الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

الكورد في المعاهدات البريطانية – العراقية عام 1922 (الجزء الثاني)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

الكورد في الاتفاق العراقي - التركي - البريطاني في 5 حزيران 1926م

عُقدت اتفاقية لتعيين الحدود وتنسيق علاقات الجوار بين الحكومتين العراقية والتركية بمشاركة الحكومة البريطانية المنتدبة، وقد تضمن الاتفاق بنوداً تتعلق بعلاقات حسن الجوار والتعاون في مواجهة أعمال (الشقاوة) والنهب في منطقة الحدود، وهو التعبير الظاهري عن أعمال الكورد ونشاطاتهم المسلحة على طرفي الحدود، وإلى مسافة 6 - 7 كم داخل البلدين ابتداءً من خط الحدود، حسب المادة العاشرة.

وقد أُبرم هذا الاتفاق في الخامس من حزيران (يونيو) سنة 1926م، وكان الجانب العراقي فيه ممثلاً في شخص نوري السعيد الكوردي الأصل، والجانب التركي ممثلاً في شخص رشدي بك نائب إزمير، أما الجانب البريطاني فقد مثّله لورانس تشارلز سفير بريطانيا في أنقرة. وقد نصت الاتفاقية على عدة مبادئ وبنود، من ضمنها:

  1. تعيين خط بروكسل بصفة نهائية خطاً للحدود بين تركيا والعراق (المادة 1).
  2. التعاون المشترك للقضاء على الحركات والثورات الكوردية المعادية لكل من تركيا والعراق، وكان المقصود بالطبع الحركات والثورات الكوردية الاستقلالية لكوردستان.

كما تضمنت، تحت عنوان (حسن الجوار)، عدة مواد والتزامات أهمها:

  1. تعهّد الدولتين التركية والعراقية بأن تقاوما استعدادات شخص أو أشخاص مسلحين يُقصد بها أعمال النهب والشقاوة (المادة 6).
  2. تتعاون السلطتان العراقية والتركية في تنبيه بعضهما بعضاً إلى أي استعدادات يقوم بها شخص مسلح أو أشخاص مسلحون في المنطقة الحدودية المذكورة (المادة 7).
  3. التزام كل من الدولتين بالسعي، بما لديها من وسائل، إلى منع مرتكبي أعمال النهب والشقاوة في أراضيها بأسرع ما يمكن، وإخبار الطرف الآخر بما يتم في هذا الصدد (المادة 8).
  4. تعهّد الدولتين بأن تردّ كلٌّ منهما إلى الدولة الأخرى من يلجأ إليها من رعايا تلك الدولة مرتكباً جناية أو جنحة في منطقة الحدود، هم وغنائمهم وأسلحتهم (المادة 9).
  5. بإمكان قوات أي طرف من الطرفين المتعاقدين وجنوده تجاوز حدود الطرف الآخر عند الضرورة حتى مسافة 6 - 7 كم (المادة 10).
  6. تعهّد الدولتين التركية والعراقية بالامتناع عن كل مخابرة ذات صيغة رسمية أو سياسية مع رؤساء العشائر الكوردية أو شيوخها أو غيرهم من أفرادها، من رعايا الدولة الأخرى الموجودين فعلاً على أراضيها، كما تعهدتا بألّا تجيز أيٌّ منهما تشكيلات للدعاية ولا اجتماعات موجهة ضد أي من الدولتين (المادة 12).

وبإلقاء نظرة على هذه الاتفاقية (حسن الجوار) يتضح أن قضية الكورد على جانبي الحدود كانت تشكل مصدر قلق وخوف للحكومتين العراقية والتركية، وليس أدلّ على أهمية تلك المشكلة الكوردية من موافقة كل من الطرفين للطرف الآخر على التوغل داخل حدوده لمسافة 6 - 7 كم، وذلك بهدف مطاردة الكورد على طرفي الحدود. كما يتضح أيضاً أن أياً من الطرفين لم يرغب في أن يستخدم الآخرُ القضية الكوردية للتدخل في شؤونه الداخلية.

