الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
العشائر الكوردية القديمة وأصل الأكراد وتاريخهم العريق (الجزء الثالث)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
الميديون الكورد
بعد القضاء على الحكومة الكوتية الكوردية اضطرت القبائل الكوتية الكوردية إلى الانسحاب نحو قلاعها الجبلية في كوردستان والاعتصام بها فترة طويلة من الزمن، وهنا ينقطع التاريخ القديم عن ذكر الكوتيين الكورد. إلا أن كوردستان أخذت تشهد تطورات جديدة وخطيرة بعد أن أخذت تصلها جماعات من المهاجرين الكورد الجدد الهندو-أوروبيين، وذلك حوالي سنة 2000 ق.م، عندما اندمج هؤلاء المهاجرون الكورد مع بني رحمهم الكورد من السكان الأوائل في جبال زاكروس وكوردستان، أي الكوتيين الكورد، وأُطلق عليهم اسم «الميديين الكورد». وبما أن هذه الموجة الهندو-أوروبية الجديدة كانت موجة غازية، فقد انصهر بها الكوتيون الكورد واندمجوا معها، وكوّنوا شعباً واحداً عُرف في التاريخ باسم «الشعب الميدي الكوردي»، الذي استطاع أن يؤسس أول إمبراطورية عظيمة في تاريخ الكورد القديم (الدولة الميدية)، التي تجاوزت حدودها شرقاً حتى وصلت إلى نهر سرداريا في آسيا الوسطى، والتي يمكن عدّها امتداداً لمملكة كوتيام الكوردية.
والميديون الكورد هم أسلاف الأكراد الحاليين. يقول الأستاذ سايس: كان الشعب الميدي الكوردي عبارة عن عشائر كوردية تقطن شرق بلاد آشور، وكانت حدود موطنها تمتد إلى الجنوب من بحر قزوين، وكان معظم هذا الشعب من أمم هندو-أوروبية لغةً ولساناً، ومن جنس الآريين عنصراً ودماً، كما أن لغة الميديين الأكراد كانت قريبة الشبه باللغة الكوردية الحالية، أو أنها كانت أساسها على الأقل.
انتشر الميديون الكورد فوق جبال زاكروس، وتمت لهم السيطرة عليها عام 2649 ق.م، واستطاعوا بذلك أن يضعوا الأسس الراسخة لحكومة مركزية قوية. وعندما وضع الميديون الكورد تلك الأسس اتجهوا نحو الفتوح والسيطرة، مما اضطرهم إلى خوض معارك طاحنة مع جيرانهم الآشوريين، والفرس فيما بعد. وقد أشار شلمنصر الأول (1400 ق.م) إلى الميديين الكورد منذ أول ظهورهم قوةً مهددة لمملكته آشور، علماً أن آشور كانت في ذلك الوقت دولة عسكرية قوية الشأن.
استمرت الحرب سجالاً بين الميديين الكورد والآشوريين، حتى استطاع الآشوريون زمن ملكهم سرجون العظيم سنة 715 ق.م إجبار بعض القبائل الميدية الكوردية المقيمة عند حدود بلادهم الشرقية على دفع الجزية (الضرائب) لدولة آشور. وكان الآشوريون في الوقت نفسه في عداء مستمر مع البابليين، جيرانهم الجنوبيين. وفي الوقت الذي كانت فيه الدولة الآشورية ذات البأس والقوة في شمال العراق (كوردستان)، وكان البابليون في أوج عظمتهم في عهد ملكهم (نبوبولاصر) في وسط العراق وجنوبه، كان الميديون الكورد في شمال غرب إيران وشمال شرق العراق (كوردستان) يعدّون عدتهم للانقضاض على مملكة آشور وتحطيمها، إذ كان معظم ملوك ميديا الكوردية متحمسين للهجوم على مملكة آشور، عدوهم التقليدي، والقضاء عليها.
