الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

الكورد والواقع العراقي المتقلب بين عامي 1963 و1972 (الجزء الثالث)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

قرارات الرئيس عبد الرحمن عارف لتخفيف الأثر النفسي لهزيمة حزيران 1967

من القرارات التي اتخذها الرئيس عبد الرحمن محمد عارف لتخفيف الأثر النفسي للهزيمة العسكرية في حرب 5 حزيران 1967 أنه بادر إلى قطع العلاقات الدبلوماسية مع كل من الولايات المتحدة وبريطانيا، مقابل تقويتها مع كل من الاتحاد السوفيتي وفرنسا، والأخيرة أملاً في الحصول على سلاحها المتطور. واستثمرت الحكومة العراقية خبرة السوفيت في معاونة شركة النفط الوطنية العراقية على استغلال حقل الرميلة الشمالي في محافظة البصرة. وفي تشرين الثاني 1967 أعطت الحكومة امتيازاً لشركة النفط الفرنسية إيراب (Erap) للتنقيب عن النفط واستخراجه في وسط العراق وجنوبه، بغية الحصول على العملة الصعبة.

وفي الجانب الآخر، بدت العلاقات الجديدة مع السوفيت، بسبب هزيمة العرب العسكرية في حرب حزيران 1967، عاملاً مفيداً لنشاط الحزب الشيوعي في عموم المنطقة العربية، ومنها العراق، الذي انحسرت فيه قوة الحزب ونفوذه في أعقاب مطاردة ميليشيات الحرس القومي لعناصره خلال حكم البعث الأول عام 1963. وبقي الحزب الشيوعي منذ هزيمته المرة يعارض بقوة حكم عبد السلام عارف وشقيقه عبد الرحمن عارف، واصفاً إياه بأنه يمثل «عسكرية رجعية» وحكم العشيرة الواحدة، وهو ما مهد للرموز الشيوعية لأن تشكل قوة «فدائية» من خلاياها النائمة في العراق تمهيداً للقيام بانقلاب ضد نظام حكم الأخوين. وكانت مناطق الفرات الأوسط والأهوار أماكن مناسبة لنشر الأفكار الشيوعية بقيادة عزيز الحاج تحت اسم «القيادة المركزية».

ولم يكن الحزب الشيوعي وحده من يريد استعادة قوته أو الوصول إلى قلب السلطة، بل كان حزب البعث هو الآخر، عبر رموزه القيادية في الظل، يعيد تنظيم نفسه ويخلق خلايا سرية جديدة داخل الجيش، رغم الضربة التي أضعفت كوادره عام 1964.

واغتنم حزب البعث العاصفة الشعبية التي هبت بعد هزيمة 5 حزيران 1967، واندلاع المظاهرات والمسيرات العنيفة في بغداد وغيرها من مدن العراق، فبرز صدام حسين عنصراً مؤثراً في توسيع تنظيم الحزب ضد الحزب الشيوعي وضد حكومة طاهر يحيى المتهمة بالفساد. وذهب حزب البعث إلى أبعد من ذلك بتقديم عريضة دعا فيها عبد الرحمن عارف إلى تأليف حكومة وحدة وطنية، وهي تعبير عن الحضور القومي لتنظيم البعث – الذي ظهر مؤيدوه في مظاهرات عام 1952 تحت اسم رابطة الشباب القومي – كما أنها تشير إلى ضعف نظام عبد الرحمن عارف وهشاشته.

انقلاب عسكري جديد لحزب البعث في 17 تموز 1968

أدى موت عبد السلام عارف المفاجئ في 13 نيسان 1966 إلى خلق فراغ سياسي استمر حتى استيلاء حزب البعث على السلطة في 17–30 تموز 1968. وبرز ذلك الفراغ من خلال تدني فعالية القيادة برئاسة عبد الرحمن عارف، وغياب السياسة الاقتصادية الواضحة، واستمرار القتال مع الكورد في كوردستان، حتى جاءت نكسة الخامس من حزيران 1967 لتضيف نقمة على أداء الحكومات العسكرية ولهاثها وراء كراسي الحكم.

