الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
تاريخ الكورد من العهد العباسي الأول إلى العهد الأيوبي (الجزء الرابع)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
دور العلماء الكورد في العهد الزنكي
لم يقتصر الزنكيون على الاستعانة بالمقاتلين الكورد، بل استعانوا بجهود العلماء الكورد أيضاً، سواء في تثبيت أركان دولتهم أم في مواجهة الفرنج. ومن أبرز هؤلاء العلماء القاضي بهاء الدين أبو الحسن علي بن الشهرزوري، إذ قام بدور فعال في تولّي عماد الدين زنكي أمور البلاد سنة (521هـ)، ولذا جعله عماد الدين قاضي قضاة بلاده جميعها وما يفتحه من البلاد.
على أن أبرز العلماء الكورد الذين قاموا بجهود جليلة في العهد الزنكي الذهبي (عهد عماد الدين زنكي ونور الدين زنكي) هو القاضي كمال الدين أبو الفضل محمد بن عبد الله بن القاسم الشهرزوري (ت 572هـ)، وكان قاضي دمشق وجميع بلاد الشام في عهد نور الدين زنكي، وقال فيه ابن الأثير: «وكان جواداً فاضلاً رئيساً، ذا عقل ومعرفة في تدبير الدول».
وقد سعى القاضي كمال الدين الشهرزوري بقوة لدعم سياسة عماد الدين زنكي في مقاومة الفرنج، وكان عماد الدين يُنيط به المهام الخطيرة، فكان رسوله إلى ديوان الخلافة العباسية في بغداد بشأن خلع الخليفة الراشد بالله سنة (530هـ) والبيعة للخليفة المقتفي لأمر الله (ت 555هـ). كما كانت له اليد الطولى في إقناع ديوان الخلافة بتسليم مقاليد السلطة إلى نور الدين محمود زنكي بعد مقتل والده عماد الدين. وفي سنة (568هـ) أرسله نور الدين زنكي إلى الخليفة العباسي «وحمّله رسالة مضمونها الخدمة للديوان، وما هو عليه من جهاد الكفار وفتح بلادهم، ويطلب تقليداً بما بيده من البلاد: مصر والشام والجزيرة والموصل، وبما في طاعته كديار بكر، وما يجاور ذلك… فأُكرم كمال الدين إكراماً لم يُكرم به رسول مثله، وأُجيب إلى ما التمسه».
وكان القاضي كمال الدين الشهرزوري يشير على نور الدين زنكي بما يحفظ للدولة الزنكية قوتها، ويبصّره بما يمكن أن يكون سبباً في ضعفها. ومن ذلك أنه لما امتلك نور الدين الموصل خلعها على سيف الدين ابن أخيه قطب الدين، وأقطع مدينة سنجار لعماد الدين ابن أخيه قطب الدين، فنبّهه القاضي كمال الدين الشهرزوري إلى وجه الخطأ في ذلك. قال ابن الأثير في أحداث سنة (566هـ): «فلما فعل ذلك قال القاضي كمال الدين بن الشهرزوري: هذا طريق إلى أذى يحصل لبيت أتابك، لأن عماد الدين كبير لا يرى طاعة سيف الدين، وسيف الدين هو الملك لا يرى الإغضاء لعماد الدين، فيحصل الخُلف ويطمع الأعداء. فكان كذلك على ما سنذكره سنة سبعين وخمسمائة».
وتتجلى في الخبر الآتي أهمية مواقف القاضي كمال الدين الشهرزوري في اللحظات الحرجة التي كانت تمر بها شعوب غربي آسيا عامة، والدولة الزنكية خاصة، قال ابن الأثير في أحداث سنة (532هـ):
«ولما كان الفرنج على بزاعة أرسل عماد الدين زنكي القاضي كمال الدين أبا الفضل محمد بن عبد الله بن القاسم الشهرزوري إلى السلطان مسعود يستنجده ويطلب العساكر، فمضى إلى بغداد، وأنهى الحال إلى السلطان مسعود، وعرّفه عاقبة الإهمال، وأنه ليس بينه وبين الروم إلا أن يملكوا حلب وينحدروا مع الفرات إلى بغداد، فلم يجد عنده حركة. فوضع إنساناً من أصحابه يوم جمعة، فمضى إلى جامع القصر ومعه جماعة من رنود العجم (المشاغبين)، وأمره أن يثور بهم إذا صعد الخطيب المنبر، ويصيح ويصيحوا معه: وا إسلاماه! وا دين محمداه! ويشق ثيابه، ويرمي عمامته من رأسه، ويخرج إلى دار السلطان والناس معه يستغيثون كذلك، ووضع إنساناً آخر يفعل بجامع السلطان مثله.
