الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
تاريخ الكورد من العهد العباسي الأول إلى العهد الأيوبي (الجزء الثالث)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
5. الكورد في العهد الزنكي
عماد الدين زنكي بن الأتابك آقسنقر والكورد
كلمة «أتابك» تركية الأصل، تتألف من كلمتين هما «آتا» (والد) و«بك» (أمير)، وتعني «الأمير الوالد». وكان هذا اللقب يُطلق في أوائل العهد السلجوقي التركي على من يُعهد إليهم بتربية الأمراء وتصريف شؤونهم، وتحت ستار هذه المهام تمكّن عدد من الأتابكة ذوي الحزم والتدبير من الوصول إلى أرفع الدرجات والسيطرة على بعض البلدان في غربي آسيا، وخاصة بعد وفاة السلطان السلجوقي ملكشاه.
ومن أبرز هؤلاء الأتابكة آقسنقر قسيم الدولة، وهو من قبائل «ساب يو» التركمانية، ومن أتباع ملكشاه السلجوقي وأترابه. ولما أفضت السلطنة إلى ملكشاه بعد أبيه ألب أرسلان جعل آقسنقر من أعيان أمرائه وأخصّ أوليائه، واعتمد عليه في المهمات الخطيرة، لِما رأى فيه من شجاعة وحزم وسداد رأي. وقُتل آقسنقر سنة (487هـ) في معركة قرب حلب كان يخوضها ضد تاج الدولة تتش بن ألب أرسلان، إذ قتله تتش بعد أن أخذه أسيراً.
وفي سنة (521هـ) عُيّن عماد الدين زنكي بن آقسنقر حاكماً على الموصل ومعظم ديار الجزيرة، وضمنها بعض مناطق كوردستان في العراق وتركيا وسوريا، الأمر الذي مكّنه من فرض سيطرته على بلاد الشام ومناطق الموصل وما يجاورها في كوردستان الوسطى، والاشتباك مع الكورد في الحروب، والتنكيل بهم. وذكر ابن الأثير حرص عماد الدين زنكي على توسيع نفوذه في كوردستان، فقال في أحداث سنة (528هـ): «في هذه السنة استولى عماد الدين زنكي على جميع قلاع الأكراد الحميدية، منها قلعة العقر وقلعة شوش وغيرهما». وبسط زنكي سيطرته سنة (534هـ) على مناطق شهرزور.
وكان الفرنجة آنذاك يسيطرون على مواقع مهمة من غربي العالم الإسلامي، تمتد من ماردين في كوردستان شمالاً إلى العريش في مصر جنوباً، وكانت سراياهم تغزو ديار بكر ونصيبين ورأس العين والرقة وحرّان، وكانوا يأخذون ما تدرّه المناطق التابعة لحلب مناصفة. وقد سيطر عماد الدين زنكي على الأجزاء الشمالية من بلاد الشام (حلب وحماة وحمص)، وحاصر دمشق أكثر من مرة، إلا أنه كان يدرك أهمية أرض جنوبي كوردستان (شمالي العراق حالياً) وشمالي كوردستان (كوردستان تركيا، شرقي تركيا حالياً)، خاصةً ضمن الخطة البعيدة المدى التي أوكلها السلاجقة الأتراك إلى آقسنقر البرسقي ضد الفرنجة.
قال ابن الأثير في أحداث سنة (508هـ): «في هذه السنة سيّر السلطان محمد الأمير آقسنقر البرسقي إلى الموصل وأعمالها والياً عليها… وسيّر معه ولده الملك مسعوداً في جيش كثيف، وأمره بقتال الفرنج، وكتب إلى سائر الأمراء بطاعته». وقال في أحداث سنة (534هـ): «في هذه السنة ملك أتابك عماد الدين زنكي شهرزور وأعمالها وما يجاورها من الحصون».
وفي سنة (537هـ) سار عماد الدين زنكي بجيشه إلى مواطن الكورد الهكارية شمالي الموصل، فحاصر قلعة أشِب، وكانت من أحصن قلاع الكورد، فاستولى عليها وأخربها، وأمر ببناء قلعة العمادية بدلاً منها، وسمّاها العمادية نسبة إلى لقبه عماد الدين.
