الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

تحديات بناء الدولة الكوردية القومية (الجزء الأول)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

خضعت المناطق الكوردية تاريخياً لسيطرة الإمبراطوريات العظمى القديمة، ثم للسيطرة العثمانية والصفوية، وبعد الحرب العالمية الأولى (1914-1918م) أصبحت كوردستان مقسمة بين تركيا وإيران والعراق وسوريا وبعض الدول الأخرى.

بدأ الشعور القومي الكوردي بالنمو والازدياد مطلع القرن العشرين، ومع تكوين بريطانيا وفرنسا للدول على الأساس القومي أصبح لدى الأكراد الشعور والحلم بتكوين دولتهم الكوردية الكبرى، لكن الصعوبات والتحديات جعلت من هذه الدولة الكوردية حلماً ما زال الأكراد يسعون خلفه. وتكاد التحديات الداخلية تتوزع على ما يتصل بالشعب الكوردي واللغة الكوردية والنظام المجتمعي.

أما على صعيد التحديات الإقليمية، فقد كانت القضية الكوردية ورقة ضغط تستغلها الدول الإقليمية (تركيا، وإيران، والعراق، وسوريا) فيما بينها للحصول على بعض المكاسب، واستخدمت هذه الدول الأكراد للحصول على بعض التنازلات الإقليمية.

وكان التحدي الدولي هو الأساس في منع تشكيل الدولة الكوردية في بداية القرن العشرين، فقد استخدمت القوى الكبرى القضية الكوردية للسيطرة وفرض الهيمنة على منطقة الشرق الأوسط، واستُخدمت القضية في التأثير على تركيا والعراق وإيران وسوريا، واستغلتها الدول الكبرى أداةً للضغط على دول الإقليم، أو للضغط بين دول الإقليم بعضها على بعض. وهكذا أصبحت القضية الكوردية أداة بيد الدول للحصول على المكاسب على حساب الشعب الكوردي.

التحديات الداخلية

تواجه القضية الكوردية عدة تحديات ومعوقات تكاد تجعل بناء الدولة الكوردية وتشكيلها أمراً مستحيلاً. فقد توزعت هذه التحديات على العوامل السياسية، من خلاف بين الأحزاب السياسية الكوردية واستمرار الاقتتال فيما بينها من أجل تحقيق مصالح ضيقة وشخصية. وهناك التحديات الاقتصادية التي تكاد تخنق كوردستان بسبب موقعها الجغرافي بين دول تعادي الأكراد، ولأن كوردستان بلد حبيس لا يطل على البحر، وهذا يجعل اتصاله بالعالم الخارجي صعباً، كما يصعّب اتصال العالم بأهله. وتشكل العوامل المجتمعية، بعدم تجانسها، تحدياً أمام تكوين الدولة الكوردية، فقد تقاسمت كوردستان أربع دول هي تركيا وإيران والعراق وسوريا، وحاولت هذه الدول دمج المجتمع الكوردي وإذابته في مجتمعاتها لأسباب سياسية، وأدى ذلك إلى تباعد المجتمع الكوردي فيما بينه وفق الانتماء إلى هذه الدول.

1. التحديات السياسية

لقد أوجد تعدد الأحزاب السياسية الكوردية واختلافها في الفكر والعقيدة حالة من التفرق لا التوحد، وجاء الاقتتال بين الأحزاب الكوردية ليزيد من عمق التباعد بينها، وأدى هذا بدوره إلى عدم الاندماج بين زعماء الأحزاب من جهة، وبين أعضائها من جهة أخرى. وسنرصد فيما يلي الأحزاب الكوردية الفاعلة والاختلاف في فكرها السياسي، والمواقف وأسباب الصراع التي أدت إلى عدم الاندماج فيما بينها:

اختلاف مناهج الأحزاب السياسية الكوردية

لم تحصل الأحزاب السياسية الكوردية على موافقات قانونية للعمل العلني من الدول المتقاسمة أراضي كوردستان، لأسباب تتعلق بطبيعة النظام السياسي في هذه الدول من جهة، ولأنها من جهة أخرى كانت تثير مخاوف سلطات هذه الدول، التي لم تكن مستعدة لاتخاذ الخطوات الكفيلة بحل القضية الكوردية على أسس سليمة. وقد دفع عدم سماح سلطات هذه الدول بوجود نشاطات سياسية كوردية علنية الوطنيين الأكراد إلى ممارسة نشاطاتهم عن طريق تأليف أحزاب وتنظيمات سرية. والأحزاب السياسية الكوردية المعاصرة تكاد تتفق في موقفها من السلطة ومصدر شرعيتها، وإن اختلفت في نهجها وتوزعت بين اليمين واليسار، وبين العلمانية والدينية. ونظراً لكثرة الأحزاب والحركات الكوردية سنقتصر على عرض الأحزاب الفاعلة منها، وأهمها:

أ- الحزب الديمقراطي الكوردستاني (البارتي)

يعد الحزب الديمقراطي الكوردستاني وليد تطور الحركة التحررية الوطنية في كوردستان العراق ضد الحكومات العراقية المتعاقبة، وهو يمثل واقع المرحلة التاريخية واستجابة حية لأوضاع المجتمع الكوردستاني. تأسس الحزب سرّاً في بغداد في 16/8/1946م، وأخذ يُعرف اختصاراً بـ«البارتي». وقد شكلت عناصر «شورش» و«رزكاري» نحو 90% من أعضاء المؤتمر التأسيسي للحزب. ونافس الحزب منذ ظهوره الحزب الشيوعي العراقي منافسة كبيرة على أرض كوردستان، ونشبت بينهما دائرة صراع فكري، انتهت من حيث المبدأ بإقرار الحزب الشيوعي برأي الحزب الديمقراطي الكوردستاني في إعطاء الشعب الكوردي الحق الكامل في أن يكون له حزب طليعي يقوده لنيل حقوقه المشروعة، معترفاً بذلك بخصوصيته القومية الكوردية.

وفي عام 1958م أعلن الحزب الديمقراطي الكوردستاني، من منطلقات فكرية، تأييده الكامل لثورة 14 تموز/يوليو 1958 باعتبارها ثورة جماهيرية وشعبية أسقطت النظام الملكي واستبدلت به نظاماً جمهورياً. غير أن الحزب، بعد تنكر الحكومة العراقية لوعودها، أعلن الثورة عام 1961م، وتحول من حزب مدني النشأة والتنشئة إلى قاعدة لثورة كوردية مسلحة تقود حرباً طويلة مع الدولة العراقية المركزية، وكان سبب هذا التحول في منهج الحزب ضرورات الحرب (الثورة الكوردية في أيلول 1961م).

شارك البارتي في انتخابات عام 1992م، ومثلت تلك الانتخابات نقلة نوعية في تطور الفكر السياسي للحزب، وتمخضت عنها نشأة برلمان كوردستان وحكومة منبثقة عنه، والبدء بالعمل البرلماني وممارسة السلطة السياسية والإدارية في كوردستان العراق، وآمن الحزب بالحل الديمقراطي للمسألة الكوردية داخل العراق. ويرى الحزب أنه حزب قومي ديمقراطي يضم في صفوفه أيديولوجيات وأفكاراً شتى متباينة، يجمعها النضال من أجل التحرر القومي في كوردستان. وأعلن الحزب أن للشعب الكوردي أهدافه القومية في العيش ضمن إطار الوحدة الوطنية العراقية على أساس الاختيار الأخوي الحر لا الدمج القسري، ودعا إلى توحيد أجزاء كوردستان الكبرى، على ألا يتعارض ذلك مع وحدة العراق الوطنية والجغرافية.

ب- حزب الاتحاد الوطني الكوردستاني (أ.و.ك)

الاتحاد الوطني الكوردستاني جبهة مشكلة من عدة تيارات متكاملة الخواص، اتحدت في جبهة عريضة ذات ملامح فكرية يسارية، مع احتفاظ كل تيار بتوجهاته الفكرية والتنظيمية، فكونت تشكيلة يختلف مكونها الكلي عن مكونات أجزائها. ويعتمد (أ.و.ك) على ركائز فكرية أساسية هي: الكوردايتي، والتقدمية، والديمقراطية، والتحررية. أعلن (أ.و.ك) تأسيسه في 1 حزيران/يونيو 1975م، وأطلق شرارة حركته المسلحة في 1 حزيران/يونيو 1976م تحت عنوان «الثورة الجديدة»، وتأثر كثيراً بنهج ماو تسي تونغ، وتبنى آلية الحرب الشعبية في الثورة التي يقودها، واعتمد برنامجه السياسي على إيجاد سلطة وطنية ائتلافية قادرة على توفير الديمقراطية للشعب بأسره، وإقرار حق الشعب الكوردي في تقرير مصيره. وتبنى (أ.و.ك) الاشتراكية الديمقراطية في عام 2001. ويرى أن للسلطة في كوردستان وظائف متعددة، يأتي في مقدمتها حماية الشعب الكوردي وتحرير كوردستان وتحقيق الحرية والتنمية الشاملة فيها، عن طريق تبني الاشتراكية الديمقراطية.