تركيا تصادق في 18 تموز 1926 على قرار عصبة الأمم حول خط بروكسل الحدودي

كانت المعاهدة البريطانية - العراقية الجديدة، التي صادق عليها البرلمان في اليوم التاسع عشر من شهر كانون الثاني سنة 1926، قد لقيت تذمراً حاداً من ياسين الهاشمي وحزبه (حزب الشعب) بسبب فترة الوصاية البريطانية الطويلة على العراق، وهي خمس وعشرون سنة. وقد اشترطت المعاهدة إعادة النظر فيها بشكل فعال من قبل الدولة المنتدبة بريطانيا في سنة 1928 وما بعدها، خلال فترات تمتد كل فترة منها أربع سنوات، إلى انتهاء مدة الوصاية البريطانية البالغة خمساً وعشرين سنة. كما اشترطت المعاهدة المذكورة بين بريطانيا والعراق في 19 كانون الثاني 1926 إمكانية تقديم توصية بقبول العراق الجديد في عصبة الأمم، وأن هذا القبول سوف ينهي الانتداب البريطاني المفروض على العراق الجديد. واشترطت المعاهدة كذلك أن يتم، في ضوء التقدم الذي تحرزه مملكة العراق الجديد أو لأي سبب آخر، تعديل أحكام الاتفاقات المالية التي وُجّهت إليها الانتقادات كثيراً.

وبقي على بريطانيا أن تحقق ما أخفقت فيه عصبة الأمم، ألا وهو الاتفاق والتعاون مع الجمهورية التركية الحديثة. فقد قوبل القرار الذي اتخذته عصبة الأمم بشأن ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية (كوردستان) بهجمات قاسية فظيعة في الصحافة التركية، إلى درجة أن مصطفى كمال أتاتورك لم يتردد في أن يشخّص ذلك بنفسه، بل إن مجلسه العسكري لم يتجاهل فكرة نشوب الحرب بين بريطانيا وتركيا عندما اجتمع غداة عيد الميلاد سنة 1925 في أنقرة. ولكن كانت تقوم في الوقت ذاته في تركيا مجالس أخرى أقل خطراً، وقد حُملت تلك المجالس على الإذعان لقرار عصبة الأمم بالنفوذ المسالم الذي بذله كل من توفيق رشدي بك (وزير خارجية حكومة مصطفى كمال أتاتورك) والسفير البريطاني العارف بالأوضاع التي كانت سائدة في تركيا الحديثة آنذاك.

وفي اليوم الثامن عشر من شهر تموز عام 1926 صادقت الجمهورية التركية على المعاهدة التركية البريطانية العراقية، التي تم وفقاً لها القبول بخط بروكسل خطاً للحدود بين العراق وتركيا في ولاية الموصل، كما تم تأليف لجنة حدود دائمة لتطبيق سياسة حسن العلاقات تحل محل خط الحدود المحايد، وكان التوقيع عليها قد تم في 5 حزيران 1926. وفي الوقت ذاته تعهد العراق بأن يدفع إلى جارته تركيا، لمدة خمس وعشرين سنة، العُشر من مجموع ما يحصل عليه من عوائد النفط في ولاية الموصل، إذا ما تم العثور على منابع للنفط فيها. وبذلك وصلت قضية ولاية الموصل إلى مرحلتها النهائية؛ وهكذا أنهى هذا القرار، بالموافقة على خط بروكسل لتحديد الحدود بين تركيا والعراق حول ولاية الموصل، المهمة التي كانت لعصبة الأمم بالنسبة إلى النزاع القائم حول ولاية الموصل، وثبّت قرارها النهائي ضمن المادة الثالثة من معاهدة لوزان 1923.

وقبل العراق برضا تام وعميق ما أقرته لجنة عصبة الأمم، قائلاً: لقد كان ذلك الحكم قراراً ينطوي على الحكمة والعدل إلى أبعد الحدود، ومثالاً بنّاءً من أمثلة التعاون الدولي لتسوية المنازعات.