كانت النقطة المركزية لنشاطات حزب البعث في العراق، منذ حكمه الأول في 8 شباط 1963 حتى 17–30 تموز 1968، تكمن في تشكيل مجموعات طامحة إلى السلطة من الأقارب والأصدقاء من أبناء العشيرة أو البلدة الواحدة، تتقارب أفكارهم وطموحهم في الجلوس على كراسي الحكم في القصر الجمهوري. وكان ذلك عندهم أكثر أهمية من إيجاد حلول معقولة للكورد، أو من بناء حزب سياسي ديمقراطي يجذب مواطني البلد إلى صفوفه لتنفيذ برامج اقتصادية واجتماعية تسهم في تطويره.

كان أحمد حسن البكر – الضابط البعثي المجرَّب والأكبر سناً – هو الرأس الذي يقود المؤيدين من حوله، فعاد إلى تشكيل المكتب العسكري لإعداد خطة الانقلاب، بالتعاون مع أعداد محدودة من بعثيي مدينته تكريت أولاً، وآخرين من الأصدقاء المقربين الذين خبرهم خلال عام 1963. وكان ممن شملهم الحديث عن الانقلاب: عبد الرزاق النايف معاون مدير الاستخبارات العسكرية، وإبراهيم عبد الرحمن الداود آمر لواء الحرس الجمهوري، وسعدون غيدان آمر كتيبة دبابات القصر الجمهوري.

بدأ حكم حزب البعث الثاني في الثامن عشر من تموز 1968 بتعيين أحمد حسن البكر رئيساً للجمهورية، وعبد الرزاق النايف رئيساً للوزراء، وإبراهيم عبد الرحمن الداود وزيراً للدفاع، وصالح مهدي عماش وزيراً للداخلية، وسعدون غيدان قائداً للحرس الجمهوري، وحردان التكريتي رئيساً لأركان الجيش وقائداً للقوة الجوية. وكانت الخطوة المخطط لها بعناية هي وجود مجلس قيادة الثورة ليكون السلطة العليا التي تحكم مجلس الوزراء الجديد، الذي ضم رموزاً من حكم عبد الرحمن عارف السابق، وثلاثة وزراء كورد لترضية الملا مصطفى البارزاني والكورد. واعتبرها بعضهم البداية، في حين تمنى آخرون ألا تكون كسابقتها عام 1963.

كان تشكيل الحكومة البعثية الجديدة في نظر المتابعين والمحللين يبعث على الشك والريبة، خصوصاً بعد أن سمعوا بوجود عبد الرزاق النايف على رأس الوزارة وإبراهيم الداود على رأس وزارة الدفاع، وهما من أعوان النظام العارفي ولم ينتسبا إلى حزب البعث. وتباينت طروحات الصحف اليومية المحلية: صحيفة «الجمهورية» الناطقة باسم حزب البعث، وصحيفة «الثورة» القريبة من رجال القصر الجمهوري (عبد الرزاق النايف وإبراهيم الداود)، وكأن في العراق حكومتين: الأولى بعثية والثانية مستقلة. وقد رحبت الصحف اللبنانية اليمينية الموالية للغرب بتولي عبد الرزاق النايف رئاسة الوزراء، وهي إشارة إلى عمق علاقاته مع الشركات الأمريكية، كما أشار إلى ذلك عبد الرحمن عارف خلال وجوده في المنفى (تركيا) عام 1970.