وبعد أن اتخذ الملك الميدي الكوردي (ديوسس) من مدينة إقباتان (همدان) عاصمة لمملكته ميديا ومركزاً لحكومته، انصرف إلى تجميلها وتحصينها، ثم عمل على توحيد القبائل الميدية الكوردية، وكوّن منها جيشاً جراراً من المشاة والفرسان. وفي هذا الوقت كان الآشوريون وملكهم (سنحاريب) منشغلين بحروبهم مع البابليين، أي إن ميديا الكوردية كانت تتهيأ للحرب في وقت كانت فيه آشور منهكة القوى بسبب حروبها مع البابليين.
وبعد وفاة الملك الميدي الكوردي (ديوسس) خلفه ابنه (فراورتز) الذي حكم مملكة ميديا الكوردية من سنة 675 إلى 653 ق.م، وقد هادن الآشوريين في زمانه، إلا أنه استطاع أن يخضع الشعب الفارسي لسلطانه، إذ كان سكان فارس يعترفون بأنهم أتباع أقربائهم الميديين الكورد وحلفاؤهم. ولما اشتد ساعد الميديين الكورد زمن ملكهم (فراورتز) امتنعت القبائل الميدية الكوردية القاطنة عند الحدود الشرقية لآشور عن دفع الضرائب التي فرضها عليهم الملك الآشوري سرجون العظيم كما بيّنا سابقاً، وكان هذا الامتناع سبباً في تجدد القتال والحرب بين الدولتين الميدية الكوردية والآشورية، وقد أسفرت الحروب عن مقتل الملك الميدي الكوردي (فراورتز) عام 653 ق.م بعد أن حكم اثنين وعشرين عاماً.
ثم اعتلى عرش ميديا الكوردية الملك العظيم (سياكزرز) الذي تولى الحكم فيها من سنة 653 إلى 585 ق.م، والذي يعدّ بحق أبرز ملوك ميديا على الإطلاق، إذ وصلت ميديا الكوردية في زمانه إلى أوج عظمتها وقمة ازدهارها. فمنذ أول أيامه اتجه ملك ميديا (سياكزرز) نحو الفتوح، فنظّم جيشه الميدي الكوردي وأعدّه إعداداً كاملاً من الناحيتين العددية والقتالية، بحكم شعوره بالخطر المحيط بدولته ميديا من قبل جيرانه الغربيين (الآشوريين). علماً أن حدود ميديا كانت في بداية حكم الملك (سياكزرز) تمتد من شمال بحيرة أورمية ومنطقة طهران شمالاً إلى ولاية فارس الواقعة جنوب إيران، أما عاصمتها فكانت مدينة إقباتان (همدان).
وفي أواخر عام 615 ق.م بدأ الميديون الكورد هجماتهم المركزة على الحدود الشرقية لبلاد آشور بعد أن عبّؤوا جميع قواهم العسكرية، ففي شتاء ذلك العام احتلوا مدينة أرابخا (كركوك) التي كانت خاضعة للآشوريين، ثم اتجهوا غرباً لاحتلال مدينة آشور، وذلك عام 614 ق.م. وفي هذه الأثناء كان البابليون أيضاً قد أعدّوا حملة واسعة للهجوم على مدينة آشور، وكانت تلك الحملة البابلية قد وصلت بالفعل إلى مقربة من حدود المدينة. وهنا، على مقربة من أسوار المدينة الآشورية، تقابل الملك الميدي الكوردي (سياكزرز) مع الملك البابلي (نبوبولاصر)، وكان يجمعهما هدف مشترك ألا وهو القضاء على مملكة آشور، فعقد الملكان معاهدة تحالف وصداقة بين دولتيهما (ميديا وبابل). وهكذا عمل الجيشان الميدي والبابلي يداً بيد للإطاحة بالدولة الآشورية، وهذا ما كانا يسعيان إليه. وبفضل ذلك التحالف المتين بين سكان الجبال الأشداء الأكراد وأهل السهول (بابل) تمكنوا من إسقاط الدولة الآشورية واحتلال أراضيها، ففي نهاية عام 612 ق.م وقعت جميع المدن الآشورية، كمدينة آشور المركز الديني للآشوريين، ومدينة نينوى مركزهم الإداري، ومدينة نمرود مركزهم الحربي، بيد الجيشين الميدي الكوردي والبابلي. وتلا ذلك الانتصار العظيم تقسيم ممتلكات الآشوريين بين الدولتين المتحالفتين المنتصرتين (الميدية الكوردية والبابلية).
