الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

الوثائق المتعلقة بالتعريب والترحيل والتهجير القسري للكورد في كوردستان والمناطق المتنازع عليها (الجزء الأول)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

  • أ. الإطار العام لخطة الحكومات العراقية السابقة للعمل في منطقة كوردستان.
  • ب. سياسات التطهير العرقي بين مباركيها والداعين إلى إزالة آثارها، مع الوثائق الرسمية.
  • ج. الوثائق المتعلقة بالترحيل والتهجير القسري للكورد في منطقة كوردستان.

أ. الإطار العام لخطة الحكومة العراقية السابقة للعمل في المنطقة الشمالية (كوردستان)

بناءً على توجيهات السيد الرئيس القائد حفظه الله، والتقييم الشامل للمنطقة الشمالية الذي تم في اجتماع القيادة مساء يوم 31/3/1993، وتقييم المرحلة القادمة، مرحلة إعداد المستلزمات التي تمكننا من تجاوز الحالة التي تعيشها المنطقة، وبما يعمق وحدة القطر ويزيح كل الأدران التي دنست أرض الوطن الحبيب بأقرب فرصة ممكنة، وبناءً على تشكيل لجنة الشمال بصيغتها الجديدة وضرورة عملها وفق خطة موضوعة تقرها القيادة وتساعد في تنفيذها بالمستوى المطلوب،

نوصي بما يأتي إطاراً عاماً لخطة العمل في المنطقة الشمالية (كوردستان العراق)، وحسب الأولويات التالية:

  1. محافظة التأميم (كركوك سابقاً): التأكيد على عروبة محافظة التأميم بشكل عام ومدينة كركوك بشكل خاص، ويُمنع الحديث أو التداول بأية صيغة تناقض هذا المفهوم حتى لو كان على سبيل الحديث غير الرسمي، وأن تعمل اللجنة ميدانياً ووفق خطط تفصيلية تُعد لهذا الغرض بما يعزز هذا المفهوم، بعد إقرار كل حالة من هذه الحالات من قبل السيد الرئيس القائد حفظه الله، وفق المحاور التالية:

    أ. تكثيف التواجد العربي في ريف المحافظة (كركوك) ووفق صيغ عملية، وتوفير المستلزمات المادية والاجتماعية والنفسية والاقتصادية، بما في ذلك توفير موارد العيش والأراضي السكنية والمستلزمات الضرورية الأخرى التي تمكّن المواطن العربي من الاستقرار الدائم وتدفعه إلى الدفاع عنها وعن المنطقة (التي أُسكن فيها العرب القادمون إليها من وسط العراق وجنوبه لغرض التعريب في كوردستان).

    ب. تُعتمد صيغ الطواعية والترغيب للعرب في الإسكان في هذه المناطق (الكوردية)، وعلى أساس تكامل العشائر العربية المطلوب إسكانها، والأولوية للعشائر المتاخمة والقريبة من المنطقة (الكوردية).

    ج. ممن لا يمتلكون سكناً في كركوك، وبشكل خاص الذين يتواجدون فيها منذ فترة قصيرة، مع منحهم امتيازات «أراضٍ سكنية أو زراعية ومصادر عيش أخرى»، عدا محافظات نينوى وديالى وصلاح الدين وبغداد.

    د. اقتراح مشاريع زراعية إروائية وتهيئة أراضٍ زراعية في إطار المحافظة وما يحيط بمدينة كركوك، بما يمكّن من إسكان عشائر عربية فيها لغرض التعريب.

    هـ. إعداد خطة، وحسب الأولوية، في تشجيع نقل آخرين من غير العرب (المقصود الأكراد) من محافظة التأميم ومدينة كركوك بشكل خاص إلى محافظات القطر الأخرى، عدا ديالى ونينوى وصلاح الدين، واعتماد المحفزات المادية والوظيفية بعيداً عن الصيغ القسرية.

    و. إعداد المقترحات التي من شأنها تقديم أفضل الخدمات في كركوك لتوفير ظروف أفضل للاستقرار (للقادمين العرب لغرض التعريب) والاعتزاز بالعيش الدائم فيها والدفاع عنها.