ويعتقد (أ.و.ك) أنه ينبغي بناء العلاقات بين الكورد والعرب على أساس الفدرالية والديمقراطية، وأن هذا الشكل من الحل لا يتناقض مع الوحدة الوطنية العراقية ولا يستهدف وحدة العراق، بل يمهد الطريق للمصالحة الوطنية العامة في العراق، ويعزز الحرية والديمقراطية والسلام والتآخي، وبذلك تُحل مسألة الحكم في العراق. وقد بُني (أ.و.ك) منذ البداية على رؤيتين: الأولى ترى أن الثورة مفهوم سياسي يتحمل واجبات سياسية، والثانية ترى أن للثورة دلالة اجتماعية تهدف إلى تغيير اجتماعي، وبهذا تزاوج المفهومان: تحرير الوطن، والتنمية الاجتماعية بالانتقال إلى الحداثة.

ج- الحزب الشيوعي الكوردستاني (ح.ش.ك)

أسس الطلاب الأكراد اليساريون في عام 1944م حزباً شيوعياً باسم «شورش» (الثورة). ويعمل الحزب الشيوعي الكوردستاني من أجل تعزيز الممارسة الديمقراطية والحريات العامة وحقوق الإنسان، وإقامة مؤسسات النظام السياسي الديمقراطي في كوردستان، ويتبنى في حياته الداخلية الديمقراطية والتجديد، ويعتمد الديمقراطية أساساً في منهاجه الداخلي وتعاملاته الخارجية، ويعمل على التلاؤم مع المتغيرات العالمية ليكون حزباً عصرياً مواكباً للأحداث والمتغيرات العالمية، مؤثراً فيها ومتفاعلاً معها.

د- الحزب الاشتراكي الديمقراطي (حسدك)

أعلن الحزب الاشتراكي الديمقراطي (حسدك) إيمانه بالديمقراطية والتعددية، ولذلك يعمل في سبيل تحقيق الديمقراطية وتحرير شعب كوردستان وصيانة حقوقه، وتوثيق أواصر الأخوة بين الشعب الكوردي والشعب العراقي في المنطقة، واحترام حقوق الشعوب والأديان والمذاهب الموجودة في كوردستان. ويسعى إلى تنظيم المجتمع ومبادئ الدولة بأسلوب ديمقراطي، وتمييز السلطة التشريعية بالإنجاز والعدالة، وتأمين الحريات السياسية والديمقراطية داخل المجتمع، والسلطة الحقيقية للقضاء، ووضع دستور دائم في العراق يحدد الفيدرالية القومية الجغرافية لكوردستان.

هـ- الجماعة الإسلامية (كۆمەڵی ئیسلامی)

يختلف التيار الإسلامي في كوردستان في توجهاته الفكرية عن التيارات الأخرى، فالجماعة الإسلامية في كوردستان تنظر إلى الديمقراطية بوصفها آلية للحكم. وكان الاتحاد الإسلامي في كوردستان قد تأسس في عام 1992م بقيادة الشيخ صلاح الدين محمد بهاء الدين، وللاتحاد الإسلامي الكوردستاني توجه إصلاحي لا يعتمد على المواجهة المسلحة، وهو يمثل فكر الإخوان المسلمين، وله علاقات طيبة مع الجماعة الأم في مصر، وكذلك مع الزعيم التركي نجم الدين أربكان وتنظيمه السياسي. ويرى الاتحاد الإسلامي الكوردستاني أن الفيدرالية نظام سياسي من شأنه قيام اتحاد مركزي بين مقاطعتين أو إقليمين أو مجموعة مقاطعات وأقاليم، بحيث لا تكون الشخصية الدولية إلا للحكومة المركزية، مع احتفاظ كل وحدة من الوحدات المكونة للاتحاد الفيدرالي باستقلالها الداخلي، وهذه الوحدات ليست بنيات سياسية فقط، بل اقتصادية واجتماعية وثقافية أيضاً.

