الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

الوثائق المتعلقة بالتعريب والترحيل والتهجير القسري للكورد في كوردستان والمناطق المتنازع عليها (الجزء الثاني)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

وبمناسبة هذا الكلام، ثمة مقالات لكتّاب عراقيين معروفين بكتاباتهم المتشنجة عن الكورد وكل ما يتعلق بالقضية الكوردية في كوردستان العراق، وتتضمن هذه المقالات بعض الآراء والمفاهيم والأخبار التي تحتاج إلى التدقيق والتعقيب.

ومن الملاحظ على هؤلاء الكتّاب المتشنجين تجاه الكورد فشلهم حتى في اختيار العناوين. فحتى لو وافقناهم الرأي على سبيل الافتراض وبهدف المناقشة، فإن ما يدّعونه من قيام الكورد بإجبار العرب على ترك بيوتهم في بعض المناطق الكوردستانية لا يمكن اعتباره عملاً من أعمال التطهير العرقي، فهو أولاً إجراء لإزالة آثار سياسة التطهير العرقي والتعريب التي مارستها الحكومة العراقية السابقة، والتي تضمنت إبادة الكورد وترحيلهم وإجبار الباقين منهم على تغيير قوميتهم (من الكوردية إلى العربية). لم يطالب الكورد بخروج جميع العرب من كركوك والمناطق الأخرى التي كانت هدفاً لسياسات التعريب، كما لم يجبروا العرب على تغيير قوميتهم، ولم يخططوا لأعمال تدخل في إطار الإبادة الجماعية. ولا يمكن إطلاق تسمية التطهير العرقي على إجبار عدد محدود من المستوطنين العرب (الوافدين لغرض تعريب كركوك وكوردستان) على ترك كركوك، هذا إذا صحت مزاعم الكتّاب المتشنجين في هذا المجال، ولا مقارنته بما كانت تقوم به الحكومة العراقية السابقة وفق خطة مرسومة بطريقة بيروقراطية تسهم فيها مؤسسات مختلفة، بل وصل الأمر بحكومة صدام حسين السابقة إلى وضع الخطط الخمسية لتنفيذ مفرداتها، كما أشرنا إلى ذلك أعلاه. وهناك كمية هائلة من الوثائق التي تُظهر حجم هذه السياسات الحكومية بكل وضوح.

إن العرب الذين نشاهدهم على شاشات التلفزيون يومياً يشاركون في انتخابات أعضاء المجلس البلدي ويتحدثون عن ضرورة تعايش جميع القوميات في كركوك دليل على تهويل الأمور من قبل هؤلاء الكتّاب غير المنصفين. وفي الوقت الذي لا يمكن فيه الجزم بأي رقم يتعلق بعراق اليوم، كيف تسنى لهؤلاء، من مكامنهم في المدن الأوروبية والأمريكية وحتى الأسترالية، أن يحددوا عدد العوائل العربية المهجَّرة؟

كما أن اعتبارهم القانون الذي سنّه برلمان كوردستان والقاضي بإزالة آثار التعريب في كركوك وكوردستان، وهو حق مشروع لا بد لكل من يؤمن بالقيم الإنسانية أن يطالب به، خطوةً لإضفاء الشرعية على سياسة التطهير العرقي، مأزق آخر يقعون فيه. لم يطالب برلمان كوردستان بطرد العرب من كوردستان، كما لم يطالب بتوسيع المحافظات الكوردية. وعندما يؤكد البرلمان الكوردستاني، ومعه جميع الشعب الكوردي، على نتائج إحصاء عام 1957 أساساً للتعامل مع سياسات التطهير العرقي، فإن ذلك لا يعني بأي حال من الأحوال طرد العرب القادمين إلى كوردستان لغرض التعريب بعد هذا التاريخ، بل لأنه آخر إحصاء للسكان في العراق لم تنل منه عمليات التشويه والتزييف كثيراً. ويعرف هؤلاء جيداً أن النظام السابق وحزب البعث وافقا في حينه، عند توقيع اتفاقية 11 آذار 1970، على الركون إلى إحصاء يجري خلال عام تُحل قضية كركوك بناءً على نتائجه، إلا أن الحكومة العراقية السابقة تراجعت عن ذلك عندما أدركت أن معطيات ذلك الإحصاء في كركوك لن تكون لصالح توجهاتها العنصرية.