كانت الفترة من السابع عشر من تموز 1968 حتى الثلاثين منه مزدحمة بالشائعات والتنبؤات بالسقوط المبكر للحكومة، وبدا أن معظم الأحاديث التي دارت في الشارع مصدرها ألسن البعثيين، الذين لم يكونوا مقتنعين بوجود الطارئين على الحزب من أمثال إبراهيم الداود وعبد الرزاق النايف. وكان أحمد حسن البكر يعمل في الخفاء مع صدام حسين وباقي المجموعة لانقلاب جديد يؤدي إلى نفي النايف والداود أو قتلهما. وبطريقة مدبّرة أُرسل إبراهيم الداود إلى الأردن لتفقد القطعات العراقية هناك، فسهُل اعتقال عبد الرزاق النايف ونفيه إلى إسبانيا. واصطف سعدون غيدان، ثالث أعوان عارف، مع البكر ضد حليفيه السابقين، ليعلن أحمد حسن البكر في خطاب متلفز في الثلاثين من تموز 1968 ما أسماه «تصحيح مسيرة حزب البعث وطرد الطارئين عليه»، في حين عدّه الغرب انقلاباً جديداً نفذه حزب البعث ضد حلفائه الذين نفذوا معه انقلاب السابع عشر من تموز 1968 قبل ثلاثة عشر يوماً فقط.

حاول قادة البعث ابتداءً من شهر أيلول 1968 إبداء قدر من المصالحة مع الحزب الديمقراطي الكوردستاني والحزب الشيوعي، ولكن وفق آلية يديرها حزب البعث. وقد قبل جلال الطالباني، السياسي المرن، دعم الحكومة العراقية له، في حين أصر الملا مصطفى البارزاني وزاد عناده ما لم توافق بغداد على تأمين الحريات المدنية، والسماح بتشكيل الأحزاب لممارسة دورها، وإجراء انتخابات ديمقراطية، وهي مطالب لم يكن حزب البعث مستعداً ولا راغباً في الاستجابة لها.

بدت موجة الغضب تظهر على المناوئين المعارضين للبعث بعد إعلان الدستور المؤقت للبلاد، وكأن التاريخ الذي كتبه الشيوعيون عن أحداث عام 1963، وانتقدوا فيه الممارسات المخجلة في مذابح الموصل وكركوك، قد عاد من جديد. ولكن حكم البعث الثاني، الذي استلم السلطة دون إراقة دماء، هوّن عليهم الأمر بعدم العودة إلى الممارسات الدموية ذاتها، وإلى أخطاء بعض العناصر السيئة من ميليشيات الحرس القومي التي أججت مشاعر الناس ضده. ومع توجيهات مجلس قيادة الثورة بتجاوز أخطاء الماضي، اعتُقلت أعداد من الشيوعيين والناصريين والبعثيين المؤيدين لسوريا والضباط السابقين، وأُعدم «جواسيس»، وهي طريقة مبكرة لردع الآخرين من الجواسيس في الداخل، والتحذير من أي محاولة انقلابية قد يفكر فيها المغامرون.

أحمد حسن البكر وصدام حسين يتصدران قيادة الجيش والحزب

شاعت في بغداد موجة مداهمات الدور ليلاً بحثاً عن مناوئين لحزب البعث وعن عصابات السرقة وقطاع الطرق، غير أنها لم تكن بتلك الصورة السوداوية التي راجت في زمن تولي علي صالح السعدي أمانة سر القيادة القطرية عام 1963. فقد أصبح أحمد حسن البكر وصالح مهدي عماش وحردان عبد الغفار التكريتي أكثر خبرة ودراية بما آلت إليه الأمور قبل خمس سنوات. وكان على رأسهم أحمد حسن البكر، الأكثر خبرة ودهاء، وهو يجمع بين يديه أربعة مناصب قيادية، وأراد أن يلفت نظر حردان التكريتي إلى أن هناك جهازاً له عيون يراقب ويرصد أعمال كل الوزراء وأعضاء القيادة الذين ينغمسون في التكتلات، وعلى رأس هذا الجهاز («حنين») صدام حسين. وفي تشرين الثاني 1969 أصبح صدام حسين نائباً لرئيس مجلس قيادة الثورة، إضافة إلى كونه عضواً في القيادة القطرية. ويجد الباحث أن المسألة العشائرية لعبت دوراً في تفكير أحمد حسن البكر عندما استعان بحردان التكريتي، الذي آزر حكم البعث الأول عام 1963، ثم انقلب عليه أثناء حكم عبد السلام عارف عندما أغار بطائرته على مقر الحرس القومي، ليعود مرة أخرى فيشارك في حكم البعث الثاني، وكل ذلك تزلف ونفاق للجلوس على كراسي الحكم.

