الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

الكورد والواقع العراقي المتقلب بين عامي 1963 و1972 (الجزء الأول)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

المقدمة

مما لا شك فيه أن سياسة القوة التي مارستها الحكومات العراقية منذ العهد الملكي، ثم حكومة عبد الكريم قاسم، قد قدّمت للرموز الكوردية درساً ناضجاً، مفاده أن الوقت لم يحن بعد لأن يملك أي حاكم عربي في بغداد (ملكي أو قومي عربي أو شيوعي أو بعثي) القدرة على إعطاء الكورد دولة مستقلة، ما دام النفط يتدفق في سوق السلاح. وهذا ما انعكس لاحقاً على سقف مطالب القيادة الكوردية السياسية الذي أخذ يتراجع شيئاً ما؛ إذ شهدت مرحلة الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي تغافلاً كوردياً عن لغة الانفصال والاستقلال وإقامة الدولة الكوردية، وتركيزاً على الحكم الذاتي أو الفيدرالية للمنطقة الكوردية (كوردستان). وهي حلول وسط يمكن أن تحفظ للكورد شيئاً من المنعة والحماية من سياسات الدمج والتهجير القسري والقهر والإبادة الجماعية التي مارستها بحق الشعب الكوردي جميعُ الدول والحكومات المتعاقبة في العراق العربي في بغداد، ومعها دول الجوار الأخرى التي لازمت الشعب الكوردي منذ القدم، وانتقمت من كل الثورات والانتفاضات الكوردية أو معظمها عبر التاريخ في المنطقة الجغرافية لكوردستان.

إن كثرة الانقلابات العسكرية في العراق، والمبالغة في التعصب القومي العربي سعياً إلى إحراز انتصارات في كوردستان، قد أرهقتا الدولة العراقية اقتصادياً وسياسياً. وبذلك ظهرت بوادر انفراج على يد رئيس الوزراء المدني الدكتور عبد الرحمن البزاز لإعطاء الكورد حقوقهم القومية والإنسانية، قبل أن ينتكس العرب في حربهم مع إسرائيل في الخامس من حزيران عام 1967، ثم العودة مرة أخرى إلى دائرة الصراع على الكراسي عام 1968، ومعها المناورة السياسية مع القوى الإقليمية والدولية لاستمالة الكورد.

نهاية الزعيم عبد الكريم قاسم

استسلم الزعيم عبد الكريم قاسم صباح يوم التاسع من شباط 1963، ومعه العقيد فاضل عباس المهداوي والعميد طه الشيخ أحمد، عند مدخل قاعة الشعب في وزارة الدفاع نفسها. وعند الساعة الواحدة والنصف جرت في مبنى الإذاعة والتلفزيون محاكمة سريعة لعبد الكريم قاسم انتهت بإعدامه رمياً بالرصاص.

اعترف الشيوعيون بأن معارك يومي الثامن والتاسع من شباط 1963 وما تلاها قد كلفتهم نحو 5000 قتيل، أما البعثيون والقوميون العرب فكانت خسائرهم نحو ثمانين. في حين أشارت مديرية الأمن العامة العراقية إلى أن عدد قتلى الشيوعيين في يومين بلغ 340 قتيلاً، وقدّر أحد الدبلوماسيين عدد القتلى بـ1500، إضافة إلى أكثر من مئة جندي سقطوا قتلى في مبنى وزارة الدفاع.

علم عبد الكريم قاسم مساء يوم الثامن من شباط 1963 أن عبد السلام محمد عارف أصبح رئيساً للجمهورية، وذلك من خلال البيان الأول لمجلس قيادة الثورة. وفي الساعة الحادية عشرة من صباح يوم التاسع من شباط 1963 اتصل عبد الكريم قاسم هاتفياً بعبد السلام عارف من قاعة الشعب التي انتقل إليها، والتمس منه إنقاذ حياته والسماح له بمغادرة العراق. غير أن ما حدث له (حكم الإعدام) كان بتأثير أعضاء في مجلس قيادة الثورة، لا بقرار عبد السلام عارف وحده.