لقد تأكد لدى جميع المطلعين على الانقسام وميزات العروق والأقليات ومصالحها داخل ولاية الموصل، وعلى التقدم الذي تحقق في الإدارة وفي الاقتصاد خلال السنوات الست الماضية (1920 – 1926)، أن اقتطاع أرض من حكومة عراقية متحررة نسبياً، أو دائرة في فلك بريطاني - عراقي لحكومة قائمة، وإعادة تلك الأرض إلى حكومة مركزية تركية مستبدة وجائرة في ذلك الوقت، يُعدّ أمراً لا يمكن احتماله، وقد يؤدي، إذا ما تم تطبيقه، إلى تمزيق دولة العراق العربي الجديد.

وبدأ العمل في العراق بمنتهى السرعة لتنفيذ قرار عصبة الأمم حول ولاية الموصل وخط بروكسل، فقد صدرت التعليمات إلى جميع الوزراء من رئيس الوزراء، وهو نفسه كوردي (جعفر باشا العسكري)، بأن يسارعوا إلى تنفيذ سياسة تمييز المناطق الكوردية عن المناطق العربية تنفيذاً تاماً، وذلك بتعيين الموظفين الكورد في كل الدوائر الرسمية هناك ضمن المنطقة الجغرافية الكوردية، وأن تُقدَّم شكوى على الجرائم التي اقترفها الجنود الأتراك في المنطقة الكوردية (كوردستان).

وكان التقرير الذي أعده الفريق (ليدونر)، ووصف فيه بالتفصيل الاعتداءات التركية في المنطقة الكوردية (كوردستان)، قد عُرض أمام مجلس عصبة الأمم في اليوم العاشر من شهر كانون الأول عام 1925م، فأحدث بين أعضاء المجلس تأثراً بالغاً. وفي الوقت ذاته استمر مندوب تركيا “منير بك” في نظره إلى قرار مجلس عصبة الأمم، الذي لم يكن قد صدر بعد، على أنه ليس سوى مجرد توصية قد تأخذها الحكومة التركية بعين الاعتبار. وادّعى هذا المندوب التركي أيضاً أن ولاية الموصل ما تزال حسب القانون تخضع للسيادة التركية، وأنها يجب أن تظل على هذه الحال إلى أن يتم نقض هذه السيادة التركية عليها.

وفي الوقت ذاته تواصلت اجتماعات مجلس عصبة الأمم ولجنته لتقصي الحقائق التي أُلّفت لهذا الغرض، مع تغيّب الناطق باسم الحكومة التركية عنها. وفي اليوم السادس عشر من شهر كانون الأول عام 1925م عُرض على مجلس عصبة الأمم قرار محدد تمت المصادقة عليه بالإجماع. وقد اشترط القرار، لغرض تثبيت خط حدود بروكسل وإذعان بريطانيا له في غضون ستة أشهر: أولاً، أن يتم عقد معاهدة عراقية إنكليزية جديدة مدتها خمس وعشرون سنة (إلا إذا أصبح العراق قبل انتهاء تلك المدة عضواً في عصبة الأمم)؛ وثانياً، طرح مقترحات بشأن تنفيذ التوصيات التي وضعتها لجنة تقصي الحقائق بشأن الصيغ التي تم اختيارها بصفة خاصة للإدارة الكوردية في المنطقة (كوردستان).

ورفض الأتراك أن يحضروا جلسات المحكمة الدولية التي عُقدت بعد شهر من ذلك التاريخ، أي في (تشرين الأول عام 1925م). ومع ذلك فقد أصدرت المحكمة الدولية المذكورة، في اليوم الحادي والعشرين من شهر تشرين الثاني عام 1925، حكماً يعلن أن القرار الذي سيتخذه مجلس عصبة الأمم في القضية (ولاية الموصل) سيكون قراراً قطعياً وملزماً، وأن ذلك القرار سوف يقرر بصفة محددة حدود ولاية الموصل، على شرط أن يكون ذلك بإجماع الآراء، ما عدا أصوات الفريقين المتنازعين (بريطانيا وتركيا).