كان فارق العمر بين أحمد حسن البكر وصدام حسين يكاد يصل إلى ربع قرن، إلا أن بينهما نقاطاً مشتركة، منها ارتباطهما العشائري، وإيمانهما الشديد بالعروبة، وتأثير الدين الإسلامي في سلوك عائلتيهما وفي نفسيهما، وكذلك حبهما الشديد لاحتضان كراسي الحكم، واعتبارات أخرى منها جذب المزيد من أقاربهما وأصدقائهما إلى وظائف حكومية حُرموا منها منذ زوال الحكم الملكي عام 1958. ومع هذه الصفات المشتركة، يبقى أن صدام حسين، الذي أجبرته الظروف السياسية عام 1959 على الهروب إلى دمشق ثم اللجوء والاستقرار في مصر، قد اكتسب تجربة لم تتوافر لأحمد حسن البكر، الذي قضى عمره ضابطاً ملتزماً بأوامر صارمة من رؤسائه، حتى وهو نائب لعبد السلام عارف في تشرين الثاني 1963. وكان «النائب» – وهي التسمية التي أُطلقت على صدام حسين باعتباره نائباً للبكر في كل مناسبة – يفوق رئيسه جسارة وقوة إرادة وتوقداً ذهنياً وقسوة، ويصفه الأصدقاء والخصوم بأنه مرهوب الجانب. والحقيقة الماثلة للعيان أن وجود صدام حسين إلى جانب أحمد حسن البكر نائباً له كان يوحي في الواقع الفعلي بأن الحزب بيد صدام حسين والجيش بيد أحمد حسن البكر.

استخدام حزب البعث القوة والمناورة السياسية لإخضاع الخصوم

بعد أن تخلص أحمد حسن البكر وصدام حسين من رئيس الوزراء عبد الرزاق النايف ووزير الدفاع إبراهيم الداود في 30 تموز 1968، بعد ثلاثة عشر يوماً من قيام الثورة في السابع عشر من تموز 1968، أصرّ الطرفان على جعل الجيش مسيّساً لخدمة حزب واحد هو حزب البعث. فعمد مجلس قيادة الثورة إلى إقصاء رئيس أركان الجيش إبراهيم فيصل الأنصاري وثمانية من قادة فرق الجيش، واستُبدل بهم إما ضباط بعثيون أو ضباط مستقلون مشهود لهم بالكفاءة المهنية ومتعاطفون مع البعث. وحل اللواء الركن عبد الجبار شنشل محل إبراهيم فيصل الأنصاري رئيساً لأركان الجيش العراقي، وعُيّن سعدون غيدان آمراً لموقع بغداد. وكان من جملة ما أقدم عليه مجلس قيادة الثورة تشكيل «محكمة الثورة» في نهاية عام 1968، التي باشرت مهامها لمحاكمة «أعداء الشعب» برئاسة المقدم علي وتوت، وكان من حصيلتها إدانة أربعة عشر شخصاً، بينهم تسعة يهود بتهمة التجسس لحساب إسرائيل، عُلقت جثثهم في ساحة التحرير وسط بغداد، فأثار ذلك ضجة إعلامية في دول الغرب وفي إسرائيل للانتقام من حكم حزب البعث ولو بعد حين.