تألف المجلس الوطني لقيادة الثورة من اثني عشر بعثياً وأربعة ضباط قوميين عرب، أي أنه اشتمل على مدنيين بعثيين إضافة إلى أعضاء المكتب العسكري الستة، وكان أعلى سلطة في البلد بعد الثامن من شباط 1963. واحتل كرسي الرئاسة عبد السلام محمد عارف بتأييد واسع من العسكريين، مع أنه لم يكن بعثياً، أما منصب نائب رئيس الجمهورية فكان من نصيب أحمد حسن البكر، الذي تولى رئاسة الوزراء. وكان المنصب الثالث في سلّم المناصب الإدارية والوزارية من نصيب القيادي البعثي علي صالح السعدي، الذي شغل منصب نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية، وكان في الوقت نفسه أمين سر قيادة فرع حزب البعث في العراق، فبات في نظر المتابعين الأكثر نفوذاً وتأثيراً من عبد السلام عارف وأحمد حسن البكر. كما شمل التشكيل الوزاري الأول المقدم الركن صالح مهدي عماش وزيراً للدفاع، والمقدم الركن عبد الستار عبد اللطيف وزيراً للمواصلات، وحازم جواد وزيراً للدولة لشؤون الرئاسة، وطالب شبيب (المهندس خريج الولايات المتحدة) وزيراً للخارجية، وحميد خلخال وزيراً للعمل والشؤون الاجتماعية. وجرت إضافة وزيرين من حزب البعث إلى مجلس قيادة الثورة، هما الدكتور سعدون حمادي وزير الإصلاح الزراعي، والدكتور عزت مصطفى وزير الصحة.

كان الزعيم (العميد) أحمد حسن البكر، الذي انضم إلى حزب البعث عام 1960، يُنظر إليه على أنه الشخصية البعثية العسكرية المركزية، لا اللواء طاهر يحيى الذي كان متعاطفاً مع حزب البعث. وقد اقترب من أحمد حسن البكر كل من البعثيين: الرئيس (الرائد) الركن أنور عبد القادر الحديثي (سكرتير مجلس قيادة الثورة)، والزعيم (العميد) الطيار الركن حردان عبد الغفار التكريتي قائد القوة الجوية، والعقيد الركن خالد مكي الهاشمي معاون رئيس أركان الجيش، وقد تآلف هؤلاء في السنوات القليلة اللاحقة لمواجهة الأخطار الداخلية. أما عضوا مجلس قيادة الثورة اللذان لم يكونا رسمياً في صفوف حزب البعث فهما رئيس الدولة عبد السلام عارف، والزعيم (العميد) الركن عبد الغني الراوي، بصفته آمر لواء المشاة الآلي الثامن الذي دخل بغداد ورجّح كفة الثائرين على عبد الكريم قاسم.

أصدر المجلس الوطني لقيادة الثورة قراراً بإلقاء القبض على مؤيدي النظام السابق، وهو ما فتح شهية أنصار حزب البعث للقيام بحملة عنيفة لاعتقال عناصر الحزب الشيوعي العراقي وتعذيبهم وإعدامهم. وكانت ميليشيا «الحرس القومي» غير العسكرية، وجلّ عناصرها من حزب البعث، قد بلغ عدد أفرادها نحو 30,000 عنصر، وكانت بإمرة المقدم الطيار منذر توفيق الونداوي، وارتبطت أول الأمر بمسؤول الحزب علي صالح السعدي، بوصفها الحليف المضمون للسيطرة على الشارع دون الحاجة إلى الجيش.

كرسي الحكم في العراق أولاً وحل القضية الكوردية ثانياً

ربما يسألنا سائل عن أهمية الخلافات التي سادت في حقبة ما بعد عبد الكريم قاسم، وحقيقتها التشبث بكرسي الحكم قبل أي اعتبار آخر لمشاكل الوطن وتطوره. وقد ينتهي كثير ممن سايروا الأحداث إلى أن ديكتاتوراً منصفاً قد يكون الملاذ الأخير لحكم العراق. وهو ما توصل إليه بعض رجال السياسة في واشنطن بعد عام 2003، نظراً للتعقيدات التي رافقت أطراف العملية السياسية الثلاثة (الكورد، والعرب السنة، والعرب الشيعة)، وطموح كل واحد منهم إلى أن يجلس على كرسي الحكم في العراق وبيده كل مفاتيح القرارات الحاسمة دون مشاركة الآخر.

ولعل ما نحن بصدده هو حكم العسكريين من الضباط الذين وجدوا أنفسهم، بعد الانقلاب العسكري في 8 شباط 1963، في موقع الصدارة، كما فعل سلفهم الفريق الركن بكر صدقي عام 1936، وكل واحد منهم يقول: لست أقل كفاءة في إدارة البلاد من الفريق الركن بكر صدقي، وذلك بعد إخفاق الضباط العقداء الأربعة في حركة مايس/أيار عام 1941 التي تزعمها رشيد عالي الكيلاني رئيس وزراء العراق ضد القوات البريطانية.

