الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
الكورد في المعاهدات البريطانية – العراقية عام 1922 (الجزء الأول)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
لقد ارتبط إبرام المعاهدة العراقية - البريطانية، التي أُبرمت في العاشر من تشرين الأول (أكتوبر) 1922م، بالمشاكل السياسية التي كان يعاني منها العراق العربي الجديد، وخاصةً مشكلة ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية (كوردستان العراق). وقد ورد في قول الفريق الركن جعفر العسكري، وزير الدفاع العراقي الكوردي الأصل، أن معاهدة 1922 هي الواسطة الوحيدة التي تؤيد وحدة العراق السياسية، نظراً لافتقار العراق الجديد إلى سند أو حجة تؤيد وحدته السياسية.
ولقد مسّت الاتفاقية العسكرية في معاهدة 1922 المسألة الكوردية فيما يختص بتعهد الجانب البريطاني بمساندة العراق عسكرياً للدفاع عن حدوده، ثم بمساعدته على قمع الاضطرابات الداخلية العشائرية وغيرها، وكان المقصود بالطبع ثورات الكورد في كوردستان العراق.
أما المادة الثالثة من معاهدة 1922 فقد نصت على ما جاء من قبل في صك الانتداب البريطاني بحذافيره. ولكن من الملاحظ أن المعاهدات اللاحقة (1927 – 1930) لم تنص صراحةً على مضمون المادة الثالثة السابقة الذكر، لكنها كانت تحمل روح المعاهدة الأولى لعام 1922.
القضية الكوردية والمعاهدة البريطانية – العراقية في 30 حزيران 1930م
لما شُرع في المفاوضات التي أسفرت عن عقد المعاهدة العراقية - البريطانية الرابعة في 30 حزيران 1930م، سأل أحد النواب الكورد المعتمد السامي البريطاني في شباط من هذه السنة: هل ستتضمن المعاهدة المنوي عقدها بين الحكومتين العراقية والبريطانية شروطاً تضمن للأكراد (الشعب الكوردي) الحقوق التي أشارت إليها عصبة الأمم في القرار الذي اتخذته عندما قررت إبقاء منطقة ولاية الموصل (كوردستان العراق) للعراق العربي؟ فأجاب بأن المعاهدة المنوي عقدها عبارة عن حلف، لا يجوز أن تتضمن مواده ما هو خارج عن موضوع الحلف. فلما نُشر نص معاهدة 1930 وشوهد خلوها من تلك الشروط الخاصة بحقوق الشعب الكوردي، بدأت المشاغبات والمطالبات، وأخذت برقيات الاحتجاج من الأكراد تنهال على دوائر المعتمد السامي البريطاني في بغداد، وعلى عصبة الأمم في جنيف.
أما في بغداد فقد عالج وكيل المندوب السامي البريطاني القضية الكوردية وكوردستان باصطحابه وكيل رئيس الوزراء العراقي في آب 1930 والتجوال في الألوية (المحافظات) الكوردية: السليمانية وكركوك وأربيل، وإلقاء الخطب المشتركة عن حسن نيات الحكومة العراقية العربية تجاه الشعب الكوردي، ورغبتها الشديدة في ترفيه أحواله، وإعمار بلاده كوردستان ومناطقه الكوردية الأخرى، وتنفيذ توصيات عصبة الأمم بالحقوق القومية للشعب الكوردي في كوردستان.
