الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
تاريخ الكورد من العهد العباسي الأول إلى العهد الأيوبي (الجزء الأول)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
1. الكورد في العهد العباسي الأول
الكورد وقيام الدولة العباسية
مرّ فيما سبق أن الدولة الأموية كانت تنزع إلى العصبية العربية في علاقتها بالمسلمين الموالي (غير العرب)، وإلى العصبية القبلية في علاقتها بالعرب أنفسهم. وقد أدرك منافسوها من قادة الهاشميين (آل البيت) الجوانبَ السلبية لتلك النزعة، فأحسنوا استثمارها لصالح دعوتهم المضادّة للأمويين، وتقرّبوا إلى الموالي، واتخذوا بعضَ دعاتهم الكبار منهم، كما أحسنوا استثمار نقمة القبائل العربية التي لقيت الاضطهاد على أيدي الأمويين.
وجدير بالذكر أن الموالي كانوا قوة مهمّة في الدولة العربية الإسلامية، على الصعيدين العددي والجغرافي؛ فقد كانوا أكثر عدداً من العرب، أما جغرافياً فكوردستان وبلاد فارس شاسعة وبعيدة عن دمشق عاصمة الخلافة الأموية، كما أنها كثيرة الجبال، وعرة المسالك، صالحة للثورات القائمة على الكرّ والفرّ. وهذا أحد أسباب انطلاق الدعوة العباسية من خراسان في الشرق أولاً، ثم امتدادها بعد ذلك نحو الغرب.
وكان لبعض الكورد إسهام كبير في الدعوة إلى آل البيت، وإسقاط الأمويين، وإيصال العباسيين إلى سُدّة الخلافة الإسلامية. ومن أبرزهم القائد الكوردي الشهير أبو مسلم الخراساني (عبد الرحمن بن مسلم)، الذي عاش بين سنتي (100–137هـ / 718–755م)، وكان اسمه بَهْزاد، ويُعَدّ مؤسس الدولة العباسية. وهو في الأصل من كورد الجنوب، انتسب إلى دعوة آل البيت ضد الخلافة الأموية، ثم علا شأنه بسبب ذكائه ونشاطه حتى أصبح القائدَ العامّ لجيش الثورة في خراسان، ولذلك عُرف بلقب «الخراساني». وهو الذي حشد الأنصار، وبدأ الثورة ضد الخلافة الأموية في خراسان، وقضى على مراكز السلطة الأموية، وألحق الهزائم بجيوش الأمويين واحداً تلو الآخر، ثم زحف غرباً نحو العراق، وكان من أبرز المساهمين في إسقاط الدولة والخلافة الأموية.
كان أبو مسلم الخراساني صاحب نفوذ كبير، وكان لقبه «صاحب الدولة». وقال الخليفة المأمون، وقد ذُكر أبو مسلم في مجلسه: «أجلُّ ملوك الأرض ثلاثةٌ، وهم الذين قاموا بنقل الدُّوَل: الإسكندرُ المقدوني، وأَرْدَشير الفارسي، وأبو مسلم الخراساني». وخاف الخليفة العباسي الثاني أبو جعفر المنصور أن يستقلّ أبو مسلم بولاية خراسان، فاستضافه في قصره ببغداد، ثم أمر بقتله غدراً وعمره سبع وثلاثون سنة. وأشار الشاعر أبو دُلامة إلى أصول أبي مسلم الكوردية بعد مقتله، حين هجاه بقصيدة قال فيها:
أبا مُجْرِمٍ، ما غيّرَ الله نعمةً على عبدهِ حتى يُغيّرها العبدُ
أفي دولة المنصور حاولتَ غَدْرةً؟ ألا إنّ أهل الغدر آباؤك الكوردُ
وليس غريباً أن ينسب أبو دُلامة الكورد، ومنهم أبو مسلم الخراساني، إلى الغدر، ويغضّ النظر عن غدر الخليفة أبي جعفر المنصور بضيفه وفي قصره؛ فهو شاعر الخليفة، ومن الضروري أن يتّهم خصومه بكل الصفات الشنيعة كي يكون قتلهم مبرَّراً.
