الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

العشائر الكوردية القديمة وأصل الأكراد وتاريخهم العريق (الجزء الثاني)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

تاريخ الكورد وكوردستان: نشأته وجذوره وجغرافيته

كوردستان تعني أرض الكورد، وهي المنطقة الجغرافية التي يقيم فيها الأكراد في الشرق الأوسط، وهي موزعة على خمس دول هي: العراق وإيران وسوريا وتركيا وأجزاء من دول الاتحاد السوفيتي السابق. ومن الصعب تحديد المنطقة الجغرافية لكوردستان لعدم اعتراف الدول آنفة الذكر بهذا الكيان.

ويعتقد الأكراد أن أرض كوردستان قُسّمت قسراً على الدول الأربع في اتفاقية لوزان 1923 المبرمة بين الدول المنتصرة بعد الحرب العالمية الأولى.

وتعترف إيران والعراق بمنطقة كوردية على أراضيهما، أما سوريا، التي تضم أقل عدد من الأكراد بين الدول الأربع، ونظيرتها تركيا وإيران، فترفضان ذلك.

اشتقاق كلمة الكورد

تُدرج اللغة الكوردية ضمن مجموعة اللغات الإيرانية (وهذا غير صحيح، بل اللغة الكوردية لغة مستقلة عنها) التي تمثل فرعاً من أسرة اللغات الهندو-أوروبية. وكلمة كوردستان مؤلفة من جزأين: الأول منهما (كورد) نسبة إلى الشعب الكوردي، والثاني (ستان) ويعني موطن أو أرض أو مكان، لذلك عُرفت المنطقة (كوردستان) منذ زمن بعيد بأرض الكورد. ففي عصر حضارة ما بين النهرين، على سبيل المثال، عُرفت المنطقة بهذه التسمية، إذ كان السومريون يسمونها كورا أو قوتيوم أو أرض كاردا، أما الآشوريون فكانوا يسمونها كورتي، والبابليون قاردو، والإغريق قاردوتشوي، والرومان كوردرين، والعرب أرض الأكراد. ويُعتقد أن أول من استخدم مصطلح «كوردستان» هو السلطان سنجر الملك الكوردي في القرن الثاني عشر.

والمصطلح الذي يرادف في اللغة الكوردية كلمة العروبة في اللغة العربية هو مصطلح «كوردواري Kurdewarî» أو «كوردايتي Kurdayetî».

الكورد

الأكراد شعوب تعيش في بعض دول الشرق الأوسط، وهي: إيران (الجنوب الغربي)، والعراق (الشمال الشرقي)، وتركيا (الجنوب الشرقي)، وسوريا (أقلية صغيرة). ويطلق القوميون الأكراد على الأراضي التي يقطنونها حالياً مسمى جدلياً هو كوردستان الكبرى.

ويرى العلامة محمد أمين زكي (1880–1948) في كتابه «خلاصة تاريخ الكورد وكوردستان» أن الكورد يتألفون من طبقتين من الشعوب: الطبقة الأولى كانت تقطن كوردستان منذ فجر التاريخ، ويسميها محمد أمين زكي «شعوب جبال زاكروس»، وهي بحسب رأي المؤرخ المذكور الشعوب الكوردية «لولو، كوتي، كورتي، جوتي، جودي، كاساي، سوباري، خالدي، ميتاني، هوري أو حوري، نايري»، وهي كما يراها الأصل القديم جداً للشعب الكوردي. والطبقة الثانية هي طبقة الشعوب الهندو-أوروبية التي هاجرت إلى كوردستان في القرن العاشر قبل الميلاد، واستوطنت كوردستان مع شعوبها الأصلية، وهم «الميديون والكاردوخيون» الأكراد، وامتزجت بشعوبها الأصلية ليشكّلا معاً الأمة الكوردية.

