الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
الكورد والواقع العراقي المتقلب بين عامي 1963 و1972 (الجزء الثاني)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
انقلاب عبد السلام محمد عارف على حكم حزب البعث الأول في 18 تشرين الأول 1963
بدت رياح التغيير كلها مواتية للرئيس العراقي عبد السلام عارف، المجرد من الصلاحيات، الذي راقب تصرفات حلفائه الذين أطاحوا بحكم الزعيم عبد الكريم قاسم قبل تسعة أشهر. وبموجب تفاهمات سابقة مع شقيقه الزعيم عبد الرحمن محمد عارف قائد الفرقة الخامسة، والزعيم الركن عبد الكريم فرحان قائد الفرقة الأولى، والعقيد سعيد صليبي آمر الانضباط العسكري، واللواء طاهر يحيى رئيس أركان الجيش، وقائد القوة الجوية حردان التكريتي، نفذ عبد السلام عارف انقلابه الأول على حزب البعث وكوادره في الثامن عشر من تشرين الأول 1963، مستعيناً بلواء المشاة العشرين الذي خدم فيه سابقاً، والذي أصبح بعد فترة قصيرة لواء الحرس الجمهوري، وكان يضم ثلاثة أفواج وكتيبة دبابات.
مرت فترة حكم عبد السلام عارف بمرحلتين: الأولى من الثامن عشر من تشرين الأول 1963 حتى الرابع من كانون الأول 1963، والثانية من بداية عام 1964 حتى وفاته في 13 نيسان 1966. وقامت خطة الرئيس عبد السلام عارف في المرحلة الأولى على التضحية ببعض المناصب لصالح رموز حزب البعث من العسكريين الذين وقفوا معه إبان فترة تهور القيادي في حزب البعث علي صالح السعدي في إمساكه بمقاليد البلاد، ومنهم حردان التكريتي الذي أغار بطائرته على مقر الحرس القومي في منطقة الأعظمية، وعلى تقريب الشخصيات السياسية والعسكرية من التيار الناصري لتسلّم المناصب الأساسية الأخرى، خشية تسلط العسكريين البعثيين مرة أخرى على الحكم. وعلى الرغم من التماسك النسبي الذي اعتمده عبد السلام عارف في حكومته، وجلّ أفرادها من القوميين العرب والناصريين، فإن الخلافات الشخصية والعقائدية استمرت، ولا سيما ما يتعلق منها بالوحدة الفورية بين مصر والعراق. وكان الكورد يخشون أن تصبح قضيتهم الكوردية في أتون مصالح القومية العربية. كما فهم أصحاب التيار الناصري أن طروحات عبد السلام عارف عام 1958 لم تعد هي نفسها في أواخر عام 1963، بعد أن فشلت وحدة مصر وسوريا عام 1961، وأن الاشتراكية التي أوجدها جمال عبد الناصر في صفوف الطبقات الوسطى صارت مثار مخاوف في العراق.
كان الائتلاف العسكري (البعثي – العارفي – الناصري) ائتلاف مجموعات متنافسة، وكان بوسع أي تكتل منها أن يخلق وضعاً غير مطمئن قد يجر إلى قتل عبد السلام عارف أو شقيقه عبد الرحمن عارف في هجوم جوي يشنه طيار بعثي، كما فعل حردان التكريتي مع الحرس القومي.