وفي أحداث سنة (538هـ) قال ابن الأثير: «وفي هذه السنة سار أتابك عماد الدين زنكي إلى ديار بكر، ففتح منها عدّة بلاد وحصون، فمن ذلك: مدينة طَنْزة، ومدينة سِعِرْد، ومدينة حِيزان، وحصن الرُّوق، وحصن قَطْليس، وحصن ناتاسا، وحصن ذي القرنين، وغير ذلك ممّا لم يبلغ شهرة هذه الأماكن، وأخذ أيضاً من بلد ماردين ممّا هو بيد الفرنج: حَمْلِين، والمُوَزَّر، وتل مَوْزَن، وغيرها من حصون جوسلين، ورتّب أمور الجميع، وجعل فيها من الأجناد من يحفظها، وقصد مدينة آمد وحاني فحاصرهما، وأقام بتلك الناحية مُصلحاً لما فتحه، وحاصراً لِما لم يفتحه».
وفي إطار التوجّه العام للوقوف في وجه الأطماع الفرنجية واسترداد الأرض التي احتلها الفرنج، عزم عماد الدين زنكي على انتهاج خطّة هجومية محكمة. قال ابن الأثير في أحداث سنة 539هـ: «في هذه السنة، سادس جمادى الآخرة، فتح أتابك عماد الدين زنكي بن آقسنقر مدينةَ الرُّها من الفرنج، وفتح غيرها من حصونهم بالجزيرة أيضاً، وكان ضررهم قد عمّ بلاد الجزيرة، وشرّهم قد استطار فيها، ووصلت غاراتهم إلى أدانيها وأقاصيها، وبلغت آمد (في المنطقة الكوردية) ونصيبين ورأس عين والرقّة».
وقال ابن أبي الهيجاء في أحداث سنة 541هـ: «وفيها أرسل الشهيد عماد الدين زنكي عسكراً كبيراً، وحاصر قلعة فَنَك المطلّة على الشطّ قريب جزيرة ابن عمر، وهي قلعة منيعة للغاية، وأصحابها الأكراد البَشْنَوية، وهي بيدهم من مدّة ثلاثمائة سنة، فلم يزالوا يحاصرونها إلى أن قُتل الشهيد بقلعة جَعْبَر، فرحلوا عنها».
وكان للكورد دور كبير في صعود مكانة عماد الدين زنكي، فقد وقفوا إلى جانبه في واحد من أكثر المواقف حرجاً، وساعدوه على النجاة بحياته ومستقبله السياسي أيضاً. ففي سنة 526هـ كان عماد الدين زنكي يخوض معركة العراق ضد جند الخليفة العباسي المسترشد بالله (قُتل سنة 529هـ) والأتابك السلجوقي قراجه الساقي، فحلّت به الهزيمة، فتراجع إلى تكريت، وكان حاكمها نجم الدين أيوب (والد صلاح الدين الأيوبي)، فقدّم له المساعدة، وأقام له الجسر، فعبر نهر دجلة بسلام، وأفلت من قبضة أعدائه. ثم تبعه أصحابه، فأحسن نجم الدين أيوب صحبتهم وسيّرهم إليه. وقد أثار نجم الدين أيوب بذلك غضب الخليفة العباسي في بغداد، وغامر بمستقبله السياسي بمساعدته عماد الدين زنكي، وكان موقفه هذا من العوامل التي أدت إلى عزله من قبل الخليفة العباسي سنة 532هـ.
وقد أدرك عماد الدين زنكي أهمية استقطاب القوة القتالية الكوردية، فوظّفها بذكاء لتحقيق تطلعاته التوسعية، مستعيناً بأخوين كورديين قديرين هما نجم الدين أيوب وأسد الدين شيركوه ابنا أيوب، وكانا قد التحقا به في الموصل بعد عزل نجم الدين أيوب عن تكريت.
