الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
بيان 11 آذار 1970 التاريخي والحكم الذاتي لكوردستان العراق (الجزء الخامس)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
الملا مصطفى البارزاني يرفض نداء السلام: بيان 11 آذار 1970 وتطبيقاته في 11 آذار 1974
رفض الملا مصطفى البارزاني بيان 11 آذار 1970 وانحاز إلى رفع السلاح في وجه السلطة، فقررت قيادة حزب البعث العربي الاشتراكي إعطاء الملا مصطفى البارزاني فرصة أخيرة مدتها شهر لإعلان ولائه وتسليم نفسه، على أن يكون مواطناً كوردياً عادياً لا يتدخل في الشؤون السياسية للدولة. وقال النائب صدام حسين: «لا يمكن التخلي عن القضاء على الملا مصطفى البارزاني وأعوانه، وعليه أن يرفع الراية البيضاء قبل فوات الأوان».
وبتقديري كان يجب أن يستمر التفاوض مع الملا مصطفى البارزاني، لأنه كان يمثل الشعب الكوردي وقيادته، إذ نرى أن الحركة الكوردية استمرت بعد وفاته بقيادة ابنيه مسعود وإدريس والحزبين الكورديين الرئيسيين. ويجب ألا يغرّنا ما تقوله القلة فيصبح الأساس في نهج الدولة لحل هذه المشكلة (القضية الكوردية). وكذلك نلاحظ أن نهج حزب البعث قد اعتمد على القوة والبطش والسلاح لحل القضايا، وعدم الاعتراف بالحوار والحلول السلمية ونتائج المفاوضات التي يتم التوصل إليها.
استغل الملا مصطفى البارزاني انسحاب القطعات العسكرية من كثير من المواقع الاستراتيجية والمهمة في كوردستان بعد بيان 11 آذار 1970، بوصفه بادرة حسن نية من السلطة المركزية بين عامي 1970 و1974، فعمل على بناء استحكامات وتحصينات، وكدّس الأسلحة والذخيرة لمواجهة الجيش العراقي.
بدأت العمليات العسكرية على نطاق واسع في نهاية نيسان عام 1974، بعد انتهاء مرحلة الإنذار مباشرة. وكان الملا مصطفى البارزاني وقتها في غار جبلي في منطقة آزادي القريبة من حاج عمران، واتُّخذت منطقة جومان لإقامة أعضاء المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكوردستاني، والمكتب العسكري في منطقة ناوبردان. لقد كانت خطة القيادة العامة منذ بداية العمليات فتح طرق المواصلات التي قطعتها الحركة الكوردية عن معظم المدن الشمالية، وإقامة قواعد أمينة في مختلف قواطع العمليات للانطلاق منها إلى تحرير كل المناطق الكوردية في كوردستان. وكانت هذه الخطة معدة سابقاً من قبل الحكومة، وهذا دليل على نية الحكومة تجاه الحركة والثورة الكوردية بغرض القضاء عليها. وبعد بضعة أيام من التقدم فرّ المقاتلون الأكراد (البيشمركة) تاركين خلفهم مواقعهم وأسلحتهم وتجهيزاتهم في مختلف قواطع العمليات، عدا منطقة راوندوز وحاج عمران، بسبب عدم التكافؤ بين الجانبين.
في نهاية تموز 1974 بدأت قوات الجيش مهاجمة أوكار البيشمركة (الحركة الكوردية) الكائنة في جبال راوندوز، وفي أيلول 1974 سقط جبل زوزك، مما أدى إلى انسحاب القيادة الكوردية، وجعل الملا مصطفى البارزاني يفقد الأمل في الاستمرار بالقتال؛ وذلك بسبب موقف شاه إيران وأجهزة المخابرات الإيرانية التي تخلت عن الملا مصطفى البارزاني، بالرغم من تدخلها السافر (بالتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية) ودعمها العسكري لقوات الثورة الكوردية في ذلك الوقت.