وفي المرحلة الثانية، أقدم عبد السلام عارف ابتداءً من الرابع من كانون الأول 1963 على جملة تغييرات في صفوف الصفوة البعثية من العسكريين؛ فأخرج عبد الستار عبد اللطيف من منصب وزير المواصلات، وأزاح حردان التكريتي عن القوة الجوية، وألغى في الرابع من كانون الثاني 1964 منصب نائب الرئيس الذي كان يشغله أحمد حسن البكر، ليُعيَّن بدرجة سفير في وزارة الخارجية. وبذلك لم يعد للرئيس عبد السلام عارف منافس آخر، حتى بوجود طاهر يحيى ورشيد مصلح اللذين تقرّبا من الخط الناصري لأسباب مصلحية. وهكذا كان على الحزب الديمقراطي الكوردستاني بزعامة الملا مصطفى البارزاني، وعضو مكتبه السياسي جلال الطالباني، الانتظار سنة كاملة بعد ثورة 8 شباط 1963 لمناقشة القضية والمسألة الكوردية الآخذة بالنهوض. وربما عملت الرموز الكوردية بإيحاء من آخرين: «انتظروا الفائز للتحاور معه»، وهو واقع جديد سببته الانقلابات العسكرية، وكان على القيادة الكوردية التعامل معه بواقعية.
تقرّب الرئيس القومي عبد السلام عارف من رئيس مصر جمال عبد الناصر
في المرحلة الثانية من حكم الفائز في الصراع، الرئيس القومي عبد السلام محمد عارف، حرص على لقاء الرئيس القومي جمال عبد الناصر في القاهرة، فنصحه هذا بأن الخير في إعطاء الأولوية للقضية والمسألة الكوردية، لحساسية دولتي إيران وتركيا تجاهها.
وسارع الرئيس عبد السلام عارف إلى طلب سحب الوحدات السورية من كوردستان العراق (بموجب اتفاق بين قادة حزب البعث في العراق وسورية عام 1963)، وفتح قنوات الاتصال مع القيادة الكوردية، فأثمر ذلك ما عُرف باتفاق العاشر من شباط 1964 وتوقف العمليات العسكرية في كوردستان. وقد أدى ذلك إلى اعتراض جلال الطالباني وإبراهيم أحمد (المكتب السياسي) على الاتفاق، الذي لم يُفضِ إلى الاعتراف بالحقوق القومية للشعب الكوردي (الحكم الذاتي) قبل القبول بحل قوات البيشمركة الكوردية، ولأن الاتفاق حصل دون علم أعضاء المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكوردستاني. وربما كان في ذهن جلال الطالباني أن هناك اتصالات بين مصر والعراق لتشكيل مجلس رئاسي يناقش سبل الوحدة بينهما، وهي التي قادت الحكومة إلى تأميم المصارف والشركات على غرار ما فعله الرئيس جمال عبد الناصر في مصر.
وبحلول خريف عام 1964 كان هناك ما لا يقل عن 20287 عاملاً عاطلاً عن العمل. وعبّرت أوساط وجمعيات إسلامية في العراق، من الطائفتين السنية والشيعية، عن احتجاجها على الإجراءات الاشتراكية، واعتبرتها انتهاكاً للملكية الخاصة ومخالفة لأحكام الشريعة الإسلامية. ورأى عبد السلام عارف أن العلماء الشيعة في جنوب العراق ليسوا على نمط علماء الدين المصريين الذين رأوا في تطبيق الاشتراكية ما ينقذهم من جوع محدق. ومهما يكن من أمر الدولة العراقية الجديدة، فقد وجد الرئيس جمال عبد الناصر أن حكومة عبد السلام عارف لا تمثل غالبية الشعب العراقي، وأنها أشبه بحكومة تحت سيطرة عشيرة اسمها «الجميلات»، وذهب إلى أن أي عملية مضادة للإطاحة بالحكومة إنما تكمن في اختراق المؤسسة العسكرية الحاكمة للوصول إلى السلطة والحكم. وفي هذا الصدد حذرت الحكومة المصرية عبد السلام عارف في الرابع من أيلول 1964 من وجود محاولة لحزب البعث للاستيلاء على السلطة والحكم في العراق، وهو ما سرّع تحرك أجهزة الاستخبارات العسكرية والأمن العراقية لاعتقال المتآمرين قبل وقت قصير من بدء العملية (انقلاب حزب البعث).