نور الدين زنكي وبطولات الكورد
إثر مقتل عماد الدين زنكي غيلةً على يد بعض خدمه سنة 541هـ / 1146م، حاول أكثر القادة إسناد مقاليد الأمور إلى سيف الدين غازي، الابن الأكبر لعماد الدين زنكي، لكن الجناح الآخر من القادة، وعلى رأسهم القائد الكوردي أسد الدين شيركوه (عمّ صلاح الدين الأيوبي)، وقفوا إلى جانب الابن الثاني نور الدين محمود زنكي، وأفلحوا في جعل مقاليد السلطة بين يديه.
انتهج نور الدين زنكي (ت 569هـ) نهج والده ضد الفرنج، فأخذ أهمية كوردستان جغرافياً وبشرياً بالحسبان، واستمرّ في مهاجمة حصون الفرنج في جنوب غربي كوردستان وبمحاذاتها، ومن تلك الحصون: تل باشر، وعين تاب، وإعزاز، وتل خالد، وقُورُس (في منطقة عفرين بأقصى غربي كوردستان، وتسمّى قلعة النبي هوري)، والرّاوَنْدان (في حوض نهر عفرين، ويقال: في منطقة جومه بعفرين)، وبرج الرصاص، وحصن البارة، وكفر سود، وكفر لاثا، ودُلوك، ومَرْعَش.
إن الأدلّة كثيرة على أن الكورد كانوا يشكّلون قوة قتالية مهمّة في جيش نور الدين زنكي، وكانوا يباشرون الحروب بإخلاص، وحسبنا دليلاً على ذلك أن نجم الدين أيوب وأخاه أسد الدين شيركوه كانا من أبرز قوّاده، وهما اللذان قاما بدور كبير في الانتصارات التي حقّقها. وقد ساعده نجم الدين أيوب في فتح دمشق، وكان لفتحها تأثير خطير، إذ أصبح نور الدين زنكي يتاخم المناطق التي كان الفرنج يسيطرون عليها في بلاد الشام، وكانت سيطرته على دمشق وما جاورها من بلاد الشام تمهيداً لبسط سيطرته من بعدُ على مصر، ووضْعِ الفرنج بين فكّي كمّاشة على الصعيد الإستراتيجي.
كان أسد الدين شيركوه يشغل في دولة نور الدين زنكي منصباً يماثل منصب وزير الدفاع في عصرنا هذا، وكان نور الدين يندبه للمهام العسكرية الجسام، فعيّنه قائداً على الجبهة الغربية (منطقة حمص) في مواجهة الفرنج. يقول البنداري (ت 643هـ): «ولما كان ثغر حمص أخطر الثغور تعيّن أسد الدين شيركوه لحمايته وحفظه ورعايته، لتفرّده بجدّه واجتهاده وبأسه وشجاعته».
وقال ابن الأثير في مكانة أسد الدين شيركوه عند نور الدين زنكي: «فقرّبه نور الدين وأقطعه، ورأى منه في حروبه ومشاهده آثاراً يعجز عنها غيره لشجاعته وجرأته، فزاده إقطاعاً وقرباً، حتى صار له حمص والرَّحْبة وغيرهما، وجعله مقدَّم عسكره».
كما أن نور الدين زنكي ندب أسد الدين شيركوه لإنقاذ مصر من تهديد الفرنج أكثر من مرة، ويعرف المختصون في التاريخ السياسي والعسكري خطورة دخول قائد مع عدد محدود من الجنود من سوريا إلى مصر حينذاك، بعيداً عن مراكز الإمداد والتموين وعن مركز قيادته، خاصةً أن مناطق النفوذ الفرنجية وقوّاتهم المتقدّمة كانت تقع حينذاك في الأردن، على الطريق بين مصر وسوريا. قال ابن الأثير في أحداث سنة (559هـ): «فلمّا كانت هذه السنة، وعزم نور الدين على إرسال العساكر إلى مصر، لم يرَ لهذا الأمر الكبير أقوم ولا أشجع من أسد الدين شيركوه، فسيّره».
