الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

الكورد والواقع العراقي المتقلب بين عامي 1963 و1972 (الجزء الرابع)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

المحاولة الانقلابية الأولى ضد حكم حزب البعث الثاني عام 1973

بدت مسيرة الزعيم والقائد الكوردي الملا مصطفى البارزاني محفوفة بالمخاطر منذ أن انتهت دولة مهاباد الكوردية في إيران عام 1946. وكان السماح له بالعودة إلى العراق بعد ثورة الرابع عشر من تموز 1958 بمثابة تعبير عن حسن النوايا تجاه الكورد عموماً، والشعب الكوردي في كوردستان العراق على وجه الخصوص، قبل أن يواجه صعوبات في التفاهم مع عبد السلام عارف، ثم تعثّر تطبيق بنود بيان 29 حزيران 1966 الذي أعلنه رئيس الوزراء الدكتور عبد الرحمن البزاز.

إن مسلسل عدم الثقة بين الطرفين الكوردي والحكومي لم يوفر الأرضية لتوقف الملا مصطفى البارزاني عن المطالبة بالحقوق القومية المشروعة والعادلة للشعب الكوردي، حتى بعد اعتراف الحكومة العراقية ببيان الحادي عشر من آذار 1970 (أي بصيغة الحكم الذاتي). فقد عمدت الحكومة إلى نقل أعداد من العرب للسكن في كركوك والمناطق الكوردية المجاورة لها، بهدف تحقيق أغلبية عربية في عدد السكان على حساب نسبة الكورد في أي تعداد سكاني أو استفتاء قادم لمنطقة كركوك الكوردية النفطية. كما لم تتوقف الاستفزازات الحكومية ضده، كما في محاولة اغتياله من قبل مدير الأمن العام ناظم كزار في تشرين الثاني 1971.

واستقبل الملا مصطفى البارزاني وفداً من الاتحاد السوفيتي في آذار 1972، كان هدفه معرفة رأي الكورد في عقد معاهدة صداقة وتعاون مع العراق. وفي اجتماع ضم رموزاً كوردية متنفذة مع مستشارين أمريكيين حول الدور السوفيتي المقبل، انتهى الرأي إلى أن هدف السوفيت هو الحصول على موطئ قدم للأحزاب الشيوعية للمشاركة في لعبة القوى الداخلية، وأنها ترمي في المحصلة إلى إضعاف نضال الشيوعيين ضد رموز القومية العربية الحاكمة في بغداد، وعلى رأسهم صدام حسين.

إن ما ظهر من ادعاءات اللواء ناظم كزار في محاولته التخلص من أحمد حسن البكر وصدام حسين وبعض أعضاء القيادة القطرية في مؤامرة الثلاثين من حزيران 1973، هو أن تقرب صدام حسين من الشيوعيين في ميثاق عمل وطني كان من صنع ناظم كزار بعد أن طاردهم وعذبهم حتى ضعفوا، وأن اتفاق صدام مع الكورد عام 1970 لم يكن أكثر من محاولة للالتفاف عليه، بعد موافقة صدام حسين على اغتيال الملا مصطفى البارزاني عام 1971 بواسطة رجال الدين. وربما يشير بعضهم إلى حقيقة أن صدام حسين وأحمد حسن البكر حاولا جذب ضباط من تكريت لتبوّء مناصب حزبية وأمنية لم يكونوا يستحقونها، ولم تكن لهم مساهمات جدية في انقلاب 17 تموز 1968، وهو ما أزعج كزار وأغضبه إلى حد التآمر على سيده صدام حسين. وشكّل مجلس قيادة الثورة محكمة خاصة برئاسة عزت الدوري لمحاكمة ناظم كزار وبقية المتآمرين، فقضت في السابع من تموز 1973 بإعدام ناظم كزار ومعه واحد وعشرون آخرون، وفي اليوم التالي أُعدم أربعة عشر من كوادر حزب البعث وعدد كبير من منتسبي الأمن العام، ومن بينهم محمد فاضل أمين سر المكتب العسكري، وصدر حكم الإعدام بحق عبد الخالق السامرائي عضو القيادتين القطرية والقومية، ثم خُفف الحكم بعد ذلك إلى السجن المؤبد. وقد سبب صدور حكم الإعدام بحق عبد الخالق السامرائي – وهو موضع ثقة القيادة الكوردية – جرحاً غائراً في جسد تنظيمات حزب البعث في الداخل والخارج صعُب علاجه فيما بعد، وشكّل واحدة من مقدمات استلام صدام حسين السلطة في 16 تموز 1979.