وهناك فرق كبير بين إعادة إلحاق الوحدات الإدارية التي كانت تابعة أصلاً للمحافظات الكوردستانية وبين محاولة توسيع جغرافية كوردستان. يتذكر الجميع ما قام به النظام السابق وحزب البعث من تقطيع أوصال المحافظات الكوردستانية، وبخاصة محافظة كركوك، جزءاً من سياسة التطهير العرقي للكورد في هذه المحافظات. لقد حدث ذلك كله خلال العقود الأخيرة، ولا بد لمن يزعم الخبرة في الشؤون العراقية أن يكون مطلعاً على هذه الحقائق. وإذا لم يكن مطلعاً عليها، ولديّ أسباب كثيرة تجعلني أشك في ذلك، فبإمكانه العودة إلى مصادر التقسيمات الإدارية في العراق خلال القرن الماضي ليدرك بشاعة تلك السياسات. فقد مُزقت الوحدات الإدارية التابعة لكركوك وبعض المحافظات الأخرى لا لاعتبارات يفرضها حسن الإدارة، بل بدوافع عنصرية تهدف إلى تقليل عدد الكورد فيها وتوزيعهم على المحافظات الأخرى، فقد أُلحقت طوزخورماتو بتكريت، وكفري بديالى، وجمجمال وكلار بالسليمانية، وآلتون كوبري بأربيل، وغيرها.

لا يستطيع بعض هؤلاء الكتّاب غير المنصفين أن يهضموا فكرة أن خانقين ومندلي وشهربان مدن كوردستانية، لم يكن الجزء الأكبر من سكانها حتى منتصف السبعينيات من القرن الماضي يعرفون العربية، وهي تتبع محافظة ديالى. ويبدو أنهم لا يعرفون أن محافظة دهوك قد تشكلت أصلاً من عدد من الأقضية الكوردية التي كانت تتبع محافظة الموصل سابقاً، بعد أن اقتُطعت منها مناطق الشيخان وسنجار وزمار وغيرها، وذلك عام 1969. فما ذنب الكورد إذا كانت مناطقهم فيما يسمى اليوم بالعراق تمتد من سنجار على الحدود السورية إلى مندلي على الحدود الإيرانية؟ وبماذا ينصحنا هؤلاء بشأن الـ(779) قرية كوردية بالتمام والكمال التي دُمرت في حدود محافظة كركوك، وجرى سبي جزء كبير من سكانها الكورد، ولا نزال بانتظار كشف المقابر الجماعية التي تضم رفاتهم؟ هل نتخلى عن فكرة إعادة الحياة إلى هذه القرى حتى لا يتهمنا هؤلاء بممارسة سياسة التطهير العرقي؟ ويصل بهم الأمر إلى مقارنة الوجود الطبيعي لمئات من الكورد في بغداد العاصمة وغيرها من مدن العراق بحالة هؤلاء الوافدين إلى كركوك لغرض التعريب وتنفيذ سياسات معينة.