كان الموقف العسكري للملا مصطفى البارزاني سيئاً جداً في أوائل عام 1975م، وأيقن الشاه أن الملا مصطفى البارزاني لم يعد قادراً على الصمود بعد سحب الدعم الإيراني وإغلاق الحدود الإيرانية أمام الثورة الكوردية، مما جعل شاه إيران يوافق على مبادرة الرئيس الجزائري هواري بومدين عندما حضر مؤتمر قمة الأوبك في الجزائر، الذي حضره كذلك صدام حسين، فكانت اتفاقية 6 آذار 1975 (التي عرفت باتفاقية الجزائر)، وتم فيها الاتفاق على حل الخلافات بين العراق وإيران بالطرق الدبلوماسية ونبذ أسلوب القوة. وما إن تناقلت الأنباء والإذاعات نبأ الاتفاقية حتى انهارت الحركة/الثورة الكوردية والملا مصطفى البارزاني، وأصدرت القيادة العراقية عفواً عاماً عن الأكراد بعد لجوء الملا مصطفى البارزاني وأتباعه إلى إيران. وشهدت الفترة بين عامي 1975 و1980 هدوءاً نسبياً في كوردستان العراق. وباعتقادي الشخصي كانت اتفاقية الجزائر في 6 آذار 1975 تنازلاً عن سيادة العراق في شط العرب وعن بعض الأراضي لإيران، مقابل إنهاء الحركة القومية الكوردية والقضاء على الملا مصطفى البارزاني فقط، وكان الأجدر التنازل لشعبه الكوردي ضمن العراق الواحد مع بقاء سيادة العراق.
بيان حكومة الدكتور عبد الرحمن البزاز في 29 حزيران 1966
- اعتراف الحكومة العراقية بالقومية الكوردية في الدستور الدائم، بحيث تصبح هناك قوميتان: العربية والكوردية.
- الاعتراف بقانون المحافظات على أساس اللامركزية، بحيث يكون لكل لواء وناحية شخصية معنوية معترف بها.
- اعتراف الحكومة باللغة الكوردية لغةً رسمية مع اللغة العربية في المناطق التي غالبيتها من الأكراد، وتكون لغة تعليم مع العربية.
- يمثَّل الأكراد في المجلس الوطني بالعدد الذي يتناسب مع عدد سكان كوردستان.
- مشاركة الأكراد وإخوانهم العرب في كافة الوظائف العامة حسب نسبة سكانهم.
- تخصيص عدد من البعثات الدراسية لهم، وكذلك تدريس اللغة الكوردية في جامعة بغداد.
- يكون الموظفون في الألوية والأقضية الكوردية من الأكراد.
- إنشاء بعض التنظيمات السياسية، وتمكين الصحافة من التعبير عن رغبات الشعب.
- عندما تنتهي أعمال العنف يصدر العفو العام عن كافة المشاركين في أحداث الشمال.
- على منتسبي القوات المسلحة العودة إلى وحداتهم فور صدور هذا البيان.
- تؤلَّف لجنة خاصة لإعمار المنطقة الكوردية.
- تسعى الحكومة إلى توطين كل الأفراد والجماعات الذين نزحوا أو هربوا من مناطقهم.
وكانت هناك ثلاثة بنود غير معلنة في البيان، هي:
- لا مانع لدى الحكومة من تكوين لواء باسم لواء دهوك يضم الأقضية من لواء الموصل.
- توافق الحكومة على ممارسة الحزب الديمقراطي الكوردستاني نشاطه السياسي بشكل علني أسوة بالأحزاب السياسية الأخرى.
- تلتزم الحكومة بمبدأ إصدار العفو العام عن السجناء والمعتقلين السياسيين، عدا مرتكبي الجرائم العادية، على أن يتم ذلك على مراحل.