وأصبحت انعكاسات السياسة الناصرية واضحة في العراق في شتاء 1964–1965، وظهر الاستياء بين مكونات المجتمع العراقي، ومنهم الكورد، من تلك السياسة التي قادت إلى مصادرة الأراضي الزراعية، وتردي الاستثمار في مجال الزراعة، وارتفاع نسبة العاطلين، والهجرة من الريف إلى المدن. وقد أُجبرت الحكومة على معاودة مناقشة القانون رقم 80 الخاص باستثمار النفط، والقاضي بأن الحكومة العراقية، لا شركات النفط، هي التي تقرر مستقبل الصناعة النفطية، مما أدى إلى خفض الإيرادات الحكومية. غير أن بقاء القانون رقم 80 لعام 1961 على حاله قد سمح لشركات النفط بالوصول إلى معظم البقع النفطية، ومنها الواقعة في كوردستان العراق، وفيه امتياز خاص للشركات على حساب المصالح العراقية، ومنها مصالح الكورد الذين باتوا ينظرون إلى تخبط الرئيس عبد السلام عارف في سياسته الاقتصادية، ويرون أن ما يحصلون عليه من امتيازات نفطية ليس على بال الرئيس عبد السلام عارف بقدر ما كانت تشغله استقالة الوزراء الناصريين الستة.
وفي كوردستان العراق واجهت الحكومة العراقية في آذار 1965 عمليات عسكرية، وكان رموز الحزب الديمقراطي الكوردستاني بقيادة الملا مصطفى البارزاني مقتنعين بأن لا جدوى من التفاوض مع الحكومة العراقية العازمة على تبديد الثروة النفطية، والكورد يشاهدون يومياً غاز النفط يحترق في كركوك، وهي ماضية في مشروع الوحدة العربية ودمج الكورد في الهوية العربية.
إن وجود ضابط على رأس السلطة السياسية والعسكرية غالباً ما يجذب أصحاب المهنة إلى الحديث عن الجيش وهمومه ومشاكله، وقد يكون الوقت الذي يُصرف مع قادة فرق الجيش لغرض تسليحه أكثر بكثير مما يتطلبه الحديث عن تطوير اقتصاد البلاد أو مناقشة القضية الكوردية وإيجاد الحلول المناسبة لها. والواقع أن التحسس والتخوف من التركيب الطائفي لجنود الجيش العراقي قد اتخذ بعداً جديداً بعد انقلاب الثامن من شباط 1963، وانتشر في تلك الأوساط شعور بضرورة إجراء تغيير تدريجي في صفوف الجيش عن طريق زيادة عدد الجنود من العرب السنة. وهناك منشور صادر عن وزارة الدفاع العراقية حول هذا الموضوع يدل على مبلغ ذلك التحسس والتخوف، وإليكم نصه:
«وافقت مديرية الإدارة بكتابها السري للغاية (4978) في 10/6/1964، المعطوف على كتاب مديرية الحركات العسكرية السري للغاية (1234) في 21/5/1964، على فتح باب التطوع على صنف المشاة لقبول (6000) ستة آلاف متطوع، على أن يفضَّل قبول المتطوعين من أبناء العشائر الساكنة مناطق: الفلوجة – الرمادي – تكريت – السعدية – جلولاء – الشرقاط – الشورة – كرارة – كركوك (عشائر العبيد)، على أن يلاحظ ما يلي:
- بذل الجهود الصادقة من قبلكم ومن قبل ضابط التجنيد في حث المواطنين وتشويقهم إلى الانخراط في سلك الجيش المقدس، وبعث النخوة العربية فيهم، على أن يتم ذلك بمساعدة السلطات الإدارية في كل منطقة ومعاونة المختارين، والعمل على ما يلزم… بمعرفة ضباط اللجان والموظفين والإداريين، وإفهامهم أهمية هذا التطوع وضرورته في الوقت الحاضر، لأجل تشجيع مواطنيهم على الإقبال عليه.