ولا يفوّت هؤلاء الكتّاب غير المنصفين أية فرصة لإثارة المكونات الإثنية الأخرى في العراق على الكورد وكوردستان، من خلال تضخيم عدد أفرادها على حساب الكورد، وتبني وجهات نظر بعض القوى المتطرفة فيها التي تحلّق في فضاء الخيال وتنشر قصصاً مملة وأخباراً مختلقة ضد الكورد وكوردستان. لقد جربت الحكومات العراقية السابقة هذه السياسات على مدى عقود طويلة، ولم تثمر إلا عن كوارث تضرر منها الجميع، ولا فائدة من العودة إليها. وكثيراً ما يتهم المؤمنون بنظرية المؤامرة المستعمرين بتبنيها، ولكنهم لا يتورعون في حقيقة الأمر عن اللجوء إليها عند فشل سياساتهم القمعية الأخرى. ويُقحم هؤلاء اسم التركمان والآثوريين في الأمر دون تبرير منطقي ودون الاستناد إلى أية أدلة سياسية وتاريخية، وطريقتهم في تعميم الأمور تتقاطع مع المنطق العلمي والموضوعية والوسطية التي يدعون إليها في لحظات الصفاء والتجلي، ويعتبرون التصرفات الفردية التي يمكن أن تحدث في ظل سيادة الفوضى في أي مكان من العالم مقدمة لحرب أهلية.

والغريب أن هؤلاء غير المنصفين يحاولون تبييض صفحة جميع العرب الوافدين إلى كركوك لغرض التعريب، وتصويرهم وكأنهم جُلبوا رغماً عنهم ودون إرادتهم للقيام بمهمة لا يعرفون بشاعتها وآثارها المدمرة على الوحدة الوطنية. ويعلم هؤلاء الوافدون لغرض التعريب علم اليقين أن استمارات الانتقال إلى كركوك وغيرها كانت توزَّع في طول العراق وعرضه، وكانت تتضمن أدق التفاصيل عن الاستيطان فيها (كركوك) لغرض التعريب، ونقل سجلات النفوس، والمكاسب التي يمكن الحصول عليها من وراء ذلك. نعم، يجب ألا ننكر استغلال حزب البعث فقر عدد كبير من الناس من العرب ويأسهم ليدفعهم إلى هذا المأزق الخطير، ولكن بالمقابل هناك آلاف مؤلفة من الناس الذين قاموا بهذه المهمة بهدف الحصول على مكاسب وقتية رخيصة، وهناك مع الأسف عشائر عربية كاملة التمست من رأس النظام البعثي نيل شرف المساهمة «في تقوية الوجود العربي للتعريب في كركوك والمناطق الكوردية الأخرى في الشمال الحبيب»، أي كوردستان العراق.

ووصل الأمر بعدد من الكتّاب العراقيين وأساتذة الجامعات إلى المشاركة في هذه العملية الإجرامية، وقد سمعت بنفسي عن الكثير من أساتذة الجامعات والكتّاب الذين يشار إليهم بالبنان يقومون بهذا العمل المعيب. ومن ذلك حديث لأستاذ جامعي قضى (17) عاماً في إحدى الدول الأوروبية عن قيامه بملء استمارة الاستيطان في كركوك لغرض التعريب، وقد برّر لي هذا الأستاذ الجامعي فعلته الشنيعة بأن من مصلحتنا نحن الكورد أن يسكن إلى جانبنا أناس من أمثاله من أساتذة الجامعات والكتّاب، بدلاً من أن يسكنها «الحفاة» من العرب الوافدين لغرض التعريب من الوسط والجنوب، على حد تعبيره.

كما أن الأحياء العربية في كركوك، التي بُنيت على شكل حزام عسكري يحيط بالأحياء الكوردية، دليل واضح على نوايا النظام السابق وحزب البعث، وعلى خطأ تحليلات هؤلاء السادة. وقد جرى تسليح سكان المستوطنات العربية التي بُنيت خارج المدن بمختلف أنواع الأسلحة، وأقيمت ربايا عسكرية بالقرب منها لحمايتها من «هجمات الكورد»، ومنعت الحكومة والنظام العراقي الملاكين الجدد من الاستعانة بخدمات الملاكين السابقين حتى أُجراءَ لديهم.