وعندما تسأل أصحاب السلطة الجدد من البعثيين: هل تعرفون أن حكومة نوري السعيد قد وافقت عام 1944 على حقوق الشعب الكوردي في حكم ذاتي؟ فإنهم يرون في ذلك، وربما في البدء بمعالجة مسألة التكلم والتعليم باللغة الكوردية في كوردستان العراق، مضيعة للوقت. ولو صدقت نوايا الانقلابيين من القوميين العرب والبعثيين تجاه وطنهم العراق لما جاءت التداعيات والحروب التي أدمت أقدام الطرفين. لقد كان الكورد يريدون حلاً للمشكلة والمسألة الكوردية وسط اضطراب السياسة الإيرانية والتركية.

بدت حالة عدم التجانس الاجتماعي بين زعماء مجلس القيادة واضحة منذ البداية، وأخذت الاختلافات في النزوات والعواطف والآمال والأفكار تتسع. فما جمع المجموعة المؤتلفة لغرض الانقلاب هو التخلص من الزعيم عبد الكريم قاسم أولاً، ثم أن تستقوي كل مجموعة بما لديها من أنصار وأتباع وقوة عسكرية لإزاحة الآخرين ثانياً. أما الانقسام فقد بدأ في الحادي عشر من شباط 1963، أي بعد ثلاثة أيام فقط، عندما اختلف علي صالح السعدي مع رئيس الجمهورية عبد السلام محمد عارف، فقام السعدي، المعروف بتهوره، بإخبار حازم جواد وزير الدولة لشؤون الرئاسة قائلاً: «إن هذا الرجل – عبد السلام عارف – سيثير لنا المتاعب». وخلال اجتماع أعضاء القيادة القطرية لحزب البعث في بيت حازم جواد، أشهر علي صالح السعدي ورقة استقالته من كل المناصب، غير أن المجتمعين رفضوها لأسباب موضوعية. وبعد انتهاء الاجتماع، الذي لم يُخوَّل رئيس الدولة عبد السلام عارف حضوره لكونه غير بعثي، دخل حازم جواد وطالب شبيب على عبد السلام عارف ليبلغاه أن «علي صالح السعدي يخطط لقتلك».

ثم جاء الخلاف حول علاقة العراق مع مصر (جمال عبد الناصر) في شهر نيسان 1963 ليُحدث هزة كبيرة بين أعضاء حزب البعث الذين لم يجربوا السلطة من قبل؛ فشكّل كل من حازم جواد وطالب شبيب والرئيس عبد السلام عارف محوراً مؤيداً، في حين وقف علي صالح السعدي معارضاً ومصراً على موقفه. وأصدر مجلس قيادة الثورة أمراً بتكليف علي صالح السعدي بمنصب وزير الإرشاد نظراً لمشاغله الحزبية، وبأن يتولى حازم جواد وزارة الداخلية. غير أن علي صالح السعدي، الذي فهم مغزى إبعاده عن وزارة الداخلية، تشبث بمركزه داخل حزب البعث، وطرح أفكاره في المؤتمر القطري الأول للحزب الذي انعقد في الثالث عشر من أيلول 1963، بعد أن عرف أن هناك محوراً منافساً له مؤلفاً من حازم جواد وطالب شبيب وأحمد حسن البكر وعبد السلام عارف يسعى إلى إقصائه نهائياً. وقد راجت تلك الأقاويل في الشارع العراقي، وقيل إنه ليس أكثر من تحالف هش.

ويذكر الكاتب حنا بطاطو أنه اجتمع بعضو في قيادة حزب البعث عام 1963، فأخبره أن السفارة اليوغسلافية في بيروت حذّرت بعض القادة البعثيين من وجود عناصر تجري اتصالات سرية مع رجال الاستخبارات الأمريكية في لبنان. ويبدو أن أكثرية القيادة في العراق لم تكن مدركة لما قيل إنه كان يجري، حتى نشرت جريدة الأهرام القاهرية خبراً مفاده أن محطة إذاعة سرية كانت تبث من مكان مجهول، وتزود رجال حزب البعث بأسماء الشيوعيين وعناوينهم في بغداد وبقية المحافظات ليتمكنوا من اعتقالهم وإعدامهم، وهو ما كانت تخطط له وكالة المخابرات المركزية الأمريكية ونظيرتها البريطانية لإجهاض أي توسع شيوعي في العراق ومنطقة الخليج العربي الغنية بالنفط.