وأما في جنيف فقد اتخذت لجنة الانتدابات الدائمة لعصبة الأمم القرار الآتي: “لما كنا لم نجد قراراً لعصبة الأمم يبرر طلب أصحاب العريضة إنشاء حكومة كوردية في كوردستان تحت إشراف عصبة الأمم، ولما لم يكن لهذا الطلب من مستند في أعمال مجلس عصبة الأمم، ولا يمكن تأييده إلا بتفسير القرارات التي توصل إليها مجلس عصبة الأمم في 16 كانون الأول سنة 1925، عندما ألحق المنطقة الكوردية (في ولاية الموصل/كوردستان) التي يعيش فيها أصحاب العرائض بالعراق الجديد، تفسيراً خاطئاً؛ ولما كانت تلك القرارات تقضي بمعاملة الشعب الكوردي والأكراد معاملة خاصة لم تُضمن لهم تماماً، كما تقول آخر المعلومات التي لدى الدولة المنتدبة، وبإعطائهم بعض الضمانات التي تخص الإدارة المحلية (حكم ذاتي)، ويبدو أنها لم تتحقق حتى الآن؛ فإن لجنة الانتدابات الدائمة في عصبة الأمم تقرر أن توصي المجلس بما يلي:
- أن يرد على عريضة وجوه الأكراد وشخصياتهم الكوردية فيما تتناوله العرائض من غرض تأليف حكومة كوردية في كوردستان تحت إشراف عصبة الأمم.
- أن يطلب إلى الدولة المنتدبة بريطانيا أن تلاحظ ما إذا كانت التدابير التشريعية والإدارية التي وُضعت لتضمن للشعب الكوردي وللأكراد الوضعية التي هم أهل لها يُنظر إليها بعين الاعتبار، وتوضع قيد التنفيذ دون أي نقص أو تهاون.
- أن ينظر في حكمة اشتراط اتخاذ التدابير التي تضمن للشعب الكوردي وللأكراد بقاء مثل هذه الوضعية إذا ما تخلص العراق الجديد نهائياً من وصاية الدولة المنتدبة (بريطانيا)“.
وفي يوم 6 أيلول 1930 دُعي نحو ثلاثين وجيهاً من وجوه أكراد السليمانية إلى الاجتماع في سراي الحكومة في السليمانية لانتخاب الهيئة التفتيشية لانتخاب المجلس النيابي الجديد. وبينما كان المجتمعون يتذاكرون في الأمور التي اجتمعوا من أجلها، إذا بجمهور من الناس يتجمهر أمام السراي ويرمي الوجهاء الكورد الحاضرين بالحجارة. فشكا المتصرف (المحافظ) أمرهم إلى الشرطة، فجاءت قواتها ولكنها عجزت عن تشتيت شمل المتظاهرين، فطلب المتصرف إلى قائد الحامية التدخل بما لديه من قوة لإنقاذ الموقف، فجاء الجند المسلح واشتبك مع الجمهور اشتباكاً لعلع فيه الرصاص، وأسفر عن مقتل أربعة عشر من أهالي السليمانية وجندي واحد، أما عدد الجرحى فقد تجاوز المئة في الجهتين. لذلك تأجل الانتخاب في السليمانية، ولكنه استؤنف بعد أسبوع على شكل صوري مكّن نواب السليمانية من حضور حفلة افتتاح المجلس النيابي (البرلمان العراقي) التي جرت في اليوم الأول من شهر تشرين الثاني من هذه السنة 1930.
وفي الوقت نفسه نقض الشيخ محمود الحفيد العهد الذي قطعه على نفسه عام 1927م، فعاد إلى العراق (كوردستان). فأنذرته السلطات المختصة بسوء العاقبة، فلم يلتفت إليها، بل كاتب القبائل الكوردية المجاورة طالباً إليها الانضمام إليه في ثورة كوردية في كوردستان العراق، وكتب إلى المعتمد السامي البريطاني في بغداد يطالب بتخلي الحكومة العراقية العربية عن المنطقة الكوردية (كوردستان) الممتدة من خانقين إلى زاخو، وإقامة دولة كوردية (كوردستان) تحت الانتداب البريطاني. فعالجت الحكومتان العراقية العربية والبريطانية هذه الحركة الكوردية بإرسال قواتهما التأديبية لإخراج الشيخ محمود الحفيد وأتباعه من الأراضي العراقية (كوردستان العراق). وقد حدثت معارك بين الجيش العراقي وأتباع الشيخ محمود الحفيد استمرت مدة طويلة، انحاز خلالها ثلاثة من ضباط الجيش العراقي الكورد، وهم: محمود جودت وحميد جودت وكامل حسن، ملتحقين بقوات الشيخ محمود الحفيد، إلا أنهم سرعان ما اختلفوا معه فعادوا إلى العراق العربي الجديد.