وفي الوقت الذي انعقدت فيه المحكمة الدولية، وصلت إلى أوروبا شكاوى عن حدوث خرق شديد للأوضاع القائمة في المنطقة (ولاية الموصل) التي فصلها خط بروكسل. وإذ ذاك عيّن مجلس عصبة الأمم أحد الضباط الإستونيين، هو الفريق “ف. ليدونر”، وطلب إليه أن يتوجه إلى المنطقة المذكورة يرافقه موظفان، أحدهما تشيكوسلوفاكي والآخر إسباني، وأن يوافي مجلس عصبة الأمم من هناك بتقرير مستعجل عن الوضع. وقد أمضى الضابط الإستوني شهر تشرين الثاني عام 1925م في التحري والتحقق جنوبي (خط بروكسل) على الدوام، وذلك لأن الأتراك رفضوا السماح بأي اتصال شمالي (خط بروكسل).

وقد ظهر أن معظم حوادث خرق الحدود (التركية - العراقية) التي وقعت هناك كانت من الحوادث العرضية أو الاعتيادية. أما في شمالي (خط بروكسل) فقد تحقق حدوث المخالفات الواسعة التي اقترفها الجنود الأتراك في المنطقة الكوردية (كوردستان)، والتي صاحبها أو أعقبها طرد القرويين من المسيحيين، الذين دُفع بالألوف منهم إلى داخل حدود العراق (جنوب خط بروكسل).

ووصف أعضاء لجنة تقصي الحقائق الأحوال السائدة آنذاك في العراق الجديد بأنها ما تزال غير مستقرة، على الرغم من التقدم الذي تم إنجازه في ظل حكومة الانتداب، كما أنهم رفضوا فكرة الادعاء بالتملك القائم على أساس الفتح (الاحتلال) أو القانون الدولي، لكنهم اعترفوا في الأخير بأن أغلبية السكان في ولاية الموصل (وهم من الأكراد) قد أظهرت في النهاية أنها تريد ضم ولاية الموصل إلى العراق العربي الجديد، الذي يُحكم الآن حكماً دستورياً، بدلاً من إعادتها إلى تركيا الحديثة.

وعلى هذا الأساس كانت توصية لجنة تقصي الحقائق تقضي بأن تُوحَّد ولاية الموصل مع العراق العربي الجديد، وكل الأراضي التي تقع جنوبي (خط بروكسل)، خط الحدود بين العراق وتركيا، لقاء شرطين: أولهما أن يظل العراق تحت الانتداب البريطاني لمدة خمس وعشرين سنة، وثانيهما ضرورة الاعتراف بالمميزات العرقية وبالوعي بالحكم الذاتي للأكراد في كوردستان العراق، واستعمال لغتهم القومية الكوردية بصفة رسمية، وتعيين الموظفين الأكراد في الأقضية والنواحي الكوردية في كوردستان العراق إداريين وقضاة ومعلمين.

ولم يلبث الممثل التركي في جنيف (منير بك)، وهو رجل شديد التعصب القومي للترك، شديد الثقة بالنفس، لا يتأثر بالحقائق أو البراهين التي عرضتها لجنة تقصي الحقائق، أن رفض تقرير اللجنة رفضاً مطلقاً، وسحب وعده بالالتزام بقبوله إذا ما صادق مجلس عصبة الأمم عليه، وأخذ يتساءل عن وضع لجنة تقصي الحقائق ذاتها. وإذ ذاك قُدّم طلب عاجل إلى محكمة العدل الدولية الدائمة في (لاهاي)، في اليوم التاسع عشر من شهر أيلول عام 1925م، بأن تعلن رأيها فيما إذا كان تقرير لجنة تقصي الحقائق، بعد المصادقة عليه، يجب أن يُعدّ مجرد عمل للوساطة، أو توصية، أو قراراً قطعياً.

