الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
تاريخ الكورد من العهد العباسي الأول إلى العهد الأيوبي (الجزء الثاني)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
3. الكورد والحمدانيون
وئام وخصام
في الوقت الذي برز فيه البويهيون (الديلم)، المحسوبون على الفرس أو الكورد، للوقوف في وجه تسلّط العسكريين الأتراك على دار الخلافة، برزت أسرة الحمدانيين من العنصر العربي، والأرجح أنها تنتسب إلى قبيلة تغلب. على أن الهمداني (ت بعد 344هـ) يقول: «نصيبين موضع العقارب، وهي دار حمدان بن حمدون مولى تغلب»، أي من غير العرب. وقال ابن خلدون، نقلاً عن ابن حزم الظاهري (ت 456هـ)، إنهم موالي بني أسد.
والملاحظ أن علاقة المصاهرة كانت قائمة بين الحمدانيين وبعض الكورد، إذ نجد أمهات بعض الأمراء الحمدانيين المشاهير وزوجاتهم كورديات. ومن ذلك أن أم أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان، والد سيف الدولة، كانت كوردية، وحين أعلن أبو الهيجاء العصيان في الموصل سنة (301هـ) كانت تؤيده جماعة من الكورد هم أخواله. وكانت زوجة ناصر الدولة بن حمدان كوردية أيضاً، وتدعى فاطمة بنت أحمد الكوردية، وهي أم أبي تغلب الحمداني. وكانت أم سيف الدولة، أشهر أمراء بني حمدان، كوردية، ويبدو أنه تزوج امرأة كوردية أنجب منها ابنه سعد الدولة الذي تسلّم الإمارة بعده؛ إذ التجأ سعد الدولة، في خضم الصراع بينه وبين قَرْعُوَيه (غلام أبيه، وفي رواية: قرغويه)، إلى والدته المقيمة في ميافارقين في المنطقة الكوردية.
وقد تنبّه كلٌّ من البويهيين والحمدانيين إلى أهمية السيطرة على كوردستان، وكثيراً ما تصارعوا لهذا الغرض. وكان الحمدانيون في البداية ولاة على بعض مناطق جنوبي كوردستان وشماليها من قبل الخليفة العباسي في بغداد، لكنهم استقلّوا بالسلطة إلى حدٍّ ما عن دار الخلافة بعد أن تغلّب عليها البويهيون، وتجدّد الصراع بين العناصر العربية والفارسية.
وفي سنة (303هـ) أعلن الحسين بن حمدان، أخو أبي الهيجاء، العصيان على الخلافة العباسية، ودارت عدة معارك بين الفريقين، وكان جيش الحسين بن حمدان مكوّناً من الأعراب والكورد. وكانت الموصل الموقع الأكثر أهمية في الصراع بين الحمدانيين والبويهيين، وكان الكورد هم الغالبية فيها وفي النواحي التابعة لها.
وفي سنة (293هـ) ثار الكورد الهذبانية (الهذبيانية) في جنوبي كوردستان على أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان بن حمدون التغلبي، والي الخليفة العباسي المكتفي بالله (ت 295هـ) على الموصل. وكان قائد الكورد محمد بن بلال، واعتصم الكورد بالجبل المشرف على مدينة شهرزور، وعجز أبو الهيجاء عن إخضاعهم، لكنه وُفّق إلى ذلك أخيراً بفضل النجدات التي أمدّه بها الخليفة، فاستسلم محمد بن بلال، وتتابع الكورد الحميدية في طلب الأمان، وكذلك فعل كورد جبل داسِن الواقع في منطقة دهوك في كوردستان الجنوبية.
وفي سنة (314هـ) ثار الكورد الجلالية في مناطق شهرزور متعاونين مع بعض القبائل العربية في مناطق الموصل، وكان أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان التغلبي والياً على الموصل، فسار إليهم و«قاتلهم، وانضاف إليهم غيرُهم، فاشتدّت شوكتُهم، ثم إنهم انقادوا إليه لِما رأوا من قوّته».