و- جماعة أنصار الإسلام

تأسست هذه الجماعة في عام 2001م، ويتزعمها الملا كريكار، الذي انشق عن الحركة الإسلامية في عام 1998م. وقد سمّت الجماعة نفسها «جند الإسلام» ثم غيرت اسمها إلى «أنصار الإسلام»، وهي خليط من العرب والأكراد، وتُتهم بارتباطها بتنظيم القاعدة، وبأنها استضافت في الجيب الذي تسيطر عليه في شمال العراق مقاتلي القاعدة الذين هربوا من الحرب الأمريكية على أفغانستان في عام 2001م، ويُنسب إليها الكثير من العمليات المسلحة ضد الوجود الأمريكي وضد حكومة إقليم كوردستان. وقد قصفت قوات الولايات المتحدة معسكرات هذه الجماعة عام 2003م أثناء احتلالها العراق.

ز- حركة كوران (الحركة من أجل التغيير)

انشق نوشيروان مصطفى عام 2006م عن الاتحاد الوطني الكوردستاني، وأعلن تأسيس الحركة عام 2009م، وحصلت الحركة على (25) مقعداً من أصل (111) في انتخابات برلمان إقليم كوردستان، وبهذا أصبحت حركة التغيير منافساً قوياً للحزبين: الاتحاد الوطني الكوردستاني والحزب الديمقراطي الكوردستاني.

ح- الحزب الديمقراطي الكوردستاني – إيران

تأسس أول تجمع قومي كوردي إيراني (الكومالا) في عام 1942م بدفع من الاتحاد السوفيتي السابق، وتحولت الكومالا في عام 1945م إلى حزب سياسي أُطلق عليه اسم الحزب الديمقراطي الكوردي، وترأسه القاضي محمد (قاضي مهاباد) الذي أعلن قيام جمهورية مهاباد الكوردية. وبعد انهيار تجربة جمهورية مهاباد أواخر عام 1946م انسحبت من الحزب جميع العناصر الإقطاعية، وبقي بعض أفراد الطبقة البرجوازية المثقفة، أمثال عزيز يوسفي وغني بلوريان، ومع مرور الوقت اضطر الأعضاء إلى النضال تحت اسم «العصبة الشيوعية لكوردستان»، إلا أنهم تراجعوا عن ذلك بفضل مساهمة الحزب الشيوعي الإيراني (تودة) في إحياء التنظيمات من جديد باسم الحزب الديمقراطي الكوردستاني الإيراني.

تبنى الحزب الأفكار اليسارية، ورفع شعار الديمقراطية لإيران والحكم الذاتي لكوردستان، ومبدأ الكفاح المسلح ضد نظام الشاه، ومبدأ التعاون مع الحركة الوطنية الإيرانية، ومبدأ النضال من أجل تغيير اجتماعي وديمقراطي جذري في إيران والحصول على الحقوق القومية للشعب الكوردي.

وقد اختار زعيم الحزب الديمقراطي الكوردستاني الإيراني عبد الرحمن قاسملو منهج الحل السلمي وإجراء المفاوضات مع الحكومة الإيرانية لتحقيق هدف الحكم الذاتي للكورد، بعد أن تأكد له صعوبة تحقيق هذا الهدف بالخيار العسكري. ولذلك تعرض الحزب لانشقاق في عام 1980م، وتشكل تنظيم جديد عُرف باسم الحزب الديمقراطي الكوردستاني (أنصار المؤتمر الرابع)، وفي عام 1988م انشق عن الحزب تنظيم آخر أطلق على نفسه اسم الحزب الديمقراطي الكوردستاني الإيراني (القيادة الثورية). وفي أعقاب مقتل عبد الرحمن قاسملو تراجعت طموحات الحركة القومية الكوردية في إيران وتطلعاتها، وأعلن الحزب الديمقراطي الكوردستاني – إيران أنه من غير الممكن، في ظل المناخ الحالي، الجلوس إلى طاولة المفاوضات مع السلطات الإيرانية.

وتبنى الحزب الديمقراطي الكوردستاني الإيراني في عام 1997م منهج الحل السلمي شعاراً لتحقيق مطالب الشعب الكوردي، لإيمانه بصعوبة العمل المسلح انطلاقاً من مناطق كوردستان العراق، على اعتبار أن العلاقة بين أكراد العراق وإيران لا تحتمل أي نشاط مسلح معادٍ لإيران انطلاقاً من تلك المناطق.