    ز. نقل بعض المؤسسات التدريبية العسكرية، بما فيها بعض مدارس الصنوف المقاتلة والخدمات (والواجبات العسكرية)، إلى أطراف محافظة التأميم لتشكيل حزام أمني للمدينة، مع ملاحظة توفير مستلزمات الاستقرار.

    ح. أية مقترحات أخرى تستجد في حينه تحقق الهدف المركزي، ألا وهو تعريب وعروبة هذه المحافظة (كركوك).

  2. مدينة الموصل والمناطق المتاخمة لمنطقة الحكم الذاتي:

    أ. يُستفاد من ذات الأسس الواردة في (1) أعلاه الخاصة بمحافظة التأميم (كركوك سابقاً) لمعالجة هذه المناطق (الكوردية)، مع إعطاء خصوصية لتعزيز عروبة الطائفة اليزيدية (الكوردية).

    ب. تُعطى الأولوية في حسم الواقع السكاني لمدينة خانقين كما هو مقترح لمدينة الموصل في (أ) أعلاه.

  3. إعطاء الأهمية لمحور فايدة ـ زاخو بشكل خاص، ولعموم محافظة دهوك بشكل عام، سواء في إطار تكثيف التواجد العربي في المناطق المختلطة في هذا المحور وتوفير المستلزمات المطلوبة لهذا الغرض، أو دعم العشائر الكوردية الموالية وتطوير الصلة بها وإعدادها بما يمكّنها من الدفاع الذاتي عن نفسها وبكل الوسائل.

  4. دراسة وقائع خط كركوك ـ ديبكة ـ مخمور ـ الموصل، وتكثيف العنصر العربي فيه، وتوفير المستلزمات، واقتراح المشاريع الزراعية والصناعية والسياحية اللازمة التي تحقق مستلزمات كثافة التواجد العربي لغرض التعريب الدائم المستقر فيه والدفاع عنه، بما في ذلك بناء المجمعات السكنية لبعض التشكيلات العسكرية ووفق خطة إسكان مدروسة، بما فيها قبول تطوع العسكريين للعمل في قاطعي الفيلق الأول والخامس مع ضمان عدم نقلهم خارج تشكيلات الفيلقين المذكورين، وكذلك مدارس الصنوف والمؤسسات التدريبية العسكرية المشار إليها في الفقرة (1/ز) من هذه الخطة.

  5. متابعة الخطط السكانية بمحافظة نينوى ومدينة الموصل والأقضية المختلطة في محافظتي ديالى وصلاح الدين، وبما يعزز التواجد العربي كأغلبية واضحة.

  6. مناقشة ودراسة الظواهر والمواضيع التي لها علاقة بالمسألة الكوردية والتي يتعذر على الجهات المعنية الأخرى معالجتها بصورة منفردة، سياسية كانت أو أمنية أو اجتماعية أو اقتصادية، وإعطاء التوجيهات بشأنها حسب الصلاحيات المقرة للجنة، ورفع التوصيات اللازمة في الأمور التي تتجاوز صلاحياتها وعرضها أمام أنظار السيد الرئيس القائد حفظه الله لتلقي التوجيه بشأنها.

  7. رعاية شؤون المواطنين الأكراد، الموالين منهم بشكل خاص، الذين يتضررون فعلاً من جراء إخلاصهم أو بسبب مواقفهم المؤيدة لحزب البعث والثورة، بعد إجراء مسح وتقييم دقيق لهذه العناصر من قبل الجهات ذات العلاقة.

  8. متابعة شؤون أفراد العشائر العربية لغرض التعريب في المنطقة الشمالية، وتأمين مستلزمات استقرارها وتمكينها من الدفاع عن نفسها ذاتياً.

  9. إعداد الدراسات والخطط المستقبلية التي تهدف إلى تعميق عراقية الأكراد وتبعدهم عن أجواء التخريب وتأثيرات القوى المعادية.

  10. الإشراف على عمل الأحزاب الكوردية الحليفة ودعمها بما يمكّنها من أن يكون لها شأن في المنطقة، بما في ذلك الدعم المالي وأية وسيلة تمكّنهم من القيام بمهمتهم الوطنية على أفضل وجه.