وظهرت شجاعة أسد الدين شيركوه في خروجه من بلبيس في مصر، وكان الجيشان الفرنجي والمصري قد حاصراه فيها ثلاثة أشهر، ثم اصطلحوا على أن يخرج منها بجنده ويعود إلى بلاد الشام. قال أبو شامة: «حدّثني مَن رأى أسد الدين شيركوه حين خرج من بلبيس، قال: رأيته وقد أخرج أصحابه بين يديه، وبقي آخرهم، وبيده لَتّ من حديد يحمي ساقتهم، والمسلمون والفرنج ينظرون. قال: وأتاه فرنجيٌّ من الغرباء، فقال له: أما تخاف أن يغدر بك هؤلاء المسلمون والفرنج، وقد أحاطوا بك وبأصحابك، فلا يبقى لك معهم بقيّة؟! فقال أسد الدين شيركوه: يا ليتهم فعلوا! كنتَ ترى ما لم ترَ مثله، كنتُ والله أضع سيفي فلا أُقتل حتى أقتل رجالاً… فوالله لو أطاعني هؤلاء، يعني أصحابه، لخرجتُ إليكم أوّل يوم، لكنهم امتنعوا. فصلّب الفرنجيُّ على وجهه وقال: كنّا نعجب من فرنج هذه الديار ومبالغتهم في صفتك وخوفهم منك، والآن قد عذرناهم».
وفي الخبر الآتي، الذي ذكره ابن أبي الهيجاء في أحداث سنة (544هـ)، دليلٌ آخر على الدور الفعال للكورد في الجهود الحربية للدولة الزنكية: «وفيها جمع نور الدين، وطلب من دمشق نجدة، فأرسلوا إليه الأمير مجاهد الدين بُزان الكوردي، وجاء عسكر أخيه سيف الدين غازي، وسار إلى أنطاكية، وخرج إليه البرنس، وجرت بينهما وقعة عظيمة، فكسرهم نور الدين الكسرة المشهورة، وفتح حارم، وقتل الفرنج، وكان لأسد الدين شيركوه في هذه الوقعة اليد الطولى، وأبان عن شجاعة وبسالة… وكذلك الأمير مجاهد الدين بزان بن مامين، مقدّم العسكر الدمشقي، أبان عن شجاعة وبراعة».
بل إن أحد المقاتلين الكورد ضحّى بنفسه لينقذ نور الدين زنكي من موت محقَّق خلال معركة ضد الفرنج قرب حمص؛ ففي أحداث سنة (558هـ) ذكر ابن الأثير الخبر الآتي: «في هذه السنة انهزم نور الدين محمود بن زنكي من الفرنج تحت حصن الأكراد، وهي الوقعة المعروفة بالبُقَيْعة، وسببها أن نور الدين جمع عساكره، ودخل بلاد الفرنج، ونزل في البقيعة تحت حصن الأكراد، محاصراً له، وعازماً على قصد طرابلس ومحاصرتها. فبينما الناس يوماً في خيامهم وسط النهار لم يرُعْهم إلا ظهور صلبان الفرنج من وراء الجبل الذي عليه حصن الأكراد، وذلك أن الفرنج اجتمعوا، واتفق رأيهم على كبسة المسلمين نهاراً، فإنهم يكونون آمنين، فركبوا في وقتهم، ولم يتوقفوا حتى يجمعوا عساكرهم، وساروا مُجِدّين، فلم يشعر بذلك المسلمون إلا وقد قربوا منهم، فأرادوا منعهم فلم يطيقوا ذلك، فأرسلوا إلى نور الدين يعرّفونه الحال، فرهقهم الفرنج بالحملة، فلم يثبت المسلمون، وعادوا يطلبون معسكر المسلمين، والفرنج في ظهورهم، فوصلوا معاً إلى العسكر النوري، فلم يتمكن المسلمون من ركوب الخيل وأخذ السلاح إلا وقد خالطوهم، فأكثروا القتل والأسر… وقصدوا خيمة نور الدين وقد ركب فيها فرسه ونجا بنفسه، ولسرعته ركب الفرس والشَّبْحة في رجله (أي في رجل الفرس)، فنزل إنسان كوردي وقطعها، فنجا نور الدين وقُتل الكوردي، فأحسن نور الدين إلى مخلَّفيه، ووقف عليهم الوقوف».
أجزاء «تاريخ الكورد من العهد العباسي الأول إلى العهد الأيوبي» (4 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث (هذا الجزء)
- الجزء الرابع