ط- اتحاد ثوريي كوردستان إيران

تنظيم يساري يُعرف بـ«المنظمة الثورية لكادحي كوردستان» (الكومالا)، تأسس سرّاً في عام 1969م في العاصمة طهران بعد انشقاق الحزب الديمقراطي الكوردستاني الإيراني، واقتصر عمل الكومالا على مدن كوردستان الكبيرة مثل سنندج وسقز وبوكان، لأن التنظيم يؤمن بأن المدن منطلق الثورة، خلافاً لنهج الحزب الديمقراطي الكوردستاني الإيراني الذي يعدّ القرية منطلق الثورة. وأعلن الحزب أنه حزب طبقي يؤمن باتحاد القوى الكادحة العاملة الكوردية في كوردستان إيران وتضامنها مع كادحي إيران من أجل التحرر الطبقي، بخلاف الأحزاب الكوردية الأخرى التي يُنظر إليها على أنها أحزاب قومية.

ي- حزب الحياة الحرة الكوردستاني الإيراني (بيجاك)

في عام 1997م شكلت مجموعة كوردية إيرانية تنظيماً جديداً في إيران، متبنية الوسائل السلمية في تحقيق أهدافها بعيداً عن العنف، ومتأثرة بتجربة كوردستان العراق بعد عام 1992م. ولتجاهل الحكومة الإيرانية المشكلة الكوردية اضطر هذا التنظيم إلى اللجوء إلى كوردستان العراق في عام 1999م، واستقر أعضاؤه تحت حماية حزب العمال الكوردستاني التركي المتواجد في جبال قنديل شمال العراق.

وقد تأثر التنظيم بعقيدة حزب العمال، فتخلى أعضاؤه عن فكرة الحل السلمي واتجهوا صوب العمل المسلح، وفي نيسان/أبريل 2004م شكلوا حزباً سياسياً جديداً عُرف بحزب الحياة الحرة الكوردستاني الإيراني، ومختصره «بيجاك». وفي كانون الأول/ديسمبر 2005م أعلن الحزب وجوده رسمياً بزعامة رحمن حاجي أحمدي، ويضم في صفوفه مقاتلين من أكراد إيران وتركيا والعراق وسوريا.

ك- الحزب الديمقراطي الكوردستاني التركي

يعدّ من أبرز الأحزاب الكوردية التي لها نفوذ كبير بين الأكراد، وبسبب كثرة الانشقاقات التي توالت داخل الحزب، وأدت إلى كثرة الخلافات حول الالتزامات داخل الحركة السياسية الكوردية، تحول هذا الحزب إلى حزبين بعد الانشقاق الذي وقع في صفوفه عام 1969، وهما:

  • الحزب الديمقراطي الكوردستاني – جناح الدكتور شوان: كانت تنظيماته داخل صفوف الطبقة البرجوازية الصغيرة، وينتشر بين المثقفين والفلاحين والطلبة في المدن، والحزب قريب من أفكار المرحوم جلال الطالباني.
  • الحزب الديمقراطي الكوردستاني – جناح سعيد ألجي: يعمل على استقطاب الإقطاعيين ورؤساء العشائر والمتنفذين، والحزب قريب من القيادة البارزانية.

ل- حزب العمال الكوردستاني التركي (PKK)

نشأ حزب العمال الكوردستاني التركي، المعروف اختصاراً بـ(PKK)، وهي الأحرف الأولى من اسمه باللغة الكوردية (Partiya Karkerên Kurdistanê)، في كانون الأول/ديسمبر من عام 1978، وأُعلن الحزب رسمياً في آذار/مارس 1979. وجوهر فكر مؤسسي الحزب الذي يتزعمه عبد الله أوجلان «أن كوردستان الشمالية، أي مناطق جنوب تركيا، تحت سيطرة القوات التركية، ويجب تحريرها وإقامة دولة مستقلة فيها للشعب الكوردي، تتسع لتشمل كل كوردستان الشرق الأوسط». وقد تأثر الحزب بالأيديولوجية الماركسية، وأكد عبد الله أوجلان أن حل القضية الكوردية في تركيا يتوقف على مدى تطبيق المبادئ الماركسية، ويؤكد الحزب في أدبياته على حرب العصابات. كما ارتكز الفكر السياسي لحزب العمال على خلق القومية الكوردية وإنشاء الدولة الكوردية التي تقوم على حدود تركيا والعراق وإيران وأرمينيا، وطالب عبد الله أوجلان الزعماء الأكراد في الدول الأربع بالتفاهم لتصفية خلافاتهم، مؤكداً «أن القبلية الكوردية التقليدية تشكل عائقاً أمام وحدة الأكراد، لأنها تعوق الفكر الديمقراطي والإرادة الوطنية».