  1. وصل وفد كوردي برئاسة جلال الطالباني وعضوية صالح اليوسفي إلى بغداد في 18 شباط 1963 لإجراء مباحثات مع الرئيس عبد السلام عارف. وجرت المباحثات في جو ودي، واقترحت الحكومة على الوفد الكوردي إشراك مبعوث عن الكورد في مفاوضات الوحدة (بين العراق ومصر)، وكان المرشح من الجانب الكوردي جلال الطالباني، الذي ذهب مع الوفد العراقي إلى القاهرة. وكان سفر جلال الطالباني مع الوفد الحكومي العراقي، من وجهة نظر الزعيم والقائد الكوردي ورئيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني الملا مصطفى البارزاني، تجاوزاً لصلاحياته. وطالب الملا مصطفى البارزاني الحكومة العراقية، بصيغة الإنذار، بأن تتخذ قراراً سريعاً بمنح الكورد الحكم الذاتي، وهدد باستئناف القتال إن لم تفعل ذلك. وتجاوباً مع مطالب الكورد، أصدرت الحكومة العراقية ليلة الأول من آذار 1963 بياناً أكدت فيه عزمها على حل القضية الكوردية بالطرق السلمية، وأرسلت يوم 4 آذار 1963 وفداً التقى الملا مصطفى البارزاني، فكانت مطالبه:
    • أ. التأكيد على حق الأمة الكوردية في الاستقلال الذاتي.
    • ب. تأليف مجلس مركزي يرأسه مسؤول كوردي.
    • ج. تسمية شخص كوردي نائباً لرئيس الجمهورية.
    • د. أن تضم كوردستان ألوية (محافظات) السليمانية وكركوك وأربيل، ودهوك من الموصل، وخانقين وجلولاء من ديالى.
    • هـ. إنشاء جيش كوردي من البيشمركة تحت قيادة قائد كوردي.
    • و. تقسيم واردات النفط بين العرب والكورد.
  2. طالب الملا مصطفى البارزاني بإرسال نسخة من قرار الحكومة العراقية بتنفيذ مطالبه تلك إلى هيئة الأمم المتحدة، كما طالب الحكومة بتنفيذها خلال ثلاثة أيام فقط، وإلا فإنه سيلجأ إلى القتال. ورغم أن المطالب الكوردية تضمنت ما لا يمكن القبول به، فإن الوفد العراقي وعد الملا مصطفى البارزاني بدراسة مطالبه. ولكي لا ينقطع الأمل في الحل السلمي، تم تشكيل وفد شعبي للتفاوض مع الملا مصطفى البارزاني، فالتقى به في قرية جوار قرنة في 7/3/1963، وتوصل الطرفان إلى صيغة اتفاق أولي يعرضها كل منهما على جماعته، وهي:
    • أ. الاعتراف بالحقوق القومية للشعب الكوردي.
    • ب. إعلان العفو العام وإطلاق سراح الموقوفين والمعتقلين السياسيين الكورد.
    • ج. تطهير الجهاز الحكومي ممن أساؤوا العمل في المنطقة الشمالية (كوردستان العراق).
    • د. رفع الحصار الاقتصادي عن كوردستان.
    • هـ. سحب القطعات العسكرية من كوردستان.

وما إن عاد الوفد العراقي من القاهرة إلى بغداد في اليوم التالي حتى بادرت الحكومة العراقية إلى رفع الحصار الاقتصادي عن المنطقة الشمالية (كوردستان العراق)، وأصدرت عفواً عن الأشخاص الذين قاموا بالحركة المسلحة (الثورة) الكوردية. كما صدر في 9 آذار 1963 بيان عن المجلس الوطني لقيادة الثورة بوضع كل الإمكانات في خدمة السلام في كوردستان. وظهر الأمل من جديد لدى النخب والقيادة الكوردية في أن تكون الفترة ما بين 1963 و1964 حافزاً لحزب البعث على إعطاء الحكم الذاتي للكورد والسهر على مصالح الوطن العليا.