وقُتل أبو الهيجاء حين ثار الجند على الخليفة القاهر بالله وخلعوه أول مرة سنة (317هـ)، وكان أبو الهيجاء قد شارك في خلع الخليفة المقتدر بالله والبيعة للقاهر بالله. وخلال هذه الفتنة الداخلية عجزت الثغور الجزرية عن ردّ هجمات البيزنطيين، ومنها المناطق الكوردية مَلَطْية وآمد وميافارقين وأَرْزَن، فطلب أهلها المساعدة من الخليفة في بغداد، ولما خاب أملهم اضطروا إلى مسالمة ملك الروم وسلّموا إليه مدنهم. وأسند الخليفة المقتدر بالله إلى الأمير الحمداني ناصر الدولة بن أبي الهيجاء الولاية على كل المناطق الكوردية في نصيبين وسنجار والخابور ورأس العين، وعلى ميافارقين وأرزن الروم (قاليقلا) من ديار بكر.
وبعد أن استقلّ الحمدانيون بالحكم في الموصل وشمالي سوريا، وبسطوا نفوذهم على مناطق واسعة من شمالي كوردستان (في شرقي تركيا حالياً)، اضطروا إلى الدخول في صراع مرير وطويل ضد الروم البيزنطيين، وأبرز من قاد هذا الصراع من الحمدانيين الأمير سيف الدولة الحمداني.
الكورد والصراع الحمداني–البيزنطي
صحيح أن الأمير سيف الدولة الحمداني اتّخذ حلب عاصمة لإمارته، إلا أنه كان ينظر إلى شمالي كوردستان باعتبارها عمقه الإستراتيجي جغرافياً وبشرياً واقتصادياً. ولا ننسى أن أمه كانت كوردية كما سبق القول، وكانت له صلات وثيقة بأخواله الكورد؛ فقد ولد سنة (303هـ) في مدينة ميافارقين الكوردية، ولمّا توفّي بحلب نُقل جثمانه إلى ميافارقين ودُفن فيها، وهذا دليل على ارتباطه الشديد بكوردستان.
وظلّت أرض كوردستان منطقة صراع عسكري محموم بين الحمدانيين والروم البيزنطيين بعد وفاة سيف الدولة، واستفحل عدوان الروم على المنطقة الكوردية بعد أن ضعفت قوة الحمدانيين. وذكر ابن الأثير أنه في سنة (361هـ) «أغار ملكُ الروم على الرُّها ونواحيها، وسار في ديار الجزيرة حتى بلغوا نصيبين، فغنموا وسبَوا وأحرقوا وخرّبوا البلاد (كوردستان)، وفعلوا مثل ذلك بديار بكر، ولم يكن من أبي تغلب بن ناصر الدولة بن عبد الله بن حمدان في ذلك حركةٌ ضدهم ولا سعيٌ في دفعه (أي في مساعدة أهالي المنطقة الكوردية)، لكنه حمل إلى الروم مالاً كفّه به عن نفسه… فسار جماعة من أهالي تلك البلاد (المنطقة الكوردية) إلى بغداد مستنفرين، وقاموا في الجوامع والمشاهد، واستنفروا المسلمين، وذكروا ما فعله الروم من النهب والقتل والأسر والسَّبْي، فاستعظمه الناس، وخوّفهم أهل الجزيرة من انفتاح الطريق وطمع الروم، وأنهم لا مانع لهم عندهم، فاجتمع معهم أهل بغداد، وقصدوا دار الخليفة المطيع لله، وأرادوا الهجوم عليه، فمُنعوا من ذلك، وأُغلقت الأبواب، فأسمعوا ما يقبح ذكره».