لم يتمكن أحد من أفراد عائلات المحكوم عليهم بالإعدام من فعل شيء من قبيل الاحتجاج، ولا حتى إقامة مراسم العزاء، خشية بطش عناصر الأمن وأعضاء حزب البعث المنتشرين في كل مكان. وذهب مجلس قيادة الثورة إلى إلقاء تبعات ما حدث من أفعال إجرامية بحق الشيوعيين والكورد على عاتق اللواء ناظم كزار وزمرته من رجال مديرية الأمن العام. وبدا صدام حسين، الذي تربطه علاقة وثيقة بناظم كزار، غير مهتم بنشاطات مرؤوسيه السابقة، وكأنه يقول إن على الكورد وزعيمهم الملا مصطفى البارزاني أن يدركوا، بعد الذي حدث، أن عبد الخالق السامرائي، الذي يثق به الكورد، كان يريد أن يصبح رئيساً للجمهورية لو نجح ناظم كزار في محاولته.

أدرك الشيوعيون أن وجودهم السابق في حكومة البعث لم يكن أكثر من وجود شكلي، وأن دورهم النشط جاء بعد محاولة انقلاب ناظم كزار. فبعد عشرة أيام من إعدام ناظم كزار سارع حزب البعث إلى استدعاء السكرتير الأول للحزب الشيوعي عزيز محمد ليوقع مع أحمد حسن البكر ميثاق العمل الوطني الذي طالما انتظره، وبدأ حزب البعث يعمل بكل قوته لإدخال الحزب الديمقراطي الكوردستاني إلى الجبهة الوطنية التقدمية. وقابل ذلك اتخاذ محور أحمد حسن البكر – صدام حسين سلسلة من الإجراءات الأمنية، بما فيها تسليم جهاز المخابرات إلى صديق صدام سعدون شاكر، ومن بعده إلى برزان التكريتي الأخ غير الشقيق لصدام حسين، واحتفظ أحمد حسن البكر لنفسه بمنصب وزير الدفاع.

حزب البعث والحركة الكوردية في كوردستان العراق عام 1973

استدارت حكومة حزب البعث نحو المسألة الكوردية لتبدأ مفاوضات مطولة مع القيادة الكوردية امتدت من أيلول 1973 إلى آذار 1974، وفيها رأى أحمد حسن البكر وصدام حسين أن تعقيدات المشكلة ليست في عدم فهم الطرفين مطالب بعضهما بعضاً، وإنما في أن القيادة الكوردية تبنت طروحات إقليمية ودولية لا تخدم في غايتها المصلحة الوطنية العليا، وابتعدت عن مفهوم الحكم الذاتي. وهذا غير صحيح، لأنه وجهة نظر حزب البعث وحده. وفي هذا الشأن قال صدام حسين في أيلول 1973 إن فكر قياديي الحزب الديمقراطي الكوردستاني ليس متطابقاً مع الشعب الكوردي، وإن قوى مضادة تدخلت وأثرت فيه. وأعتقد أن هذا أيضاً كان خطأ، لأن القيادة الكوردية كانت تمثل أكثرية الشعب الكوردي، لا كما كان يتصوره حزب البعث وقيادته. وتوصلت الحكومة العراقية إلى قناعة بأن الكورد لا يريدون مشاركة حزب البعث والشيوعيين في وحدة متماسكة لمواجهة التهديدات الإقليمية والدولية؛ فالكورد في نظرها، عندما يتمسكون بكركوك ونفطها والمناطق المحيطة بها، إنما يطرحون مشروعاً لاستقلال الكورد في كوردستان، وفي الوقت نفسه يضغطون. ففي أواخر ربيع 1974 قال محمود عثمان، الذي مثّل الخارجية الكوردية، إن الكورد محرومون من التمثيل في مجلس قيادة الثورة، ومثل ذلك في الجيش العراقي وأجهزة الأمن والاستخبارات والنفط والداخلية والخارجية، وإنهم مجرد موظفين إداريين في مناطق كوردستان العراق. وفسّر قادة حزب البعث ذلك بأنه من طروحات الوفود الإيرانية والأمريكية التي يلتقون بها في كوردستان، أو خلال زيارات الملا مصطفى البارزاني لإيران.