وثمة أسرة كوردية عريقة أخرى كان لها تأثير كبير في إقامة الدولة العباسية، هي أسرة البرامكة الشهيرة، التي كانت مقرّبة جداً من خلفاء بني العباس منذ عهد الخليفة الأول أبي العباس السفّاح (ت 136هـ) إلى فترة متأخرة من عهد الخليفة هارون الرشيد. وكان أبناؤها من المستشارين المهمّين والوزراء المرموقين في بلاط خلفاء بني العباس، بل إن خالداً البرمكي كان من القادة الكبار الذين عملوا في جيش الدعوة العباسية تحت إمرة أبي مسلم الخراساني منذ بدايات الثورة على الدولة الأموية في خراسان.
وإذا تتبّعنا مسار الثورة العباسية سنة (132هـ) وجدنا أن قادتها، من أمثال قَحْطَبة بن شَبِيب، بدأوا بشنّ الهجوم على مراكز السلطة الأموية في جنوبي كوردستان، وخاصةً في حُلْوان وشَهْرَزور، وعلى مراكزها الواقعة على تخوم كوردستان مثل الموصل، قبل أن يبسطوا نفوذهم على العراق والشام. بل إن المعركة الفاصلة بين الخليفة الأموي مروان بن محمد والقائد العباسي عبد الله بن علي دارت على ضفاف نهر الزاب الأسفل (الصغير) في جنوبي كوردستان، ولذا سمّيت «معركة الزاب»، وانتصر فيها العباسيون على الأمويين انتصاراً حاسماً.
وأدرك العباسيون أيضاً أهمية كوردستان اقتصادياً وعسكرياً، فحرصوا على تعيين المقرّبين منهم وأهل الثقة ولاةً عليها؛ فقد ولّى الخليفة العباسي الأول أبو العباس السفّاح (ت 136هـ) أخاه أبا جعفر المنصور على الجزيرة وشمالي كوردستان، وولّى الخليفة العباسي الثاني أبو جعفر المنصور (ت 158هـ) ابنه جعفراً على ولاية الموصل، وحين تولّى ابنه المهدي (ت 169هـ) الخلافة عيّن ابنه هارون الرشيد والياً على كوردستان وأذربيجان.
انتفاضات وثورات في كوردستان
لم يخيّم الهدوء على كوردستان في عهد الخلافة العباسية، وإنما اندلعت فيها القلاقل بين حين وآخر. ففي سنة (132هـ) ثار أهل الجزيرة الكوردية، وخلعوا طاعة الخليفة العباسي أبي العباس السفاح، وساروا نحو حرّان لطرد عامل الخليفة في الجزيرة موسى بن كعب. كما اغتنم الزعيم الخارجي بُرَيْكة الحروري الفرصة، فثار بجماعته من ربيعة في مناطق دارا وماردين واستقل بها، الأمر الذي حمل أبا العباس السفاح على تولية أخيه أبي جعفر المنصور على تلك الديار لقمع الثائرين.
واشترك الكورد في كثير من الاضطرابات والثورات التي نشبت في كوردستان أيام الخليفة أبي جعفر المنصور. وقد ورد إليه خبر ثورة الكورد في الموصل والجزيرة، فندب خالدَ بن برمك (جدّ البرامكة)، الكوردي الأصل، للقضاء عليها سنة (158هـ)، فتوجّه خالد إلى معاقل الثوار وأفلح في إخماد الثورة.
وفي سنة (171هـ) نشبت في الجزيرة ثورة الصَّحْصَح الحَرُوري ضد الخليفة هارون الرشيد، وقيل إنه غلب على ديار ربيعة بأكملها وجبى أموالها. وفي سنة (180هـ) ثار في الجزيرة الفضل بن سعيد على هارون الرشيد (ت 193هـ)، وشملت ثورته نِصيبين وبَلَد ودارا وآمِد وخِلاط وأطراف ماردين والموصل.
ومنذ أواخر العهد الأموي كانت قد نشبت ثورة كبرى في غربي إيران الحالية وشمالها الغربي، عُرفت في كتب التراث العربي باسم ثورة «الخُرَّمية»، ويُدعى أتباعها «المُحَمِّرة» أيضاً. وقد توسّعت هذه الثورة في العهد العباسي، ولا سيّما في عهد الخليفة المأمون (ت 218هـ)، وقادها رجل يدعى بابَك الخُرَّمي (قُتل سنة 222هـ). وعلى عادة مؤرخي السلطة العباسية رمى هؤلاء أتباعَ هذه الثورة بأشنع التهم، كإباحة المحرّمات، وأغفلوا أسبابها الحقيقية، مثل انحراف الخلفاء والولاة العباسيين عن مبادئ العدالة في سياسة الأمة الإسلامية، واستئثارهم بالأموال والمناصب دون الجماهير، ومعاملتهم الموالي على أنهم مواطنون من الدرجة الثانية.