وذكر ابن الأثير في أحداث سنة (362هـ) معركةً وقعت بين الأمير هبة الله بن ناصر الدولة بن حمدان وبين قائد الروم البيزنطي المعروف باسم «الدُّمُسْتُق» في ناحية ميافارقين، بسبب الغزو الذي شنّه الدمستق على بلاد المسلمين في المنطقة الكوردية، ونهبه ديار ربيعة وديار بكر، وقد أخذ المسلمون الدمستق أسيراً. إن هذه الأخبار، وغيرها كثير، لا تدع مجالاً للشك في أن كوردستان كانت تمثّل موقعاً إستراتيجياً مهمّاً بالنسبة إلى عاصمة الخلافة العباسية في بغداد، حتى إن عامة الناس في بغداد كانوا يدركون العواقب الوخيمة التي ستنجم عن سيطرة الروم البيزنطيين على شمالي كوردستان، ولذا ثاروا وهاجموا دار الخلافة لتقاعس الخليفة المطيع لله وبطانته عن تدارك الأمر.
ومن المواقف التي تدلّ على استبسال الكورد في الدفاع عن منطقتهم وعن ديار المسلمين خبرٌ أورده ابن أبي الهيجاء في تاريخه، وهو الآتي:
في سنة (387هـ) هاجم الدوقس، عظيم الروم، بلاد الشام في عسكر جرّار، فوصل إلى منطقة حمص، وكانت بلاد الشام تابعة للخليفة الفاطمي في مصر الحاكم بأمر الله (ت 411هـ). ونزل على حصن أفاميا وحاصره حتى أكل أهله الجِيَف والكلاب، فخرج إليهم جند طرابلس والمتطوّعة من عامتهم، ونزلوا بإزاء الروم وبينهم نهر العاصي، فحمل الروم على القلب فكسروه، وانهزمت ميسرة المسلمين ولحقتها الميمنة، وركب الروم المسلمين، وقتلوا منهم ألفي رجل، واستولوا على سلاحهم وخيولهم، وأيقن أهل أفاميا بالهلاك.
وكان ملك الروم (الدوقس) قد وقف على رابية تطلّ على ميدان المعركة، وبين يديه ولدان له وعشرة نفر من غلمانه، ليشاهد ظفر عسكره، فقصده كوردي يعرف بأبي الحجر أحمد بن الضحّاك السليل، على فرس جواد، وعليه كَزاغَنْد (درع) وخوذة، وبيده اليمنى خِشْت (حديدة حادّة)، وباليسرى العنان وخشت آخر، فظنّه الدوقس مستأمناً إليه ومستجيراً به، فلم يحفل به ولا تحرّز منه. فلما دنا منه حمل عليه، والدوقس متحصّن بدرعه، فضربه بالخشت فقتله، وصاح بالمسلمين: قُتل عدوّ الله! فرجع المسلمون، ونزل من كان في الحصن فأعانوهم، وانتصر المسلمون على الروم فقتلوهم وأسروهم، وبات المسلمون غانمين مسرورين.
4. الكورد في العهد السلجوقي (التركي)
ظهور السلاجقة (الأتراك)
ينتمي السلاجقة إلى التركمان الغُزّ (الأوغوز)، وقد هاجروا من أقاصي تركمانستان لسوء الأحوال الاقتصادية، وتحت ضغط القبائل الطورانية الأقوى، وسكنوا أيام الدولة السامانية الفارسية (261–389هـ) بجوار بحيرة آرال، وفي السواحل الشرقية لبحر قزوين (الخزر)، وفي الوديان العليا لنهري سيحون وجيحون، واعتنقوا الإسلام. ويرجع اسمهم إلى زعيمهم سلجوق بن دُقاق (تُقاق).
وفي سنة (429هـ / 1037م) وصل فريق من الغزّ إلى كوردستان، فأغاروا على قبيلة الهذبانية الكوردية الكبيرة، وقتلوا منها مقتلة عظيمة. لكن القبائل الكوردية ما لبثت أن وحّدت صفوفها بقيادة الحكومة الروّادية الكوردية (والروّادية فرع من قبيلة الهذبانية الكوردية)، وألحقت بالغزّ هزيمة نكراء. وكان فريق آخر من الغزّ قد توجّه إلى أرمينيا، وفريق ثالث إلى هكاري وآمد (ديار بكر الكوردية)، وكانوا يمارسون النهب والسلب والتدمير حيثما حلّوا وارتحلوا.