  11. الإشراف على العشائر الكوردية الموالية القاطنة ضمن منطقة الحكم الذاتي، والتحرك على أعمدة القوة والوجوه الاجتماعية لكسبهم وإشعارهم بالدعم والتأييد بصيغ عملية ملموسة.

  12. ترتبط أفواج الدفاع الوطني في المنطقة باللجنة (شؤون الشمال) من خلال مديرية الاستخبارات العسكرية العامة من حيث الإدارة، وبالرفاق أعضاء القيادة الميدانيين من حيث الإشراف السياسي، أما من حيث الحركات فترتبط بالقطعات العسكرية كلٌّ حسب قاطعه.

  13. تقديم أية مقترحات لتطوير أفواج الدفاع الوطني ومعالجة المشاكل التي تعترضها، وإعداد الدراسات اللازمة لتجاوز سلبياتها وتحويلها إلى وسيلة خيّرة للدفاع عن الوطن وسيادة القانون، مع التقيد بضوابط التشكيل المقترنة بموافقة السيد الرئيس القائد حفظه الله والمثبتة في كتاب رئاسة الجمهورية ـ السكرتير ذي العدد 5508/ك في 9 أيلول 1991، وهي:

    أ. الذين قاتلوا معنا ضد الغوغاء في معركة تطهير المدن في الشمال (كوردستان).

    ب. الذين وقفوا معنا هم وأفواجهم ولكنهم لم يشتركوا في القتال لأننا لم نكن نحتاجهم في ذلك الوقت.

    ج. الذين هربوا من مناطقهم مع عدد قليل من أفواجهم وأُسرت أفواجهم من قبل المخربين.

  14. تنسيق عمل الأجهزة الأمنية المختلفة في كل ما يخص عملها في المنطقة.

  15. الإشراف على عمل مؤسسات الحكم الذاتي وتوجيهها.

  16. الإعلام: إن الإعلام من أهم الوسائل المطلوبة لمرحلة الإعداد والتهيئة، خاصة أن المنطقة الكوردية (كوردستان) تواجه كثافة إعلامية مسموعة ومرئية وصحفاً ومجلات معادية، كلها تدفع إلى تعميق روحية التخريب والتمرد والفساد الأخلاقي والتعاون مع القوى الأجنبية وأجهزتها الاستخبارية بما فيها الصهيونية، مما يتطلب وضع خطة إعلامية تُعد من قبل اللجنة وبمشاركة الجهة الإعلامية المسؤولة، وتخويل اللجنة استدعاءهم في اجتماعات تعقد لهذا الغرض، والعمل بموجبها بالتعاون مع كل الأطراف المعنية.

  17. إعداد خطة دقيقة، وبالاتفاق مع الجهات الأمنية الممثلة في اللجنة، وبالتنسيق أينما أمكن مع جهاز الحزب (البعث) في المنطقة، تحوّل المنطقة إلى منطقة استنزاف لقوى العناصر المعادية والتواجد الأجنبي وإمكاناتها، «أي خطة معاكسة لأغراض القوى المعادية في تحريك القضية الكوردية وتحويلها إلى بؤرة استنزاف لإمكانات الثورة والحزب وزعزعة الأمن والاستقرار في عموم القطر، وإعطاء هذا الموضوع أهمية خاصة وبصيغة هادئة».

  18. أية مهمة أخرى تكلَّف بها اللجنة من قبل السيد الرئيس القائد حفظه الله.

  19. نقاط عامة:

    أ. تقدم اللجنة تقريراً دورياً بأهم الأعمال التي قامت بها أمام أنظار السيد الرئيس القائد حفظه الله لإطلاع سيادته وتلقي أي توجيه يراه سيادته بشأنها.

    ب. تقديم التوصيات اللازمة، بعد دراستها بشكل دقيق، بشأن الخطط العملية والميدانية في المنطقة أمام أنظار السيد الرئيس القائد حفظه الله لتلقي التوجيه بشأنها.

    ج. وضع الخطط التفصيلية للمهام الواردة في هذه الخطة بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة، وذلك لضمان تحقيق الأهداف المرجوة بالشكل المطلوب.