فلما صعد الخطيب المنبر قام ذلك الرجل، ولطم رأسه، وألقى عمامته، وشق ثوبه، وأولئك معه، وصاحوا، فبكى الناس، وتركوا الصلاة، ولعنوا السلطان، وساروا من الجامع يتبعون الشيخ إلى دار السلطان، فوجدوا الناس في جامع السلطان كذلك، وأحاط الناس بدار السلطان يستغيثون ويبكون، فخاف السلطان، وقال: أحضروا إليّ القاضي كمال الدين الشهرزوري. فأُحضر، قال القاضي كمال الدين: فلقد خفتُ مما رأيت، فلما دخلت عليه قال لي: أيّ فتنة أثرت؟! فقلت: ما فعلت شيئاً، أنا كنت في بيتي، وإنما الناس يغارون للدين والإسلام، ويخافون عاقبة هذا التواني. فقال: اخرج إلى الناس ففرّقهم عنا، واحضر غداً، واختر من العسكر ما تريد. ففرّقت الناس، وعرّفتهم ما أمر به السلطان من تجهيز العساكر، وحضرت من الغد إلى الديوان، فجهّز لي طائفة عظيمة من الجيش».
يتضح مما أورده ابن الأثير، وما أورده غيره ممّن أرّخوا لعهد الزنكيين، أن قوة هذه الدولة، والانتصارات العسكرية الإستراتيجية التي تحققت فيها ضد الفرنج، إنما قامت إلى حد كبير على كاهل جغرافية كوردستان، وبفضل ثروات كوردستان، وبمساهمة الإنسان الكوردي معرفياً وعسكرياً.
6. الكورد في العهد الأيوبي
قيادات متتابعة
تاريخ غربي آسيا، في العهود الإسلامية وقبلها أيضاً، نتاج جهود جميع شعوبها، وفي كل مرة كان أحد تلك الشعوب يتسلّم دفة القيادة ويدافع عن الأرض والهوية، مع اختلاف في الأداء والأهداف طبعاً. فكانت القيادة عربية في العهود الأولى من تاريخ الإسلام، ثم أصبحت ديلمية بويهية، ثم تركمانية سلجوقية، ثم كوردية أيوبية، ثم تركمانية مملوكية، ثم شركسية مملوكية، ثم تركية عثمانية.
وفي جميع هذه العهود من تاريخ غربي آسيا كان للجغرافيا الكوردية وللإنسان الكوردي حضورهما المؤثر، وتُوّج ذلك الحضور بقيام الدولة الأيوبية الكوردية المسلمة، وهي دولة كوردية من حيث القيادة والقرار السياسي والممارسة. وبما أن لنا وقفة متأنية عند إنجازات الدولة الأيوبية الكوردية المسلمة، فإننا نكتفي الآن بالوقوف عند أهمية كوردستان جغرافياً وبشرياً في الصراع الذي دار بين شعوب المنطقة والفرنج خلال العهد الأيوبي.
والحقيقة أن الدولة الأيوبية الكوردية المسلمة تولّت استكمال تنفيذ الإستراتيجية العامة ضد الوجود الفرنجي في غربي آسيا، تلك الإستراتيجية التي بدأها السلاجقة الأتراك، ثم تصاعدت بقوة في العهد الأتابكي الزنكي. وقد علمنا فيما سبق أن كوردستان، أرضاً وشعباً وموارد، كانت تحتل موقعاً مهماً في صميم تلك الإستراتيجية، وقد أخذت الدولة الزنكية هذه الحقيقة بعين الاعتبار، وبنت عليها خططها، فأحرزت انتصارات مهمة على الفرنج.
وكان الصراع بين شعوب الشرق الأوسط والفرنج في العهد الزنكي مقتصراً على كوردستان وبلاد الشام، أما في العهد الأيوبي فأصبح الصراع شاملاً، وامتدت ساحته من جنوبي كوردستان وشماليها شرقاً إلى الحدود التونسية غرباً وجنوباً، مروراً ببلاد الشام ومصر، وكان من الطبيعي أن تصبح كوردستان أكثر أهمية في خطة الأيوبيين الكورد التحريرية.
إستراتيجية القائد المسلم الكوردي صلاح الدين الأيوبي
لعل هذا الأمر يصبح أقرب إلى الفهم إذا أخذنا بالاعتبار الرؤية التي كان صلاح الدين الأيوبي يصدر عنها في إدارة دفة الصراع ضد الفرنج؛ فقد كان يدرك ببصيرته النافذة أن الصراع شامل، وأنه لا بد لتحقيق النصر من توحيد غربي آسيا وشمالي إفريقيا، أرضاً وشعوباً وقدرات.