كانت الهزيمة المُرّة للعرب أمام إسرائيل عام 1967 قد طرحت تساؤلات في الشارع العربي، ولدى الأحزاب الوطنية والمعارضة، ومثقفي البلدان الثلاثة، عن جدوى وجود الأنظمة العسكرية المتلاحقة، بما فيها العراق الذي استمر فيه الحكم العسكري منذ عام 1958. ودعت الهزيمةُ الرئيسَ عبد الرحمن عارف هذه المرة إلى التحسب للوضع المالي (إذ إن معظم موارده من النفط)، ولضغوط قادة الجيش بشأن ضرورة تجهيز الجيش بأسلحة سوفيتية أكثر تطوراً من التي استخدمت في حرب 1967م، كما كان عليه مراعاة تكاليف حشد عدد كبير من فرق الجيش المتواجدة في الأردن في أعقاب هزيمة حرب حزيران.
ومن القرارات التي اتخذها الرئيس عبد الرحمن محمد عارف لتخفيف الأثر النفسي للهزيمة العسكرية أنه بادر إلى قطع العلاقات الدبلوماسية مع كل من الولايات المتحدة وبريطانيا، مقابل تقويتها مع كل من الاتحاد السوفيتي وفرنسا، والأخيرة أملاً في الحصول على سلاحها المتطور، فيما استثمرت الحكومة خبرة السوفيت في معاونة شركة النفط الوطنية العراقية على استغلال حقل الرميلة الشمالي في محافظة البصرة. وفي تشرين الثاني 1967م أعطت الحكومة امتيازاً لشركة النفط الفرنسية إيراب (Erap) للتنقيب عن النفط واستخراجه في وسط العراق وجنوبه بغية الحصول على العملة الصعبة.
وفي الجانب الآخر بدت العلاقات الجديدة مع السوفيت، بسبب هزيمة العرب العسكرية، عاملاً مفيداً لنشاط الحزب الشيوعي في عموم المنطقة العربية، وبضمنها العراق الذي انحسرت فيه قوة الحزب ونفوذه في أعقاب مطاردة ميليشيات الحرس القومي لأعضائه خلال حكم البعث الأول عام 1963م. وبقي الحزب الشيوعي، منذ هزيمته المُرّة، يعارض بقوة حكم عبد السلام عارف وشقيقه عبد الرحمن عارف، واصفاً إياه بأنه يمثل «عسكرية رجعية» وحكم العشيرة الواحدة، وهو ما مهد للرموز الشيوعية أن تشكل قوة «فدائية» من خلاياها النائمة في العراق تمهيداً للقيام بانقلاب ضد نظام حكم الأخوين. وكانت مناطق الفرات الأوسط والأهوار أماكن مناسبة لنشر الأفكار الشيوعية بقيادة عزيز الحاج تحت اسم «القيادة المركزية».
لم يكن الحزب الشيوعي وحده من يريد استعادة قوته أو الوصول إلى قلب السلطة، بل كان حزب البعث هو الآخر، عبر رموزه القيادية في الظل، يعيد تنظيم نفسه ويخلق خلايا سرية جديدة داخل الجيش، رغم الضربة التي أضعفت كوادره عام 1964م.
واغتنم حزب البعث العاصفة الشعبية التي هبّت بعد هزيمة حرب حزيران 1967م، واندلاع المظاهرات والمسيرات العنيفة في بغداد وغيرها من مدن العراق، ليبرز صدام حسين عنصراً مؤثراً في توسيع تنظيم الحزب ضد الحزب الشيوعي، وضد حكومة طاهر يحيى المتهمة بالفساد. وذهب حزب البعث إلى أبعد من ذلك بتقديم عريضة دعا فيها عبد الرحمن عارف إلى تأليف حكومة وحدة وطنية، وهي تعبير عن الحضور القومي لتنظيم البعث، الذي ظهر مؤيدوه في مظاهرات عام 1952م تحت اسم «رابطة الشباب القومي»، كما تشير إلى ضعف نظام عبد الرحمن عارف وهشاشته.