- محاولة تبسيط الإجراءات إلى الحد الذي لا يخالف القانون والنظام، ولتحقيق ذلك يُطلب من كافة اللجان الاتصال بالدوائر ذات العلاقة لترويج معاملات المتطوعين وتسهيلها وإعطائها الأسبقية، سواء كان ذلك الاتصال شخصياً أو رسمياً، مع إعلامنا عندما يشعرون بأي تهاون أو إهمال من قبلهم في هذا الشأن.
- يجري التطوع وفقاً لأحكام قانون الدفاع الوطني ونظام التطوع والشروط والتعليمات الصادرة بهذا الشأن.
- تقوم كل لجنة بتطويع منتسبيها ومن هم في منطقتها بالاستناد إلى تسجيل نفوسهم، وتفتح لذلك سجلات للتطوع خاصة بهم، على أن يلاحظ تنظيم إضبارة خاصة لكل متطوع تحتوي على وثائق تطوعه ومستمسكاته.
- يساق المتطوعون إلى مراكز التدريب التابعة لقيادتي الفرقتين الثانية والرابعة حسب رغبة المتطوع.
- إخبارنا أسبوعياً بموقف المتطوعين لكل لجنة على حدة.
- الاتصال بمديريتنا في كل ما يتعلق بهذا الموضوع لأجل التدخل في تذليل الصعوبات والمشاكل التي قد تجابه ضباط اللجان.
- يستمر قبول المتطوعين بالنسبة لمناطق التجنيد المفتوح التطوع فيها، ولا تأثير على الأعداد المطلوب قبول تطوعها.»
واجه عبد السلام عارف مؤامرتين فاشلتين منذ استلامه السلطة بعد سقوط حزب البعث في 18 تشرين الأول 1963، وبدا له أن شهر أيلول 1964 وشهر أيلول 1965 قد حملا نُذُر شؤم قد لا يتفاداها في أيلول 1966. وبفشل البعثيين والقوميين الناصريين في المحاولتين الانقلابيتين بدأت المرحلة الأخيرة للنظام؛ فقد أُعطيت للزعيم سعيد صليبي (من عشيرة الجميلات) الكلمة الأولى والأخيرة داخل الجيش، وأصبح جهاز الاستخبارات هو الآخر بيد المقدم الركن عبد الرزاق النايف من عشيرة الجميلات، في حين أُسندت رئاسة الوزارة في أيلول 1965 إلى المدني الدكتور عبد الرحمن البزاز، المنتمي إلى عشيرة المعاضيد من محافظة الأنبار.
وبعد أن أتقن عبد السلام عارف لعبة الأمن، عن طريق قاعدته الأساسية لواء الحرس الجمهوري الذي كان معظم ضباطه من عشيرة واحدة، ذهب إلى مجاراة رئيس وزرائه الدكتور عبد الرحمن البزاز في إجراء تعديلات وإصلاحات سياسية واقتصادية في كوردستان العراق، تفتح عيون الآخرين لا على منصب رئيس الدولة، وإنما على استثمارات مالية ومناصب في أحزاب سياسية برلمانية.
الدكتور عبد الرحمن البزاز المدني لرئاسة الوزارة في 21 أيلول 1965
خلال الفترة الممتدة من تشكيل الدولة العراقية في 23 آب 1921 حتى سقوط الملكية في 14 تموز 1958، لم يشهد العراق ولادة حكومة عسكرية إلا مرة واحدة، عندما عزمت أحزاب المعارضة العراقية على تثوير الطلبة في المدارس الثانوية والجامعات، وسببت ضغطاً على الوصي عبد الإله والسفارة البريطانية، فكُلّف الفريق الركن نور الدين محمود، رئيس أركان الجيش، وهو كوردي، بتشكيل حكومة عسكرية في الثالث والعشرين من تشرين الثاني 1952، وحُدد هدفها باستعادة الأمن والنظام بغية العودة إلى حكومة مدنية. أما خلال فترة الحكم الجمهوري منذ 14 تموز 1958، فقد خلت الحكومات بين 1958 و1965 من أي وزارة مدنية، بل كانت كلها بيد ضباط يجهلون كثيراً من العلوم الاقتصادية والمالية، ويرفضون حتى الذهاب إلى النظم البرلمانية التي تختار فيها الأحزاب ممثلين لها لمراقبة وزراء الحكومة.