وفي 13 أيار سنة 1931 اضطر الشيخ محمود الحفيد إلى الاستسلام للحكومة العراقية، فجيء به إلى بغداد، وأُبعد إلى السماوة فالناصرية فعانة، ثم سُمح له أخيراً بالإقامة في بغداد، فلبث فيها إلى شهر أيار (مايس) من عام 1941، حين انتهز فرصة الاصطدام المسلح بين الجيشين العراقي والبريطاني في العراق في الشهر المذكور (حركة مايس 1941، حركة رشيد عالي الكيلاني)، فعاد إلى السليمانية وأراد القيام بثورة مسلحة فأخفق.
هذا قليل من كثير من “القضية الكوردية وكوردستان”، ويؤسفنا أن تحول ظروف العراق العامة في الآونة الحاضرة دون نشرنا الأمور المتعلقة بالذين تآمروا على سلامة الدولة العراقية باسم “القضية الكوردية وكوردستان”، كيف وقد أصبح بعضهم يشغل مناصب سياسية خطيرة؟ ولكن الأمور مرهونة بأوقاتها، وإن غداً لناظره قريب.
بعد هذا العرض السريع لكفاح الشعب الكوردي، ينبغي التعرض للآراء والسياسات الشوفينية العنصرية المعادية للشعور القومي للشعب الكوردي، التي ما زالت تروجها أو تستخدمها الأوساط الرجعية الحاكمة في كل من إيران وتركيا وسوريا، والتي تهدف من ورائها إلى القضاء على الكيان القومي للشعب الكوردي وعلى حركته التحررية الكوردية الناهضة. ويُستثنى من ذلك أكراد الاتحاد السوفيتي في أرمينيا، الذين جاء الحل السوفيتي الاشتراكي للمسألة القومية بعد ثورة أكتوبر الاشتراكية 1917م ليعطيهم كامل حقوقهم القومية؛ فهم على قلة عددهم يؤلفون قومية مميزة لها كتّابها وشعراؤها وفنانوها ومطبوعاتها، ويُعدّون من البناة الحقيقيين للمجتمع الاشتراكي في الاتحاد السوفيتي السابق، كباقي أفراد القوميات المتآخية الأخرى. كما أن إقرار الحقوق القومية لأكراد العراق، كما تضمنه بيان الحادي عشر من آذار عام 1970، يُعدّ نصراً للحركة القومية الكوردية وتوثيقاً للروابط النضالية بين الشعبين العربي والكوردي.
ففي العراق قام الأكراد بعدة ثورات وانتفاضات كوردية، إما من أجل إقرار حق تقرير المصير للشعب الكوردي، ومنها ثورة الشيخ محمود الحفيد في (1918 – 1919) وثورته عام 1930، وإما من أجل التمتع بحقوقهم القومية الكوردية، كثورة الشيخ أحمد البارزاني عام 1932، والثورات التي قادها الزعيم الكوردي البارز مصطفى البارزاني في عامي 1943 و1945، وثورة عام 1961 بقيادة الحزب الديمقراطي الكوردستاني (البارتي) ورئيسه الزعيم الخالد الملا مصطفى البارزاني، التي استمرت حتى صدور بيان 11 آذار 1970، ذلك البيان التاريخي الذي أقر الحقوق القومية للشعب الكوردي في العراق، بما فيها حق التمتع بالحكم الذاتي لكوردستان العراق ضمن الجمهورية العراقية، والذي أرسى الأخوّة العربية الكوردية على قواعد سليمة.