ولعلي أشير إلى حالة خاصة قد تقنع هؤلاء السادة غير المنصفين بمدى الغبن الذي يشعر به مواطنوهم الكورد في كوردستان جراء هذه السياسات العنصرية الظالمة. يذكر الدكتور جبار قادر: «أنا من مواليد كركوك أباً عن جد، وكنت أستاذاً مساعداً في جامعة الموصل في الثمانينيات من القرن الماضي، وقد اشتريت قطعة أرض من ابن عم لوالدي، وتقدمت بطلب إلى دائرة الطابو في كركوك لنقل ملكية الأرض، فرُفض طلبي مرتين متتاليتين لأسباب أمنية، لأن الحقل الخاص بالقومية يشير إلى كورديتي. وكانت الحكومة العراقية لا ترى ضيراً في أن أشرف على تدريس طلبة الجامعة وطلبة الماجستير والدكتوراه، في حين تعتبر ملكيتي لقطعة أرض سكنية في مسقط رأسي كركوك خطراً على الأمن القومي العربي! هل يعرف هؤلاء مثالاً مشابهاً لهذه الحالة في أي مكان آخر في العالم؟ لعلنا نلمس قسوة شديدة في كلمات هؤلاء غير المنصفين عندما يتعاملون مع عمليات تهجير الكورد بهذه الكلمات الباردة، ويعتبرونهم مدينين للبعث لأنه أسكنهم أحياناً في مناطق “قد تكون أكثر قيمة”. أية قسوة هذه التي تعتبر قلع الإنسان من جذوره ومراتع طفولته وذكرياته ومزارعه الخضراء ليُزرع في صحارى غرب العراق وجنوبه القاحلة عملاً يمكن تبريره؟».

إن قراءة هؤلاء غير المنصفين لتاريخ ما يعرف اليوم بالعراق، وبخاصة ما يتعلق منه بالكورد، مليئة بالتناقضات التي لا تدعمها أية أسانيد ومصادر علمية يُعوَّل عليها، وتُظهر افتقارهم الشديد إلى قراءات جدية في التاريخ الكوردي وتاريخ المنطقة وكوردستان. لذا من الصعب على المرء أن يناقشهم في هذه الآراء، لأنه سيكون مجبراً على العودة إلى البديهيات في التاريخ الكوردي، وهو أمر يخرج عن إطار هذه الأسطر. ورغم مشاعية العلم والثقافة، كنت أتمنى ألا يطرق هؤلاء باباً غريباً عنهم.

قد أفهم أسباب التناقضات التي وقع فيها هؤلاء غير المنصفين، لاعتمادهم على مصادر غير موضوعية ومليئة بالأفكار المشوهة. فقد انشغلت الدراسات التاريخية العراقية خلال العقود الأربعة الأخيرة إما بتشويه التاريخ الكوردي، أو اكتفت بعدم الإشارة إلى أي شيء يمت بصلة إلى الكورد. وهناك مجلدات ضخمة عن تاريخ العراق دُوّنت في ضوء أكذوبة «إعادة كتابة التاريخ» التي أطلقها صدام حسين، لا تتضمن شيئاً عن الكورد، وكأنهم تبخروا من كوردستان العراق (كما تبخر نظامه وجيوشه خلال أيام معدودة).

ويطرح بعض هؤلاء مجموعة من الملاحظات لمعالجة هذه المشكلة بصورة وطنية «بعيداً عن المزايدات والأكاذيب الدعائية السائدة» على حد تعبيرهم، ولكنها لا تقدم أية معالجة ملموسة لهذه القضية الملتهبة. ولأن المنطلقات التي انطلقوا منها كانت غير صحيحة، جاءت معالجاتهم عرجاء لا تستطيع أن تساعد العراقيين على التعامل مع هذه الكوارث التي حلّت بهم.