وقد أمضت لجنة تقصي الحقائق شهرين كاملين في ولاية الموصل المتنازع عليها، وتصرفت بكل حرية في الاستفسارات الجادة الحصيفة من كل مصدر ومن كل طبقة. وتم تسليم التقرير الذي وضعته اللجنة، وهو من الوثائق المعتمدة والموضحة، إلى مجلس عصبة الأمم في شهر تموز 1925، حيث جرت مناقشته في الأيام الأولى من شهر أيلول 1925. وقد أبعد أعضاء لجنة تقصي الحقائق كل فكرة عن احتمال تقسيم ولاية الموصل، ذلك لأنهم استعرضوا المحتوى العنصري للمنطقة الكوردية (كوردستان) المتنازع عليها، وتقبّلوا بصفة عامة، وإن لم يحصل ذلك من دون تحفظ، كل الحقائق والأرقام التي أدلت بها الجهة البريطانية. ووجد أعضاء اللجنة أن الاعتبارات الاقتصادية بصفة عامة تربط ولاية الموصل بالعراق العربي الجديد، كما صادقوا على (خط بروكسل للحدود) بين تركيا والعراق، واعتبروه خطاً منيعاً من الناحية الإستراتيجية. وفي الوقت ذاته لم يقبلوا بالطلب الذي قُدّم إليهم لإلحاق قسم من منطقة (حكاري الكوردية) بولاية الموصل، وكان هذا الرفض من الأمور التي أثارت الخوف لدى الآثوريين المتحمسين لهذا الطلب.

الكورد في بيان المندوب السامي البريطاني لعام 1930م

في السنوات اللاحقة تبدلت الأمور كلياً، واستقرت الدولة العراقية على أسس دستورية جديدة؛ إذ جرى استفتاء بشأن إعلان الدولة العراقية المستقلة، وقد شارك في الاستفتاء معظم الشعب الكوردي في كوردستان العراق، وتم نتيجة لذلك تشكيل مجلس نيابي مُثّلت فيه كوردستان العراق جزءاً من المملكة العراقية العربية الجديدة. ولذلك تحدث المندوب السامي البريطاني بلهجة جديدة تنسجم مع ما آلت إليه الأمور وترتيبات الدولة العراقية الجديدة، بإشراف عصبة الأمم وموافقتها؛ فقد صدر عن المندوب السامي البريطاني في بغداد عام 1930م بيان جاء فيه: “وفيما يتعلق بالحكومة البريطانية فإن اهتمامها الوحيد هو تأمين دولة عراقية حرة مستقلة، تربطها بها أواصر الاعتراف بالجميل والشكر، وتنتسب إلى عصبة الأمم، وهي سوف لا تعضد ولا تساعد أي حركة لا تتفق مع هذه السياسة”، كالانفصال للشعب الكوردي مثلاً.

الكورد في ميثاق سعد آباد في 8 تموز 1937 بين الدول الإسلامية الأربع (العراق - تركيا - إيران - أفغانستان)

لقد عُقدت هذه المعاهدة في قصر (سعد آباد) في طهران بتاريخ 8 تموز (يوليو) 1937م بين الدول الإسلامية الأربع: العراق وتركيا وإيران وأفغانستان. ولا يُقرّ ميثاق سعد آباد صراحةً بأنه يعني الشعب الكوردي في المادة السابعة من مقرراته، ولكن الإشارة الضمنية إلى الأكراد واضحة تماماً: “على كل من المتعاقدين الساميين، كلٌّ داخل حدوده، عدم إعطاء المجال لتأليف العصابات المسلحة والجمعيات الكوردية، أو كل ترتيب غايته قلب المؤسسات العامة، أو قيامها بأعمال لغرض الإخلال بالنظام والأمن العام في أي قسم من بلاد الفريق الآخر، سواء أكان في منطقة الحدود أم في غيرها، أو الإخلال بنظام الحكم السائد في بلاد الفريق الآخر”.

إن ثلاثاً من هذه الدول تقوم بينها حدود مشتركة، ويقطن الشعب الكوردي على جميع خطوط هذه الحدود، ومن أفراده ثائرون كورد في مناطقهم الجبلية (كوردستان)، وهم الذين وصفتهم المادة السابعة بالعصابات الكوردية المسلحة في منطقة الحدود (كوردستان). لقد كانت عبارات هذه المادة السابعة فضفاضة شبه غامضة، وكان يُسمح من حين لآخر بتفسيرها ضد نشاط الأحزاب والحركات الشعبية والتحررية في البلدان المتعاقدة، حيث تنص على “عدم إعطاء مجال لتأليف الجمعيات والأحزاب الكوردية، أو كل ترتيب من ذلك غايته قلب المؤسسات الحكومية القائمة”. والشعب الكوردي هناك لم تكن غايته قلب المؤسسات الحكومية القائمة، بل الدفاع عن حقوقه القومية والوطنية الكوردية والاعتراف له بها شعباً كوردياً في كوردستان. ولكن بموجب المادة السابعة فإن أي نشاط في منطقة الحدود (كوردستان) إنما كان يعني ضمنياً الشعب الكوردي هناك.