وفي غمرة انشغال القيادة العراقية بتحصين الجبهة الداخلية والتقليل من اختراقات الخصوم (ولا سيما إيران وإسرائيل)، فوجئت بحرب عربية – إسرائيلية جديدة في السادس من تشرين الأول 1973. ووجدت القيادة العراقية، التي سمعت بالحرب عبر الإذاعة وعبّرت عن انزعاجها، أن لا مجال للتأخر في إسناد الجبهة السورية، فقرر مجلس قيادة الثورة إرسال ثلاثة أرباع سلاحه الجوي، وثلثي قواته المدرعة، وخُمس وحداته البرية إلى الجبهة السورية. وأبدت إيران تجاوباً مع المبادرة العراقية لإعادة العلاقات المقطوعة منذ عام 1971، وأعلنت، رغم علاقاتها الخاصة مع إسرائيل، أنها لن تعيق توجه وحدات الجيش العراقي إلى الجبهة السورية – الإسرائيلية. أما الملا مصطفى البارزاني فقد أكد في رسالة إلى الرئيس العراقي أحمد حسن البكر أن الكورد لن يعرّضوا وحدة العراق للتهديد، وسجل في رسالته أنه يتضامن مع الدول العربية، وأنه مستعد لاستئناف الحوار معه.

ويشير الدكتور هنري كيسنجر في تقريره حول الوضع إبان الحرب إلى أنه أبرق إلى سفير الولايات المتحدة في إيران (هلمز) قائلاً إن الرئيس نيكسون يوافقه الرأي في عدم قدرة الكورد على شن حرب على العراق، وإنه ليس من الحكمة أن ينقاد الكورد إلى مقترح إسرائيل بذلك. أما الجنرال الإسرائيلي موشيه باركوخبا، الذي شارك في حرب الجولان، فقد خالف رأي الدكتور هنري كيسنجر، فهو يشير في كتابه «المراكب الفولاذية» إلى أن القوات العراقية كانت مؤلفة من الفرقة المدرعة الثالثة، والفرقة المدرعة السادسة، ولواءي مشاة، ولواء قوات خاصة، أي ما مجموعه نحو 500 دبابة، و700 ناقلة أشخاص مدرعة، و30000 جندي. وقدّر الجنرال نفسه أن هذه القوة لو تأخرت في الوصول إلى الجبهة السورية ما بين اثنتي عشرة وأربع وعشرين ساعة لتمكنت القوات الإسرائيلية من السيطرة على مواقع في عمق الأراضي السورية المؤدية إلى دمشق وإسقاطها، ولكن القوات العراقية تمكنت من إيقاف تدفق تلك الوحدات الإسرائيلية.

وعادت القوات العراقية إلى معسكراتها بعد ستة عشر يوماً، وتحديداً منذ الثالث والعشرين من تشرين الأول 1973، وذلك بعد موافقة الرئيس السوري حافظ الأسد على وقف إطلاق النار مع إسرائيل، وهو ما أزعجه كثيراً رغم مخاوفه من احتمال قيام قيادة حزب البعث في العراق بتنفيذ انقلاب ضده. ثم عاد الوضع متوتراً مع الكورد في ربيع 1974، بعد خمسة أشهر من الاستقرار النسبي، وتلته أعمال عسكرية إيرانية داخل الحدود الشمالية العراقية، كانت إيران هي البادئة بها للحصول على مزيد من التنازلات في خط الحدود النهري (شط العرب).