أ. إيران الشاه

بدا لقادة حكم حزب البعث الثاني أن عليهم مواجهة تحديات خطيرة منذ بداية عام 1969، منها تباين وجهات النظر داخل حزب البعث حول سبل إسناد القضية الفلسطينية، ومنها ما يتعلق بالقضية الكوردية، ونفوذ الحزب الشيوعي الذي أعاد تشكيل خلاياه النائمة بعد هزيمة حرب 1967. وكان الأخطر فيها أن الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران كانت على توافق سياسي واحد لإجهاض تجربة حزب البعث الثانية بأي وسيلة ممكنة.

وفي التاسع عشر من نيسان 1969 انتهز وكيل وزارة الخارجية الإيرانية الفرصة ليقنع مجلس الأمة الإيراني بتجاوزات العراق، فقال إن إيران حاولت باستمرار تسوية مشكلة «أروند رود» (ARVAND RUD) أي النهر الكبير، ويقصد به شط العرب، الممر المائي الذي يفصل بين العراق وإيران، واعتبر معاهدة (زهاب/شيرين) عام 1937 ملغاة، وأن العدالة تقتضي أن يكون منتصف شط العرب هو الحد الفاصل بين الدولتين.

وبدأت إيران التنسيق مع الكورد، وفي مقدمتهم زعيم الحركة الكوردية الملا مصطفى البارزاني، لفتح جبهة جديدة في كوردستان العراق لاستنزاف قدرات الجيش العراقي، وإحداث تخريبات من شأنها شل الاقتصاد العراقي. وذهبت إيران إلى أبعد من ذلك عندما اتهمت بغداد بدعم الانفصاليين العرب في منطقة خوزستان، أي «الأحواز» بالعربية، وكان هدفها إثارة علماء الشيعة العرب في حوزتي النجف وكربلاء ودفعهم إلى عدم مؤازرة حكم حزب البعث. ومع استمرار أعمال الشغب والتظاهرات في المناطق الجنوبية من العراق ذات الأغلبية الشيعية، وجدت أجهزة الأمن الحكومية أن لا سبيل أمامها إلا قمعها بالقوة، فدفعت بذلك السيد محسن الحكيم إلى إصدار فتوى حرّم فيها الانضمام إلى حزب البعث. أما ابنه، الذي أُطلق سراحه تحت ضغط رجال الدين، فقد فضّل العيش متنقلاً بين لندن وإيران.

ب. قيادة البعث تتخلص من صالح مهدي عماش وحردان عبد الغفار التكريتي

في بغداد بدت سلطة صدام حسين هي التي يُعوَّل عليها في اتخاذ القرارات الحاسمة، ولا سيما التخلص من مناوئيه الذين ازدادوا قوة في وزارتي الداخلية والدفاع، وكان عليه أن ينتهز أقرب فرصة ليقرّب رموزاً أخرى بدلاً من وزير الدفاع حردان عبد الغفار التكريتي ووزير الداخلية صالح مهدي عماش. وكان مستعداً لأن يجعل أحمد حسن البكر يتقبل أفكاره حين أشار إلى الدور الذي لعبه حردان التكريتي وتقلّبه على الآخرين قبل خمس سنوات، اعتقاداً منه أن تصفية الخصوم ستحرم إيران وإسرائيل من إجهاض الثورة عبر رموز مغامرة، كما حصل في مؤامرة عبد الغني الراوي، المدعوم من إيران، عام 1970.