وهناك نوع من الإجماع بين المستشرقين والمؤرخين والجغرافيين على عدّ المنطقة الجبلية الواقعة في شمال الشرق الأوسط، بمحاذاة جبال زاكروس وجبال طوروس، المنطقةَ التي سكنت فيها الشعوب الكوردية التي يحتمل أن تكون أسلاف الأكراد منذ القدم، ويطلق الأكراد على هذه المنطقة تسمية كوردستان، وهي عبارة عن أجزاء من شمال العراق (كوردستان) وشمال غرب إيران وشمال شرق سوريا وجنوب شرق تركيا. ويوجد الأكراد، بالإضافة إلى هذه المناطق الكوردية، بأعداد قليلة في جنوب غرب أرمينيا وبعض مناطق أذربيجان ولبنان. ويعدّ الأكراد من أكبر القوميات في العالم التي لا تملك دولة مستقلة أو كياناً سياسياً موحداً معترفاً به عالمياً.

وهناك الكثير من الجدل حول الشعب الكوردي، ابتداءً من منشئه، وامتداداً إلى تاريخه، وحتى في مجال مستقبله السياسي، وقد ازداد هذا الجدل التاريخي حدة في السنوات الأخيرة، وخاصة بعد التغيرات التي طرأت على واقع الأكراد في العراق عقب حرب الخليج الثانية، وتشكيل الولايات المتحدة منطقة حظر الطيران التي أدت إلى نشأة كيان إقليم كوردستان في كوردستان العراق.

منشأ الكورد

وهنا يُطرح السؤال حول منشأ الكورد، وهو يدور حول فرضيتين:

جذور الكورد نشأت من الشعوب الناطقة باللغات الهندو-أوروبية (وهي الشعوب التي تتكلم لغة كوردية أصلها نظرياً المنطقة بين الهند وشرق أوروبا).

وهناك عدد من النظريات حول نشوء الأكراد:

  1. تيار مكوّن من القوميين العرب وأصحاب حضارة وادي الرافدين القديمة وبعض المؤرخين العرب، مقتنعون بأن الأكراد في المناطق المعروفة الآن بكوردستان أتوا في زمن حديث، وأنهم قدموا من مناطق خارج البقعة الجغرافية (كوردستان) التي يقطنونها حالياً، وبالتحديد من القوقاز.
  2. تيار مكوّن من المستشرقين والمؤرخين والقوميين العرب والأكراد وغيرهم، مقتنعون بأن الكورد شعب مستقل بذاته، ولهم خصائص تميزهم عن بقية الشعوب، وقد حافظ الأكراد على جميع مظاهر هذه الخصوصية الكوردية من الزي واللغة والعادات والتقاليد، على الرغم من التشابه في بعض النواحي اللغوية مع الشعوب المجاورة. ويُورَد احتفال الأكراد بعيد نوروز مثالاً على ذلك؛ فعلى الرغم من احتفال الشعوب المجاورة بهذا العيد أيضاً، فإن للأكراد مفهوماً مختلفاً تماماً عن عيد نوروز مقارنة بمفهوم إيران وأفغانستان وألبانيا وباكستان له، لأن الأكراد يعدّونه عيداً وطنياً وقومياً، إذ قاموا فيه بثورة ضد الطاغية الضحاك، وأشعلوا النار في قصره وتحرروا منه.
  3. تيار مكوّن من الأكراد أنفسهم، مقتنعون بأن أصول الأكراد هندو-أوروبية. وقد نشأ هذا التيار ردةَ فعل على ما عدّه تهميشاً ومحاربة من قبل الشعوب المجاورة لهم، فوُلد هذا التيار الذي يحاول إرجاع أصول الأكراد إلى عروق آرية أو أوروبية.

النظريات في المؤلفات العربية الإسلامية

للمؤلفات العربية الإسلامية تعريف للأكراد بأنهم «بدو الفرس»، كما أورد ابن خلدون في المقدمة.

ولاتباع المنهج الأكاديمي في البحث عن جذور الأكراد لجأ الباحثون وعلماء الآثار إلى البحث عن شعوب قديمة في المناطق التي كانت مسكونة من قبل الأكراد منذ القدم، وكانت فكرة البحث التعرف على الشعوب التي كانت مستقلة من ناحية اللغة، وتربط أفرادها خصائص مشتركة تميزهم عن بقية الشعوب المعروفة في بلاد ما بين النهرين. وتم من خلال هذه الأبحاث التعرف على بعض الشعوب التي قد تكون الجذور القديمة للأكراد، وهذه الشعوب هي:

  1. الشعب الذي سكن منطقة تل حلف، وتقع هذه المنطقة في شمال شرق سوريا، في محافظة الحسكة، بالقرب من نهر الخابور، ويعود تاريخها إلى العصر الحجري الحديث. وتوجد مخطوطات في أرشيف الملك الآشوري أداد نيراري الثاني تفيد بأن هذه المدينة الدولة كانت مستقلة لفترة قصيرة، إلى أن سيطرت عليها الملكة الآشورية سميراميس في سنة 808 قبل الميلاد.
  2. الهوريون أو الحوريون الكورد، أو الشعب الهوري، الذي كان يقطن شمال الشرق الأوسط في فترة 2500 سنة قبل الميلاد (وهم جذور للشعب الكوردي)، في المنطقة الآسيوية الأوروبية بين تركيا وإيران والبحر الأسود وبحر قزوين. وسكن هذا الشعب أيضاً بالقرب من نهر الخابور، وشكّل لنفسه ممالك من أهمها مملكة ميتاني الكوردية في شمال سوريا عام 1500 قبل الميلاد. ويُعتقد أن الهوريين انبثقوا من مدينة أوركيش التي تقع قرب مدينة القامشلي في سوريا. وقد استغل الهوريون ضعفاً مؤقتاً للبابليين فقاموا بمحاصرة بابل والسيطرة عليها في فترة 1600 قبل الميلاد، ومن هذا الشعب انبثق الميتانيون، أو شعب ميتاني. ويعدّ المؤرخ الكوردي محمد أمين زكي (1880–1948) في كتابه «خلاصة تاريخ الكورد وكوردستان» شعبي هوري وميتاني من الجذور الأولى للشعب الكوردي. وكانت نهاية مملكة شعب هوري على يد الآشوريين.
  3. ذكر المؤرخ اليوناني زينفون (427–355 قبل الميلاد) في كتاباته شعباً وصفه بـ«المحاربين الأشداء ساكني المناطق الجبلية»، وأطلق عليهم تسمية كاردوخ، التي تتكون من «كورد» مع لاحقة الجمع اليونانية القديمة (وخ)، أو كوردوس (Curdos) باليونانية الحديثة، والكاردوخيون هم الذين هاجموا الجيش اليوناني أثناء عبوره المنطقة عام 400 قبل الميلاد، وكانت تلك المنطقة، استناداً إلى زينفون، جنوب شرق بحيرة وان الواقعة في شرق تركيا. ولكن بعض المؤرخين يعدّون الكاردوخيين (أجداد الكورد) شعوباً هندو-أوروبية انضمت لاحقاً إلى الشعب الكوردي، الذي يرجع في اعتقاد البعض بجذوره إلى شعوب جبال زاكروس غير الهندو-أوروبية.
  4. وفي قصص الأنبياء أن الأكراد من أصول آرية، أي أبناء آري، وآري هو ابن نوح عليه السلام.

ومن ناحية علم الأنثروبولوجيا يرى العلماء أن الأكراد بغالبيتهم العظمى ينتمون إلى عنصر الأرمنويد. ويقول المؤرخ العراقي الكبير مصطفى جواد في كتابه «أصول التاريخ» إن من أهم الشخصيات الإسلامية الكوردية الإمام الشيخ عبد القادر الجيلاني المولود في قرية الجيل بين جلولاء وخانقين، وصلاح الدين الأيوبي المولود شمال تكريت، والإمام ابن تيمية المولود شمال سوريا.

العشائر الكوردية القديمة والبنية الاجتماعية

يتميز المجتمع الكوردي بنظامه العشائري وروحه القبلية، ولذلك بقيت السمة العشائرية في هيكليته وبنائه الطبقي، كما أنها أدّت ولا تزال تؤدي دوراً مؤثراً في النشاط السياسي والمسلح للحركة الكوردية.

أما بالنسبة إلى النظام العشائري فإن الكورد يخضعون لرؤسائهم خضوعاً تاماً، ويطلق على هؤلاء الرؤساء أسماء الخان أو البك أو الأغا أو الشيخ. فالخان لقب الأمراء الذين يتجاوز نفوذهم القبيلة والمنطقة، والبك لقب الزعماء الذين يتجاوز نفوذهم القبيلة إلى المنطقة، والأغا ينحصر نفوذه في العشيرة.