وتمكن حزب البعث من إنجاز خطة تنموية مهمة في كافة المجالات ما بين 1973 و1975، فتحققت طفرات نوعية في الصناعة، وتطور التعليم العالي والبحث العلمي، وانتشرت الجامعات في المحافظات العراقية، وتضاعف عدد المدارس، وأُنشئت الجسور ومشاريع الري والسدود، ونُفذت مشاريع زراعية وحيوانية، جعلت المستوى المعيشي لرب العائلة مريحاً، ومكّنته من حلم بناء الأسرة وتعليم أولاده. كما بدت رغبة قيادة البعث في تنفيذ مشاريعها التنموية في أقصر مدة ممكنة، ووجدت ذلك في شركات دول أوروبا الغربية أكثر من مثيلاتها في أوروبا الشرقية. وعبّر وزير التخطيط جواد هاشم في آذار 1975 عن ذلك بقوله إن ما نريده هو «أحسن التقنية وأقصى السرعة في تنفيذ طلباتنا والمقاولات معنا، وذلك أكثر أهمية من السعر». إلا أن هذا الاستثمار الكبير الذي تبنته قيادة حزب البعث لبناء قاعدة علمية لم يشمل كوردستان، بادعاء أن الكورد يريدون الانفصال بدولة كوردية مستقلة.

حزب البعث وحزب الدعوة عام 1977

عزز صدام حسين نفوذه وسط أجهزة الأمن، وروّجت له الصحافة ووسائل الإعلام والقنوات التلفزيونية باعتباره الرجل القوي في العراق، وصار لفرنسا وإيطاليا والبرازيل دور في تلبية الاحتياجات المتزايدة من السلاح مقابل تزويدها بالنفط. وداخل حزب البعث بدت سيطرته ونفوذه على أعضاء القيادة القطرية بزيادة عدد أعضائها إلى واحد وعشرين عضواً في كانون الثاني 1977، بعد أن أسند في شباط 1976 قيادة الجيش الشعبي إلى عضو القيادة القطرية المقرب منه طه ياسين رمضان، ليصبح قوة شعبية لمراقبة الخصوم ولمواجهة أي تمرد مناوئ.

ووسط التغيرات التي شهدها البلد اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً (بفضل مردود الارتفاع الكبير في أسعار النفط)، وجد حزب الدعوة، الذي يتزعمه محمد باقر الصدر، أن الطائفة العربية الشيعية بثقلها العددي لم يُحسب لها دور ولم تُمثَّل تمثيلاً صحيحاً في القرار السياسي. يضاف إلى ذلك المشاكل التي ترتبت على منع حزب البعث إحياء مناسبة عاشوراء عام 1977، وهو ما أدى إلى هياج شعبي ومظاهرة كبيرة قاعدتها العرب الشيعة، سارت من النجف إلى كربلاء وهتفت ضد نظام حزب البعث العلماني، وانتهت بتدخل وحدات مدرعة لتفريقها واعتقال أعداد كبيرة، بينهم عدد من العلماء الشيعة. وكانت الحساسية التي أبرزتها التغيرات السياسية أن القيادة القطرية للحزب ضمت من بين أعضائها شيعة، كما هو الحال في قيادات الجيش، فضلاً عن أحداث السيد محسن الحكيم الذي تزعم مظاهرات النجف عام 1969. ومع إصرار مجلس قيادة الثورة على محاكمة الناشطين الإسلاميين الشيعة، شُكلت محكمة حزبية للقضية أُطلق عليها قضية «أبو كلل».

