الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

بيان 11 آذار 1970 التاريخي والحكم الذاتي لكوردستان العراق (الجزء الأول)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

انقلاب 17-30 تموز 1968 والحل السلمي للمشكلة الكوردية

في صبيحة يوم 17 تموز 1968 تمكن حزب البعث العربي الاشتراكي من القيام بانقلاب عسكري على الرئيس عبد الرحمن محمد عارف. وكان من أول المهمات التي انبرى قادة الانقلاب من حزب البعث لتنفيذها إزالة الترسبات والسلبيات التي ما زالت عالقة، وتطهير صفوف الحزب من العناصر الدخيلة. وبعد أن أمّنت الثورة سلامتها الداخلية بعد 30 تموز 1968، كان لا بد من الالتفات إلى المشكلات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، وكانت القضية الكوردية على رأس القائمة التي تنتظر الحل السريع؛ إذ «كان من عواقب القتال في كوردستان توقف الإصلاح الزراعي في المنطقة وعودة الإقطاع إلى سابق عهده. إن الإصلاحات الديمقراطية في الريف (المناطق البعيدة) لا يمكن تحقيقها إلا عند عودة الوضع الطبيعي والسير بالإصلاح الزراعي إلى الأمام».

كانت المعارك جارية في كوردستان بين الجيش العراقي والحركة/الثورة الكوردية (البارزانيين)، إذ لم تفعل الحكومة الجديدة (حكومة حزب البعث) ما فعلته الحكومات السابقة من وقف العمليات العسكرية عند تسلمها السلطة، بل تركت القوات المسلحة تستمر في عملياتها العسكرية ضد الثورة الكوردية. وظلت المعارك جارية في كوردستان العراق بين الجيش العراقي وقوات البيشمركة الكوردية حتى عام 1970م. ويظهر من قرار صدر في بغداد عن رئاسة أركان الجيش العراقي أن أي تقدم في القتال سيخفض سقف مطالب الملا مصطفى البارزاني في أية مفاوضات مقبلة.

وفي الجانب السياسي بلورت قيادة حزب البعث نظرية مفادها أن التعاون مع الملا مصطفى البارزاني، إن جرى، فلا بد أن يجري من موقع القوة والاقتدار، كي يكون الحل المتفق عليه عادلاً وموزوناً؛ أما إذا جاء من منطلق الضعف وعدم الاقتدار فلن يكون حلاً سلمياً ثابتاً، بل يُعدّ تنازلاً واستسلاماً يشجع الملا مصطفى البارزاني على التمادي. وذلك ما شجع القوات المسلحة العراقية على تطهير أكبر ما يمكن تطهيره من المنطقة الشمالية من سيطرة الملا مصطفى البارزاني في أقصر وقت ممكن.

وفي اعتقادي كان نهج حزب البعث دائماً الاعتماد على القوة والعنف لحسم المواقف، ولم يؤمن بالحوار السلمي الفعال. وقد انطلق حزب البعث العربي الاشتراكي في نظرته إلى المسألة الكوردية من المبادئ التي طرحها في مؤتمراته، إذ جدد المؤتمر القطري السابع للحزب، الذي عقد في أواخر عام 1968، موقف الحزب من هذه المسألة الوطنية المعقدة، ورسم طريق الحل المبدئي ووضعه موضع التطبيق، وأهم بنوده:

  1. احترام المطامح الكوردية للشعب الكوردي بمحتواها الوطني والتقدمي.
  2. الإيمان بحق الأكراد في الحفاظ على مقوماتهم القومية.
  3. تحقيق الديمقراطية والاشتراكية والوحدة.

وقد غدا تسريب المعلومات المقصودة عن نية حكومة بغداد حل المسألة الكوردية حلاً نهائياً سياسة ثابتة يحملها أعضاء القيادة القطرية في حلّهم وترحالهم. وفُهم منها أن النائب صدام حسين هو صاحب القرار السياسي عام 1970م، وليس الأمر كما كان مع علي صالح السعدي عام 1963م. ولكن حل المسألة الكوردية، التي باتت معقدة بسبب وجود أطراف إقليمية ودولية، كان يتطلب الصبر والحكمة.