ب. سياسات التطهير العرقي بين مباركيها والداعين إلى إزالة آثارها، مع الوثائق الرسمية (1)

أساءت سياسات التعريب والتطهير العرقي التي مارستها حكومة النظام السابق وقيادة حزب البعث بحق الكورد في مناطق واسعة من كوردستان العراق إلى العرب أيضاً، لأنها أظهرتهم غاصبين لأراضي الغير وممتلكاتهم بصورة ظالمة. ولا بد أن نشير هنا إلى أن نظام صدام حسين استغل جوع أعداد كبيرة من العرب في الجنوب والوسط وفقرهم لاقتلاعهم من جذورهم وإسكانهم في المناطق الكوردية (كوردستان العراق)، وسط أناس يشعرون، وأقل ما يقال، بالأسى لقيام إخوان لهم في الوطن والدين من العرب بالسيطرة على دورهم وأراضيهم دون وجه حق، وبصورة تتناقض مع أبسط قيم العدالة والإنسانية.

وقد لاحظ الكثير من مواطني هذه المناطق الأصليين (كوردستان) مدى معاناة عدد كبير من هؤلاء الناس الذين اقتُلعوا من جذورهم، ومدى الغربة التي كانوا يعانون منها في بيئة غريبة عليهم، بعيداً عن مراتع طفولتهم وذكرياتهم وأقاربهم، والمأزق الذي وُضعوا فيه بسبب أوضاعهم الاقتصادية البائسة. لقد أجرم حزب البعث بحق هؤلاء العرب العراقيين كما أجرم بحق الكورد وأبناء القوميات الأخرى.

ومن الجدير بالذكر أن نظام حزب البعث، الذي اشتهر بتدميره منظومة القيم الاجتماعية للشعب العراقي وتبنيه الأفاقين والانتهازيين والباحثين عن الكسب الرخيص، حوّل بسياساته هذه مجموعة كبيرة من العراقيين إلى أناس لا يعيرون قيم العدل والحق اهتماماً يذكر. وعلى سبيل المثال لا الحصر أشير هنا إلى مثال معبّر يجسد هذه الحالة الخطيرة: بعد سقوط النظام السابق اضطر عدد من السكان العرب الوافدين إلى التخلي عن الأراضي الزراعية العائدة للمواطنين الكورد في العديد من المناطق الكوردية، حتى قبل أن يُطلب منهم ذلك، لإدراكهم أن هذه الأراضي ليست ملكاً لهم ولا بد أن تعود إلى أصحابها الأصليين. إلا أنهم عادوا يطالبون أصحاب الأرض الحقيقيين بالسماح لهم بجني محاصيل هذه السنة بحجة صرفهم الأموال على زراعة تلك الأراضي، رغم استثمارهم لها سنين طويلة دون أن يدفعوا شيئاً لأصحابها الحقيقيين، الذين طُردوا من أراضيهم ولم يُسمح لهم بجمع المحاصيل، بل دُمرت بيوتهم ونُهبت ممتلكاتهم.

لم يطالب الكورد بتعويضات عن تلك السنين القاسية التي جمعهم حزب البعث خلالها في معسكرات شبيهة بمعسكرات الموت النازية، رغم إطلاق النظام السابق عليها تسمية المجمعات السكنية بل وحتى العصرية. لقد قضى القرويون الكورد سنين قاسية في هذه المعسكرات دون عمل ومصدر رزق، محاطين بمعسكرات وربايا (الجيش العراقي الباسل)، تحصي عليهم دوائر الأمن والمخابرات ومنظمات حزب البعث والجيش الشعبي أنفاسهم وتهين إنسانيتهم.

لقد أدرك العرب الوافدون لغرض التعريب أن المرحَّلين والمهجَّرين الكورد لم يعودوا لتصفية الحسابات معهم عبر اللجوء إلى الأساليب العنيفة، كما كانت وسائل إعلام حزب البعث والقنوات الفضائية العربية تروّج، بل عادوا إلى أراضيهم وممتلكاتهم لاستعادة حقوقهم المسلوبة دون وجه حق. كما أدرك الوافدون العرب لغرض التعريب أن الأوضاع قد تغيرت، وأن أحداً لن يمنعهم من التظاهر ورفع الشعارات المختلفة، وحتى المطالبة بما ليس من حقهم شرعاً وقانوناً.