ضمّت حكومة الدكتور عبد الرحمن البزاز في الحادي والعشرين من أيلول 1965 مجموعة جديدة من كبار الضباط والمدنيين. وقد أكسبته البنود السبعة التي حددها لحكم العراق دستورياً – وهو المطّلع على ما يعانيه شعب العراق، ومنه الكورد في كوردستان، وعلى ما يختزنه عقل صديقه رئيس الدولة عبد السلام عارف – تأييداً شعبياً لم يسبق لأي سياسي أن كسبه. ونجد في هذا أن الطروحات التي أرادها الدكتور عبد الرحمن البزاز لم تكن مبنية على أهواء وعواطف كتلك التي اختزنها عدد من الضباط المحسوبين على التيار القومي الناصري، وآخرهم عارف عبد الرزاق الذي استهل مشواره رئيساً للوزراء بالقيام بانقلاب بهدف إعلان الوحدة الفورية مع مصر جمال عبد الناصر.
ومضى الدكتور عبد الرحمن البزاز في مشواره لإصلاح النهج الذي سارت عليه قيادة الدولة العراقية، فوجد أن الحاجة تدعو إلى تخفيف القيود العسكرية، وذلك عن طريق حل مجلس قيادة الثورة والاستعاضة عنه بمجلس يدير السياسة الدفاعية والأمن في البلاد باسم «مجلس الدفاع الوطني»، ونقل السلطات التشريعية التي كان يمارسها مجلس قيادة الثورة إلى مجلس الوزراء عبر وزارة العدل في فترة غياب البرلمان المنتخب. كما رأى أن يضع حداً لاعتقال المناوئين السياسيين، وأن يمنح رؤساء الأحزاب المحظورة (الشيوعي) وجناح علي صالح السعدي (البعثي) فرصة للتعبير عن آرائهم، ملمحاً إلى السماح بالأحزاب السياسية وإحياء البرلمان وإجراء الانتخابات، وإلى إحياء المفاوضات مع القيادة الكوردية والكورد.
وفي الجانب الاقتصادي أعلن الدكتور عبد الرحمن البزاز وقف إجراءات التأميم التي طالت مؤسسات مصرفية وصناعية، والتي كانت محل انتقادات واسعة من قبل القيادة الكوردية، والعمل على تشجيع الشركات الخاصة لخلق حالة تنافس مع شركات القطاع العام. ورغم أنه لم يُلغِ القانون الذي أدى إلى مصادرة الأملاك (الأراضي الزراعية)، فإنه سعى إلى رفع قيمة التعويضات لأصحابها. وتحت شعار «الاشتراكية الحكيمة» عمل البزاز بكل قوة من أجل اقتصاد مختلط وفعال يكمل قطاعاه أحدهما الآخر.
كان الدكتور عبد الرحمن البزاز مدركاً لميول كثير من الضباط إلى تطبيق النموذج الاشتراكي المصري، وأن مثل هذه الميول لا تزال موجودة لدى موظفي إدارة الدولة. أما على صعيد القطاع الزراعي، فقد وجد أن الإنتاج الزراعي قد تراجع منذ عام 1958، وأصبح العراق يستورد الحبوب من الخارج بدلاً من تصديرها، مع إهمال واضح لظروف المزارعين في القرى، وتفضيلهم الهجرة إلى المدن، مما أثقل كاهل المواطن والحكومة. ولإظهار المهارة التي يتمتع بها، ذهب البزاز إلى حكم القانون وإلى شيء من المدنية السياسية، وإلى إلزام العسكريين باستعادة دورهم المهني حماةً للدولة المدنية، وهو ما جعل أفكاره موضع انتقاد تارة وارتياح تارة أخرى، ولا سيما لدى طبقة المتعلمين والمثقفين.