وبعد خمس سنوات طرح حزب البعث العربي الاشتراكي موقفه من القضية الكوردية وسعيه لإيجاد الحلول لها في مؤتمره القطري الثامن الذي عقده في كانون الثاني عام 1974. ولكن ذلك كان في الحقيقة للإعلام فقط، أو حبراً على ورق دون تنفيذه بشكل عادل، أو منطلقاً من المصلحة الخاصة دون المصلحة العامة وحقوق الشعب الكوردي.

التمهيد لبيان 11 آذار 1970 التاريخي

  1. جرت اتصالات بين مسؤولين في قيادة حزب البعث العربي الاشتراكي وممثلي الملا مصطفى البارزاني في بغداد، وكانت الغاية منها أن يستطلع كل طرف نوايا الطرف الآخر خلال المرحلة المقبلة. وقد أعرب ممثلو الحكومة عن عزمهم على تنفيذ بنود بيان 29 حزيران 1966 (بيان الدكتور عبد الرحمن البزاز)، وعُيّن ثلاثة وزراء من الأكراد في الحكومة الجديدة، هم: محسن دزه يي، وإحسان شيرزاد، وطه محيي الدين معروف. واتخذت حكومة حزب البعث العربي الاشتراكي سلسلة من الإجراءات السياسية والقرارات لصالح الجماهير الكوردية بغرض عزل الملا مصطفى البارزاني وقيادته سياسياً وفكرياً، ومن جانب آخر كانت الاتصالات غير الرسمية مستمرة مع الملا مصطفى البارزاني للوصول إلى حل سلمي للمشكلات الكوردية. ويتضح من ذلك مناورة الحكومة وحزب البعث وعدم صدقيتهما مع الثورة الكوردية. وكان الأجدر الاستمرار في التحاور والتفاوض مع الملا مصطفى البارزاني، لأنه الممثل والقائد المؤيد من الشعب الكوردي، ومصدر ثقته في قيادة الحركة/الثورة الكوردية، لا غيره. لكن حزب البعث كان يحاول بذلك شق الحركة/الثورة الكوردية.

  2. لقد أثمرت الاتصالات غير الرسمية عن وصول دارا توفيق، عضو المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكوردستاني، إلى بغداد، وقد أجرى اتصالات مهمة مع القيادة السياسية العراقية استمرت من 21 إلى 25 تشرين الثاني 1969، طرح خلالها مطالب برسم الحدود الجغرافية وتقسيم الثروة الاقتصادية بين العرب والأكراد. ولكن القيادة العراقية عملت على احتواء الموقف والمماطلة كي لا يتعرقل مشروع الحكم الذاتي، فلم يستطع إلا الموافقة على مشروع الاتفاق. علماً بأن دارا توفيق قد اغتيل في بغداد ولم يُعلن عن ذلك؛ هكذا تصرفت الحكومة العراقية وحزب البعث مع الوفود الكوردية التي جاءت للتفاوض على حل المشكلة الكوردية.

  3. توجه صدام حسين بنفسه إلى ناوبردان في العاشر من كانون الثاني عام 1970، وأجرى مباحثات مفصلة وطويلة مع الملا مصطفى البارزاني، طرح فيها مشروع الحكومة المتكامل لمنح الشعب الكوردي الحكم الذاتي ضمن إطار الجمهورية العراقية.

اتفاقية 11 آذار/مارس 1970

كان بيان الحادي عشر من آذار عام 1970 أهم الخطوات التي سبقته جميعاً، إذ تناول صميم المشكلة الكوردية في العراق ليجد لها العلاج الصحيح. فبموجب هذا البيان، الذي أصدره مجلس قيادة الثورة بعد الاتفاق على نقاطه مع قائد الحركة الكوردية المسلحة وزعيمها المناضل الملا مصطفى البارزاني، تم الاعتراف القانوني بالحكم الذاتي للشعب الكوردي في العراق، وحُدد سقف زمني مدته أربع سنوات لإكمال جميع خطوات التطبيع وإعادة الأمور إلى مجاريها وتصفية آثار حرب الاقتتال بين الإخوة، ليصدر بعده قانون الحكم الذاتي في 11 آذار عام 1974.