يمكن الاتفاق معهم في الدعوة إلى البحث عن حلول إنسانية تأخذ بنظر الاعتبار مصالح جميع الأطراف، وتشكل مدخلاً صحيحاً لقيام تعايش حقيقي بين العرب والكورد والتركمان والكلدان والآثوريين على أساس المساواة والعدالة، كما يجب عدم السماح لأحد بأن يحل محل القانون والمحاكم ليفرض الحلول على الآخرين. إلا أن البداية الصحيحة لكل ذلك يجب أن تكون على أساس إحقاق الحق والعمل على إزالة آثار سياسات التطهير العرقي التي مارستها حكومة العراق السابقة وحزب البعث بحق الكورد في كوردستان العراق. ويتحمل الكتّاب والمثقفون العراقيون واجباً وطنياً وإنسانياً إزاء هذه الكوارث، وسيسجل التاريخ باعتزاز مواقف المثقفين العراقيين الذين وقفوا ضد هذه السياسات وأدانوها بجرأة وطالبوا بإزالة آثارها، بينما ستشكل كل محاولة لتبرير تلك السياسات أو دعمها نقطة سوداء في تاريخ أصحابها، ونتمنى مخلصين ألا يكون بينهم أحد من المثقفين العراقيين الحقيقيين والوطنيين.

ج. مجموعة من الوثائق المتعلقة بالترحيل والتعريب (22 وثيقة)

الوثيقة (1): القرار 1391

بتاريخ 20/10/1981 أصدر مجلس قيادة الثورة في العراق قراره المرقم 1391 بتوقيع صدام حسين، ويقضي القرار ببناء مجمعات سكنية في المحافظات الوسطى والجنوبية من العراق، ما عدا محافظات بغداد والموصل وديالى وصلاح الدين (أي محافظة تكريت)، لتضم تلك المجمعات في المرحلة الأولى عشرين ألف دار، لغرض ترحيل عشرين ألف أسرة كوردية وتركمانية من سكان مدينة كركوك ومدينة السليمانية وإسكانها فيها إجبارياً.

ونتذكر جيداً الضجة التي حدثت في السليمانية بعد أن أعلنت السلطات الحكومية ذلك في اجتماع مع مجموعة من سكان السليمانية، وقد أُنشئت فعلاً مجمعات في الصحراء الغربية التابعة لمحافظة الرمادي، وكُتب على مداخلها أنها خاصة بسكان السليمانية. وقد ورد في الوثيقة أن هذه الوجبة من بناء المجمعات هي بداية لوجبات لاحقة، كما ورد فيها أن الحكومة تنقل من تلك المحافظات الوسطى والجنوبية العرب العاطلين ليحلوا محل المرحَّلين الأكراد والتركمان، ولم يكن عدد هؤلاء العرب أقل من عدد الأسر الكوردية والتركمانية العشرين ألفاً ليحلوا محلها في كركوك والسليمانية.

أما الذين كانوا يُنقلون من كوردستان إلى تلك المحافظات، فقد وصفهم القرار بالعاطلين عن العمل وبـ«الفائضين»، أي الموظفين والمستخدمين الفائضين عن الملاكات في دوائر السليمانية وكركوك. ولما كنت في السليمانية، كنت أعلم كيف أن السلطات الحزبية والأمن والمخابرات تطلب من الدوائر أن تزودها بقوائم تتضمن أسماء الموظفين والمستخدمين الفائضين، وقد أُعدت فعلاً قوائم بأسمائهم. وكان البعثيون والجواسيس من الأكراد هم الذين يكتبون أسماء الموظفين والمستخدمين من الأكراد الذين لم يصبحوا بعثيين ولا جواسيس وعملاء للحكومة، فكانوا يكتبون سراً أسماء الأكراد الشرفاء لأجهزة الأمن والمخابرات والحزب (2).

وقد حدثت لهذا السبب ضجة كبيرة وقلق كثير بين الموظفين والمستخدمين في السليمانية، ورفض قسم منهم الذهاب إلى وسط العراق وجنوبه حتى لو فُصلوا من وظائفهم. ولم يكن هؤلاء فائضين في الحقيقة، ولكن الحكومة فرضت عليهم ذلك لغرض نقلهم مع عائلاتهم إلى المناطق العربية، للتقليل من نفوس الأكراد دفعة بعد دفعة، وتفريغ المدن الكوردية تدريجياً وجلب العرب إليها. ودامت مسألة «الفائضين» سنوات، وقد نُقل قسم منهم إجبارياً إلى وسط العراق وجنوبه.