وجاءت الفرصة لصدام حسين للتخلص نهائياً من مناوئيه في الداخل، وزيري الدفاع والداخلية. فقد اتُّهم حردان التكريتي بعدم إصدار الأوامر لقائد الجبهة الشرقية في الأردن العميد الركن حسن مصطفى النقيب لمؤازرة الفدائيين الفلسطينيين إبان أحداث الأردن في أيلول 1970، وبأنه تصرف بقرار شخصي نكاية بصدام حسين الطامع في السلطة. أما صالح مهدي عماش فقد بقي في منصبه بلا صلاحيات حتى أيلول 1971، ثم أصبح سفيراً للعراق في موسكو، ومعه عبد الكريم الشيخلي الذي أصبح ممثلاً للعراق في الأمم المتحدة بعد إعفائه من مجلس قيادة الثورة. وبذلك لم يعد أعضاء مجلس قيادة الثورة عام 1971 هم أعضاء المجلس الذي كان قبل سنتين. وكان في تخطيط صدام حسين أن الجبهة الداخلية باتت مؤمَّنة أمامه، وأن عليه النظر في علاقاته مع السوفيت وتعاونه مع الحزب الشيوعي العراقي.

ج. قيادة البعث تحرص على عدم إغضاب السوفيت

بعد أن تخلص صدام حسين من مناوئيه البعثيين بعد سنتين من قيام الثورة، اتهمه شيوعيو اللجنة المركزية في الخامس من تشرين الثاني 1969 بقتل اثنين من رموزهم في إضراب عمال معمل الزيوت النباتية في بغداد، وتكرر الحادث بقتل ثلاثة آخرين في مسيرة نُظمت بمناسبة الذكرى الحادية والخمسين لقيام الثورة البلشفية عام 1917. وأخذت عملية تشهير الشيوعيين بنظام حكم البعث مداها بين دول الجوار، فقالوا إن طروحاته عن الاشتراكية ومعاداة الإمبريالية ليست إلا حبراً على ورق، وإن على السوفيت أن يفهموا ما حلّ بأتباعهم، وإن الأمر ليس أكثر من سجل دموي بدأه البعث عام 1963 واستمر فيه. ووجد السوفيت الفرصة لإنقاذ الحزب الشيوعي في العراق عندما بذل أحمد حسن البكر جهده لإسناد حقائب وزارية لبعض أعضائه في أول وزارة، إلا أن الحزب الشيوعي اعتبرها ليست أكثر من خطوة شكلية، ورددوا قولهم: «لا معنى للتحالف مع حزب لا يعترف بحق حزبنا في العمل السياسي وإصدار صحفه الخاصة به».

وحقيقة الأمر أن ما كان يجول في ذهن أحمد حسن البكر وصدام حسين هو ممارسة لعبة مزدوجة، عمدت فيها الحكومة بالتناوب إلى اضطهاد الحزب تارة والتودد إليه تارة أخرى، من أجل إجباره على الاندماج في جبهة وطنية. وكان لمقاربات البكر وصدام عدد من الدوافع، أبرزها فكرة الفوز برضا الاتحاد السوفيتي، ولا سيما أنه المصدر الأساسي لكل الأسلحة الموجودة في الجيش العراقي، وصاحب الدور في تطوير حقل نفط الرميلة الشمالي، كما أنهما أرادا تشجيع أي انشقاقات داخل صفوف الحزب الشيوعي العراقي ودعمها، كما حصل مع عزيز الحاج. ويعتقد الباحث أن طروحات صدام حسين – وهو المعني بها بالدرجة الأساس – إنما كانت لإظهار المرونة أمام السوفيت بقبول عناصر الحزب الشيوعي، ولا سيما أنه كان لا يزال غير مطمئن، وتساوره الشكوك تجاه جاره الشرقي إيران الذي يدعم الحركة الكوردية في كوردستان العراق منذ تشكيل الدولة العراقية عام 1921.