وفي هذا المجال رأى صلاح الدين الأيوبي ضرورة أن تشترك دولة الموحدين بالمغرب في خوض الصراع ضد الفرنج، لأنها تمتلك أسطولاً قوياً يمكنه قطع طرق الإمدادات الفرنجية في البحر المتوسط، لا سيما أن الأسطول المصري لم يستطع بمفرده إنجاز هذه المهمة. فأرسل صلاح الدين الأمير العربي أسامة بن منقذ (ت 584هـ) رسولاً إلى الملك الموحدي في المغرب أبي يوسف يعقوب المنصور (ت 595هـ)، يحمل معه هدايا لطيفة مع رسالة استنجاد.
التقى أسامة بن منقذ بالملك الموحدي أبي يوسف يعقوب المنصور في مدينة فاس، لكن الأخير أحجم عن نجدة المسلمين في المشرق. وذكر المؤرخون أنه انزعج لأن صلاح الدين افتتح رسالته إليه بقوله: «من الفقير إليه تعالى يوسف بن أيوب إلى أمير المسلمين»، ولم يكتب له: «إلى أمير المؤمنين» كما كان ملوك الموحدين في المغرب يسمّون أنفسهم، إذ كانوا يعدّون أنفسهم خلفاء المسلمين، ولا يعترفون بالخلافة العباسية التي أرسى صلاح الدين أركانها في مصر بالقضاء على الخلافة الفاطمية. ولعل الملك الموحدي أبا يوسف يعقوب المنصور كان منزعجاً أيضاً من توسيع صلاح الدين الأيوبي حدود دولته من مصر إلى تونس غرباً، فقد خُطب له فيها سنة 583هـ.
حرص صلاح الدين الأيوبي على إحياء العقيدة الإسلامية النقية في القلوب والعقول، واستثار القدرات القتالية لكل من العرب والترك والكورد، ووظّفها في ردّ الغزو الفرنجي، وبسط النفوذ الأيوبي على شمالي كوردستان (جنوب شرقي تركيا) وأجزاء من جنوبي كوردستان (في شمال العراق)، وعلى بلاد الشام ومصر والحجاز واليمن وشمالي السودان وشرقي ليبيا.
أدرك صلاح الدين الأيوبي أهمية كوردستان، فلم يتركها بين أيدي بعض المتسلّطين الذين تحكّموا في مصير البلاد باسم الملوك الضعفاء من آل زنكي. وما إن توفي السلطان نور الدين محمود زنكي سنة 569هـ حتى بسط صلاح الدين نفوذه على بلاد الشام، فهيمن على دمشق سنة (570هـ)، وتوجّه بعد ذلك شمالاً نحو حمص وحماة وحلب، وفي سنة (578هـ) عبر الفرات إلى الديار الجزرية: نصيبين والبيرة والرها وسروج وسنجار (في غربي كوردستان)، وسيطر عليها.
وفي سنة (579هـ) توجّه صلاح الدين الأيوبي إلى آمد (ديار بكر) فملكها، وحاول أكثر من مرة السيطرة على الموصل لكنه لم يفلح في ذلك لمناعتها، وفي سنة (581هـ) سار إلى خلاط وميافارقين فملكهما. قال ابن الأثير: «وخُطب للسلطان صلاح الدين في جميع بلاد الموصل وديار بكر أيضاً»، وذلك بعد قطع الخطبة السلجوقية التركية، «وضُرب باسمه الدينار والدرهم».
وفي سنة (583هـ)، واستعداداً للمعركة الفاصلة مع الفرنج في منطقة حطين، كتب صلاح الدين الأيوبي إلى مصر والشام والموصل وديار الجزيرة وأربيل يستنفر المسلمين للجهاد، فلبّوا النداء، وتحقّق لصلاح الدين النصر الكبير على الفرنج، الذي مهّد لفتح مدينة القدس في السنة نفسها. وقد أبلى الكورد في معركة حطين بلاءً حسناً، وكان الفتى الكوردي درباس، من أتباع الأمير الكوردي إبراهيم المهراني، هو الذي أسر ملك القدس نفسه، وكان القائد العام للفرنجة وأرفعهم مكانة، وفي رواية أنه أسر أيضاً الفارس والقائد الفرنجي الشهير أرناط (رينو دو شاتيون)، وسنأتي على الدور الخطير الذي كان أرناط يقوم به في الصراع الإسلامي الفرنجي.