أما في إيران فإن الرجعية الإيرانية الفارسية تدّعي مراراً وتكراراً أن الشعب الكوردي ما هو إلا جزء من الشعب الإيراني الفارسي، متخذةً من انتماء الأكراد والفرس إلى الأصل (الهندو - أوروبي) ذريعة لنفي الشخصية القومية الكوردية المستقلة، محاولةً بذلك صهر الشعب الكوردي باعتباره جزءاً من الشعب الفارسي. لقد زيّف الشوفينيون العنصريون الإيرانيون الفرس وقائع التاريخ؛ فمن المعروف أن اسم إيران قد اشتُق في الأصل من كلمة (آريانا)، وهي الكلمة التي أطلقها اليونان على الهضبة الإيرانية الممتدة من جبال زاغروس (كوردستان) غرباً إلى نهر السند (الإندوس) شرقاً. وبذلك تذهب الشوفينية العنصرية الإيرانية الفارسية، وهذا خطأ، إلى أن الميديين أجداد الكورد، الذين سكنوا في شمال غربي إيران، أي في كوردستان الشرقية، والفرس الذين سكنوا في جنوبها، هم من أصل إيراني واحد. إلا أن الحقائق التاريخية تؤكد أن الميديين الكورد، وإن كانوا مثل الفرس ينتمون إلى مجموعة الشعوب (الهندو - أوروبية)، ليسوا والفرس شعباً واحداً. فهل يصح الادعاء بأن الهنود والفرس شعب واحد ما داموا ينتمون إلى المجموعة الهندو - أوروبية؟! طبعاً لا؛ إذ إن الميديين أجداد الكورد هاجروا جماعةً مستقلة عن الفرس، واستقروا في كوردستان بعد أن سبقهم إليها بنو رحمهم الكوتيون الكورد، فاندمجا معاً هناك في المنطقة الجغرافية لكوردستان، وكوّنا شعباً كوردياً مستقلاً له كامل مقوماته القومية الخاصة به. أما الفرس فقد هاجروا وحدهم واستقروا في جنوب إيران بعيداً عن ميديا الكوردية، حيث ما زال القسم الجنوبي من إيران يُعرف بفارس. والفرس يكوّنون اليوم قومية مستقلة تعيش في إيران مع عدد من الشعوب المستقلة الأخرى كالكوردية والأذربيجانية والبلوشية وغيرها. لذا فإن أي ادعاء يقول بأن الأكراد يرجعون في أصلهم إلى الفرس ادعاء باطل ومضلل وغير علمي.
وعلى الرغم من تعدد الثورات الكوردية ضد التسلط الإيراني، ما زالت الشوفينية العنصرية الإيرانية تمارس ضد الأكراد سياسة تعسفية، ولم تستجب لمطالبهم القومية الكوردية العادلة. فمن ثورة (سمكو آغا الشكاك) في أورمية عام 1920 – 1925، وانتفاضة عام 1931 بقيادة (جعفر سلطان) في همدان، إلى ثورة الزعيم الخالد (قاضي محمد) في مهاباد 1945، الذي أعلن قيام جمهورية كوردستان الديمقراطية ذات الحكم الذاتي في كوردستان إيران في 23 كانون الثاني 1946، والتي لم تدم سوى عام واحد تقريباً؛ قامت هذه الثورات جميعاً دفاعاً عن الوجود القومي الكوردي.