ورغم كل ذلك انصاع الفلاحون الكورد لقرار الحكام العسكريين الأمريكيين الجدد في العراق القاضي بالسماح للمستوطنين العرب الوافدين بجمع محاصيل هذه السنة الزراعية وفق مبدأ المناصفة. ورغم اعتراض البعض، لا يمكن أن نسمي هؤلاء إلا مستوطنين، لأنهم استولوا على أراضي الآخرين (الكورد) بالقوة الغاشمة واستوطنوها، وقاموا فيها سنوات طويلة باستثمارها دون حق مشروع ودون أي رادع من ضمير، وعلى الضد من إرادة أصحابها الحقيقيين الكورد. لم يأتِ هؤلاء الوافدون العرب بحثاً عن العمل أو الرزق أو السكن بين مواطني هذه المناطق (كوردستان)، بل جاؤوا ليقتلعوا أولئك الكورد من جذورهم، ويتحولوا إلى أداة لتطبيق مفردات سياسة التطهير العرقي للكورد في كركوك وغيرها لغرض تعريب كوردستان. ولن يغيّر من الأمر شيئاً كون هؤلاء يحملون الجنسية العراقية ويعتنقون مبادئ الدين الحنيف، بل تحمّلهم هذه الصفات مسؤوليات أكبر، لأنهم أساؤوا بأعمالهم هذه إلى الأخوّة في الوطن والدين والإنسانية.

لقد وافق الكورد على ذلك رغم الغبن والحيف الذي لحق بهم، لئلا يُفسح المجال أمام قيام المنازعات والتوتر بينهم وبين العرب في العراق والإساءة إلى ما تسميه وسائل الإعلام الحزبية «الأخوّة العربية الكوردية». أليس من الغريب ألا تثير مثل هذه الأمور شيئاً من التعاطف لدى من يدّعون تبني القيم الإنسانية والديمقراطية، بل وينادون بالعمل من أجل خلق أمة عراقية واحدة؟!

أعتقد أنه لا يختلف اثنان على أن ثقافة «الفرهود» شكلت سياسة رسمية للدولة العراقية في ظل نظام حزب البعث منذ تسلمه السلطة. فقد بدأ حزب البعث بنهب ممتلكات الكورد الفيليين والتجار المغضوب عليهم والمعارضين، بل وحتى الأصدقاء الذين كانوا يدعون رموزه لقضاء ليلة هانئة في مزارعهم أو قصورهم الجميلة. وهناك المئات من القصص والحكايات التي تروي كيف استولى خير الله طلفاح ورفاقه على مزارع الناس وقصورهم وبساتينهم. وقد اشتهر خير الله طلفاح بالفرهود منذ أن كان ملازماً في الجيش، وطُرد من الخدمة بسبب السرقة عام 1941، وقام مزوّرو التاريخ بدسّ اسمه ضمن ضباط حركة رشيد عالي الكيلاني (مايس 1941م).

شكلت عمليات الفرهود (الاستيلاء) كارثة حقيقية بالنسبة للكورد، فقد نُهبت ممتلكات القرويين الكورد على مدى أربعة عقود عشرات المرات. وقلما يجد المرء في كوردستان قروياً كوردياً لم تتعرض ممتلكاته للنهب عدة مرات على أيدي قوات الجيش العراقي وفرسان خالد بن الوليد أو صلاح الدين وغيرها من قطعان النهب والسلب. في حين قامت مؤسسات الدولة العراقية السابقة كلها، بما فيها الجامعات والمعاهد ومراكز «إنتاج الثقافة» للحكومة السابقة، بنهب دولة الكويت وفق قرارات رسمية صادرة من قمة هرم السلطة في بغداد. وقد لمس العالم نتائج ثقافة الفرهود بأقبح صورها بعد سقوط النظام السابق في بغداد والمحافظات.