كان بيان 11 آذار 1970م عملاً لم يسبق له مثيل في أي من الدول الأربع التي تتوزع كوردستان فيما بينها، مما أثار حنق مختلف القوى الإقليمية المعادية لطموحات الشعب الكوردي العادلة، فأخذت هذه القوى جميعها تعمل على التصدي لمضمون البيان ووضع العراقيل في سبيل تحقيقه وإفراغه من محتواه التقدمي والقومي الصحيح. وقد تم لها ذلك بالفعل من خلال الأيادي الخبيثة التي كانت تعمل علناً أو في الخفاء لهذا الغرض داخل الطرفين المختلفين. وما محاولة اغتيال إدريس البارزاني في بغداد، ومحاولة تفجير مقر قائد الثورة الكوردية الملا مصطفى وهو فيه مع ضيوفه من رجال الدين القادمين من بغداد، وكذلك ما نُسب إلى الملا مصطفى البارزاني من معاداة تأميم النفط العراقي، ومن تصريح بهذا الشأن قيل إنه أدلى به إلى جريدة أمريكية واسعة الانتشار، إلا نماذج صارخة لهذه المحاولات من قبل الحكومة العراقية وقيادة حزب البعث، بغرض عرقلة البنود المتفق عليها مسبقاً في بيان 11 آذار 1970.

وكيفما كان الأمر فقد توتر الجو بين الطرفين من جديد شيئاً فشيئاً، وأدى تعثر التعاون بين الجانبين في حل العديد من المشكلات المعلقة إلى استعصاء إيجاد مخرج من المآزق التي وقع فيها البيان. وبذلت القوى الشريرة، وعلى رأسها الاستعمار الأمريكي والدول الرجعية في المنطقة، وبخاصة الجارتان اللتان تعانيان من مشكلة كوردية مزمنة، وهما إيران وتركيا، كل جهودها للتأثير على الجانب الكوردي ودفعه إلى ألا يرى الأخطار المحدقة بالقضية الكوردية نفسها قبل غيرها، وذلك بحجب إمكانية الوقوف موقفاً وسطاً عنه، والتضحية بتأجيل حل بعض المشكلات الجزئية في سبيل عدم إضاعة الفرصة على المسألة الأصلية، إلى أن استؤنف القتال.

وكانت النتيجة أن اتفق الجانب العراقي مع إيران على تلبية بعض المطالب الإيرانية مقابل وعد إيران بالتخلي عن التزامها تجاه الجانب الكوردي ونفض يدها منه. ولأن القيادة الكوردية لم تكن قد دخلت الرهان معتمدة قبل كل شيء على القوى الذاتية للشعب الكوردي، بل على القوى الخارجية التي لا يمكن أن تنظر إلا إلى مصالحها الذاتية الخاصة أولاً وأخيراً، فقد انهارت الحركة الكوردية حين انقطعت عنها مساعدات الجهات المعادية أصلاً وطبيعةً لكامل المطامح القومية الكوردية. في حين كان على هذه القيادة الكوردية أن تجد خطها الصحيح في إيجاد نقطة التقاء مع القيادة العراقية، رغم كل عوامل الخلاف، أملاً في إتاحة الفرصة في المستقبل لإيجاد علاج لمشكلات الطرفين المعلقة، وأن تصغي إلى نصائح أصدقاء الشعب الكوردي من داخل العراق والبلاد المجاورة ومختلف أنحاء العالم.

ومن جراء انهيار الحركة الكوردية هاجر آلاف الأكراد الذين جمعتهم من قبل صفوف الحركة المسلحة إلى إيران، ومنها إلى مختلف أنحاء العالم، وكانت عوائل معظمهم قد استقرت من قبل في إيران. وسلّم عشرات الألوف من البيشمركة أسلحتهم إلى السلطات العراقية، واستتب الأمر للسلطات العراقية في كوردستان بعد أكثر من عشرة أعوام، ولم يبق هناك أي أثر لوجود عسكري مناوئ للسلطة المركزية. وبهذا سنحت لهذه السلطة المركزية فرصة لحل المسألة الكوردية بشكل آخر لم تسنح لها إلا بعد صدور قانون الحكم الذاتي تطبيقاً لبيان 11 آذار عام 1974م، وهو حل واقعي وصحيح لو استُغلّت هذه الفرصة بصورة سليمة.

كان قانون الحكم الذاتي قد صدر قبل ذلك بسنة، وكانت سلطات الحكم الذاتي قد أقيمت، وكانت هناك قوانين تقدمية في البلاد، كقانون الإصلاح الزراعي للعراق ككل، والقانون رقم (90) لحل مشكلة الأرض في كوردستان، وقانون العمل، وظروف مواتية أخرى، كوجود جبهة وطنية وقومية تقدمية وتوجه اشتراكي لحل مشكلات الجماهير وغير ذلك، ولكن الفرصة ضُيّعت مرة أخرى.