والواقع أن حزب العمال يختلف بطبيعته وتنظيمه وأسلوبه في العمل السياسي التنظيمي والمسلح عن بقية الأحزاب والتنظيمات السياسية الكوردية الأخرى، فهو يعدّ نفسه الممثل الحقيقي للأكراد، ويرى أن حركته تحررية عصرية قومية مستقلة. لكن أفكار الحزب وعبد الله أوجلان تغيرت بعد التضييق والخناق الذي تعرض له الحزب على أيدي القوات التركية، وإلقاء القبض على عبد الله أوجلان وإيداعه السجن في تركيا، فقد طرح أوجلان فكرة أخرى حول القضية الكوردية تقوم على إقامة فدرالية مع تركيا، وقبول أي حل سلمي ديمقراطي يستند إلى احترام السيادة التركية.

2. كثرة الانشقاقات وعدم الاندماج بين الأحزاب الكوردية

لقد انشقت الأحزاب السياسية الكوردية على نفسها أكثر من مرة، وتقاتلت فيما بينها مرات عديدة، وسنذكر بعض الانشقاقات المهمة وبعض مواقف القتال التي باعدت المسافة بين الأحزاب الكوردية في العقيدة والنهج. ففي العراق تحديداً، وفي عام 1964م، انشق المكتب السياسي بقيادة إبراهيم أحمد عن الحزب الديمقراطي الكوردستاني، وبهذا أصبح هناك تياران، كل منهما يدعي تمثيل الحزب الديمقراطي الكوردستاني (ح.د.ك): الأول بقيادة الملا مصطفى البارزاني، ويطلق عليه اصطلاحاً «الحزب الديمقراطي الكوردستاني – المكتب العسكري»، والثاني «الحزب الديمقراطي الكوردستاني – المكتب السياسي». وتحول الاختلاف الأيديولوجي بين جلال الطالباني وإبراهيم أحمد من جهة والملا مصطفى البارزاني من جهة أخرى إلى عداء دفين، ففي شهر آب/يناير 1966م بدأت الحرب بينهم، واستغلت الحكومة العراقية هذا الخلاف، فساعدت جناح جلال الطالباني ليكون قوة موازية للملا مصطفى البارزاني.

وبعد انشقاق جلال الطالباني عن الحزب الديمقراطي الكوردستاني وتأسيسه (أ.و.ك) عام 1975 وقعت مواجهات مسلحة بين الحزبين في عام 1978م، وكان سبب القتال الصراع على النفوذ في مناطق كوردستان العراق. ووقف (أ.و.ك) إلى جانب إيران خشية تعرض عموم منطقة كوردستان العراق للخطر، حسب قول جلال الطالباني، واكتفى بالمساعدات المادية التي كانت تقدمها له سوريا وليبيا. وزار جلال الطالباني إيران، وحصل على ضمانات بتلقي الأسلحة والتمويل لقاء تخليه عن دعم الحزب الديمقراطي الكوردستاني الإيراني. وفي كانون الأول/ديسمبر 1985م استأنف (أ.و.ك) العمل المسلح ضد النظام العراقي، واستطاع فرض سيطرته على الطرق الرئيسية التي تربط كركوك بالسليمانية وحتى الحدود الإيرانية.

وقد أثرت نتائج الانتخابات التي جرت في كوردستان العراق عام 1992م على العلاقة بين البارتي و(أ.و.ك)، إذ تحول التعاون الذي كان قائماً بينهما في إطار الجبهة الكوردستانية إلى حالة من التنافس المستتر، تجلت مظاهره في سعي كل منهما إلى توسيع قاعدته الحزبية بشتى السبل. واندلع القتال بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني والحزب الاشتراكي الديمقراطي الكوردستاني في كانون الثاني/يناير 1993م في أربيل والسليمانية، وفي الشهر نفسه تفجر القتال بين (أ.و.ك) والحركة الإسلامية في كوردستان العراق في مناطق كركوك وأربيل والسليمانية.