وشارك كثير من الكورد في ثورة بابك الخرمي، كما كانت مناطق شاسعة من شرقي كوردستان وشماليها مسرحاً للصراع بين جيوش الخلافة العباسية والثوار. والدليل على ذلك أنه دخل في دعوتها كثير من أهل الجبال من هَمَذان وأصفهان، وذكر المسعودي أن «أكثر الخُرَّمية سنة 323هـ كانوا من الكوردكية واللُّورْشاهية» (أي الأكراد). ومن أشهر القادة الميدانيين لهذه الثورة عِصْمة الكوردي صاحب مَرَنْد (من أشهر مدن أذربيجان)، وقد قبضت عليه الخلافة العباسية غدراً، وقُتل سنة (218هـ)، وكان معه في الثورة أمراء كورد آخرون.
وفي عهد الخليفة المعتصم بالله (ت 227هـ) أصبح معظم قادة الجند من المماليك الأتراك، إذ كانت أم المعتصم جارية تركية، فضعف نفوذ العنصرين العربي والفارسي، وكثرت الاضطرابات والثورات. وفي سنة (224هـ) ثار الكورد القاطنون حول الموصل بقيادة جعفر بن مِهْر حسن (مير حسن)، وهو كوردي من أسرة كوردية عريقة، واستمرت تلك الثورة إلى سنة (226هـ)، وتمكّن القائد التركي في الجيش العباسي إيتاخ من القضاء عليها بعد ارتكاب الكثير من الفظائع والمذابح.
وتولّى الواثق بالله (ت 233هـ) الخلافة العباسية بعد وفاة المعتصم بالله، فازداد نفوذ المماليك الأتراك في دار الخلافة، واستأثروا بالمناصب العسكرية الرفيعة وبالأموال، وتفجّرت القلاقل في شبه الجزيرة العربية وفلسطين وديار ربيعة. وفي سنة (230هـ) نشبت ثورة كوردية كبرى في مقاطعات أصفهان والجبال وفارس، فأخمدها الجيش العباسي بقيادة القائد التركي وَصِيف بقسوة بالغة، فكافأه الخليفة الواثق بالله بخمسة وسبعين ألف دينار وبسيف ثمين.
كما اشترك الكورد في ثورة سنة (252هـ) التي قادها زعيم من الخوارج يدعى مُساوِر بن عبد الحميد، قال ابن الأثير: «وكَثُرَ جَمْعُه من الأكراد والعرب». وقدّم الكورد سنة (281هـ) مساعدات جليلة للدولة الحمدانية كما سنرى.
وقد ولّى الخليفة المعتمد على الله (ت 279هـ) على الموصل شخصية كوردية هي علي بن داود الكوردي، وفي عهد هذا الخليفة كان أمير الأهواز (خوزستان) محمد بن هزار مَرْد الكوردي، وقد غلبه علي بن أبان (من قوّاد ثورة الزنج) على رامَهُرْمُز.
وفي عهد الخليفة المقتدر بالله (قُتل سنة 320هـ) اندلع عدد من الثورات الكوردية في نواحي أصفهان والموصل. وفي سنة (309هـ) ولّى المقتدر بالله على حرب الموصل محمدَ بن نصر الحاجب، فسار إليها وفتك بالكورد المادْرانية.
وليس بين أيدينا ما يؤكد أن هذه الثورات والقلاقل كانت قومية كوردية الطابع في الدرجة الأولى، ولعلها كانت في الغالب اجتماعية، فقد كانت ثورات على الظلم الاجتماعي الذي عانت منه الجماهير في أرجاء العالم الإسلامي آنذاك. وكانت الجبال المنيعة من العوامل التي تشجّع الكورد على الثورة، إضافةً إلى لجوء بعض الخارجين على السلطة العباسية إلى جبالهم، وخاصةً قادة بعض فرق الخوارج من العرب. ولم تكن مناطق شمالي كوردستان بمنجاة من الغزوات البيزنطية وما نجم عنها من أسر وقتل ودمار؛ وذكر الطبري أنه في سنة 242هـ خرج الروم من ناحية شمشاط حتى قاربوا آمد، وهاجموا البلاد الجزرية، فانتهبوا عدة قرى، وأسروا نحواً من عشرة آلاف إنسان.