فقد كان وضع السلطتين التشريعية والتنفيذية في كوردستان غير متناسب بأي حال مع واقع المسألة القومية الكوردية، ومدى وعي الشعب الكوردي وطموحاته التي كانت حصيلة عشرات السنين من الآلام والمعاناة. وبدلاً من بذل المزيد من الجهود لإعمار القرى والقصبات الكوردية التي تعرضت للخراب والدمار خلال سنوات حرب الاقتتال بين الإخوة، وبناء المدارس والمستوصفات فيها، وربطها بسائر مناطق كوردستان والعراق بشبكات من الطرق المعبدة، ومد أسلاك الكهرباء إليها، وتجهيزها بالماء الصالح للشرب، فقد دُمّرت آلاف القرى والقصبات الكوردية على امتداد الحدود العراقية الإيرانية والتركية في البداية، وفي سائر المناطق الكوردية فيما بعد، وجُففت الينابيع، وأُتلفت المزارع والبساتين، وتم التخلص عملياً من عشرات الألوف من رؤوس المواشي والدواب. وجُمع سكان تلك المناطق في مجمعات سكنية في أطراف المدن الكبيرة، يعتمدون في معيشتهم على ما توفره لهم الدولة لا على عملهم الأصلي في الزراعة، وتُركت المساحات الشاسعة من الأراضي الزراعية دون زراعة، أو زُرع قسم منها بالأدوات الزراعية لصالح أناس من العرب القادمين والوافدين إليها من وسط العراق وجنوبه، وهم لا يملكونها ولا يمتّون إلى المنطقة الكوردية بصلة. وكان مجرد العثور على قطعة سلاح لدى أي مواطن كوردي كافياً للحكم عليه بالإعدام وتنفيذ الحكم فيه. وهكذا تحول مئات الألوف من أبناء الشعب الكوردي إلى قطيع بشري مهمل غير منتج، يقضي أيامه في المقاهي يلعب الدومينو والطاولة لا غير!

وقد أدت كل هذه الأعمال السلبية، التي طعنت كرامة الشعب الكوردي في الصميم، إلى انبعاث الحركة الكوردية المسلحة مجدداً، وظهر العديد من الأحزاب السياسية العسكرية، وغدت كوردستان مجدداً بلداً غير آمن تسوده ظروف الحرب وأعمال العنف، وكل ما يستتبع ذلك من إجراءات تحدّ من أبسط حريات المواطنين.

وهكذا كانت الأوضاع تسوء شيئاً فشيئاً، حتى إنه عندما اندلعت الحرب العراقية الإيرانية في أيلول عام 1980 وجدت السلطات الإيرانية بين الفئات الكوردية المسلحة من يقف إلى جانبها، ووجد الألوف من الجنود الكورد العراقيين طريقهم إلى مغادرة الجيش العراقي متذرعين بالانضواء إلى وحدات (أفواج) الدفاع الوطني، التي كان في وجودها بالغ الضرر بالقيم الوطنية؛ فمن جهة كانت هذه الوحدات/الأفواج مجرد وحدات مرتزقة تستغل الظروف الصعبة القائمة في كوردستان، ومن جهة أخرى كانت وبالاً على أبناء الشعب الكوردي بحكم كونها وحدات حكومية تقاتل ضد الثورة الكوردية.

فلو أن الحكومة قامت، بدلاً مما قامت به في كوردستان، باستثمار الطاقات الإنتاجية في المنطقة، وأقامت المشاريع الزراعية والصناعية، وأرضت الشعب الكوردي بتحقيق مطالبه القومية وحقوقه الوطنية المشروعة، وأعطته الفرصة لاختيار ممثليه الحقيقيين في أجهزة الحكم الذاتي، واعتمدت على العناصر الكفوءة النظيفة المخلصة، وبذلت الجهود لإقناع الجماهير الكوردية بأنها المعبرة الحقيقية عن طموحاتها وآمالها وأنها في خدمتها حقاً وصدقاً، واقتنع الناس (الشعب الكوردي) بذلك عن تجربة، لاختلف الأمر تماماً، ولساد روح الصفاء والمودة بين الشعب (بعربه وكورده) والحكومة، بدلاً من أن يلعلع الرصاص من جديد ويعم الدمار والخراب.