الحكم الذاتي لكوردستان العراق ومستلزمات تطبيقه
كان شهر آذار من عام 1974م الذكرى السنوية الرابعة لصدور بيان الحادي عشر من آذار لعام 1970م، وبذلك انتهت المدة التي حُدِّدت لتطبيقه. لقد انتقل الحكم الذاتي لكوردستان العراق ضمن إطار الجمهورية العراقية إلى شعار ينتظر التطبيق الفوري، حسب ما اتُّفق عليه بين الحكومة العراقية والحركة الكوردية. وهكذا تدخل حركة الشعب الكوردي في العراق خاصة، وفي كافة أجزاء كوردستان عامة، طوراً جديداً مهماً من أطوارها، سيكون له أثره في مستقبل هذه الحركة التحررية الديمقراطية، وبالتالي في مستقبل الشعب الكوردي الذي يستهدف في نضاله تحقيق أوضاع طبيعية يستطيع في ظلها أن يمارس حقوقه القومية، وتحقيق التقدم الاجتماعي.
يُعدّ قانون الحكم الذاتي وثيقة على غاية من الأهمية؛ فمنذ معاهدة سيفر في 10 آب عام 1920م، التي نصت على بعض الحقوق القومية للشعب الكوردي لأهداف وغايات لم تنطلق من مصلحته ولا من الإيمان بحقوقه، لم توجد أية وثيقة رسمية صادرة عن دولة تنص على هذه الحقوق. بل على العكس من ذلك، فإن نهج دول الجوار التي يعيش في ظلها الشعب الكوردي ومواقفها كانت تتسم بالعداء لمطامحه وحقوقه القومية، وبالشوفينية القومية، وباتباع أساليب القهر والقمع ضد نضاله. فالنظام في العراق، بإصداره قانون الحكم الذاتي بوصفه وثيقة رسمية تجسد سياسته إزاء القضية الكوردية، إنما يخطو بذلك خطوة نوعية تقدمية. فالعراق هو أول دولة في المنطقة يعيش في ظلها جزء من الشعب الكوردي تتخذ موقفاً تقدمياً ديمقراطياً من حقوق هذا الشعب، متجسداً في إقرارها بالحكم الذاتي له ضمن إطار الجمهورية العراقية، وترفع هذا الموقف إلى مستوى السياسة الرسمية للدولة.
إن الوصول إلى هذه النتيجة جاء بفعل عوامل عديدة، يأتي في مقدمتها نضال الشعب الكوردي المفعم بالشجاعة والبطولة والتضحيات، والمسنود من القوى الديمقراطية والثورية في بلادنا وفي العالم كذلك، واعتراف السلطة السياسية في العراق بالحقوق القومية المشروعة للشعب الكوردي وعملها على وضعها موضع التطبيق. لكن السلطة الحاكمة، مع الأسف، لم تكن مقتنعة بتنفيذ جميع القرارات المتفق عليها مسبقاً لصالح الشعب الكوردي.
لقد ناضل الحزب الديمقراطي الكوردستاني منذ تأسيسه عام 1946م من أجل حقوق الشعب الكوردي، منطلقاً من مبدأ حق تقرير المصير للشعب الكوردي.
وقد انطلق الحزب الديمقراطي الكوردستاني دائماً من الظروف الملموسة، ومن مصالح النضال العام للشعب العراقي بعربه وكورده وأقلياته القومية في سبيل التحرر والديمقراطية والعدالة الاجتماعية. ولذلك استند باستمرار، عند تحديده الأهداف الخاصة بحقوق الشعب الكوردي، إلى المنطلقات التالية المترابطة فيما بينها ترابطاً موضوعياً:
- الموقف المبدئي المنطلق من الاعتراف بحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره بنفسه.
- الموقف من نضال الشعب العراقي، والمطالبة بالديمقراطية للشعب العراقي وبالحقوق القومية للكورد.