وبدت الفترة اللاحقة من مسيرة قيادة حزب البعث وكأنها خارج قدرة أحمد حسن البكر على التأثير فيها؛ فهو من ناحية تخلى عام 1977 عن منصب وزير الدفاع لزوج ابنته الضابط عدنان خير الله – وهو صهر صدام حسين – وراجت في الشارع إشاعة مفادها أن أحمد حسن البكر يعاني وضعاً صحياً مقلقاً، وهي إشارة، حتى وإن صحت، تعني لرجل الشارع أن البديل الوحيد على سدة الرئاسة هو صدام حسين دون منافس. ولإشاعة روح التعاطف مع الشخصية القادمة والثناء عليها، سارع العراق إلى انتقاد الرئيس المصري أنور السادات على زيارته إلى القدس عام 1977، وقطع العلاقات مع مصر، وأعطى ذلك ثماره حين استضافت بغداد في تشرين الثاني 1978 مؤتمر القمة العربي، لتكون طروحات صدام حسين مع القادة العرب حديثهم عن عواقب خروج مصر من معادلة الصراع العربي مع إسرائيل. وفي 16 تموز 1979 أُعلنت على نحو مفاجئ استقالة أحمد حسن البكر، وبعد ساعات أقسم صدام حسين اليمين الدستورية رئيساً للبلاد. وربما كان ما جرى لعناصر حزب الدعوة من محاكمات عام 1977 سيتضاعف بعد عام 1979، ما دام الحديث قائماً عن أن حزب الدعوة لا يدين إيران في مطالبتها بمناصفة شط العرب، وهو شط عراقي لا يحتمل الشك.

التطورات الإقليمية والدولية عام 1979 وآثارها

إن ما يثيرنا في السياسة، وليس ذلك فضولاً، هو تلك الأحداث السياسية المتواترة والمتزامنة التي جرت حولنا، وكأنها طُبخت على يد طباخين مشهورين لإنضاج وجبة الغداء للاعبين المهرة. ذلك ما حدث عام 1979، وأحداثه على التوالي: قيام الثورة الإسلامية في إيران وزوال الشاه الإيراني حليف الولايات المتحدة الأمريكية في شباط 1979، وجلوس صدام حسين على كرسي الرئاسة في تموز 1979، والغزو السوفيتي لأفغانستان في كانون الأول 1979، وتجمّع أعداد من الكورد في مناطق جبلية نائية على الشريط الحدودي المحاذي لإيران وتركيا.

وقد يسأل سائل عن مغزى هذه الأحداث، وقد يكون الجواب الصائب هو الحرب العراقية الإيرانية التي بدأت في الرابع من أيلول 1980. فقد وُصفت في دوائر الغرب بأنها حرب بين دولة علمانية هي العراق ودولة دينية هي إيران، أو بأنها حرب النفط في منطقة الخليج، أو حرب الخليج الأولى. وفي رأي دوائر العرب أنها حرب بين العرب والفرس. وفي رأي رجال الدين أنها حرب تاريخية تنطبق عليها كل الأوصاف، وتمثل منهجين في الحياة السياسية: الأول أن دولة مثل إيران تجد نفسها عبر التاريخ في موقع الإمبراطورية التي أخضعت لنفوذها كل دول الجوار، ولا سيما العراق ودول الخليج النفطي على الساحل الشرقي، قبل ظهور الإسلام. والثاني أن زوال تلك الإمبراطورية تحت عباءة الإسلام قد تم على يد قبائل عربية مسلمة، في حين كان الفرس أكثر حضارة وتطوراً في العمران – لا في الحلي والجواري – من حملة راية الإسلام، وقد حان الوقت لاستخدام الحرب الطائفية بين العرب السنة والعرب الشيعة لإضعاف خصومها، عن طريق استخدام أهل المذهب الشيعي حصانَ طروادة لتفتيت الدول السنية.