نخلص مما سبق إلى أن جغرافية كوردستان كانت مهمّة في إستراتيجية الخلافة العباسية، سواء في مرحلة الدعوة (الثورة) العباسية ضد الدولة الأموية أم في مرحلة الخلافة العباسية. أمّا في مرحلة الثورة فكانت سيطرة العباسيين على كوردستان الجنوبية (إقليم الجبال) مدخلاً إلى السيطرة على العراق، حيث كان يتمركز معظم أنصارهم. وأما في مرحلة الخلافة فكانت جغرافية كوردستان مهمّة أيضاً لأسباب ثلاثة:
- أولها: أن كوردستان هي الجسر الرابط بين غربي آسيا ووسط آسيا، ولا ننسى أن الدولة العباسية كانت بحاجة ماسّة إلى السيطرة على طريق الحرير المارّ في جنوبي كوردستان باتجاه الشرق.
- وثانيها: أن معظم الثائرين على العباسيين كانوا يلجؤون إلى جبال كوردستان، فكان من الضروري أن تهيمن السلطة العباسية على تلك الجبال، وألّا تسمح بتحويلها إلى ملاذ آمن لقوى المعارضة.
- وثالثها: أن كوردستان كانت متاخمة في الشمال للشعوب المسيحية في القوقاز، وفي الغرب للدولة البيزنطية. وكانت شعوب القوقاز المسيحية في عداء مع الدولة العباسية، أما العداء الشديد بين العباسيين والبيزنطيين فغنيّ عن التعريف. وهذا يعني أن مناطق كوردستان كانت تمثل خطَّ الدفاع الأمامي للدولة العباسية في الشمال والغرب بشكل عام.
2. الكورد في العهد البويهي (الديلم)
ظهور البويهيين (الديلم)
سيطر كبار مماليك الترك على دار الخلافة العباسية منذ عهد الخليفة المتوكل على الله (قُتل سنة 247هـ)، فشعرت العناصر العربية والفارسية أنها مغلوبة على أمرها، لكنها لم تستسلم للأمر الواقع، وحاولت جاهدة استعادة نفوذها القيادي. وبرزت على مسرح الأحداث أسرتان في وقت واحد تقريباً: الأولى ديلمية هي الأسرة البويهية، والثانية عربية هي الأسرة الحمدانية.
ظهرت قوة البويهيين (الديلم) السياسية سنة (321هـ)، وهم أسرة ديلمية يرجع نسبها إلى بُوَيْه بن فَنّا خُسْرو، وكنيته أبو شجاع. وقيل إن نسبهم يصل تارةً إلى الملك الفارسي شابور (سابور) ذي الأكتاف، وتارةً أخرى إلى يَزْدَجِرْد الثالث آخر ملوك الفرس الساسانيين، غير أن ابن خلدون نفى هذا النسب قائلاً: «والحق أنّ هذا النسب مصنوع، تقرّب إليهم به مَن لا يعرف طبائع الأنساب في الوجود، ولو كان نسبُهم ذا خَلَل في الدَّيْلَم لم تكن لهم تلك الرئاسة عليهم».
وذكر الدكتور عصام عبد الرؤوف الفقي تحت عنوان «دولة الأكراد الكاكوية» قوله: «حكمتْ إيرانَ أسرةٌ ديلميةٌ على أنقاض الحكم البويهي»، وهو يريد أن بني كاكَوَيْه كورد وديلم معاً. وأورد ابن الأثير في أحداث سنة (398هـ) أن علاء الدولة أبا جعفر بن كاكويه هو ابن خال والدة مجد الدولة بن فخر الدولة البويهي، ثم عاد فذكر في أحداث سنة (433هـ) أن علاء الدولة أبا جعفر هو خال مجد الدولة، وذكر في أحداث هذه السنة نفسها أن صراعاً دار بين أبي منصور وأبي حرب ابنَي علاء الدولة بعد وفاة والدهما، «فجمع أبو حَرْب الأكرادَ وغيرَهم».