وقد سبق هذا القرارَ قرارٌ آخر للحكومة صدر في (1/4/1981) يقضي بتخريب كافة الأحياء الأصلية القديمة في مدينة السليمانية وتهديمها، وهي أحياء مزدحمة بالسكان من ذوي الدخل المحدود ومن الفقراء. وشُكلت لذلك بسرعة خمس عشرة لجنة من الموظفين بإشراف أشخاص من الحزبيين وأفراد الأمن من العرب، لغرض جرد كافة الدور الكائنة في تلك الأحياء (3) وتقدير أسعارها بالسرعة الممكنة لتنفيذ الخطة، وتم جردها فعلاً.

ولما لم يرضَ المهندس عرفان عمر ناجي أن يشارك في عملية مسح الأحياء القديمة لغرض التهديم، وكان مثالاً للوطنية والنزاهة، أُلقي القبض عليه وسُجن في المنظومة الشمالية بكركوك وعُذّب، ثم نُقل إلى محافظة المثنى (السماوة) في جنوب العراق في (29/1/1981)، ثم قتله نظام حزب البعث هناك دعساً بسيارة. وهكذا ضحى المهندس عرفان عمر ناجي بنفسه من أجل إبقاء الأحياء القديمة في السليمانية (4).

وأُوصي بأن يقام له تمثال في واحد من تلك الأحياء تقديراً لوعيه التراثي ووطنيته وإخلاصه للتاريخ والتراث، بعكس أصحاب الجماجم والألقاب الفارغة الذين لا يحافظون على الآثار والتاريخ والتراث الحضاري الكوردي، فهؤلاء تلحقهم لعنات التاريخ ولعنات الأجيال القادمة الواعية. أما سبب عدم تنفيذ الحكومة تهديم أحياء السليمانية ونقل سكانها إلى المجمعات المذكورة في وسط العراق وجنوبه، فهو أن أمريكا منعتها من التنفيذ، على ما عُلم من مصدر موثوق.

ولا شك أن الحكومة العراقية لو ساعدتها الظروف كما شاءت لنقلت آلافاً من الأسر العربية إلى السليمانية، ولعرّبت كافة المدن والمناطق الكوردية. وقد خططت لترحيل الأكراد إلى السعودية والسودان والجزائر وغيرها، وطلبت الحكومة العراقية منها ذلك في مؤتمر الجزائر سنة 1975، إلا أنها رفضت طلبها. ذلك المؤتمر المشؤوم الذي كانت أمريكا قد هيأته وأشرفت عليه للصلح بين العراق وإيران، وتنازل فيه العراق لمطالب إيرانية في الخليج وشط العرب مقابل تعهدات أمريكية سرية للعراق بإنهاء الثورة الكوردية.

وهذه صورة القرار، وقد نُشر في المجلة العراقية لحقوق الإنسان، العدد الثاني الصادر في تموز سنة (2000)، كما نُشر في جريدة (به يامى مروقايه تى، العدد 11).

قرار رقم 1391

استناداً إلى أحكام الفقرة (أ) من المادة الثانية والأربعين من الدستور المؤقت، قرر مجلس قيادة الثورة بجلسته المنعقدة بتاريخ 20/10/1981 ما يلي:

  1. تشكيل لجنة تنفيذية للإشراف على بناء المجمعات والوحدات السكنية في المحافظات الوسطى والجنوبية (عدا بغداد ـ ديالى ـ صلاح الدين) التي سيعيَّن فيها العاطلون في منطقة الحكم الذاتي، وعلى النحو التالي:

    أ. وزير الحكم المحلي ـ رئيساً.