أما الشيوخ فهم نوعان: السادة، ويجمعون بين النفوذ الديني والزمني وينافسون الخانات في نفوذهم، والشيوخ من غير السادة، ولهم نفوذ زمني فقط. أما الملا فله سلطته الدينية، وهي سلطة محلية.

ومن الملاحظ أن النظام العشائري بدأ يفقد قوته أمام موجة التطور والتحديث مع بداية النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حيث طرأت عدة تغيرات في مجال نمو السلع التجارية وتطورها، مما أدى إلى زعزعة النظام الإقطاعي وظهور البدايات الأولى للبرجوازية التجارية والرأسمالية، فظهرت في كوردستان المتاجر الخاصة بصناعة الصابون ودباغة الجلود والأحذية والأصباغ والملابس، وارتبط بذلك نمو شرائح الحرفيين والعاملين في الخانات والبناء والقوافل. وإلى جانب المجتمع العشائري كان هناك قطاع فلاحي يرتكز على الزراعة في نشاطه الإنتاجي، ولكنه يعتمد في الوقت نفسه على علاقات تسويقية ثنائية، إذ يرتبط بالمدينة الكوردية من جهة، وبالقبيلة الجبلية المنتشرة حولها من جهة أخرى.

إن الحياة الفلاحية التي كانت من صميم التشكيل الاجتماعي في كوردستان عرفت الملكية الزراعية الصغيرة على نطاق محدود، بينما كانت الكثرة تعمل أجراء زراعيين عند كبار الملاكين، والبعض الآخر يعمل بنظام زراعي يشبه إلى حد ما نظام الالتزام الذي كان مطبقاً في مصر في العهد العثماني، بما يتضمنه من استغلال وفقر، لأن معظم الأراضي كانت بحوزة الأغوات والبكوات والشيوخ.

ومن الملاحظ في التغير الذي طرأ على النظام الطبقي في كوردستان نموّ طبقة برجوازية حديثة (عقارية وزراعية وبيروقراطية)، ولكنها رغم هذا الاختلاف تظل طبقة واحدة لها مصالح وأهداف متشابهة، إن لم تكن واحدة.

ومن مظاهر تطور المجتمع الكوردي ظهور فئة المثقفين الذين ينتمون في غالبيتهم إلى أصول برجوازية من أثرياء المدن، وإلى أصول ذات منابع أغوية إقطاعية، وكذلك ظهور مثقفين ينحدرون من أصول طبقية ريفية فلاحية وعمالية ومهنية، بدؤوا جميعاً يعطون المجتمع الكوردي ونشاطه السياسي وجهاً مختلفاً عن ذلك الوجه الذي كان عليه أيام الحكم العثماني وسيطرة الأغوات والإقطاع.

الجذور التاريخية للكورد

تعدّ كوردستان الموطن الأول للسلالة البشرية الثانية، وذلك بعد أن هاجرت المجموعات البشرية من مواطنها الأصلية إلى مواطن جديدة كما ورد سابقاً، إذ كانت كوردستان تقطنها مجموعة شعوب زاكروس المتكونة من الكوتيين واللولو والسوباريين والكالديين (الأكراد)، التي تشترك جميعاً بوشائج الرحم والقرابة الكوردية بعضها مع بعض. فهذه الشعوب الكوردية ليست في الحقيقة سوى قبائل كوردية متعددة من شعب كوردي واحد لا تختلف في الأصل الكوردي، وهي تنتسب إلى مجموعة الشعوب الهندو-أوروبية. وهذه القبائل الكوردية مجتمعة تكوّن الأصل الأول والقديم للشعب الكوردي، الأمر الذي يعكس لنا تعدد لهجات اللغة الكوردية اليوم.

الكوتيون (الأكراد)

استوطن الكوتيون (الكورد) وبنو رحمهم من قبائل الكورد «اللولو والسوباريون والكالديون» جبال زاكروس في الألف الثالث قبل الميلاد، وبذلك يعدّون السكان الأصليين لجبال زاكروس، إذ لم يسبق لغيرهم من الشعوب الأخرى أن استوطنها أو استقر فيها. وذلك ما عبّر عنه العلامة مار (Marr) الذي يؤكد أن الأكراد شعب أصيل، وأنهم السكان الأصليون لجبال آسيا الصغرى.