أما في تركيا، فما زالت الرجعية التركية تردد معزوفتها البالية بإنكار الوجود القومي للشعب الكوردي في كوردستان تركيا (أو كما تسميها: الأناضول الشرقية)، وهذه الادعاءات التركية باطلة وغير منطقية؛ إذ يقطن في كوردستان تركيا اليوم أكثر من خمسة وعشرين مليون كوردي، يعانون جميعاً ألواناً شتى من المظالم والإرهاب والاضطهاد والصهر القومي على أيدي الحكومات التركية المتعاقبة، حيث حرمتهم السلطات التركية من أبسط أنواع الحقوق القومية الكوردية، فمنعتهم من التكلم بلغة آبائهم وأجدادهم الكورد، ومن ارتداء ملابسهم القومية الكوردية، وحذفت كلمتي الكورد وكوردستان من الكتب العلمية والمدرسية، ولجأت إلى ترحيل الأكراد من موطنهم كوردستان إلى المناطق التركية الأخرى.
لقد تنكّر الأتراك لخدمات الشعب الكوردي وتضحياته التي قدمها لهم بسخاء أيام كانوا هم أنفسهم يكافحون من أجل حقوقهم ويحتاجون إلى من يساندهم. فما إن اشتد ساعد الأتراك حتى قلبوا لحلفائهم الأكراد ظهر المجن، واشتد حقدهم عليهم، فاضطهدوهم بدلاً من تلبية مطالبهم التي وعدوهم بها. فكانت ثورة الشيخ سعيد بيران عام 1925، وثورة جمعية الاستقلال (خويبون) عام 1930، وثورة الشيخ رضا في درسيم عام 1937. لقد أُخمدت تلك الثورات الكوردية جميعاً، “ولكن كيف يمكن أن تُخمد إلى الأبد ثورة قوم يكافحون من أجل الحرية، وهم مستعدون دوماً لدفع الثمن؟”.
أما أكراد سوريا فليسوا بأسعد حظاً من أكراد تركيا وإيران، إذ ما زال سوط الإرهاب والاضطهاد القومي مسلطاً على رقابهم. فبالرغم من ادعاءات السلطات السورية المتعاقبة التقدمية والاشتراكية، فإن نظرتها إلى المسألة القومية الكوردية ما زالت متخلفة ومعتمة، وهي عاجزة تماماً عن حل المسألة القومية الكوردية حلاً علمياً، لأنها، رغم ادعاءاتها تلك، ما زالت تمارس إزاء القومية الكوردية وروادها سياسة شوفينية عنصرية حاقدة؛ فهي تمارس ضدهم سياسة التعريب والصهر والدمج القومي، وتفرض عليهم ما يسمى بـ (الحزام العربي) لخنق حرياتهم ومحو وجودهم، بل تعمد إلى تهجيرهم من مواطنهم الكوردية بالقوة. ولعل هؤلاء لم يتعلموا بعدُ دروس التاريخ: إن الصهر القومي للشعب الكوردي لن يُكتب له النجاح أبداً، وإن مطالب الشعب الكوردي المضطهد لا بد أن تنتصر في النهاية.
الكورد في بيان مجلس الوزراء العراقي برئاسة عبد المحسن السعدون في 16 تموز 1923م
حتى عام 1923م، أي بعد مرور سنتين على قيام المملكة العراقية عام 1921 تحت تاج الملك فيصل بن الشريف حسين بن علي، لم تكن الأمور قد استقرت تماماً على حال دستوري، ولا الحدود قد رُسمت تماماً، وبقي موضوع كوردستان شمال العراق (المنطقة الكوردية)، أي ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية (كوردستان)، شبه غامض؛ فلا صك الانتداب نص صراحةً على دمج الأكراد مع العراق العربي الجديد، ولا حدود المملكة العراقية الجديدة قد تحددت لها خطوط نهائية. وكذلك فإن المعاهدة البريطانية - العراقية لعام 1922م لم يكن فيها ما يحدد الأوضاع الإدارية والتنظيمية للمناطق الكوردية (كوردستان العراق) في ظل الدولة العراقية العربية الجديدة. ولذلك أصدر مجلس الوزراء العراقي برئاسة عبد المحسن السعدون بياناً مقتضباً حدد فيه بعض خيوط برامج حكومته وسياستها إزاء كوردستان العراق (ولاية الموصل) في حدود ما يملك من صلاحيات. وقد صدر هذا البيان بتاريخ 16 تموز (يوليو) 1923م، أي بعد إعلان المعاهدة الأولى البريطانية - العراقية لعام 1922 بمدة شهرين ونصف فقط، ونص على ما يلي:
“تنويراً للرأي العام للشعب الكوردي وتطميناً لحقوقه القومية الكوردية، قررنا ما يلي:
- أن الحكومة العراقية لا تنوي أن تعيّن أحداً من الموظفين العرب في المناطق الكوردية (كوردستان) ما عدا الفنيين فقط.