    ب. وكيل وزارة الحكم المحلي ـ عضواً.

    ج. رئيس الهيئة العامة للإسكان في وزارة الإسكان والتعمير ـ عضواً.

    د. رئيس هيئة تخطيط التشييد والخدمات في وزارة التخطيط ـ عضواً.

  2. تشكل اللجنة التنفيذية لجاناً فرعية لها في المحافظات التي سيشملها بناء المجمعات السكنية، برئاسة المحافظ وعضوية الجهات المعنية، للإشراف على سير التنفيذ، ولها أن تخولها بعض صلاحياتها.

  3. يحدد كحد أقصى في الوجبة الأولى بناء (20) ألف وحدة سكنية.

  4. تحدد المحافظات التالية كبداية لبناء الوحدات السكنية المقترحة التي يتم نقل وتعيين الفائضين فيها وإليها، وهي:

    أ. محافظة القادسية.

    ب. محافظة المثنى.

    ج. محافظة ذي قار.

    د. محافظة الأنبار.

  5. تقوم اللجان الفرعية بتحديد الشواغر المتوفرة لديها ضمن محافظاتها وبحسب الدوائر ووفقاً للملاك المصدق، مع مراعاة التوسع في الملاكات للسنوات الخمس القادمة، وتحدد في كل محافظة حاجة كل دائرة من ذلك.

  6. تقوم اللجان الفرعية بتحديد مواقع المجمعات السكنية التي ستبنى، على أن تكون ضمن مواقع سكنية قائمة في مكانها.

  7. تُشمل المجمعات المذكورة بالامتيازات والإعفاءات الواردة في القانون رقم (157) لسنة 1972 لتسهيل مهمة التنفيذ، وتخوَّل اللجنة التنفيذية صلاحية التنفيذ بالطريقة التي تراها مناسبة.

  8. تخوَّل اللجنة التنفيذية صلاحية مجلس التخطيط فيما يخص الإحالة والدعوات والغرامات وزيادة الكلف.

  9. تقوم اللجنة التنفيذية بالتنسيق مع لجنة شؤون الشمال لاختيار العناصر المطلوب نقلها أو تهيئتها من الفائضين إلى المحافظة المعنية، عند إنجاز المجموعة السكنية للمنقولين أو المعيَّنين فيها.

  10. تُملَّك الوحدات السكنية لشاغليها من العمال والأكراد وفقاً للأسس التالية:

    أ. تكون قيمة الدار وفق الكلفة الفعلية.

    ب. ……

    ج. يكون كامل سعر الدار قرضاً من المصرف العقاري دون تقديم مقدمة، ويسدد خلال مدة (25) سنة دون فائدة.

  11. يكون نقل المعيَّنين أو المنقولين وعوائلهم إلى مناطق عملهم الجديدة على حساب الدولة.

  12. توضع أسس مفصلة لكيفية تعيين أو تأهيل الأشخاص المطلوب نقلهم أو تعيينهم، وبالتنسيق مع لجنة شؤون الشمال.

  13. شمول بعض الموظفين والعمال من سكنة محافظة التأميم (التركمان) بالدرجة الأولى، والأكراد بالدرجة الثانية.

  14. يكون ارتباط اللجنة التنفيذية بلجنة شؤون الشمال لأغراض التوجيه.

  15. تقدم اللجنة التنفيذية تقريراً دورياً كل ثلاثة أشهر، ومن خلال لجنة شؤون الشمال، إلى رئاسة ديوان رئاسة الجمهورية لعرضه على رئيس الجمهورية للاطلاع وتنفيذ توجيهاته بشأنه.

  16. تتولى الجهات المختصة تنفيذ هذا القرار (5).