ومن الطبيعي أن هؤلاء لم يهبطوا على كوردستان من السماء ولم يخرجوا إليها من باطن الأرض، بل إنهم فصيلة متقدمة من المهاجرين الأوائل (الهندو-أوروبيين) وصلت إلى جبال زاكروس واحتلتها قبل أن تصل إليها أي موجة من الهجرات البشرية التي سادت العالم آنذاك. وفي كوردستان ذات البيئة الجبلية انتشر الكوتيون واللولو والسوباريون والكالديون الكورد، وفيها أيضاً تكوّنت لغتهم الكوردية القديمة الخاصة وتطورت، وتبلورت عاداتهم وتقاليدهم الاجتماعية، وأصبحوا في وطنهم هذا (كوردستان) قبائل كوردية جبلية متحضرة. وقد كان الكوتيون الكورد من أبرز تلك القبائل الكوردية، إذ استطاعوا في النهاية إخضاع الآخرين لسلطانهم ضمن مملكة كوتيام الكوردية قبل الألف الثاني ق.م.

ولم تكن المناطق المجاورة لأرض الكوتيين الكورد (كوردستان) خالية من البشر، فما إن حلّ الشعب الكوتي في وطنه (كوردستان) حتى بدأت سيول الهجرات تصل الواحدة بعد الأخرى، فاستقرت إلى الجنوب منه جموع السومريين، ولاحت إلى الغرب طلائع الآشوريين. وفي الفترة التي هاجر فيها السومريون نحو أواسط العراق وجنوبه، كان الكوتيون يسرحون ويمرحون فوق ذرى جبال زاكروس وفي بطون أوديتها، دون أن يعلم أحد من هذين الشعبين (السومري والكوتي) بوجود الآخر.

وبعد أن أحس الكوتيون الكورد بنزول أقوام غريبة عند أطراف بلادهم، بادروا إلى توحيد قواهم وبسط سيطرتهم على المناطق المتاخمة لأراضيهم، فبعد أن خضع اللولو والسوباريون والكالديون للكوتيين أصبحوا جميعاً بإمرة قائد واحد، حتى ولدت تلك القيادة بميلاد أول دولة كوردية في التاريخ القديم عُرفت باسم «مملكة كوتيام»، وكوتيام تعني باللغة الآشورية «أرض المحاربين»، أما عاصمتها فكانت (أرابخا) قرب مدينة كركوك. وكانت حدودها في بادئ الأمر تمتد من نهر الزاب الأعلى شمالاً حتى نهر سيروان (ديالى) جنوباً، إلا أن تلك الحدود توسعت فيما بعد نتيجة للانتصارات التي أحرزها الكوتيون الكورد في حروبهم ضد جيرانهم السومريين والآشوريين.

لقد قاسى السومريون وكذلك الآشوريون ألواناً شتى من الأهوال والمصائب جراء الحروب التي شنّها عليهم الكوتيون الكورد، إذ كانت معظم المدن السومرية والآشورية تحت رحمة أولئك الأكراد الجبليين الأشداء من الكوتيين الكورد، فقد تميزت تلك الفترة من التاريخ بكونها فترة صراع وحروب دائمة بين سكان الجبال الأكراد في الشمال وسكان السهول في الجنوب والغرب، وكثيراً ما توغل الكوتيون الكورد في أراضي جيرانهم وسيطروا عليها.

وفي الوقت الذي كانت فيه الإمبراطورية الأكدية البابلية في أوج عظمتها، ومدينة بابل في قمة ازدهارها تحت قيادة ملكها العظيم «شادوكين» الذي كان يلقب بملك الجهات الأربع، كانت القبائل الكوتية الكوردية وقوات فرسانها توجه تهديداتها المستمرة لهذه الإمبراطورية (الأكدية البابلية)، حتى تسنى لتلك القبائل الكوردية في آخر المطاف اجتياح بلاد سومر وأكد واحتلالها سنة 2649 ق.م.