ورغم محاولات القنوات الفضائية ومراسليها من وكلاء أمن النظام السابق ومخابراته وجهاز المخابرات التركي (الميت) تهويل الأمور في المدن الكوردستانية، فإن حبل الكذب قصير كما يقال، فقد تبين فيما بعد أن المدن التي دخلتها القوات الكوردية كانت الأقل عرضة لعمليات النهب والسلب، بل أدت هذه القوات الكوردية في بعض الأحيان دوراً مهماً في إعادة الأمن والاستقرار إليها، كما حدث في الموصل وكركوك، وسيطرت على الأوضاع وأعادت الكثير من المواد المنهوبة إلى أصحابها. وهذا لا يعني قطعاً تبييض صفحة ضعاف النفوس من الكورد الذين انغمسوا بدورهم في مستنقع ثقافة الفرهود اللعينة.

أما العرب الذين جيء بهم لغرض التعريب إلى كركوك والمناطق الكوردستانية الأخرى، فقد سمّتهم الدوائر الحكومية السابقة في مكاتباتها الرسمية «الوافدين»، بينما سمّاهم الناس «جماعة العشرة آلاف»، لأن الحكومة السابقة وحزب البعث كانا يمنحانهم قطعة أرض سكنية مع مبلغ عشرة آلاف دينار، وصل إلى عشرة ملايين في السنوات الأخيرة بالتوازي مع فقدان الدينار العراقي قيمته. ولا بد من الإشارة إلى أن سكان كركوك من جميع الإثنيات فرّقوا دوماً بين هؤلاء الوافدين العرب الذين أُتي بهم إلى كركوك لغرض التعريب، وبين المواطنين العرب الذين قدموا خلال العقود الأربعة الأولى من عمر الدولة العراقية إلى كركوك وغيرها من مدن كوردستان وقصباتها بدوافع السكن أو العمل، وهو أمر يتجاهله العديد من الكتّاب لدوافع مفهومة. وقد عاش هؤلاء العرب بين الكورد والتركمان والكلدان والآثوريين في كركوك ولم يشعروا أبداً بأنهم غير مرغوب فيهم. وينظر هؤلاء العرب بدورهم إلى جماعة العشرة آلاف بكراهية، لاعتقادهم، وهم محقون في ذلك، أن جلبهم بهدف تغيير التركيبة القومية لسكان كركوك لغرض التعريب أحدث شرخاً كبيراً بين مواطني المدينة (كركوك)، وقد تعرض هؤلاء بسبب مواقفهم للتمييز والقهر على أيدي مؤسسات القمع (القوى الأمنية) لحزب البعث السابق.

والأنكى من كل ذلك أن نظام حزب البعث السابق كان يعمل على تحقيق ما كان يسميه «الوحدة الوطنية» عبر القوة الغاشمة والتطهير العرقي وتغيير القومية والإبادة الجماعية للشعب الكوردي في كوردستان العراق. والغريب أن عدداً من الكتّاب العراقيين الذين يعيشون في ظل نعم الديمقراطية الغربية يشاركون حزب البعث فكره وأساليبه رغم اختلاف التعابير. لقد اتبع حزب البعث سياسة تقوم على اعتبار هذه المناطق (كوردستان) مناطق محتلة من قبل الكورد يجب إحداث التغيير في تركيبتها القومية. وقلما يسأل هؤلاء أنفسهم: لماذا يقوم النظام السابق بتغيير التركيبة السكانية لهذه المدن والبلدات والمناطق الكوردية (كوردستان العراق) ما دام يعتبرها جزءاً من الوطن العراقي، ويسكنها مواطنون عراقيون أباً عن جد ومنذ آلاف السنين؟

يُروى عن صدام حسين أنه كان يردد أن الكورد، كأمة مجزأة، سيطالبون يوماً بإقامة دولتهم الكوردية (كوردستان) المستقلة، وستكون كركوك بمثابة القلب لهذه الدولة الكوردية (كوردستان)، وهو أمر لم يحدث حتى الآن، ومن هذا المنطلق كان لا بد، من وجهة نظره، من القيام بعمل يجعل هذا الأمر مستحيلاً. وكانت الأطماع في نفط كركوك وخانقين وغيرها هي السبب الرئيسي لهذه السياسات التي دشنها البريطانيون عند احتلالهم العراق أثناء الحرب العالمية الأولى، وبقيت الحكومات «الوطنية والقومية التقدمية!» مخلصة لبنودها، تطبقها بحذافيرها ولكن بقسوة أشد ووحشية أكبر.