لم يشهد العراق تطورات سياسية أو اقتصادية أو صناعية؛ فقد اتسمت فترتا حكم عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف بالاضطرابات وتصفية الأصدقاء والخصوم، ولم يشهد العراق أي تقدم عمراني أو صناعي، ولم يتقدم في مجال التعليم، كما لم يتقدم جدياً باتجاه حل القضية الكوردية التي بقيت تراوح مكانها بانتظار حل مشاكل كرسي الحكم.
واجه الرئيس عبد الرحمن عارف، الذي حل في نيسان 1966 بديلاً عن أخيه المغدور عبد السلام محمد عارف، من جديد عدداً من التحديات التي كانت قد خفّت أو ضعفت خلال النصف الثاني من عام 1965. وتعلقت أولى هذه المشاكل بكثرة نفقات ميزانية الدفاع، وبمطالبة الكورد مجدداً بحقوقهم في الحكم الذاتي. وقد اعتبرت فصائل كوردية أن وقف إطلاق النار الذي تم بين عبد السلام عارف والملا مصطفى البارزاني في العاشر من شباط 1964 لم يكن إلا مناورة أجّجت الخلافات بين مجموعة جلال الطالباني وإبراهيم أحمد (المكتب السياسي للحزب) وقوات رئيس الحزب الملا مصطفى البارزاني، الأمر الذي أعاد القتال مجدداً في شتاء 1964–1965، وبدأت العمليات القتالية بشكل جدي بحلول شهر نيسان 1965. وكان الدكتور عبد الرحمن البزاز على خلاف شديد مع وزير الدفاع عبد العزيز العقيلي حول المسألة الكوردية، وتواقاً إلى الوصول إلى حل مُرضٍ للطرفين لأسباب منها: كبح جماح العسكريين الذين كثيراً ما تذرعوا بالحرب مع البيشمركة الكوردية، وتقليل نفقات الحرب لتطوير البنية التحتية العراقية، كما أراد في مسعاه لتحسين الوضع الاقتصادي في البلاد. ولعب الدكتور عبد الرحمن البزاز على المشاعر الشعبية الرافضة للحرب ضد الكورد، وتبنى برنامجه المكون من اثنتي عشرة نقطة لحل واحدة من أعقد المشاكل الداخلية، في وقت بدا فيه أن أطرافاً كثيرة، منها إيران وأمريكا، تتدخل لدى الكورد لإضعاف أي حل للقضية الكوردية، ومن ذلك شحنة الأسلحة التي أوقفتها السلطات الألمانية عام 1966.
لم يكن الاضطراب السياسي الذي شهدته بغداد عام 1965 أقل من ذلك الذي رافق تولي عبد السلام عارف السلطة عام 1963، وربما كان الفارق أن وزير الدفاع عبد العزيز العقيلي أراد اللعب على وتر الوطنية لقتال الكورد ضماناً لامتيازات الضباط، وقاد ذلك فيما قاد إليه إلى شرخ في ميدان القتال.
معركة جبل هندرين ربيع عام 1965
دارت معركة جبل هندرين في ظروف وأوضاع متردية آل إليها الموقف العسكري للقوات المسلحة العراقية والوضع السياسي للبلاد في ربيع عام 1965. وكانت هذه المعركة واحدة من الصور القاتمة التي مرت على الحكومة العراقية وقواتها المسلحة، إذ تمكنت القوات الكوردية من احتلال جبل هندرين وإيقاع خسائر كبيرة في صفوف الجيش العراقي. ولا يمكننا هنا أن نتجاهل دور حكومة عبد السلام محمد عارف في حدوث تلك النتائج. ثم جاء بيان 29 حزيران 1966 حول الحقوق القومية للشعب الكوردي ليعطي فرصة جديدة للملا مصطفى البارزاني، الذي تمكن على الصعيد العسكري من تعزيز المناطق الكوردية التي كانت تسيطر عليها قوات البيشمركة التابعة له في كوردستان، كما جمع قواته من البيشمركة، وظلت الأسلحة تتدفق عليه. أما على الصعيد السياسي فقد عُقد المؤتمر السابع للحزب الديمقراطي الكوردستاني (البارتي)، الذي كرّس هيمنة الملا مصطفى البارزاني النهائية على الحزب، وهو ما مكّنه من أن يفاوض حكومة الدكتور عبد الرحمن البزاز بصفته ممثلاً للشعب الكوردي. كما وفّر ذلك للبزاز الفرصة للسعي إلى حل المشكلة الكوردية، حتى دون تفويض من الضباط الذين أربكوا العملية السياسية واقتصاد البلاد دون ملامح واضحة لإنهاء النزيف المادي والدموي.