وكان السلاجقة الأتراك في البداية مرتزقة في جيش الدولة الغزنوية الكوردية، ثم انقلبوا عليها، ودخلوا في صراع ضد السلطان مسعود الغزنوي، واستطاعوا في النهاية القضاء على الدولة الغزنوية والحلول محلها، واختاروا طغرل بك محمد بن ميكائيل بن سلجوق زعيماً لهم، ليجلس على عرش الحكم في نيسابور سنة (429هـ)، فكان طغرل بك أول ملوك السلاجقة الأتراك.
تقدّم السلاجقة غرباً نحو إيران فالعراق وكوردستان، ووجد فيهم الخليفة العباسي القائم بأمر الله (ت 467هـ) المنقذَ الذي يخلّصه من تسلّط البويهيين ذوي الميول الشيعية، وهم فرس في الأصل، وإن كان هناك من ينسبهم إلى الكورد كما مرّ سابقاً. ودخل طغرل بك السلجوقي بغداد سنة (447هـ / 1055م)، وقضى على النفوذ البويهي، ومنحه الخليفة العباسي لقب «سلطان»، وهي أول مرة يُستحدث فيها لقب «سلطان» في تاريخ الإسلام.
السلاجقة الأتراك في كوردستان
حرص السلاجقة الأتراك على إلحاق كوردستان بمناطق نفوذهم؛ ففي سنة (448هـ) أرسل السلطان طغرل بك ابن عمه قُتُلْمُش بن إسرائيل بن سلجوق إلى الموصل وديار بكر، ثم إلى همذان. وفي هذه السنة نفسها، وقيل في سنة (449هـ)، سار طغرل بك إلى الجزيرة وحاصرها، وصالح الملك نصر الدولة أحمد بن مروان الكوردي، صاحب ميافارقين وديار بكر، على مئة ألف دينار، ثم سار إلى مدينة سنجار (شنكال) ففتحها عنوة واستباحها.
وفي عهد السلطان السلجوقي ألب أرسلان تطلّع السلاجقة الأتراك إلى بلاد الشام، وبعد نشوب الصراع بينهم وبين الروم البيزنطيين ازداد الاهتمام بكوردستان. وكانت الدولة الدوستكية (المروانية) الكوردية في شمالي كوردستان أضعف من أن تصمد أمام القوات السلجوقية التركية، وما لبث ألب أرسلان أن توجّه إلى ديار بكر الكوردية، فحمل إليه ملكها الكوردي نصر الدولة أحمد بن مروان مئة ألف دينار سعياً لإرضائه.
وبعد مقتل السلطان ملكشاه بن ألب أرسلان سنة (485هـ) على يد صبيّ ديلمي (والديلم هم الذين ينتمي إليهم البويهيون)، تنازع خلفاؤه على الملك، وأصبحت كوردستان، ولا سيّما ديار بكر والمناطق الكوردية في الجزيرة، مرة أخرى ساحةً للصراع بين المتنازعين، شأنها في ذلك شأن الديار الأخرى في غربي آسيا.
ويبدو أن الكورد في العراق كانوا يشكّلون قوة سياسية وعسكرية لا بأس بها إلى جانب بعض القوى الأخرى، إذ قال ابن الأثير في أحداث سنة (455هـ) بصدد وفاة السلطان طغرل بك: «وأمّا الأحوال بالعراق بعد وفاته فإنه كُتب من ديوان الخلافة إلى شرف الدولة مسلم بن قريش صاحب الموصل، وإلى نور الدولة دُبَيْس بن مَزْيَد، وإلى هزارسب، وإلى بني ورّام، وإلى بدر بن المُهَلْهِل، بالاستدعاء إلى بغداد». ثم أضاف ابن الأثير قائلاً: «وقَدِم إلى بغداد دبيس بن مزيد، وخرج الوزير ابن جهير لاستقباله، وقدم أيضاً أبو الفتح بن ورّام، وتوفّي ببغداد أبو الفتح بن ورّام مقدّم الأكراد الجاوانية، فحُمل إلى جرجرايا، وفارق شرف الدولة مسلمٌ بغداد ونهب النواحي، فسار نور الدولة والأكراد وبنو خفاجة إلى قتاله».