وبعد زوال الحكومة الآشورية عام 612 ق.م تأسست في الشمال إمبراطورية ميديا الواسعة الأرجاء، بعد أن ضمت إليها الكثير من الأراضي الآشورية، ومن ضمنها مدينة نينوى، وإلى الجنوب من ميديا، وعلى شكل هلال كبير، امتدت الإمبراطورية الكلدانية (البابلية الثانية) من الخليج العربي حتى السواحل الشرقية للبحر المتوسط.
ظلت الإمبراطوريتان الميدية الكوردية والبابلية في سلام تام ووئام ردحاً طويلاً من الزمن، وتوثيقاً للروابط السياسية والعسكرية بين الدولتين الجارتين زوّج الملك البابلي (نبوبولاصر) ابنه (نبوخذ نصر) من ابنة الملك الميدي الكوردي (سياكزرز)، وهي الأميرة (أميتيس). ولما كانت الأميرة الميدية الكوردية (أميتيس) قد نشأت وترعرعت في بلادها الجبلية (كوردستان)، فقد سئمت الحياة في أرض السهول بعد انتقالها إلى مدينة بابل، فكانت كثيراً ما تعلن لزوجها (نبوخذ نصر) عشقها للجبال، الأمر الذي دفع الملك البابلي إلى بناء الجنائن المعلقة لزوجته الميدية الكوردية الحسناء (أميتيس)، عسى أن يخفف ذلك من حنينها إلى الجبال وبلادها ميديا الكوردية. وهذه الجنائن المعلقة عدّها اليونان من عجائب الدنيا السبع.
وبعد سقوط آشور أصبحت ميديا الكوردية إمبراطورية واسعة الأرجاء، وكانت حدودها تمتد من نهر الهاليس (قزل إيرماق) الواقع في أواسط تركيا غرباً إلى إقليم باختريانه (بخارى) شرقاً، ومن بحر قزوين شمالاً إلى الخليج العربي جنوباً، وكانت تجاورها من الغرب المملكة الكلدانية وقيليقية وليديا.
ومن الجدير بالملاحظة أنه في أيام الإمبراطورية الميدية الكوردية ظهر زرادشت (Zoroastres)، نبي الميديين الكورد، ونشر فيها الديانة الزرادشتية. وزرادشت ميدي الأصل، ولد سنة 660 ق.م في مقاطعة أتروباتين (Atropatene)، إحدى مقاطعات الإمبراطورية الميدية الكوردية، على مقربة من بحيرة أورمية. وقد اعتنق الميديون وجيرانهم الفرس الديانة الزرادشتية، وأصبحت ديناً رسمياً للميديين الأكراد وللأخمينيين الفرس من بعدهم، كما أنها انتشرت في الهلال الخصيب كذلك، وأصبح زرادشت الميدي (الكوردي) بذلك المؤسس العظيم الأول لأكبر معتقد ديني في ذلك التاريخ. وتوفي زرادشت عن عمر يناهز السابعة والسبعين، في عام 573 ق.م.