بيان حكومة الدكتور عبد الرحمن البزاز في 29 حزيران 1966
- اعتراف الحكومة العراقية بالقومية الكوردية في الدستور الدائم، بحيث تكون هناك قوميتان: العربية والكوردية.
- الاعتراف بقانون المحافظات على أساس من اللامركزية، بحيث يكون لكل لواء (محافظة) وناحية شخصية معنوية معترف بها.
- اعتراف الحكومة العراقية باللغة الكوردية لغةً رسمية مع اللغة العربية في المناطق الكوردية (كوردستان) التي غالبية سكانها من الكورد، وأن تكون لغة تعليم مع العربية.
- يُمثَّل الكورد في المجلس الوطني بالعدد الذي يتناسب مع عدد سكان كوردستان.
- مشاركة الكورد مع إخوانهم العرب في كافة الوظائف العامة حسب نسبة سكانهم.
- تخصيص عدد من البعثات الدراسية لهم، وكذلك تدريس اللغة الكوردية في جامعة بغداد.
- يكون الموظفون في الألوية والأقضية الكوردية من الكورد.
- إنشاء بعض التنظيمات السياسية وتمكين الصحافة من التعبير عن رغبات الشعب.
- عندما تنتهي أعمال العنف يصدر العفو العام عن كافة المشاركين في أحداث الشمال.
- على منتسبي القوات المسلحة العودة إلى وحداتهم فور صدور هذا البيان.
- تؤلَّف لجنة خاصة لإعمار المنطقة الكوردية.
- تسعى الحكومة إلى توطين كل الأفراد والجماعات الذين نزحوا أو هربوا من مناطقهم.
وكانت هناك ثلاثة بنود غير معلنة في البيان، هي:
- لا مانع لدى الحكومة من تكوين لواء باسم لواء دهوك يضم الأقضية من لواء الموصل.
- توافق الحكومة على ممارسة الحزب الديمقراطي الكوردستاني نشاطه السياسي بشكل علني أسوة بالأحزاب السياسية الأخرى.
- تلتزم الحكومة بمبدأ إصدار العفو العام عن السجناء والمعتقلين السياسيين، عدا مرتكبي الجرائم العادية، على أن يتم ذلك على مراحل.
لقد طرحت الهزيمة المرة للعرب أمام إسرائيل في حرب حزيران 1967 تساؤلات في الشارع العربي، ولدى الأحزاب الوطنية والمعارضة ومثقفي البلدان الثلاثة، عن جدوى وجود الأنظمة العسكرية المتلاحقة، بما فيها نظام العراق القائم منذ عام 1958. ودعت الهزيمةُ الرئيسَ عبد الرحمن عارف هذه المرة إلى التحسب للوضع المالي (ومعظم موارده من النفط)، ولضغوط قادة الجيش بشأن ضرورة تجهيز الجيش بأسلحة سوفيتية أكثر تطوراً من التي استُخدمت في حرب 1967، كما كان عليه أن يراعي تكاليف حشد عدد كبير من فرق الجيش المتواجدة في الأردن في أعقاب هزيمة حزيران.
أجزاء «الكورد والواقع العراقي المتقلب بين عامي 1963 و1972» (4 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني (هذا الجزء)
- الجزء الثالث
- الجزء الرابع