وكثيراً ما يحاول بعض الكتّاب تصوير تمسك الكورد بكركوك والمناطق الكوردستانية الأخرى وكأنه أمر تحركه «الأطماع» النفطية، رغم أن الكورد يلعنون بكرةً وأصيلاً اليوم الذي اكتُشفت فيه منابع النفط في هذه الأراضي الكوردية في كوردستان، والتي تحولت، بعكس المناطق الأخرى في العالم، إلى نقمة على مدينتهم (كركوك) وبلادهم (كوردستان)، ولم يلمسوا من نعم البترودولار سوى قنابل النابالم والقنابل الفسفورية، قبل أن يحوز مغول العصر الأسلحة الكيمياوية ليدكّوا بها المدن والقرى الكوردية الآمنة في كوردستان، ويلجؤوا إلى حملات الإبادة الجماعية والتهجير القسري في كوردستان. إن تمسك الكورد بكركوك لا علاقة له بالنفط، لأن التصرف في الثروات الطبيعية العراقية سيبقى في النهاية من اختصاص الحكومة المركزية، بل لأن ما جرى بحق هذه المدينة الآمنة كركوك وسكانها الكورد تحول إلى رمز يجسد السياسات الظالمة والهمجية التي انتُهجت بحق هذا الشعب (الكوردي) والأقليات القومية في كوردستان.

وتتضمن الأشرطة المسجلة بصوت مجرم كوردستان علي حسن المجيد، المسمى «علي كيمياوي»، والتي وقعت بأيدي رجال الانتفاضة عام 1991 وأصبحت بحوزة منظمات حقوق الإنسان الدولية، الأدلة التي لا يرقى إليها الشك على الأساليب الجهنمية التي اعتمدها النظام السابق وقيادة حزب البعث في تنفيذ سياسات الإبادة الجماعية والتهجير القسري والتطهير العرقي بحق الكورد في كوردستان. ولا يتردد علي حسن المجيد (علي الكيمياوي) في استخدام مصطلح التعريب للحديث عن هذه السياسات، في حين يعيب علينا العديد من الكتّاب العرب استخدامنا لهذا التعبير ويعتبرونه مسيئاً للأخوّة العربية الكوردية!

لقد منح منظّر الفاشية في حزب البعث طارق عزيز الكورد «مكرمة» عندما أعطاهم حق البكاء على كركوك عند المرور بها، كما يبكي العرب، على حد تعبيره، على ضياع الأندلس، رغم أنه لا جامع بين الحالتين. ولكن كلماته إشارة معبّرة لمن يود فهم سياسة التطهير العرقي على مستوى قادة العراق، ولا يكابر في إدراك نتائجها المأساوية على مستقبل العراق والتعايش السلمي بين العراقيين جميعاً.

هل يمكن لأحد أن يشك في أن التصدي العقلاني للنتائج المدمرة لهذه المأساة، ومحاولة إيجاد حلول إنسانية لها تمنع خلق ضحايا جدد وتعيد الحق إلى أصحابه، أمر لا بد من القيام به إذا أريد للعراقيين أن يتعايشوا بسلام في هذه البقعة الجغرافية التي قُدّر لهم أن يعيشوا فيها؟ وهل يمكن لعاقل أن يعتقد أن الناس ستأخذ على محمل الجد دعوات التعايش السلمي ونسيان الماضي في ظل سيادة الظلم، وتكريس نتائج سياسات التعريب والتطهير العرقي وثقافة الفرهود، وبقاء ضحايا تلك السياسات في المخيمات والمنافي لكي يهنأ المستوطنون الوافدون لغرض التعريب ببيوتهم وقصورهم؟