- مجرى التطورات في الحركة السياسية للشعب الكوردي، والمواقف التي تتخذها أطرافها المختلفة إزاء قضيته القومية.
بيد أن المنطلق الرئيسي هو ضمان المصالح الأساسية للكورد ولطبقات المجتمع العراقي كافة.
وعليه فقد تمسك الحزب الديمقراطي الكوردستاني باستمرار بموقفه المبدئي تجاه المطالب الكوردية، وبالاعتراف بالحق المطلق للشعب العراقي في الديمقراطية وفي تقرير مصيره بنفسه، وبتحقيق الحكم الذاتي لكوردستان العراق.
وتميز القيادة الكوردية بين مواقفها هذه وبين مواقفها من الأحزاب والجماعات القومية العاملة في صفوف الحركة الكوردية. ويتميز موقف الحزب الديمقراطي الكوردستاني من قضية الشعب الكوردي بكونه أكبر الأحزاب القومية العاملة في الثورة والحركة الكوردية، وهو الذي قاد الثورة والحركة الكوردية المسلحة خلال السنوات (1961–1970). إن هذا التمييز أمر على غاية من الأهمية، وتترتب عليه نتائج سياسية وعملية كبيرة كما سنرى.
إن قضية الشعب الكوردي في العراق يجب أن تعالج حالياً بوصفها قضية ملحة تنتظر الحل ضمن إطار وطن واحد (العراق) تعيش فيه أكثر من قومية.
إن طرح القضية الكوردية على هذه الصورة يستند إلى الواقع التاريخي الذي رافق تكوّن الدولة العراقية في 23 آب عام 1921م، والتي ضمت قوميتين رئيسيتين، العربية والكوردية، إضافة إلى أقليات قومية. إن الالتزام بهذا المنطق الموضوعي قضية أساسية وحساسة لا تحتمل الإخلال بها، لأن ذلك يؤدي إلى تأجج المشاعر القومية الضيقة الأفق، ويغذي نزعات الانفصال، ولا يساعد الحركة التحررية الكوردية، أو بعض أجنحتها على الأقل، على التحصن إزاء المنزلقات المؤذية التي يراد جرّ الحركة إليها.
إن وضع القضية الكوردية على هذا الأساس لا علاقة له البتة بالتقليل من أهمية نضال الشعب الكوردي في العراق وشأنه، ولا بمستوى وعيه السياسي، ولا بمدى نضوج قضيته. فهناك من يحتج بأن الشعب الكوردي ليس أقل تطوراً ولا أقل نضجاً من العديد من الشعوب التي نالت استقلالها وسيادتها وعلمها، وكوّنت دولها الوطنية المستقلة في أفريقيا وآسيا. في حين أن القضية الكوردية لا تتعلق بهذا الاعتبار مطلقاً، بل ترتبط بالظروف التاريخية الملموسة التي يناضل في ظلها الشعب الكوردي في سبيل حقوقه القومية العادلة.
إن الشعوب التي ناضلت أو تناضل اليوم في أي بقعة من العالم من أجل استقلالها وتشكيل دولها القومية المستقلة الخاصة بها، إنما تفعل ذلك لأنها رزحت تحت حكم الاستعمار أو الرجعية والشوفينية، وكان الهدف الأساسي الذي واجهها ويواجهها هو طرد المستعمرين أو إسقاط الحكم الرجعي وتحقيق الاستقلال الوطني الناجز. أما في العراق فالأمر يختلف، إذ يعيش العراق الآن في ظل دولة مستقلة للعرب والكورد والأقليات القومية، ولكن هناك الكثير من الفوارق بالنسبة إلى القوميات الأخرى. وقد واجهت شعوب كثيرة مثل هذه الحالة في جوهرها، أي واجهت حل مشكلاتها القومية ضمن إطار دولة متعددة القوميات. ومن هذا الأساس الموضوعي ينبثق شعار الحكم الذاتي الذي أصبح مهمة مطروحة للتنفيذ، مراعاةً للحقوق القومية للكورد.