صدام حسين
رئيس مجلس قيادة الثورة

الوثيقة (2): خطة التعريب الجديدة لعام 1993

ذكرنا سابقاً أن تعريب المناطق الكوردية في كوردستان العراق كان من أهداف الحكومة العراقية منذ العهد الملكي، وكان من صميم أهداف حزب البعث، وذكرنا أيضاً إجراءات التعريب في ستينيات القرن الماضي وسبعينياته وثمانينياته. لكن الحكومة وضعت في سنة 1993 خطة جديدة للتعريب، وهناك نسخة من الوثيقة الخاصة بها تقع في ثلاث عشرة صفحة. وقد وُضعت هذه الخطة في اجتماع بتاريخ (31/3/1993) بتوجيهات من صدام حسين، وكان الاجتماع للجنة الشمال، أي اللجنة الخاصة بتعريب كوردستان، برئاسة طه ياسين رمضان الجزراوي، الكوردي الخائن لقوميته، نائب رئيس الجمهورية.

وقد قُدمت صيغة الخطة، وهي بعنوان (الإطار العام لخطة العمل في المنطقة الشمالية)، للمناقشة من قبل أعضاء قياديين ووزير الداخلية ومدير جهاز المخابرات ومدير الأمن العام ومدير الاستخبارات العسكرية، وذلك لإضافة معلومات أخرى إليها أشمل وأقسى من سابقاتها. وقد أرسلها طه ياسين رمضان إلى أولئك الأشخاص وتلك الجهات بكتاب رسمي مرقم (3/11/390) ومؤرخ في (6/4/1993). وندرج هنا صورة الكتاب الرسمي المذكور أيضاً مع الخطة:

بسم الله الرحمن الرحيم

جمهورية العراق ـ رئاسة الجمهورية
عضو مجلس قيادة الثورة ـ نائب رئيس الجمهورية
طه ياسين رمضان
لجنة الشمال

العدد: 3/11/387
التاريخ: 14 شوال 1413 هـ ـ 5/4/1993م

سري

الرفاق:
مزبان خضر هادي
نوري فيصل شاهر
خضر عبد العزيز الدوري
عبد الرحمن أحمد عبد الرحمن
مزهر مطني عواد
وزير الداخلية
مدير جهاز المخابرات
مدير الأمن العام
مدير الاستخبارات العسكرية

الموضوع: عقد اجتماع

تقرر عقد الاجتماع الأول للجنة الشمال في مقر مكتبنا (مبنى الزقورة) في الساعة العاشرة من صباح يوم الأحد الموافق 11/4/1993، وستجري في الاجتماع مناقشة الموضوعين التاليين:

  1. خطة العمل.

  2. صلاحية اللجنة.

راجين الحضور في الزمان والمكان المحددين أعلاه، مع التقدير.

طه ياسين رمضان
نائب رئيس الجمهورية
رئيس لجنة الشمال

نسخة منه إلى: سكرتير اللجنة ـ لاتخاذ ما يلزم استعداداً للاجتماع، مع التقدير.

بسم الله الرحمن الرحيم

جمهورية العراق ـ رئاسة الجمهورية
عضو مجلس قيادة الثورة ـ نائب رئيس الجمهورية
طه ياسين رمضان

العدد: ل ش / 105
التاريخ: 14/4/1993

السيد وزير الداخلية عضو لجنة الشمال المحترم

م/ خطة العمل

في ضوء المناقشات التي جرت في الاجتماع الأول للجنة الشمال المنعقد بتاريخ 11/4/1993، نرفق طياً صورة من خطة العمل التي أعيد تنظيمها في ضوء الملاحظات التي طُرحت أثناء الاجتماع.

راجين الاطلاع وإعلامنا رأيكم النهائي بشأنها خلال مدة أقصاها ثلاثة أيام.

مع التقدير

اللواء طارق زيادة
سكرتير لجنة الشمال


أجزاء «الوثائق المتعلقة بالتعريب والترحيل والتهجير القسري للكورد في كوردستان والمناطق المتنازع عليها» (4 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني (هذا الجزء)
  3. الجزء الثالث
  4. الجزء الرابع

→ الجزء الأول  |  الجزء الثالث ←