ألا تشكل الدعوة إلى تكريس نتائج سياسات التعريب والتطهير العرقي في كركوك وغيرها طعناً في التعايش السلمي بين الناس؟ هل كان بالإمكان خلق الأمة السويسرية أو البلجيكية أو غيرهما من المجتمعات ذات التكوينات اللغوية المختلفة، والتي كانت فيما مضى من القرون تكوينات قومية، دون تبني النظام الديمقراطي والاعتراف بالآخر وخصوصياته؟ هل يمكن لأحد أن يعتقد ولو لدقيقة واحدة أن هذه الأمم تشكلت وتشابكت مصالحها وفق منطق القوة الغاشمة وعمليات الصهر القومي والتهجير القسري والتطهير العرقي؟

أشير إلى النموذجين السويسري والبلجيكي لأنه كثيراً ما يُشار إليهما دون التطرق إلى الظروف التاريخية التي رافقت تطورهما. فالمواطن السويسري الذي يتحدث اللغة الألمانية أو الفرنسية أو الإيطالية ينتمي في أصوله إلى الأمم الألمانية والفرنسية والإيطالية، ولكن النظام الديمقراطي السويسري نسج من هذه المجاميع أمة جديدة هي الأمة السويسرية، مع الاعتراف الكامل بلغات هذه العناصر على قدم المساواة، وهو ما لا بد أن يشعر به من يعيش في ظلها قبل الآخرين. كما تشابكت مصالحها الاقتصادية إلى حد لم يعد بإمكان أحد من أبناء هذه المجاميع أن يفكر في الانفصال عن الأمة السويسرية والالتحاق بأممها الأصلية. ويرفض السويسري المتحدث بالألمانية أو الفرنسية أو الإيطالية أن يُسمى ألمانياً أو فرنسياً أو إيطالياً، بل يشعر بفخر كبير بالانتماء إلى الأمة السويسرية. والشيء نفسه يقال بحق البلجيكيين من المتحدثين بالفلامندية والفرنسية، وأقلية صغيرة تتحدث الألمانية، فهم يشعرون بالانتماء إلى الأمة البلجيكية القائمة على أساس فيدرالي ديمقراطي ومساواة كاملة بين اللغتين الرئيسيتين. فهل تسبب استخدام اللغات على قدم المساواة، وفي جميع مناحي الحياة في هذه البلدان، في تجزئتها؟ وأين هذا من أوضاع الكورد في العراق؟

لو عاملت الحكومات العراقية المتعاقبة والسابقة مواطنيها الكورد والتركمان والكلدان والآثوريين بشيء من الإنصاف والعدالة، لكانت نظرة هؤلاء المواطنين إلى هويتهم العراقية مختلفة تماماً عما هي عليه الآن. لقد حاولت الحكومات العراقية المتعاقبة، وبخاصة نظام حزب البعث، وبأساليب في غاية الوحشية، فرض «هوية» قائمة على أسس من العنصرية والصهر القومي في بوتقة الأمة العربية. فكيف يمكن لحوالي ثلث سكان العراق من الكورد والتركمان والكلدان والآثوريين أن يشعروا بالهوية الوطنية العراقية في الوقت الذي يعتبر فيه العراقيون العرب، ومعهم جميع العرب، العراق دولة عربية ينتمي شعبها عرقياً أو ثقافياً إلى الأمة العربية، ويجب عليه أن ينشغل بقضايا الأمة العربية قبل قضاياه الوطنية؟ لا يمكن فرض الهوية الوطنية العراقية على المكونات العراقية باعتبارهم جزءاً من الأمة العربية عبر الوسائل القسرية والتكيف مع نتائج سياسات التطهير العرقي.

وأعتقد مخلصاً أن الابتعاد عن تبني هذا الخطاب السياسي، وإدانة سياسات الإبادة الجماعية والتهجير القسري وحملات التطهير العرقي والصهر القومي، والدعوة إلى إزالة آثار تلك السياسات، تشكل المدخل الصحيح لتدشين عملية خلق الهوية الوطنية العراقية وتثبيتها.


أجزاء «الوثائق المتعلقة بالتعريب والترحيل والتهجير القسري للكورد في كوردستان والمناطق المتنازع عليها» (4 أجزاء):

  1. الجزء الأول (هذا الجزء)
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث
  4. الجزء الرابع

الجزء الثاني ←