فماذا يعني الحكم الذاتي؟ إنه يعني:
«جعل المنطقة الكوردية في كوردستان العراق إقليماً واحداً تدير دفته سلطة محلية تنفيذية منبثقة من مجلس تشريعي لكوردستان، منتخب في جو من الحريات الديمقراطية الحقة، وعلى أساس حق الانتخاب العام والمتساوي والمباشر والاقتراع السري. وتخضع هذه السلطة المحلية للحكومة المركزية في شؤون الدفاع والسياسة الخارجية والبرمجة الاقتصادية، وتتولى سائر الشؤون الإقليمية الإدارية والثقافية وغيرها، وتدعمها الحكومة المركزية للعمل على بعث التراث القومي للشعب الكوردي وتطوير ثقافته القومية، وإنشاء ما يضمن تحقيق ذلك في الجامعات والمؤسسات الثقافية الكوردية. وفي الوقت نفسه يستلزم الاعتراف الحقيقي بالحقوق القومية للشعب الكوردي ضمانَ تمثيله، وفق نسبته إلى مجموع السكان، في هيئات السلطات المركزية التشريعية والتنفيذية، وتصفيةَ سياسة التمييز إزاء كوردستان تصفية جذرية، سواء في ميادين التشريع والتنفيذ، أو في الدراسة والتعليم، أو في إشغال الوظائف المختلفة، أو في تخطيط التطور الاقتصادي والتنمية وغير ذلك، وتخصيصَ المبالغ المناسبة، عند وضع برنامج التطور الاقتصادي الوطني، لاستثمار مصادر الخامات والثروة الطبيعية الهائلة في كوردستان استثماراً جدياً وسريعاً، ولما فيه خير الشعب العراقي، ولتوسيع شبكة المواصلات».
إن للحكم الذاتي، إلى جانب طابعه السياسي، طابعاً اجتماعياً. فالمطلوب تحقيق الديمقراطية السياسية والعدالة الاجتماعية جنباً إلى جنب مع الديمقراطية الاجتماعية، لأنهما مترابطتان عضوياً. إن التأكيد على هذين الجانبين في الحكم الذاتي أمر على غاية من الأهمية، ولا سيما في مواجهة المؤثرات والمفاهيم الخاطئة التي تروج لها القوى الرجعية والشوفينية الجامدة.
إن تطبيق الحكم الذاتي هو لصالح الشعبين العربي والكوردي عموماً، ولصالح الفصائل والفئات الوطنية، وهو يعني بالضرورة إبعاد سياسة الإرهاب عن الشعب بكافة مكوناته وعن الوطن.
ومعلوم تماماً أن تطبيق الحكم الذاتي لن يلغي الصراع الطبقي في المجتمع الكوردي، بل سينقله إلى مستوى أمرّ وبشكل آخر. فالصراع الذي جرى طوال سنين عديدة بين القوى الوطنية والقومية كافة من جهة، وبين الاستعمار والرجعية من جهة أخرى، يتخذ اليوم ملامح وصفات أخرى داخل المجتمع الكوردي وداخل حركة التحرر الوطني الكوردية، بين القوى التي تستهدف تحقيق التقدم الاجتماعي وبين قوى الإقطاع والرجعية الكوردية وقوى اليمين في الحركة الكوردية. ومن أبرز مظاهر هذه الصراعات، التي تكونت بفعل عوامل وأسباب عديدة، ما يلي:
- المصالح الطبقية التي يلتزم بها كل من الجانبين؛ ففي حين يلتزم الطرف الأول مصالح الشعب الكوردي، يلتزم الطرف الثاني مصالح الطبقات المستغِلّة، القديمة منها والجديدة.