إن ميثاق سعد آباد 1937 هو أول عقد دولي يتم بين دول إسلامية في العصر الحديث، قام على أساس الرابطة الإسلامية التي تكافح الشيوعية الملحدة، لكنه استهدف في الوقت نفسه شعباً كوردياً مسلماً في أرضه (كوردستان). وعلى خطاه ومن بعده كانت تجري اللقاءات الإسلامية الدولية، بمباركة الدول الاستعمارية العظمى، لعقد الاتفاقات السياسية باسم الإسلام والانتماء الإسلامي. والواقع أن بنود ميثاق سعد آباد 1937، التي سعى إليها الفريق الركن بكر صدقي، لا تخدم الحركة الكوردية بقدر ما هي خدمة لمصالح بريطانيا.

ميثاق سعد آباد في 8 تموز 1937م

ميثاق سعد آباد، المبرم في 8 تموز 1937 في طهران بين أربع دول إسلامية هي العراق وتركيا وإيران وأفغانستان، استهدفت الدول المشاركة فيه جميعاً الحفاظ على روابط الصداقة وحسن الجوار والتفاهم فيما بينها، وتأمين السلم والأمن في منطقة الشرق الأدنى، ضمن ميثاق عصبة الأمم ومعاهدة نبذ الحرب.

وقد وقّعه وزراء خارجية تلك الدول الأربع، وهم على التوالي: فيض محمد خان من أفغانستان، وعناية الله سميعي من إيران، والدكتور ناجي الأصيل من العراق، والدكتور توفيق رشدي آراس من تركيا، وذلك ظهيرة يوم 8 تموز 1937م في أروقة قصر سعد آباد وسط طهران.

وتحتوي دراسة الاتفاق على ميثاق سعد آباد 1937 على (40) وثيقة، تبدأ أولاها بتاريخ 20 أيلول 1930م وتنتهي آخرها في يوم 8 أيلول 1941م، وتخوض في العلاقات الحسنة التي كانت قائمة بين بعض دوله، والخلافات الحدودية التي سادت بين أخرى، والخطوات الأولى والاتفاقيات التي مهدت لعقده، وكيفية حل الإشكالات بين الدول الأربع وصولاً إلى إبرامه، والآراء والتصريحات التي أُطلقت حوله، والأحداث الخطيرة التي طرأت بعد توقيع اتفاقية سعد آباد عام 1937م وأدت إلى أفوله عام 1941م.

غاياته المعلنة

  1. اتباع سياسة الامتناع عن أي تدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى.
  2. مراعاة حرمة الحدود المشتركة بين الدول الأربع، وهي منطقة الكورد (كوردستان).
  3. التشاور في كل الخلافات التي لها صبغة دولية وتمس المصالح المشتركة.
  4. عدم تعمّد أيٍّ من الدول الأربع توجيه اعتداء إلى الطرف الآخر.
  5. عدم سماح الدول الأربع بتأليف عصابات مسلحة وجمعيات كوردية تستهدف قلب نظام الحكم أو الإخلال بالأمن الداخلي في أي قسم من بلاد الفريق الآخر.