وفي سنة (463هـ / 1071م) كانت مناطق شمالي كوردستان مسرحاً لمعركة فاصلة بين الترك السلاجقة بقيادة ألب أرسلان والروم البيزنطيين بقيادة الإمبراطور أرمانوس، وذلك بالقرب من منازكرد (ملاذكرد = ملازجرد). وكان جيش ألب أرسلان يتألّف من أربعة آلاف مقاتل، وانضم إليه عشرة آلاف مقاتل من فرسان الكورد، فحقق ألب أرسلان نصراً ساحقاً على الروم البيزنطيين، ووقع الإمبراطور الرومي أرمانوس أسيراً.
أضف إلى هذا أن كوردستان أصبحت لفترة طويلة مسرحاً للحروب الدائرة بين السلاجقة الأتراك أنفسهم تارةً، وبينهم وبين أعدائهم تارةً أخرى، وكان هؤلاء وأولئك يستعينون بالقبائل الكوردية لترجيح كفّتهم وتحقيق الانتصار. قال ابن خلدون: «كان قاورت بك أخو السلطان ألب أرسلان أميراً بكرمان، فلما بلغه وفاة أخيه سار إلى الرَّيّ يطلب ملك أخيه، فسبقه إليها السلطان ملكشاه ونظام الملك، ومعهما مسلم بن قريش ومنصور بن دبيس وأمراء الأكراد، والتقت القوتان… فانهزم قاورت بك… وأقطع العربَ والأكرادَ مجازاةً لما أبلوا في الحرب».
وذكر ابن خلدون أن شِمْلة التركماني منع السلطان ملكشاه من العبور في مناطق خوزستان، فنزل ملكشاه على الكورد الذين هناك، فاجتمعوا إليه من الجبال والسهول، وحارب شملة فهزمه واستولى على البلاد.
وفي سنة (472هـ) حاصر مسلم بن قريش العقيلي دمشق بجيش من العرب والكورد، وكانت في يد تاج الدولة تُتُش بن ألب أرسلان. كما أن أبا الهيجاء الكوردي الهذباني، ولعله أبو الهيجاء بن موسك صاحب إربل، وقف إلى جانب محمد بن مسلم بن قريش في صراعه ضد السلاجقة الأتراك، ذلك الصراع الذي دار في مناطق الموصل ونصيبين وجزيرة ابن عمر.
وفي سنة (477هـ) سيّر السلطان ملكشاه الوزيرَ فخر الدولة بن جهير، وزير الخليفة العباسي المقتدي بأمر الله (ت 487هـ)، إلى ديار بكر ليتملّكها ويُجلي عنها حكامها الكورد الدوستكيين (المروانيين)، وسيّر عميد الدولة بن فخر الدولة بن جهير إلى الموصل، وأرسل معه جيشاً عظيماً جعل المقدَّم عليه آقسنقر قسيم الدولة.
وبعد مقتل السلطان ملكشاه تولّى ابنه بركياروق السلطة، فطمع عمّه تاج الدولة تتش، صاحب بلاد الشام، في السلطنة، وتوجّه سنة (486هـ) إلى الموصل، وحارب العقيليين وانتصر عليهم، وقتل إبراهيم بن قريش العقيلي الذي رفض الخطبة له، ثم قصد آمد وميافارقين فاستولى عليهما، وبعث عمّاله إلى كلٍّ من الموصل وسنجار.
ثم اختلف السلطان بركياروق مع أخويه محمد وسنجر، وذكر ابن الأثير أنه في سنة (497هـ) تحقّق الصلح بين الإخوة الثلاثة، واتفقوا على أن تكون السلطنة لبركياروق، وتكون له بلاد الجبل وهمذان وأصبهان والريّ وبغداد وأعمالها، ويكون لأخيه محمد أرمينيا وأذربيجان وديار بكر والجزيرة والموصل والشام، وتكون خراسان لسنجر.