والواقع أن الإسلام السياسي الذي تزعمه آية الله الخميني، قائد الثورة الإسلامية في شباط 1979، قد طاف على كل دول الجوار، وأرهب بعض حكامها بشعار تصدير الثورة إلى دولهم، بما يعنيه من فوضى تخلق مزيداً من الاضطرابات السياسية. وهو ما أخذه الاتحاد السوفيتي بالحسبان عام 1979، خشية الجهاد الإسلامي في جمهورياته الجنوبية المسلمة، فأدى ذلك إلى غزو أفغانستان، وإلى حرب طاحنة بين المسلمين والشيوعيين الملحدين دامت عشر سنوات (1979–1989). وكان الدرس الذي أشغل العالم ظهور تنظيم القاعدة الإرهابي، وأكثر من 130 ألفاً من المقاتلين الذين أُطلق عليهم «الأفغان العرب»، ومنهم أعداد كبيرة من الكورد (أنصار الإسلام) ظهروا في معسكري بيارة وطويلة الكورديتين في محافظة السليمانية بعد الغزو الأمريكي لأفغانستان عام 2001. ويذكر السيد صادق خلخالي، أحد رموز قادة الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979، أن صدام حسين هو العقبة الرئيسية أمام بلوغ أهداف الثورة الإسلامية. وقد أخذت أدبيات الأحزاب المختلفة تشير إلى أن تصدير الثورة الإسلامية الإيرانية إلى العراق هو السبب الجوهري لاندلاع الحرب بين العراق وإيران 1980–1988.

وفهم الرئيس السوري حافظ الأسد المغزى من كلام صادق خلخالي، ولكنه، لكي لا يثير شكوك دول الخليج والمملكة العربية السعودية في أن دعمه لإيران ضد العراق قائم على أساس طائفي، ذهب إلى جمع شتات الشيوعيين على مقربة من حدود العراق مع تركيا، مؤكداً أن هذا الخلاف صنعه القومي العربي صدام حسين لا حافظ الأسد، كما كان يذكّر زواره العرب دوماً.

تولى الكوردي الشيوعي بهاء الدين نوري، عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي، الإشراف على تشكيلات الأنصار عام 1979، يساعده أحمد باني خيلاني، وعبد الله فرج قره داغي، ونصر الدين ملا عابد، والملازم أحمد الجبوري، وكانت تحت إمرتهم قوة تتراوح بين 200 و250 مسلحاً. وعندما اندلعت الحرب العراقية – الإيرانية في الرابع من أيلول 1980، جرى سحب وحدات عسكرية مهمة من مناطق كوردستان إلى قواطع عمليات أكثر أهمية، فتمكنت قوات البيشمركة الكوردية من السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي دون قتال، وهو ما أدى إلى انتشار مجموعات الأنصار على الأراضي المحررة؛ أي أن كوردستان العراق وفّرت قاعدة آمنة للأحزاب العراقية المعارضة لنظام الحكم في بغداد.