- في حين ينظر معسكر القوى الديمقراطية والتقدمية إلى الحكم الذاتي نظرة شاملة، أي في ترابطه مع القضية العامة، قضية نضال الشعب العراقي ككل في سبيل الديمقراطية والعدالة والتقدم الاجتماعي، فإن المعسكر الآخر ينظر إليه نظرة خاطئة، انعزالية ووحيدة الجانب، تتسم بضيق الأفق القومي.
- وارتباطاً بما سبق، فإن القوى الرجعية والشوفينية تنظر إلى إنجاز الحكم الذاتي بوصفه خطوة تكتيكية لانتزاع الامتيازات الطبقية، بل لتثبيتها وإضفاء طابع المشروعية عليها، والسماح بتوسيع امتيازاتها الطبقية الأنانية على حساب الجماهير الكوردية الكادحة. أما القوى الديمقراطية فتنظر إلى الحكم الذاتي بوصفه تطوراً للشعب الكوردي يفتح له آفاقاً رحبة للتطور والازدهار في كافة الميادين.
- إن بعض القوى لا تميز، في نهجها العملي وتثقيفها السياسي، بين مواقف بعض القادة أو القوى القومية العربية الشوفينية وبين المواقف الأممية للشعوب العربية وقواها الديمقراطية والثورية. فهي تنشر أفكار التعصب وضيق الأفق القومي، وتعمل على إبعاد الشعب الكوردي عن حلفائه في حركة التحرر العربي، وتغذي روح الجفاء، بل والعداء، إزاء الشعوب العربية، بدلاً من التثقيف بروح الأخوة القومية والكفاح المشترك والربط العملي اليومي في نضالهما الموحد ضد الإمبريالية والرجعية والصهيونية.
إن الحكم الذاتي أمر صائب، ولا شك أن تطبيقه سيصطدم بمقاومة الشوفينيين والقوميين الذين يحاولون أن يفرغوه من محتواه السياسي والاجتماعي والتقدمي والديمقراطي، ويحولوه إلى امتياز يستر الاستغلال. وسيصطدم كذلك بمقاومة الرجعية والشوفينية العربية والإيرانية والتركية، التي ستعمل جاهدة لتقليص حقوق شعبنا الكوردي إلى أقصى حد، بل لطمسها والارتداد عليها، ولنسف الحكم الذاتي وإفشاله.
ولكي يستند الحكم الذاتي إلى قاعدة راسخة تمده بكل أسباب الديمومة والحياة والصمود في النضال الدائب ضد الاستعمار والرجعية، يجب أن يستهدف تحقيق أمرين أساسيين:
- أ- الديمقراطية السياسية.
- ب- الديمقراطية الاجتماعية.
إن الديمقراطية السياسية تعني في الأساس جملة من الإجراءات والخطوات الملموسة، ولا سيما:
أولاً: إشاعة الديمقراطية في الحياة السياسية في إقليم كوردستان، وإقامة المؤسسات التنفيذية والتشريعية على أساس الانتخاب العام المباشر بالاقتراع السري، وخلق مناخ ديمقراطي يطلق طاقات الجماهير ويعبئها في نضال موحد.
ثانياً: إطلاق حرية العمل والنشاط للمنظمات الديمقراطية الاجتماعية، لتكون أدوات فعالة بيد الشعب الكوردي للنضال في سبيل حقوقه وأهدافه المعيشية الملحة ومهامه السياسية الوطنية والقومية، وتوفير كل المستلزمات الضرورية لتتطور منظماتٍ توحّد جماهيرها على اختلاف آرائهم السياسية ومعتقداتهم، سواء عن طريق وحدة تنظيمية لكل المنظمات المتناظرة العاملة في الميدان الواحد، أو عن طريق تنسيق فعّال، ثابت أو مؤقت، فيما بينها.