زعماء الدول المشتركة فيه

جرى إبرام ميثاق سعد آباد 1937 وتبادل أوراقه بين دوله الأربع في عهود كل من:

  1. الملك غازي الأول عاهل المملكة العراقية، ورئيس وزرائه حكمت سليمان، فيما كان الفريق الركن بكر صدقي، قائد انقلاب عام 1936م، رئيساً لأركان الجيش ومتنفذاً في أمور العراق وسياسته. وذلك ما أرادته بريطانيا للعراق لكي ينضم إلى معاهدة سعد آباد 1937.
  2. رضا شاه بهلوي شاهنشاه إيران.
  3. الملك محمد ظاهر شاه ملك الأفغان (أفغانستان).
  4. مصطفى كمال أتاتورك رئيس الجمهورية التركية، ورئيس وزرائه عصمت إينونو.

الفكرة وتطورها

يبدو من بعض وثائق سعد آباد أن فكرة الميثاق كانت قد طُرحت للمرة الأولى عام 1934م، إثر استمرار التحسن في العلاقات العراقية – التركية منذ النصف الثاني من عقد العشرينيات، وبعد حل مشكلة ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية (كوردستان) عن طريق عصبة الأمم؛ إذ فُتحت في أنقرة أول مفوضية ملكية عراقية عام 1928م، وعُيّن فيها صبيح بك نشأت، أحد أقرب المقربين إلى الملك فيصل الأول وحامل أكثر من حقيبة وزارية خلال السنوات الأولى من تأسيس المملكة العراقية عام 1921، وزيراً مفوضاً.

وقد تطورت تلك العلاقات خلال السنوات الأولى من عقد الثلاثينيات، وتُوّجت بقيام الملك فيصل الأول بزيارة رسمية إلى تركيا، وسط ترحيب رسمي وحفاوة شعبية منظمة وبالغة، في شهر تموز 1931م. واستمرت في التحسن بعد أن نال العراق استقلاله عام 1932، ولو شكلياً، وتخلص، ولو على الورق، من الانتداب البريطاني، قبل أن يتم قبوله عضواً في عصبة الأمم عام 1932م.

وكانت العلاقات حسنة بين تركيا وإيران، بعد أن ارتبطتا بمعاهدات واتفاقيات تنظم العديد من الأمور المهمة بينهما، فيما كان مسؤولوهما يتبادلون زيارات عديدة، وكذلك كان الحال بين تركيا وأفغانستان.

إلا أن خلافات حدودية بين إيران والعراق من جهة، وبين إيران وجارتها أفغانستان من جهة أخرى، ما فتئت تعكر صفو قادتها، حين طُلب من تركيا، الصديقة للجميع، التدخل لحلها، فتدخلت فوراً من دون تردد، بل استبشرت بذلك، إذ كان سبيلاً لتوطيد مركزها السياسي في المنطقة، وتحسين سمعتها عالمياً وإقليمياً بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية إثر خسارتها أمام قوات الحلفاء المنتصرين في نهاية الحرب العالمية الأولى عام 1918م.

إستراتيجية الميثاق السياسية

خلال عقد الثلاثينيات كان قد بان واضحاً في الأفق تعاظم قدرات دولة اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية من جميع النواحي السياسية والعسكرية والصناعية والأيديولوجية، لتشكل قوة عظمى حقيقية ذات نفوذ وطموح عظيمين، متسببةً في قلق كبير وعدم استقرار مزعوم على الحدود الشمالية المتاخمة للجمهوريات السوفيتية لكل من أفغانستان وإيران وتركيا، وبالتالي في خطر على بقاع العراق الشمالية الشرقية (كوردستان العراق)، التي لا تبعد سوى نحو (300) كيلومتر عن الحدود الجنوبية الغربية للاتحاد السوفيتي المتمثلة في جمهورية أرمينيا السوفيتية، مما يعني أن الجيش السوفيتي يمكن أن يخترق الأراضي العراقية (كوردستان العراق) خلال بضعة أيام، إن لم يلقَ مقاومة عنيفة تحرمه من التقدم.

ويبدو جلياً، ولو من وراء الستار، أن الدول الغربية الرأسمالية المتحالفة فيما بينها، وفي مقدمتها بريطانيا، كانت تشجع خلال سنوات منتصف الثلاثينيات بعض دول المنطقة المتحالفة معها أو القريبة سياسياً منها، وتحثها على تشكيل تحالف سياسي من دول إسلامية يتخذ شكل “ميثاق متعدد” تتضامن فيه لمناهضة الشيوعية الخطرة على شعوبها، وذلك على الرغم من “معاهدة صداقة” كبرى كانت قد ربطت تركيا بالاتحاد السوفيتي منذ عام 1921م، في عهد فلاديمير لينين لا جوزيف ستالين.