وكانت هذه في نظر الرئيس السوري حافظ الأسد الفرصة لدعوة قيادات الحزب الشيوعي، والاتحاد الوطني الكوردستاني، وحزب البعث العربي الاشتراكي – قيادة قطر العراق (الموالي لسورية)، والحزب الاشتراكي، وحزب الشعب الديمقراطي الكوردستاني، وجيش التحرير الشعبي، والمستقلين الديمقراطيين، إلى تنظيم «الجبهة الوطنية والقومية التقدمية الديمقراطية»، ومختصرها (جوقد)، والتواجد في دمشق. ويظهر من جمع هذه الأعداد الكثيرة من الرموز المختلفة الاتجاهات أن الرئيس السوري حافظ الأسد كان يمارس لعبة الابتزاز مع دول المنطقة، ولا سيما دول الخليج النفطية والمملكة العربية السعودية تحديداً، بعد خروج مصر (أنور السادات) من معادلة الصراع العربي – الإسرائيلي عام 1977، وانشغال العراق في حربه مع الكورد، والبارزانيين على وجه الخصوص، ووجود مجموعات أمنية سورية نائمة في منطقة الشرق الأوسط ودول الخليج لإثارة الاضطرابات والمتاعب في وجه الحكام السنة. وقد جرى ذلك بتنسيق خفي مع نظام إيران الشاه، ثم مع قائد الثورة الإسلامية آية الله الخميني خصم الشاه الإيراني، ومع الرئيس أحمدي نجاد (الرئيس السابق لإيران)، لتبدو هذه الحركة السورية وكأنها نشاط أمني تارة، وتجاري تارة أخرى، وسياسي في أوقات أخرى. وقد أعطت هذه الحركة الرئيس السوري حافظ الأسد أوراق ضغط لم تكن لدى دولتين نفطيتين مثل العراق والسعودية إلا بعضها، ومنها قبول الحركات الفلسطينية المتطرفة الحوار مع إسرائيل، أو قبول بعضها دون بعض بدولة إسرائيل على حدود ما قبل حرب 5 حزيران 1967، والورقة اللبنانية التي جاءت بتنسيق أمريكي – إسرائيلي لدخول الجيش السوري إلى لبنان عام 1976 لإحياء ورقة الطائفية، وحافظ الأسد رئيس سورية يقول إنه جاء لإنهاء معاناة شعب لبنان من الأعمال الطائفية التي قتلت آلاف الأبرياء، والواقع أنه فتح منفذاً لتواجد أمني إيراني غير مسبوق على أرض لبنان.

ويعتقد كثيرون أن في سورية جهازاً للمخابرات هو الذي يسيّر الحكومة والرئيس السوري، وقد وجد هذا الجهاز أن اللعب على الورقة الكوردية وتعميق العلاقة الأمنية مع الأحزاب الكوردية يفرض واقعاً سياسياً يريده حافظ الأسد لإضعاف قوة صدام حسين العسكرية والمالية عن طريق الحرب، حين عمد إلى تأسيس «الجبهة الوطنية الديمقراطية» التي ضمت الحزب الشيوعي والحزب الاشتراكي الكوردستاني والحزب الديمقراطي الكوردستاني في الثامن والعشرين من شهر تشرين الثاني 1980، والحرب لا تزال في شهرها الثالث بين العراق وإيران. وهذا ما دفع دول الخليج السنية، أثناء مؤتمرات القمة العربية أو زيارات المبعوثين إلى دمشق، إلى الاستفسار عن سر وقوف حافظ الأسد مع آية الله الخميني في الحرب ضد العراق وصدام حسين، والأخير، كما يراه بعضهم، يدافع عن عائلات النفط وحكوماته الغنية بالمال، ولكن الضعيفة عسكرياً أمام إيران العدوانية. ليظهر حافظ الأسد مستعداً للإجابة نيابة عن إيران الخميني بأنها قوة إسلامية يمكن أن تحل محل مصر المكبلة بقيود اتفاقية «كامب ديفيد» مع إسرائيل منذ عام 1978، وأنها ضرورة لصمود سورية أمام إسرائيل: «وكما تعرفون يا إخوتنا في دول الخليج، فإن دمشق عاصمة الدولة الأموية حتى عام 750م، ولا يعتقد أهل سورية أن السعودية تتنازل عن عروبة دمشق». هذه هي طروحات المسؤولين السوريين، وهي طروحات حافظ الأسد نفسه.