لسنا بصدد الحديث عن التطورات المؤلمة التي آلت إليها الأمور فيما بعد، من تدمير البقية الباقية من القرى والضياع والقصبات الكوردية عدا مراكز المدن الرئيسية، وسوق عشرات الألوف من الأكراد إلى مصائر مجهولة، مما سبّب للعراق نكسات سياسية وأخلاقية كبيرة كان في غنى عنها على كل حال، ولا عما جرى بعد تحرير الكويت والعدوان الأمريكي والمتحالفين مع الولايات المتحدة، وقيام الهبّة/الانتفاضة الكبيرة في كوردستان في ربيع 1991، التي أدت إلى انسحاب السلطة المركزية من مناطق شاسعة من المحافظات الكوردية. ولكني أود الإشارة إلى أن الآمال التي عقدتها الجماهير الكوردية على الوضع الذي قام في كوردستان قد تلاشت إلى حد غير قليل وضعف بريقها، وأن الهوة التي قامت بين بغداد وجماهير المنطقة الكوردية في أوائل عام 1991 لم تعد عميقة كما كانت. وليس ذلك بفضل ما قامت به السلطة في بغداد من أعمال لصالح الجماهير الكوردية، وإنما بسبب الوضع المعاشي والأمني السيئ الذي وجدت هذه الجماهير نفسها فيه من جراء سياسة الاقتتال والعنف المتبادل التي اتبعها الطرفان المتصارعان في كوردستان.

ولهذا السبب أرى أنه، رغم كل ما جرى بحق الشعب الكوردي، كان بإمكان السلطة أن تفتح لنفسها الطريق إلى كوردستان وإلى قلوب الشعب الكوردي إن هي تخلت فعلاً عن نهجها المتبع من قبل (الإبادة الجماعية والقتل والتدمير والتهجير القسري)، وسلكت طريق الأمان والسلام والاستقرار وكسب ثقة الشعب الكوردي، طريق الانسجام مع أماني الشعب الكوردي ومطامحه. وأرى أن ذلك كان يمكن أن يبدأ، بادئ ذي بدء، بإلغاء السيطرات المتتالية التي تنهب المواطنين وتسلبهم، ورفع الحصار، ولا سيما عن النفط والبنزين والغاز (في النظام السابق وقبل احتلال العراق)، ويتلوه إعلان عفو عام عن جميع أنواع مخالفات القانون التي ارتكبت في كوردستان دون استثناء، مع ضمان ألا تكون هناك ملاحقات من أي نوع من قبل أجهزة الأمن المختلفة والأجهزة الحزبية (البعثية) لأي من المشمولين بالعفو، وإعلان الاستعداد للدخول في حوار مع الجهات السياسية القائمة في كوردستان التي تتولى السيطرة الفعلية على الأوضاع هناك، على أن يشمل الحوار جميع الشعارات السياسية المطروحة من قبل الحزبين الحاكمين هناك. وعبر هذا الأسلوب، الذي ينبغي أن يظل باب الدعوة إليه مفتوحاً حتى يتم التوصل إلى نتائج إيجابية، كان يمكن إنهاء حالة القطيعة، وقطع أيادي الجهات الأجنبية التي تجد في الوضع القائم هناك وسيلة لتدخلاتها، والتوصل إلى عودة كوردستان إلى أحضان الوطن الأم، مع ضمان حالة يطمئن فيها الشعب الكوردي إلى تحقيق أمانيه، وإلى أن كفاحه الطويل عبر السنين قد أدى إلى نتائجه المرجوة، ضمن وحدة وطنية عراقية صادقة وأخوة عربية كوردية حقيقية مبنية على الاحترام المتبادل والحقوق المتكافئة (هذا في عهد النظام السابق، أي نظام حزب البعث).