لا يمكننا البتّ في نسبة الديلم إلى الكورد إثباتاً أو نفياً، لعدم وصولنا إلى معلومات دقيقة وصريحة في هذا الميدان، ولأن ثمة رواية تذكر أن الديلم هم أحفاد البرث (الأشكانيين) الأكراد، الذين حكموا شعوب آريانا (إيران الحالية) بين سنتي (250 ق.م – 226م)، وكانوا يقيمون جنوبي بحر قزوين حيث يقيم الديلم. لكن المؤكد أن الكورد والديلم تداخلوا على الصعيد الجغرافي، كما أن بينهما تشابهاً على الصعيد الاجتماعي، إلى جانب بعض التشابه الثقافي.
وقد عمل آل بويه على بسط نفوذهم على بلاد فارس، ثم تطلّعوا إلى بغداد عاصمة الخلافة العباسية، واستطاعوا بعد جهد جهيد السيطرة على فارس والعراق والفوز باعتراف الخليفة العباسي؛ فدخل أحمد بن بويه بغداد سنة (334هـ)، ومنحه الخليفة المستكفي بالله (خُلع سنة 334هـ) لقب «مُعِزّ الدولة»، ثم ما لبث مُعِزّ الدولة أن أهان الخليفة، فقبض عليه وعزله وسَمَل عينيه، وولّى مكانه المطيعَ لله (ت 364هـ).
البويهيون والكورد
في عهد آل بويه أصبحت معظم مناطق جنوبي كوردستان وشماليها مسرحاً للصراع بين البويهيين والحمدانيين؛ ففي سنة (367هـ) استخلص البويهيون الموصل من أيدي الحمدانيين، وفي سنة (368هـ) استخلصوا منهم مَيّافارِقين وآمد (ديار بكر) وغيرهما.
أما في شرقي كوردستان فكان حَسْنَوَيه بن الحسين الكوردي البَرْزَيكاني أميراً على جيش من البرزيكان، واستطاع بالتعاون مع خاليه وَنْداد وغانم، أميرَي الكورد العَيْشانية، أن يسيطر نحو خمسين سنة على نواحي الدِّينَوَر وهمذان ونَهاوَنْد وصامْغان وبعض أطراف أذربيجان إلى حدّ شهرزور، وتوفّي حسنويه سنة (369هـ).
وفي سنة (369هـ) هاجم الملك البويهي عضد الدولة بلاد الكورد الهَكّارية في كوردستان المركزية، قال ابن الأثير: «في هذه السنة سيّر عضد الدولة جيشاً إلى الأكراد الهكارية من أعمال الموصل، فأوقع بهم وحصر قلاعَهم، وطال مُقام الجند في حصرها، وكان مَن بالحصون من الأكراد ينتظرون نزول الثلج لترحل العساكر عنهم، فقدّر الله تعالى أنّ الثلج تأخّر نزوله في تلك السنة، فأرسلوا يطلبون الأمان، فأُجيبوا إلى ذلك، وسلّموا قلاعَهم، ونزلوا من المعسكر إلى الموصل، فلم يفارقوا أعمالهم غير يوم واحد حتى نزل الثلج، ثم إنّ مقدّم الجيش غدر بهم وصلبهم على جانبي الطريق من مَعَلْثايا إلى الموصل نحو خمسة فراسخ».
وكان الكورد يشكّلون مركز الثقل في الصراعات الناشبة بين الحكّام البويهيين، وكذلك كان شأنهم في الثورات التي قادها بعض الخارجين على السلطة البويهية. فقد استنجد جلال الدولة البويهي بأبي الشَّوك الكوردي، أحد أمراء الكورد، في صراعه ضد أبي كاليجار البويهي، فأنجده. وشغب بعض الأتراك على ركن الدولة البويهي في طريقه إلى أصفهان، فأوقع بهم، فتردّدوا في تلك النواحي، فكتب معزّ الدولة البويهي إلى ابن أبي الشوك، فتتبّعهم وقتل منهم وأسر بعضهم.
وكان حسنويه بن الحسين الكوردي من رجالات الكورد المرموقين في ذلك الحين، وقد قال ابن أبي الهيجاء الإربلي (ت 700هـ)، وهو كوردي أيضاً، يصف مكانته: «وكان عضد الدولة قد ولاّه الجبال وهمذان والدينور ونهاوند وسابور، وكان شجاعاً مهيباً عادلاً كثير الصدقة».