بدا حزب البعث مزهواً بالضربة التي أطاحت برموز الحزب الشيوعي، في حين اعتبرها الأخير هزة عنيفة أصابت الحركة الشيوعية الثورية، كُلّف على أثرها ابن الفرات الأوسط إبراهيم علاوي بأن يحل محل عزيز الحاج. وأُجبر الحزب على قبول التقارب مع حزب البعث من ربيع 1969 حتى آذار 1970، وذلك عندما اعترف العراق بألمانيا الديمقراطية في الثلاثين من نيسان 1969، ووقّع اتفاقية كبريت المشراق مع جمهورية بولونيا في أيار 1969، ومعاهدة التعاون الاقتصادي والفني مع جمهورية ألمانيا الديمقراطية والاتحاد السوفيتي في الخامس من تموز 1969. وللدلالة على حسن نية حزب البعث، سُمح للشيوعيين بنشر دوريتهم «الثقافة الجديدة»، وأصبح عزيز شريف، السكرتير العام السابق لأنصار السلم، وزيراً للعدل.

وفي الوقت الذي كان فيه حزب البعث يطمح إلى تعزيز علاقاته مع دول أوروبا الشرقية لبناء قوة اقتصادية متينة، كان صدام حسين يحمل في حقيبته ملف المفاوضات مع الملا مصطفى البارزاني، وقاعدته الأساسية النقاط الاثنتا عشرة التي طرحها الدكتور عبد الرحمن البزاز في 29 حزيران 1966 خلال مفاوضاته مع الملا مصطفى البارزاني.

كانت المعارك لا تزال جارية في كوردستان بين الجيش العراقي وقوات البيشمركة الكوردية عام 1970. ويظهر من قرار صدر في بغداد إلى رئاسة أركان الجيش العراقي أن أي تقدم في القتال سيقلل من سقف مطالب الملا مصطفى البارزاني في أي مفاوضات مقبلة. وفي الجانب السياسي بلورت قيادة حزب البعث نظرية مفادها أن التعاون مع الملا مصطفى البارزاني، إن جرى، فلا بد أن يجري من موقع القوة والاقتدار، كي يكون الحل المتفق عليه عادلاً وموزوناً؛ أما إذا جاء من منطلق الضعف وعدم الاقتدار فلن يكون حلاً سلمياً ثابتاً، بل سيُعد تنازلاً واستسلاماً يشجع الملا مصطفى البارزاني على التمادي. وهذا ما شجع القوات المسلحة العراقية على تطهير أكبر ما يمكن تطهيره من المنطقة الشمالية (كوردستان) من سيطرة الملا مصطفى البارزاني في أقصر وقت ممكن. وفي اعتقادي أن نهج حزب البعث كان دائماً الاعتماد على القوة والعنف لحسم المواقف، ولم يكن يؤمن بالحوار السلمي الفعال. فقد انطلق حزب البعث العربي الاشتراكي في نظرته إلى المسألة الكوردية من المبادئ التي طرحها في مؤتمراته الحزبية، إذ جدد المؤتمر القطري السابع لحزب البعث، الذي عُقد في أواخر عام 1968، موقف الحزب من هذه المسألة الوطنية المعقدة، ورسم طريق الحل المبدئي ووضعه موضع التطبيق، وأهم بنوده:

  • أ. احترام المطامح (الحقوق القومية المشروعة) للشعب الكوردي بمحتواها الوطني والتقدمي.
  • ب. الإيمان بحق الكورد في الحفاظ على مقوماتهم القومية.
  • ج. تحقيق الديمقراطية والاشتراكية والوحدة.

لقد غدا تسريب المعلومات المقصودة عن نية الحكومة العراقية في بغداد حل المسألة الكوردية حلاً نهائياً سياسة ثابتة يحملها أعضاء القيادة القطرية في حلّهم وترحالهم. وفُهم منها أن النائب صدام حسين هو صاحب القرار السياسي عام 1970، لا كما كان علي صالح السعدي عام 1963. ولكن حل المسألة الكوردية، التي باتت معقدة بسبب وجود أطراف إقليمية ودولية، كان يتطلب الصبر والحكمة.


أجزاء «الكورد والواقع العراقي المتقلب بين عامي 1963 و1972» (4 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث (هذا الجزء)
  4. الجزء الرابع

→ الجزء الثاني  |  الجزء الرابع ←