ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية حول عائديتها، فيقول:
«وكان الكورد على العموم مرتاحين جداً للقيود التي وُضعت على الجائزة، وقد ختمت رسالة إلى السير هنري دوبس، المندوب السامي البريطاني في العراق، بعثت بها إليه في ذلك الحين، أصف له فيها استعداد السليمانية الرائع لخوض المعركة، وختمت رسالتي بالفقرة التالية:
إن زيارة لجنة عصبة الأمم لتقصي الحقائق أعطت زخماً شديداً للشعور الوطني الكوردي، الذي جرف في طريقه عدداً كبيراً من المستائين الذين كان أكثرنا تفاؤلاً يتوقع وقوفهم إلى جانب تركيا، فإذا بهذا الشعور يدفعهم إلى المعسكر المعادي للدولة التركية والأتراك. إن الاستجوابات الطويلة كادت تكون كلها، على حد سواء، ذات اتجاه قومي كوردي غالباً، لكنها لم تتخذ طابع الانفصال بصورة عامة … وإن كورد السليمانية وجّهوا ما يمكن وصفه بالضربة القاصمة للدولة التركية والأتراك في المعركة الدائرة للمحافظة على ولاية الموصل الكوردية وربطها بكيان العراق العربي الجديد، وإنهم، أي الأكراد، على إدراك تام بما فعلوا. أتُرى ستفتح الحكومة العراقية العربية عينيها بهذه المناسبة، وتتبنى سياسة كريمة بعيدة النظر إزاء الشعب الكوردي؟
إن تقرير لجنة عصبة الأمم لتقصي الحقائق جاء مؤيداً لأماني الشعب الكوردي، وبعد أن أنقذوا العراق العربي الجديد في لحظة من أخطر اللحظات التي مرت به، باتخاذ قرار تصديق المعاهدة الإنكليزية العراقية في تلك الليلة التاريخية، ليلة 10 حزيران 1924، عادوا لينقذوا البلاد من تجزئة قتّالة بوقفتهم الخالدة في السليمانية اليوم.
إن قادة الرأي العام الكوردي يحق لهم أن يختالوا على الملأ، ويفخروا بأنفسهم على دولة أبوا أن يكونوا لها مواطنين أذلّة».
وبطبيعة الحال لم يقبل الأكراد بالقرارات المجحفة بحقهم، التي أدت إلى هدر حقوقهم وتقسيم وطنهم، وهذا الموقف لم يتفق مع مصالح الاستعمار البريطاني، ولا مع مصالح الدولتين التركية والعراقية. فقاموا بثورات كوردية متلاحقة للمطالبة بحقوقهم المشروعة أسوةً بالآخرين من شعوب المنطقة، متحدّين إرادة الاستعمار والغاصبين، ولكن ثوراتهم قُمعت بقسوة. ففي تركيا نكّل مصطفى كمال أتاتورك بالأكراد شر تنكيل، في حين أنه نجح في تأسيس الجمهورية التركية الحديثة، وطرد اليونانيين من الأراضي التركية، وانتزاع اعتراف الحلفاء بجمهوريته التركية الحديثة بمساعدة أكراد تركيا. لقد قطع مصطفى كمال أتاتورك وعوداً سخية لأكراد تركيا في بداية الأمر، ولكنه تنصّل منها بعد ثبات موقفه وتعزيز مركزه.
وخير وصف لتلك الحالة والفترة السوداء هو ما دوّنه الزعيم الهندي الراحل جواهر لال نهرو في رسالة له إلى ابنته الراحلة إنديرا غاندي، إذ كتب يقول:
«وقضى مصطفى كمال باشا أتاتورك بعد ثورة الشيخ سعيد بيران عام 1925 على الأكراد بلا رحمة، وأقام محاكم الاستقلال الخاصة بمحاكمتهم بالألوف، وأعدم الزعيمان الكورديان الشيخ سعيد بيران والدكتور فؤاد وغيرهما، الذين ماتوا وأمنية استقلال كوردستان لا تفارقهم. وهكذا نرى الأتراك الذين حاربوا مؤخراً للحصول على حريتهم سحقوا الشعب الكوردي لمطالبته بحقوقه وبحريته المشروعة، فما أغرب تحوّل القومية من دفاع عن الوطن إلى هجوم لسلب حرية الغير! وفي عام 1929 ثار الأكراد ثانية، ولكن ثورتهم سُحقت ولو إلى حين، إذ كيف يمكن أن تخمد إلى الأبد ثورة الأكراد، وهم قوم يكافحون من أجل الحرية، وهم مستعدون لدفع الثمن؟!».
أما في العراق فقد تشكلت لأول مرة في التاريخ دولة كوردية، وعُيّن الشيخ محمود الحفيد ملكاً لكوردستان، ولكن سرعان ما انقلب عليه الإنكليز، فأرسلوا الميجر سون حاكماً سياسياً إلى السليمانية للحد من نفوذ الشيخ محمود الحفيد والتآمر عليه، فثار الشيخ محمود الحفيد واعتقل جميع الموظفين البريطانيين في 20/5/1919، وبعد شهر وقع أسيراً بيد القوات البريطانية بعد إصابته بجروح في معركة مضيق دربندي بازيان، ونُفي على أثرها إلى الهند. ورداً على تصلب الموقف التركي حيال قضية ولاية الموصل الكوردية، وتحت الضغط الجماهيري الكوردي المتصاعد، اضطر الاستعمار البريطاني إلى إعادة الشيخ محمود الحفيد إلى السليمانية والإعلان عن تتويجه ملكاً لكوردستان في 14/9/1922.
واستمرت ثورة الشيخ محمود الحفيد بين مدّ وجزر حتى عام 1931، وكانت الأنظار متوجهة إليه باعتباره زعيم الحركة القومية الكوردية، وكان بحق زعيماً ورمزاً خلّده نضاله ومواقفه الوطنية في تاريخ الشعب الكوردي.
وغضب الإنكليز أيما غضب على كل من أظهر الولاء للشيخ محمود الحفيد وأبدى استعداده للتضامن معه ودعمه، وكان الشيخ أحمد البارزاني أول من شخّصه الإنكليز للقضاء عليه وعلى عشيرة بارزان، بسبب مواقفه المشرّفة ورفضه الخضوع لحكم الإنكليز. فتعرضت بارزان في 9/12/1931 لهجوم غادر من حامية (بله)، وأدى هذا الاعتداء الغادر إلى انتفاضة بارزان وثورتها.
أجزاء «الحركات الكوردية في العصر الحديث 1908–1918» (4 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث
- الجزء الرابع (هذا الجزء)