وعندما توفي الملك الميدي الكوردي العظيم (سياكزرز)، مؤسس الإمبراطورية الميدية، خلفه الملك (أستياغ) الذي أحجم طوال فترة حكمه عن الاشتراك في الحروب لضعف شخصيته ولين سلوكه، مما أدى إلى ظهور جماعات طمعت في مملكة ميديا العظيمة، فظهرت بوادر تجمع الفرس، وبرزت قوتهم وعلا شأنهم، وتحفزوا للثورة والاستقلال. وكما بيّنا سابقاً، كان الفرس يعدّون أنفسهم أبناء أقربائهم الميديين الكورد، إلا أنه حدث في أواخر حكم الملك الميدي (أستياغ) أن تشكلت إمارة صغيرة من قبل إحدى القبائل الفارسية المسماة (إنشان)، فأخذت هذه الإمارة تسعى إلى السيطرة وبسط النفوذ على المناطق المجاورة بالتدريج، وذلك بعد أن أحست بضعف الملك الميدي الكوردي (أستياغ).
واستطاع القائد الفارسي الكبير قورش، الملقب بـ(كيخسرو) بن كيكاوس (558–530 ق.م)، بعد أن أسس إمارة صغيرة، توحيد الفرس وقيادتهم للهجوم على الميديين الكورد وعلى عاصمتهم (إقباتان)، بعد أن ضم إلى جيشه العديد من الشعوب الناقمة على الميديين الكورد، كالبارث والهيركان وغيرهم. فلما استتب الأمر لقورش القائد الفارسي هاجم ميديا الكوردية بعد أن نظّم جيشاً من الفلاحين حارب تحت لوائه ببسالة وإخلاص مدة ثلاث سنوات متتالية، قهر في نهايتها الملك الميدي الكوردي واستولى على مملكته ميديا، وأُسر الملك الميدي الكوردي (أستياغ) واقتيد أسيراً إلى فارس، وذلك سنة 546 ق.م.
ولم يكتف القائد الفارسي قورش باحتلال ميديا سنة 546 ق.م، بل أخضع مملكة «ليديا» الواقعة إلى الشمال الغربي من ميديا الكوردية كذلك. وبعد أن اتخذ قورش من مدينة (برسيلوس)، الواقعة إلى الشمال الشرقي من مدينة شيراز الحالية بـ32 ميلاً (54 كيلومتراً)، عاصمة لدولته، وجّه قواته نحو بابل لإخضاعها، وقد تم له ما أراد سنة 538 ق.م. وبذلك سيطر الفرس على مناطق واسعة من الشرق الأوسط تجاوزت حدود الإمبراطورية الميدية الكوردية كثيراً.
وبعد سقوط مملكة ميديا الكوردية بدأ التاريخ ينقل لنا أخبار ظهور دولة الفرس الأخمينيين، في حين اختفت أخبار الشعوب التي خضعت لهم، ومنها الشعب الميدي الكوردي. واستمر الأخمينيون الفرس في الفتوح حتى شارفت قواتهم الفارسية زمن ملكهم داريوس (دارا الثالث) أراضي اليونان، وعندها بدأ الصراع الفارسي اليوناني، وأخذ اليونانيون يفكرون في غزو الشرق، وبالفعل تم لليونان ذلك عندما استطاع الإسكندر المقدوني سنة 331 ق.م دحر الملك الفارسي دارا الثالث (داريوس) في معركة قرب مدينة أربيل. وبذلك خضعت ميديا (كوردستان) وفارس (إيران) والعراق وغيرها من مناطق الشرق الأوسط للإمبراطورية اليونانية وقائدها الإسكندر المقدوني (اليوناني).
ومن الجدير بالذكر أن رجعة العشرة آلاف يوناني بقيادة أكزنفون، وهي الحادثة التاريخية المشهورة، حدثت عام 401 ق.م، أي زمن السيطرة الأخمينية الفارسية على ميديا (كوردستان)، وأن أكزنفون هذا هو الذي أطلق على الشعب الميدي (الكوردي) اسم (كاردوخي).
أجزاء «العشائر الكوردية القديمة وأصل الأكراد وتاريخهم العريق» (4 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث (هذا الجزء)
- الجزء الرابع