- أنها لا تنوي إرغام سكان المناطق الكوردية (كوردستان) على استخدام اللغة العربية في مراجعاتهم للدوائر الرسمية.
- ستحرص الحكومة العراقية على حقوق السكان الأكراد والطوائف الدينية والمدنية في تلك المناطق الكوردية (كوردستان)، وستحرص على أن تُصان صوناً تاماً“.
الكورد في البيان العراقي – البريطاني في 23 كانون الأول 1923
لقد صدر هذا البيان العراقي - البريطاني عندما أدرك الإنجليز أن الشيخ محمود الحفيد البرزنجي بدأ يمارس نشاطه الوطني الكوردي بصورة مستقلة عنهم، ولذلك لجؤوا إلى أسلوبهم المعروف في شق صفوف الكورد. ففي 23 كانون الأول (ديسمبر) 1923م وجّه (سي. جي. إدموندز)، المستشار البريطاني في وزارة الداخلية العراقية، بياناً باسم الحكومة البريطانية إلى زعماء الكورد جاء فيه: “تعترف الحكومتان البريطانية والعراقية بحق الشعب الكوردي القاطن ضمن الحدود العراقية (كوردستان العراق) في تشكيل حكومة كوردية مستقلة (كوردستان) ضمن الحدود العراقية، وتأمل الحكومتان أن تتوصل مختلف عناصر الشعب الكوردي، بأسرع ما يمكن، إلى اتفاق فيما بينها حول الشكل الذي يجب أن تتخذه هذه الحكومة الكوردية في كوردستان العراق، وحول الحدود التي ستعمل ضمنها، وأن ترسل ممثلين مسؤولين عنها إلى بغداد لبحث علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع الحكومتين البريطانية والعراقية”.
ومن الملاحظ أن هذا الإعلان لم يتضمن أي تعهدات محددة حول منح الشعب الكوردي إدارة ذاتية، ولو ضمن إطار الحكم الذاتي. ويبدو أن هذه الشروط غير الواقعية المتعلقة بالاتفاق بين (مختلف العناصر الكوردية) لم تُلغِ المفاوضات المقترحة بين الكورد والسلطات الإنجليزية العراقية فحسب، بل ألغت أيضاً إمكانية تشكيل الحكومة الكوردية نفسها.
والواقع أن الإنجليز كانوا يهدفون من وراء هذا الإعلان (البيان) في 23 كانون الأول 1923 إلى تقديم الدعم السياسي لخصوم الشيخ محمود في كوردستان العراق، وبذلك يتم توسيع هوة الشقاق وتعميقها في المعسكر الكوردي، وقد حقق الإنجليز هدفهم هذا بعد ذلك. ومن الملاحظ كذلك أن نصوص هذا الإعلان تتحدث عن تأسيس حكومة كوردية لا دولة كوردية مستقلة، فالحكومة شيء والدولة شيء آخر، وذلك هو الغموض في نصوص الاتفاقيات والمعاهدات والتصريحات البريطانية، واحتمالات التأويل فيها.
أجزاء «الكورد في المعاهدات البريطانية – العراقية عام 1922» (4 أجزاء):
- الجزء الأول (هذا الجزء)
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث
- الجزء الرابع