وكان من الواضح أن ما يروّج له حافظ الأسد عن العراق وقائده المشتبك في حرب مع إيران في الأعوام 1981–1983 لم يكن يؤخذ على محمل الجد في دول المشرق العربي، ولا سيما المملكة العربية السعودية، إذ سرعان ما كان يُفسَّر بأنه الخصومة الشخصية والكره والعداء الذي استمر بين الرجلين بعد توقيع اتفاقية الجزائر في السادس من آذار 1975. وقد كوّن الآخرون من أمراء دول الخليج الذين حضروا مؤتمري القمة في بغداد عامي 1978 و1979 صورة عن العراق قوةً قيادية، وربما القوة القيادية في العالم العربي: دولة غنية، قوية عسكرياً، مستقرة سياسياً، على علاقة طيبة نسبياً بمعظم الدول الغربية، ومدافعة عن قضايا العرب ما بين البحر المتوسط وبحر العرب. وها هو العراق يدخل السنة الثالثة من الحرب، وقد آن الأوان للحزب الديمقراطي الكوردستاني بقيادة مسعود البارزاني أن يقول كلمته عن الحرب، وهو في خصومة مع الاتحاد الوطني الكوردستاني للفترة 1975–1986، كما عبّر عنها مسعود البارزاني نفسه. والحقيقة التي لا يمكن إنكارها أن الحزب الديمقراطي الكوردستاني (البارتي) قد ارتكب خطأ قاتلاً وهو يقاتل الجيش العراقي لمصلحة إيران، وهو يعلم أن حكومة بغداد هي التي قدمت الحلول لنيل حقوق الكورد عام 1970، ويعلم أن شاه إيران هو الذي خذلهم في اتفاقية الجزائر عام 1975. الأمر الذي دفع حكومة بغداد إلى أن تدعم على نحو سخي زعماء عشائر «الجحوش» الكوردية ضد البارزانيين. وأخذ جلال الطالباني، زعيم الاتحاد الوطني الكوردستاني، الأمر وكأنه يستثمر بعض نجاحات القوات الإيرانية في الميدان عام 1981، ليقول لحكومة بغداد: لقد دبّ الضعف فيكم، ونعتقد أن القوات الإيرانية ستفعل فعلتها وتستولي على المدن الحدودية الكوردية مثل خانقين ومندلي وكلار، وهو بهذا يريد أن يكون الممثل الوحيد لكورد العراق. إلا أن صدام حسين، رغم قسوة ظروف الحرب، لم يكن مستعداً لقبول هذا العرض، بل كان مستعداً، إذا ما قام مسعود البارزاني بزيارة إلى بغداد، لأن يستمع منه إلى ما بقي من خلاف حول نقاط الحكم الذاتي المعروضة على الحزب الديمقراطي الكوردستاني منذ عام 1974.

ومع استمرار الحرب مع إيران، وتطوع الرئيس السوري (العلوي) حافظ الأسد لجمع الرموز المعارضة للرئيس صدام حسين في دمشق، واحتمالات الكبوة غير المطلوبة، كانت بغداد على حذر تام عندما استذكرت القيادة العراقية، في اجتماع مركزي لها في بداية شهر تشرين الأول 1980، مسألة وجود «الطابور الخامس» على أرض العراق، والمقصود به الجالية الإيرانية وحملة الجنسية التي لا يزال مكتوباً عليها «تبعية إيرانية» لا عثمانية. حتى تكفّل أحد أعضاء القيادة القطرية بالقول: «يا سيادة الرئيس، إن رئيس وزراء بريطانيا ونستون تشرشل عمد خلال الحرب العالمية الثانية عام 1940 إلى اعتقال العديد من أعضاء الجيش الجمهوري الأيرلندي، والأمريكي تايلر كنت، وهو أحد موظفي السفارة الأمريكية في لندن، بناءً على اعتقاد روّجته المخابرات البريطانية بأن هؤلاء من الطابور الخامس الذي يمهد لنزول القوات الألمانية على الجزر البريطانية. وإذا كان مصير الحضارة مرتبطاً بتلك الحرب كما وصفها ونستون تشرشل، فإن مصير العراق مرتبط بنتائج الحرب مع إيران الثورية التي ترفع شعار تصدير الثورة الإسلامية».

وهو ما أقدم عليه صدام حسين، لا باعتقال مجموعات إيرانية، وإنما بترحيلها إلى بلدها الأصلي عبر قانون إسقاط الجنسية، مع الرغبة في إقامة علاقة وطيدة مع تركيا السنية.


أجزاء «الكورد والواقع العراقي المتقلب بين عامي 1963 و1972» (4 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث
  4. الجزء الرابع (هذا الجزء)

→ الجزء الثالث