بدت سياسة الحكومة ومجلس قيادة الثورة إزاء القضية الكوردية قائمة على إقرار الحقوق القومية للشعب الكوردي على أساس اللامركزية. ولم يكن هذا الكلام زلّة لسان بقدر ما عبّر عن رؤية شخصية صدرت دون علم الآخرين، ولا سيما الطرف الكوردي. وقد تلقى الملا مصطفى البارزاني بيان مجلس قيادة الثورة باستغراب، وقرر عقد مؤتمر موسع في مدينة كويسنجق في 17 آذار 1963، طُرحت فيه نتائج مفاوضات القيادة الكوردية مع الوفد الرسمي والوفد الشعبي للحكومة العراقية، وكذلك صيغة الحل (اللامركزية) التي أصدرها مجلس قيادة الثورة. وأصدر الحزب الديمقراطي الكوردستاني (البارتي) في 10 نيسان 1963 بياناً أوضح فيه قبوله بشكل عام بالخطوط العامة للحل الذي طرحته الحكومة والمتمثل بالإدارة اللامركزية. ويمكن القول إن تسمية الوفد الكوردي برئاسة جلال الطالباني كانت لمعرفة المزيد عن مسار المفاوضات. ولكن الوفد الحكومي، كما رآه أعضاء الوفد الكوردي، لم يكن مهتماً بإيجاد الحلول للقضية الكوردية، إذ سرعان ما كان يخرج أحد أعضائه ليحل محله آخر. وبدت المفاوضات متقطعة، مما أعطى انطباعاً بوجود مشاحنات وشد وجذب بين أعضاء القيادة الجديدة، والكل مستعجل لعقد المؤتمر القطري لحزب البعث للتخلص من المتهورين في الحزب قبل الذهاب إلى المؤتمر القومي.

ظلت محاولات الحكومة العراقية لحل المشكلة الكوردية خلال الأعوام 1964 و1965 و1966 تسير بين مد وجزر، فتارة تنشط المحادثات السياسية السلمية، وتارة أخرى تنشط العمليات العسكرية من الجانبين. وقد نص الدستور العراقي المؤقت على إقرار الحقوق القومية للكورد ووجود القومية الكوردية، ورفضت الحكومة العراقية طلبات الملا مصطفى البارزاني بشأن الاستقلال الذاتي لكوردستان. وفي الأيام الأولى من كانون الثاني 1966 شن الملا مصطفى البارزاني، بمساعدة إيران، هجوماً مريراً واسع النطاق من داخل الأراضي الإيرانية على القطعات العسكرية العراقية في بنجوين، فاحتج العراق رسمياً على هذا الاعتداء السافر. وكانت المساعدات تتدفق على الملا مصطفى البارزاني من أطراف كثيرة، منها إيران وأمريكا، حتى إن السلطات الألمانية أوقفت في بداية عام 1966 شحنة أسلحة إليه كان ينقلها أربعة ألمان.

كان مؤسس حزب البعث ميشيل عفلق يحضر مؤتمرات الحزب القومية قبل ثورة شباط 1963 في العراق وثورة آذار 1963 في سورية. ولكن أمله خاب في طروحات القادة الجدد لحزب البعث، حتى قال لهم: «لسنا ماركسيين»، وكل ما نطمح إليه هو الديمقراطية القومية. وتنصل علي صالح السعدي من أي توجيهات أصدرها سابقاً لقتل الشيوعيين، وهو ما أشعر الآخرين من رموز السلطة وحزب البعث بأنه شديد التذبذب وغاية في البدائية. كما ظهر من طروحات أمين سر القيادة القطرية في العراق علي صالح السعدي أن خيوطاً من العلاقة قد نُسجت بينه وبين نظيره أمين سر القيادة القطرية لحزب البعث في سوريا حمود الشوفي، وبعض أعضاء اللجنة العسكرية السرية السورية، وهو ما ضمن له الأصوات اللازمة في المؤتمر القومي السادس الذي عُقد في دمشق عام 1963، حتى انتبه الحاضرون إلى سيطرة علي صالح السعدي (العراقي) وحمود الشوفي (السوري) على جلسات المؤتمر منذ يوم انعقاده الأول، وإلى طروحاتهما عن التطبيق الاشتراكي البعيدة عن فكر حزب البعث. وقد أزعج ذلك مؤسس الحزب ميشيل عفلق، فقال إن هذا الحزب لم يعد حزبي.

الاستقواء بالسلاح بين رفاق الأمس عام 1963

بقي ميشيل عفلق على رأس القيادة القومية لحزب البعث، رغم الجراح التي أصابته جراء ما حدث في اجتماعات المؤتمر القومي السادس عام 1963. وكان يعتقد أن الأيام كفيلة بتبديل الرموز البعثية التي وصلت إلى السلطة والحكم في العراق وسوريا في غفلة من الزمن، وقرر ألا يساند أياً من علي صالح السعدي أو حمود الشوفي في أي لقاءات تجري مع باقي كوادر الحزب في القطرين السوري والعراقي.