وثمة دلائل في هذا المجال، لعل أهمها أن العراق عندما اقترح انضمام المملكة العربية السعودية إلى هذا الميثاق استوثق من التأييد البريطاني لهذا الانضمام، لكونه يشدد القبضة ضد الاتحاد السوفيتي. ولكن عند مفاتحة العراق لتركيا بهذا الشأن رأت تركيا استبعاد السعودية، بذريعة أن مثل هذا الانضمام سيزيد من سخط السوفيت عليها في الوقت الذي ترتبط معهم بالمعاهدة المذكورة آنفاً. ولم يتراجع العراق عن فكرته إلا بعد أن عرض السعوديون أنفسهم تأجيل انضمامهم إلى ميثاق سعد آباد إلى وقت آخر قد يكون أكثر ملاءمة.

ويمكن تلخيص الإستراتيجيات التي مهدت للتفكير في عقد هذا الميثاق فيما يأتي:

  1. نزعة تركيا، بعد أن استعادت بعض ثقتها وقواها ومركزها وثقلها السياسي، إلى تزعّم الشرق الأدنى والأوسط، واعتبار نفسها الدولة المستقلة الأقوى بين الدول الأربع.
  2. رغبة الساسة الأتراك في التقارب مع الدول التي سميت بـ “الجبهة الديمقراطية” بزعامة بريطانيا وفرنسا، تمهيداً للإفادة السياسية والاقتصادية منها.
  3. كون المملكة العراقية مرتبطة في حينها مع بريطانيا بمعاهدات سياسية وعسكرية لعام 1930، ناهيك عن محاولة جدية خططتها بريطانيا لسحب البساط من تحت أقدام العراق الذي اجتاحه مدّ قومي عربي، إذ بات ينادي بوحدة عربية شاملة.
  4. على الرغم من عدم ارتباط إيران وأفغانستان بالكتلة الغربية جهاراً، فإن ميول سياستهما الخارجية كانت تنحو إلى تلك السياسة، سواء رغبةً منهما في انتهاجها، أو رهبةً وخشيةً من الخطر السوفيتي (الشيوعي) المتاخم لهما.
  5. حل الخلافات العالقة والمتراكمة منذ القدم، والمعاصرة منها، التي كانت تؤثر سلباً في الاستقرار والتطور والتنمية في المجالات كافة في عموم المنطقة.
  6. القناعة التي سادت نفوس زعماء تلك الدول الأربع عموماً، ورغبتهم في تكوين جبهة متعاونة للوقوف في وجه احتمالات تغلغل الشيوعية في بلدانهم بإسناد بعضهم بعضاً.
  7. استهداف الإستراتيجية البريطانية خلال عقد الثلاثينيات، أو قبله، تأمين الهيمنة غير المباشرة على منطقة الشرق الأدنى والأوسط عن طريق مثل هذه التحالفات، ودرء الخطر عن منابع النفط في كل من إيران والعراق معاً، تحقيقاً لمصالحها الذاتية ومصلحة حلفائها.

تسمية الميثاق

أُطلقت على هذا الميثاق، في الوثائق المرفقة بهذا الفصل، تسميات عديدة ومختلفة قبل إبرامه بشكل رسمي؛ فمرة يسمى “الميثاق التحالفي”، وأخرى “الميثاق الشرقي”، و”الحلف الرباعي” في وثيقة لاحقة، وكل ذلك قبل أن يتخذ تسميته الرسمية “ميثاق سعد آباد”، نسبة إلى اسم القصر الشاهنشاهي الذي تم توقيعه رسمياً في أروقته.


أجزاء «الكورد في المعاهدات البريطانية – العراقية عام 1922» (4 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني (هذا الجزء)
  3. الجزء الثالث
  4. الجزء الرابع

→ الجزء الأول  |  الجزء الثالث ←