بيان 11 آذار 1970 والحل السلمي للقضية الكوردية: ردود الفعل المحلية والعربية والعالمية

لقد كان بيان 11 آذار 1970 بحق حدثاً تاريخياً وإنجازاً سياسياً ثورياً في تاريخ العراق وشعبه بشكل عام، إذ استقبله عموم الشعب العراقي، بعربه وكورده، بالترحيب والفرح. أما على المستوى العربي فقد قوبل البيان بالترحيب والتأييد المطلق من أبناء الوطن العربي من محيطه إلى خليجه، وتلقت الحكومة وقيادة حزب البعث العديد من برقيات التأييد من أغلب رؤساء الدول العربية. وأما على الصعيد الدولي فقد قوبل القرار بالارتياح من أصدقاء العراق. وأما إسرائيل فقد اتضحت مخاوفها، ولم يعد بإمكانها التستر على قلقها وتشاؤمها من حل القضية الكوردية سلمياً؛ إذ قالت صحيفة «معاريف» الصهيونية إن الحل السلمي للمشكلة الكوردية سيمكّن الحكومة العراقية من توجيه إمكاناتها العسكرية نحو الخارج، وقالت صحيفة «دافار» الناطقة بلسان حزب العمال الصهيوني إن بيان 11 آذار سيمكّن العراق من المشاركة في مواجهة مستقبلية ضد إسرائيل.

أما الحزب الشيوعي العراقي فقد جاء رده على بيان 11 آذار واضحاً على لسان السكرتير الجديد للحزب إبراهيم علاوي، عندما بدأ يضرب على وتر القومية (أي الاعتراف بحقوق الكورد) بقوله: إن في العراق حزبين حاكمين لشعب العراق، هما حزب البعث والحزب الديمقراطي الكوردي. وهو ما أدى إلى احتكاك بين أجهزة الأمن والشيوعيين، أدى إلى مقتل محمد أحمد الخضري، عضو لجنة بغداد الشيوعية، في الثالث والعشرين من آذار عام 1970.

بيان 11 آذار 1970م على صعيد التنفيذ

  1. لقد جاء بيان 11 آذار عام 1970 بعد حوار طويل بين سلطة انقلاب 17-30 تموز 1968 والقيادة الكوردية، فكان في الحقيقة انعكاساً للواقع السياسي الذي صار إليه العراق والسلطة، كما كان استجابة لواقع قائم مفروض على الحكومة وسلطتها، حين أقدمت السلطة على فتح باب الحوار مع الملا مصطفى البارزاني، الذي كان يقاتل من أجل الحقوق الكوردية دفاعاً عن الشعب الكوردي. لقد جاء بيان 11 آذار بمبادرة من حزب البعث العربي الاشتراكي لمنح الشعب الكوردي الحكم الذاتي الذي لم يحصل عليه سابقاً من أي من الحكومات التي تولت دفة الحكم في العراق. وقد قُدّم الحكم الذاتي إرضاءً للشعب الكوردي لا إرضاءً للملا مصطفى البارزاني وحزبه، بل كانت غاية الحكومة العراقية وقيادة حزب البعث أن تكسب الجماهير الكوردية على وجه الخصوص، وأن تعزل قيادة الحركة الكوردية أو تشق صفوفها. وفي هذا الصدد يقول صدام حسين: «بيان 11 آذار هو قانون للشعب، خرج عن كونه بياناً صاغه زيد أو عمرو». فقد كان هدف الحكومة العراقية وحزب البعث إحداث شرخ في الحركة/الثورة الكوردية وانقسامها على نفسها بغرض إضعافها.

  2. لم يقف الملا مصطفى البارزاني، ومن ورائه الحزب «البارتي»، مع بيان 11 آذار 1970 لأسباب منها: عدم ثقة الملا مصطفى البارزاني بالحكومة وبتنفيذها مجمل النقاط التي وردت في البيان بالشكل الكامل وحسب ما خُطط له واتُّفق عليه، وعلمه بمناورة الحكومة وقيادة حزب البعث وخداعهما بعدم تنفيذ جميع نقاط البيان؛ والتأثير الخارجي على الحركة الكوردية، إذ نجده يتطلع إلى ما وراء الحدود ويطلب العون والدعم الإعلامي والسياسي والعسكري لحركته من حلفائه الأمريكان وإيران، لمعرفة القيادة الكوردية بمناورة حزب البعث لكسب الوقت وعدم تنفيذ جميع مواد البيان المتفق عليه؛ وكذلك شعور هذه الأوساط بأن الحكم الذاتي الذي تقررت إقامته في 11 آذار 1974 إنجاز ثوري تقدمي يثير حقدها ويمس مصالحها، ولا سيما بسبب حقوق الأكراد في إيران وتركيا. وأعتقد أن السبب هو عدم ثقة الملا مصطفى البارزاني بنوايا الحكومة، وأن البيان يخدم السلطة المركزية وحزب البعث أكثر مما يخدم الحركة الكوردية والشعب الكوردي. وقد أشارت صحيفة «نيويورك تايمز» إلى أن وكالة المخابرات الأمريكية زودت الملا مصطفى البارزاني بالمال والسلاح، واعترف البارزاني نفسه بأن الرئيس الأمريكي السابق نيكسون ووزير خارجيته كيسنجر قد وعداه بتقديم كل العون العسكري له، كما اعترف الملا مصطفى البارزاني بالمساعدات الإيرانية. وأعتقد أن هذا ليس عيباً لقائد يتحمل مسؤولية الحصول على الحقوق القومية لشعبه الكوردي أمام حكومة العراق وحزب البعث، الذين يصعب أن يلتزموا بوعدهم، لأن تجارب الحركة الكوردية ومفاوضاتها مع جميع الحكومات السابقة كانت مناورة سياسية لكسب الوقت والإيقاع بالحركة والثورة الكوردية وبحقوق الكورد القومية.