أدركت مجموعة من الضباط البعثيين في العراق أن علي صالح السعدي رجل عنيف أكثر منه رجلاً عقائدياً، وأن كلماته عن الاشتراكية لم تكن أكثر من محاولة للحصول على دعم بعض المجموعات البعثية ضمن القيادة القومية للحزب في دمشق، لا تغييراً في الخط السياسي الذي يسير عليه هو وكتلته.

وزادت الانقسامات بين رموز حزب البعث وأعضائه، وظهر التكتل واضحاً بين أعضاء القيادة القطرية؛ فكان حمدي عبد المجيد ومحسن الشيخ راضي وهاني الفكيكي، ومعهم الحرس القومي واتحاد الطلاب ونقابات العمال، في جبهة، في حين ظهر حازم جواد وطالب شبيب، ومعهما الضباط البعثيون طاهر يحيى (رئيس أركان الجيش) وحردان التكريتي وعبد الستار عبد اللطيف والمقدم محمد المهداوي آمر كتيبة الدبابات الثالثة، في الجبهة الأخرى. ويظهر من حجم الانقسام بين كوادر حزب البعث أن بداية تشرين الأول 1963 وحتى الحادي عشر منه كانت بمثابة استعداد من الطرفين لتحسين مواقعهما على الأرض. وبدأ الاختبار عندما صدر المرسوم الجمهوري بإقصاء منذر الونداوي من قيادة الحرس القومي، وهي خطوة لتحجيم قوة علي صالح السعدي وقدرته على المناورة ضد خصومه. وكان الأكثر وضوحاً تعيين المقدم عبد الستار عبد اللطيف بدلاً منه، وهي خطوة أخرى أقنعت علي صالح السعدي بأن نهايته باتت متوقعة، رغم علمه أن الانشقاق سيصيب ميليشيات الحرس القومي بين مؤيد ومعارض.

تشبث منافسو علي صالح السعدي بمقررات المؤتمر القومي السادس لحزب البعث العربي الاشتراكي، ومنها عقد مؤتمر قطري استثنائي لإضافة ثمانية أعضاء جدد ليصبح العدد ستة عشر وفق النظام الداخلي للحزب. ومع بدء الانتخابات فوجئ المؤتمرون بدخول مجموعة مسلحة من الضباط بإمرة المقدم محمد المهداوي، آمر كتيبة الدبابات الثالثة، لنصرة جبهة حازم جواد وطالب شبيب، بحجة أن علي صالح السعدي تآمر على وحدة حزب البعث. وما إن انتهت اللعبة حتى اعتُقل علي صالح السعدي وكتلته في القيادة، وأُرسلوا على وجه السرعة إلى مطار المثنى لترحيلهم إلى إسبانيا. وكان ذلك كافياً لأن يدخل كل أعضاء الحزب في حالة استعداد (طوارئ)، فقامت قيادة فرع بغداد لحزب البعث بالسيطرة على معظم أحياء بغداد، في حين دعا أحمد حسن البكر البعثيين، في بيان تُلي من دار الإذاعة، إلى التفاهم فيما بينهم وتفويت الفرصة على الأعداء. وعند المساء وصل ميشيل عفلق والفريق أمين الحافظ (الرئيس السوري) وأعضاء آخرون من القيادة القومية، والتقوا أعضاء قيادة فرع بغداد الذين أبلغوا مؤسس الحزب ميشيل عفلق أن السلطة للقيادة القومية. وتصرفت هذه القيادة وكأنها السلطة العليا في العراق دون الرجوع إلى رئيس الجمهورية عبد السلام عارف، الذي شعر بالمهانة لعدم استقباله الرئيس السوري أمين الحافظ، واعتبر ذلك سابقة بين الدول سببها النزاع على كراسي الحكم التي تسابق إليها البعثيون. كما بلغ عبد السلام عارف أن القيادة القومية قررت نفي وزيري الداخلية والخارجية (حازم جواد وطالب شبيب) إلى خارج البلاد دون علمه، فضلاً عن اعتبارها القيادة القطرية الجديدة غير شرعية.


أجزاء «الكورد والواقع العراقي المتقلب بين عامي 1963 و1972» (4 أجزاء):

  1. الجزء الأول (هذا الجزء)
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث
  4. الجزء الرابع

الجزء الثاني ←