ثالثاً: خلق علاقات ديمقراطية بين الأجهزة الإدارية وبين الشعب الكوردي، عن طريق تطهير الجهاز الإداري من الغلاة والفاسدين والحاقدين على الشعب الكوردي، وتربيته بروح حب الشعب الكوردي وخدمته، وإيجاد الأشكال الملائمة لممارسة الرقابة الشعبية على عمله.
رابعاً: إطلاق حرية النشاط لكل الأحزاب السياسية، والكف نهائياً، عملياً ونظرياً، عن سياسة احتكار العمل السياسي وفرض وصاية حزب معين على الحركة الوطنية الكوردية. والشرط الأساسي لذلك هو التخلي عن النظرة الخاطئة والضارة جداً التي تستهدف منع أي حزب آخر من العمل العلني المشروع، أو التضييق على نشاطه بمختلف السبل والوسائل.
إن ممارسة احتكار العمل السياسي، بأي شكل ظهرت، في العراق أو في العديد من الأقطار العربية والمنطقة، قد نبذتها الحياة وبرهنت بشكل قاطع على خطئها وأضرارها الفادحة. لذلك فإن محاولة تطبيقها في كوردستان العراق إنما هي جهل بمستوى الوعي الديمقراطي والثوري لجماهير كوردستان، وإساءة بالغة لوعيها ونضجها السياسي.
خامساً: السعي الجاد والمخلص لتحقيق التعاون بين القوى الوطنية في كوردستان، ولانضمام الأحزاب الكوردية إلى الجبهة الكوردستانية، وتكوين مؤسسات الجبهة في سائر المحافظات المشمولة بالحكم الذاتي.
ومن المفهوم أن تحقيق الديمقراطية السياسية والعدالة الاجتماعية يعني منح الشعب الكوردي الأداة الفعالة لتحقيق الديمقراطية الاجتماعية في كوردستان، والاستناد إليها، أساساً مادياً، في تحقيق برنامج شامل للتقدم الاجتماعي في سائر ميادين الحياة: في الإصلاح الزراعي، والتطور الصناعي والثقافي، وغير ذلك.
إن الحكم الذاتي ينبغي أن يطبق لصالح الجماهير الكوردية في الأساس، ولتحقيق الإصلاحات في جميع الميادين. فالشعب الكوردي يتطلع إلى أن تمتد شبكة المواصلات والكهرباء ومشاريع الماء الصافي والمدارس والخدمات الصحية إلى ربوع ريف كوردستان. ومن دون تحرير الفلاحين في كوردستان من بقايا الإقطاع لا معنى للحكم الذاتي. كما يطمح العاملون من أبناء الشعب الكوردي في كافة المؤسسات والمشاريع المختلفة إلى تطبيق قانون العمل وقانون التقاعد، وإلى تحقيق أهدافهم الاقتصادية والاجتماعية في حياة كريمة ومضمونة للمواطن الكوردي. وهكذا الحال بالنسبة إلى كل فئات الشعب من المثقفين والطلاب والشباب.
إن جماهير الشعب الكوردي، رجالاً ونساءً، ومن مختلف العقائد والقوميات والأديان، ممتلئون اندفاعاً وحماساً وقدرة على بناء حياتهم الآمنة السعيدة المزدهرة، وعازمون على أن تزدهر كوردستان العراق بالأمن والاستقرار والرفاه الاقتصادي والتطور الاجتماعي والثقافي، وأن يجعلوا مخلفات الحرب والتمييز القومي السابق ضدهم من ذكريات الماضي. وعن هذا الطريق يساهمون في بناء العراق الديمقراطي المزدهر، ويحولون كوردستان العراق إلى منارة مضيئة تلهم الشعب الكوردي كله، في سائر أرجاء كوردستان، روح النضال في سبيل حقوقه وأهدافه التحررية والقومية العادلة.
أجزاء «بيان 11 آذار 1970 التاريخي والحكم الذاتي لكوردستان العراق» (4 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث
- الجزء الرابع (هذا الجزء)