واستغلّ بنو أرتق (وجدّهم أرتق تركماني من مماليك السلطان ملكشاه) نشوب الخلافات بين ملوك السلاجقة، فعُيّن إيلغازي بن أرتق على بغداد، وبسط أخوه سُكْمان (سُقْمان) نفوذه على الرها وحصن كيفا وماردين ونصيبين، وكان ذلك بدءاً من سنة (495هـ). وفي أوائل سنة (502هـ) تقاسم بنو أرتق بلاد الجزيرة، وتفرّعوا، بعد أن تلقّبوا بالملوك، إلى ثلاثة فروع:
- فرع حصن كيفا وآمد، ويعرف بالسُّكماني.
- فرع خَرْتَبِرْت (خربوط)، ويعرف بالعِمادي.
- فرع ماردين، ويعرف بالإيلغازي.
وقفة تحليلية
كانت نتائج الغزو السلجوقي التركي لكوردستان بشكل عام سيئة جداً على الكورد، ولا مبالغة في القول إن أكثر الشعوب التي ألحقت الضرر بالكورد في تاريخ الإسلام هم الترك، سواء أكانوا سلاجقة أم عثمانيين. بل أعتقد أن دخول الكورد القرن العشرين من غير كيان قومي سياسي مستقل إنما يعود بشكل رئيسي إلى الاحتلال التركي لبلاد الكورد (كوردستان) نحو ألف عام، وها قد اجتاز الكورد عتبة القرن الحادي والعشرين وهم لا يزالون يدفعون ثمن ذلك الاحتلال.
ففي الوقت الذي غزا فيه السلاجقة الأتراك كوردستان كانت هناك خمس دول أو حكومات أو دويلات كوردية قائمة في بلاد الكورد، هي: الحكومة الروّادية في أذربيجان، والحكومة الشدّادية في أرّان (تتوزع أرّان حالياً بين جمهوريات أذربيجان وأرمينيا وجورجيا)، والحكومة الدوستكية (المروانية) في شمالي كوردستان وفي مناطق من غربيها، والحكومة العنازية في حلوان بجنوبي كوردستان.
وقد اكتسح السلاجقة الأتراك هذه الحكومات الكوردية جميعها، فضيّقوا عليها أولاً، ثم جعلوها تابعة لهم ثانياً، ثم قضوا عليها أخيراً. وكان نفوذ هذه الحكومات الكوردية يمتد على ثلاثة أرباع مساحة كوردستان تقريباً، ولولا الغزو السلجوقي التركي لكان من الممكن أن تتطور الأمور في بلاد الكورد نحو الأفضل، كأن تتمكن دولة أو دويلة أو إمارة كوردية من بسط سيطرتها على بقية مناطق كوردستان، وتنضوي هذه الحكومات الكوردية مع الأيام تحت لواء حكومة واحدة، فتتأسس نواة دولة كوردية، تماماً كما حصل في العهد الميدي (الإمبراطورية الميدية الكوردية).
وحتى لو ظلت تلك الحكومات الكوردية منفصلة، كان من الممكن، في أسوأ الأحوال، أن تهيّئ المناخ لظهور مؤسسات ثقافية كوردستانية متطورة على الصعيدين الأدبي والعلمي، مثلما حصل في بلاد فارس خلال العهد الساماني. وكان من الممكن لتلك المؤسسات الثقافية أن تضع نواة ثقافة كوردية قومية متجانسة، وتعمّمها على أجيال الكورد عبر التاريخ، فتحصّن المجتمع الكوردي ضد الاختراقات الصفوية والعثمانية في القرن الخامس عشر، وتعبر بالكورد، وقد امتلكوا شخصية قومية واضحة الملامح، من العصور الوسطى إلى مشارف العصور الحديثة.
أجزاء «تاريخ الكورد من العهد العباسي الأول إلى العهد الأيوبي» (4 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني (هذا الجزء)
- الجزء الثالث
- الجزء الرابع