وجدير بالذكر أن الكورد المهرانيين كانوا حينذاك من أتباع العقيدة الأيزدية (اليزيدية)، وهذا ما أكده الأستاذ حسو أومريكو، وهو نفسه أيزدي وخبير بقبائل الكورد الأيزديين. وهذا دليل على أن صلاح الدين الأيوبي كان يفهم طبيعة الصراع الإسلامي الفرنجي، ويراه امتداداً للصراع التاريخي بين الشرق ممثلاً في شعوب الشرق الأوسط، والغرب ممثلاً في الشعوب الأوروبية.
وشارك كثير من الشخصيات الكوردية القيادية في المعارك التي خاضها المسلمون ضد الفرنج، ونذكر منهم إخوة صلاح الدين:
- نور الدولة أيوب شاهنشاه: وهو أسنّ من صلاح الدين الأيوبي، استشهد سنة (543هـ) في معركة ضد الفرنج حين كانوا يحاصرون مدينة دمشق.
- شمس الدولة أيوب تورانشاه: أكبر إخوة صلاح الدين، قاد الجيش الأيوبي في فتح اليمن، وكان أجود الناس وأسخاهم كفّاً، يوزّع على الناس جميع ما يصل إليه من مال، توفي سنة (576هـ).
- تاج الملوك أيوب بوري: أصغر إخوة صلاح الدين، كان فارساً شجاعاً كريماً حليماً، جامعاً لخصال الخير ومحاسن الأخلاق، وله ديوان شعر، توفي على أثر جرح أصيب به حين كان صلاح الدين الأيوبي يحاصر حلب سنة (579هـ).
- سيف الإسلام أيوب طغتكين: كان شهماً شجاعاً شديد السيرة، أرسله صلاح الدين الأيوبي إلى اليمن سنة 578هـ، وكانت ولايته باليمن ست عشرة سنة، وتوفي سنة 593هـ.
- الملك العادل سيف الدين بن أيوب: كان نبيلاً حازماً سديد الرأي، حسن التدبير، حليماً صفوحاً، آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، شارك صلاح الدين الأيوبي في ميادين القتال وفي مجالات الإدارة، توفي سنة 615هـ.
ومن الشخصيات التي شاركت في الصراع ضد الفرنج أبناء إخوة صلاح الدين الأيوبي، ونذكر منهم عز الدين أيوب فرّوخشاه بن شاهنشاه، الذي كان ينوب عن صلاح الدين في دمشق، وله مواقف مجيدة ضد الفرنج، وكان اعتماد صلاح الدين عليه أكثر من جميع أهله وأمرائه، وكان شجاعاً يقود الحروب بنفسه ولا يكلها إلى أحد غيره، ولا يهاب الموت، وكان كريماً فاضلاً عالماً بالأدب، وله شعر جيد، توفي سنة 578هـ.
ومن الشخصيات الكوردية التي اعتمد عليها صلاح الدين الأيوبي أيضاً ابن أخيه المظفر تقي الدين عمر أيوب بن شاهنشاه، وكان يقود جند صلاح الدين في كثير من المعارك، وابن عمه ناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه، إضافةً إلى الفقيه عيسى الهكاري وأخيه ظهير الدين الهكاري، وعز الدين جرديك، وعمر بن لاجين، وعلي بن أحمد المشطوب الهكاري.
وحرص ملوك بني أيوب بعد صلاح الدين على استمرار نفوذهم في كوردستان، كي يضمنوا الأمن في الحدود الشرقية والشمالية لبلاد الشام، إضافةً إلى إفادتهم من القوة القتالية الكوردية في المواقف الصعبة. فكان الملك العادل سيف الدين بن أيوب (أخو صلاح الدين) يسيطر على مناطق حرّان والرها وميافارقين ونصيبين والخابور، كما أن الملك الكامل بن العادل ولّى ابنه نجم الدين أيوب على شمالي كوردستان، وحين تولّى نجم الدين أيوب السلطنة عيّن ابنه تورانشاه والياً على المنطقة نفسها.
وظلّ بعض ملوك بني أيوب يحكمون مناطق عديدة من شمالي كوردستان على نحوٍ خاص أيام الغزو المغولي والتيموري، واستمر نفوذهم إلى بدايات العهد العثماني، كما سنرى في المواضيع القادمة.
أجزاء «تاريخ الكورد من العهد العباسي الأول إلى العهد الأيوبي» (4 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث
- الجزء الرابع (هذا الجزء)