وكان لحسنويه دور مهمّ في الصراع الذي نشب بين قادة الديلم بعد وفاة ركن الدولة ووصول عضد الدولة إلى السلطة. وقد استعان أبو الفوارس بن سلطان الدولة أبي شجاع البويهي بعشرة آلاف من فرسان الكورد في بلاد فارس، وزحف لمقاتلة أخيه أبي كاليجار الذي نافسه.
وفي أثناء الصراع الذي نشب بين بني مَزْيَد والبويهيين كان للكورد موقعهم المهم في التوازنات السياسية والعسكرية، وكذلك كان شأنهم في الصراع بين بني مزيد وبني دُبَيْس في خوزستان سنة (405هـ)، إذ استعان أبو الحسن علي بن مزيد بكورد الشاهَجان لترجيح كفّته.
وفي سنة (396هـ) «سيّر عميد الجيوش عسكراً إلى البَنْدَنِيجَيْن (مندلي)، وجعل المقدَّمَ عليهم قائداً كبيراً من الديلم، فلما وصلوا إليها سار إليهم جمعٌ كثير من الأكراد، فاقتتلوا، فانهزم الديلم، وغنم الأكراد رحلهم ودوابّهم، وجُرّد المقدّم عليهم من ثيابه، فأخذ قميصاً من رجل سوادي، وعاد راجلاً حافياً».
وفي سنة (417هـ) «كانت حربٌ شديدة بين عساكر علاء الدولة بن كاكويه وبين الأكراد الجُوزَقان»، لأن علاء الدولة بن كاكويه استعمل ابن عمّه أبا جعفر على خُوَاست وتلك النواحي، فقتل أبو جعفر أبا الفرج البابوني زعيم الجوزقان (الجوزكان)، وهو من أحد بطونهم، لخلافٍ وقع بينهما، فنشب القتال بين الطرفين أكثر من مرة، وقُتل أبو جعفر في إحدى المعارك.
وفي سنة (440هـ)، أيام الملك الرحيم البويهي، «اختلف قِرْواش والأكراد الحَمِيدية والهَذْبانية، وكان للحميدية عدّة حصون تجاور الموصل منها العَقْر وما قاربها، وللهذبانية قلعة إربل وأعمالها، وكان صاحبَ العقر حينئذٍ أبو الحسن بن عَيْسَكان الحميدي، وصاحبَ إربل أبو الحسن بن مُوسَك الهذباني».
وفي سنة (445هـ) «وصل الخبر إلى بغداد بأنّ جمعاً من الأكراد وجمعاً من الأعراب قد أفسدوا في البلاد، وقطعوا الطريق، ونهبوا القرى، طمعاً في السلطنة بسبب الغُزّ (الأوغوز)، فسار إليهم البساسيري جريدةً، وتبعهم إلى البوازيج، فأوقع بطوائف كثيرة منهم، وقتل فيهم، وغنم أموالهم».
جملة القول أن السيطرة على كوردستان كانت في صميم الخطط البويهية، وكان من الأهمية بمكان أن ينفّذ البويهيون تلك الخطط ويضمّوا كوردستان إلى دولتهم، وإلا لما استطاعوا الاستمرار في التحكّم بالعراق، والسيطرة على بغداد دار الخلافة العباسية خاصة.
وثمة شخصيات كوردية بارزة قامت بأدوار مهمة في العصر البويهي، منهم: حسنويه الكوردي، وحسام الدولة أبو الشوك، وهو من الكورد القُوهية، وأبو الفتح بن أبي الشوك، والأمير موسك من الكورد الهذبانية، إضافةً إلى هزارسب بن بنكير بن عياض الكوردي الذي كانت له مكانة مرموقة عند البويهيين، واحتفظ بالمكانة نفسها عند السلطان السلجوقي طغرل بك، حتى إن هزارسب وابن أبي الشوك كانا من الأمراء المدعوّين إلى حضور حفل عقد نكاح الخليفة العباسي القائم بأمر الله على أرسلان خاتون ابنة داود أخي السلطان طغرل بك.
أجزاء «تاريخ الكورد من العهد العباسي الأول إلى العهد الأيوبي» (4 أجزاء):
- الجزء الأول (هذا الجزء)
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث
- الجزء الرابع