احتل الشعب الكوتي الكوردي بلاد سومر وأكد في سنة 2649 ق.م، وذلك في زمن الملك الكوتي الكوردي العظيم «امبيا» الذي قاد جحافل الكوتيين الكورد وزحف بهم نحو بابل، ففتحت له أسوارها ودخلتها الجيوش الكوتية ظافرة منتصرة. وهكذا اتسعت حدود مملكة كوتيام الكوردية وامتدت كثيراً نحو الجنوب، وأصبح الملوك الكوتيون الكورد يلقّبون بعد هذا الفتح العظيم بـ«حكام زوايا العالم الأربع»، وهو اللقب الذي كان يطلق على ملوك بابل. واستمر حكم الكوتيين لبلاد سومر وأكد زهاء قرن وربع القرن، تناوب خلالها عشرون ملكاً كوتياً كوردياً خلف أحدهم الآخر. ولم تستمر سيطرة الكوتيين الكورد أكثر من ذلك، فما إن حلّت سنة 2524 ق.م حتى اعترى سلطانهم الكثير من الضعف نتيجة لاتساع ممتلكاتهم، وعجز ملوكهم المتأخرين عن إدامة السيطرة على أرجاء مملكتهم الواسعة، ناهيك عن ازدياد مخاطر الدول المجاورة لهم. ولعل من أهم الأسباب التي أدت إلى اندحار الحكم الكوتي الكوردي في أرض السهول ما يلي:

  1. بُعد المناطق المستولى عليها (سومر وأكد) عن مركز الإدارة الكوتية الكوردية التي كانت في قلب الوطن الأم (كوردستان)، حيث العاصمة أرابخا (كركوك).
  2. ضعف الإمدادات العسكرية من جند ومعدات، وتأخر وصولها إلى تلك الربوع النائية.
  3. والأهم أن الكوتيين الكورد أخذوا يزيدون من اضطهادهم وإرهابهم لسكان المدن السومرية، وخاصة في أواخر أيامهم، وهذا ما أشارت إليه الألواح الأثرية المكتشفة.

وقد أدت هذه العوامل مجتمعة بالمدن السومرية إلى أن تعلن الثورة على الاحتلال الكوتي الكوردي الواحدة تلو الأخرى، إذ استطاع الملك السومري «أوتوحيكال» توحيد سكان المدن والقرى السومرية الثائرة بوجه الكوتيين الكورد وقيادتهم لمحاربتهم، فنجح في إعلان الثورة ضد السلطة الكوتية الكوردية المحتلة، واستطاع في آخر المطاف القضاء عليها في بلاد سومر وأكد نهائياً، وذلك في عام 2524 ق.م، عندما أُسر الملك الكوتي الكوردي «تيريكان» واقتيد أسيراً إلى القائد السومري «أوتوحيكال».

أما الآشوريون فقد قاسوا كذلك، كجيرانهم السومريين، ألواناً من الخراب والدمار نتيجة للمعارك التي خاضها معهم الكوتيون الكورد، إذ كان الكوتيون يجوبون المناطق الواقعة إلى الشرق والشمال الشرقي من أراضي الآشوريين بحرية، وقبل أن يؤسس الآشوريون دولتهم في 1500 ق.م كانت معظم مدنهم محتلة من قبل الكوتيين الكورد.

وبعد أن قضى الملك السومري «أوتوحيكال» على الحكومة الكوتية الكوردية وأسر ملكها (تيريكان)، اضطربت الأحوال في كوتيام (كوردستان)، وتمزقت الوحدة التي كانت تجمع بين قبائلها، فاضطرت تلك القبائل الكوردية إلى الرجوع إلى وطنها الأم (كوردستان) وإلى الجبال والاعتصام بها كما كانت قبل هبوطها إلى أرض السهول (سومر وأكد). وبعد هذه الفترة نجد أن اسم الشعب الكوتي الكوردي يختفي عن مسرح التاريخ القديم بسبب الأحداث الجديدة التي تعرضت لها كوردستان، إذ توافدت عليها حشود جديدة من الشعوب الهندو-أوروبية التي يمكن عدّها من الجماعات الكوردية المهاجرة المتأخرة التي وصلت إلى كوردستان لتمتزج بمن سبقها إليها من بني رحمها، الكوتيين الكورد.


أجزاء «العشائر الكوردية القديمة وأصل الأكراد وتاريخهم العريق» (4 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني (هذا الجزء)
  3. الجزء الثالث
  4. الجزء الرابع

→ الجزء الأول  |  الجزء الثالث ←