    وقد تقررت مساعدة الملا مصطفى البارزاني بشكل سري في اجتماع بين البارزاني والشاه وكيسنجر، وزير الخارجية الأمريكي، في آذار عام 1972، وقرر الرئيس الأمريكي نيكسون تخصيص مبلغ من ميزانية وكالة المخابرات المركزية (CIA) للحركة الكوردية.

  3. وجه الملا مصطفى البارزاني دعوة مفتوحة إلى الأمريكان لمساعدته وتبني قضيته في منتصف عام 1973، وقبل ذلك بعام هاجم الملا مصطفى البارزاني قرار تأميم النفط، إذ قال لمراسل «هيرالد تربيون»: «إننا على استعداد للسير وفق خطط السياسة الأمريكية في هذه المنطقة إذا حمتنا من الذئاب، وبالقوة سنفرض سلطتنا على آبار نفط كركوك ونضمن تدفق النفط، وإن قرار التأميم موجه ضد الأكراد ولا نؤيده أبداً». وكان التأميم في صالح الحكومة، لأنها تصبح قوية بفضل عائدات النفط، وهي في الأساس لم تكن تؤمن بحل القضية الكوردية وبحقوق الشعب الكوردي. وكانت أفكار الملا مصطفى البارزاني مخالفة لسياسة الحكومة لشعوره بأنها ضد الثورة الكوردية، وعليه وضعت الحكومة خطة لعزلهم لتعود الحركة الكوردية، أو قسم منها، إلى جانب الحكومة؛ هكذا كان قرار القيادة السياسية بغرض شق الحركة والثورة الكوردية، لكن ذلك لم يُرضِ الملا مصطفى البارزاني والشعب الكوردي. وفعلاً بدأت نوايا الخلاف تتحرك في نفس الملا مصطفى البارزاني وقيادته، وبدأت المشكلات في المنطقة الكوردية لعرقلة إجراءات قانون الحكم الذاتي في موعده المحدد 11 آذار 1974. لقد قام البارزاني والحزب الديمقراطي الكوردستاني بمحاولات لتأخير الموعد لإيجاد الحلول المناسبة للأكراد حسب ما اتُّفق عليه، وعدم إتاحة المجال للمراوغة وعدم صدقية الحكومة في تنفيذ جميع بنود بيان 11 آذار 1970 كما اتُّفق عليه سابقاً. وكانت القيادة تلتزم جانب الصمت والإهمال أمام هذه المطالب للقيادة الكوردية، وكان الملا مصطفى البارزاني يفسر ذلك ضعفاً، لكن القيادة قررت عدم التفريط في هذا الإنجاز في موعده المقرر 11 آذار 1974 مهما كان الثمن. وباعتقادي كان على الحكومة وقيادة حزب البعث أن تكسب الملا مصطفى البارزاني والحزب الديمقراطي الكوردستاني، لأنهم يمثلون غالبية الشعب الكوردي، ولأن الشعب الكوردي يؤمن بقيادتهم أولاً، ولما فيه صالح العراق ثانياً.


أجزاء «بيان 11 آذار 1970 التاريخي والحكم الذاتي لكوردستان العراق» (4 أجزاء):

  1. الجزء الأول (هذا الجزء)
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث
  4. الجزء الرابع

الجزء الثاني ←