وتجدد القتال بين (أ.و.ك) والبارتي في أيار/مايو 1994م، وشاركت قوات الحركة الإسلامية وقوات حزب الله الثوري بقيادة أدهم البارزاني في القتال إلى جانب البارتي. ثم تجدد الاشتباك بين البارتي و(أ.و.ك) في يناير 1994م، من دون مشاركة الحركة الإسلامية في كوردستان هذه المرة، واستطاعت قوات الاتحاد الوطني الكوردستاني المتفوقة عسكرياً أن تبسط سيطرتها على أربيل يوم 29 كانون الأول/ديسمبر 1994. وبين شهري آب/أغسطس ويناير عام 1995م نجحت قوات الحزب الديمقراطي الكوردستاني في إلحاق الهزيمة بقوات حزب العمال الكوردستاني التركي، والسيطرة على أكبر قواعده في شمال العراق قرب المثلث الحدودي بين تركيا وإيران والعراق، رداً على قرار زعيم حزب العمال الكوردستاني التركي عبد الله أوجلان مهاجمة الحزب الديمقراطي الكوردستاني نتيجة تلقيه الدعم من تركيا لمواجهة حزبه.

وسرعان ما تجدد القتال بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني وأنصار الاتحاد الوطني الكوردستاني يوم 16 حزيران/يونيو 1996 في مناطق حاج عمران وكلالة وورتي. وفي 13 آب/أغسطس 1996 طلب البارتي مساعدة الجيش العراقي، وتم الهجوم على أربيل واستعادتها من قوات (أ.و.ك)، وفي 9 أيلول/سبتمبر 1996 فُتح الطريق أمام قوات البارتي للاستيلاء على مدينة السليمانية، وانسحبت قوات (أ.و.ك) إلى المرتفعات الجبلية على الحدود الإيرانية. ونتج عن هذا القتال بين الأطراف المتصارعة نزوح السكان الأكراد المدنيين صوب الأراضي الإيرانية، وقدرت وزارة الداخلية الإيرانية عدد النازحين بنحو (39) ألف شخص، وكان هناك (160) ألفاً يقفون على الحدود داخل الأراضي العراقية، مما هدد بحدوث مشكلة إنسانية شبيهة بما حدث أثناء الهجرة في آذار/مارس 1991م.

وفي 12 تشرين الأول/أكتوبر 1996م شن (أ.و.ك) هجوماً معاكساً تمكن من خلاله من استعادة معظم المناطق التي فقدها خلال الفترة السابقة، ولكنه فشل في استعادة مدينة أربيل بسبب قرب القوات العراقية منها. وفي 23 تشرين الأول/أكتوبر 1996م انتهت الجولة الثالثة من القتال بعقد هدنة بين الحزبين أفرزت واقعاً جديداً، إذ قُسّمت كوردستان العراق إلى منطقتي نفوذ: احتفظ الاتحاد الوطني الكوردستاني بكامل محافظة السليمانية وأجهزتها الحكومية مع جزء من مناطق محافظتي أربيل وكركوك، بينما احتفظ الحزب الديمقراطي الكوردستاني بمحافظة دهوك مع معظم محافظة أربيل التي أقام فيها حكومته الخاصة. وفي 12 تشرين الأول/أكتوبر 1997م تجدد القتال بين قوات البارتي من جهة، وقوات التحالف الديمقراطي مدعومة بقوات من حزب العمال الكوردستاني التركي (PKK) من جهة أخرى، واستطاع البارتي خلال المعارك التي دارت أن يصفّي وجود حزب العمال في مدينة أربيل وما حولها، ويسيطر على كافة مقراته وقواعده هناك، وفي المقابل سيطرت قوات التحالف الديمقراطي وحليفها حزب العمال على مدينة سيدكان قرب المثلث الحدودي العراقي الإيراني التركي، مما اضطر الجيش التركي إلى التدخل في المعارك.

وبحلول خريف عام 1997م قام (أ.و.ك)، بضغط من الضعف المالي، بالهجوم على مواقع البارتي، فاستعاد مواقع على الحدود الإيرانية واندفع نحو طريق هاملتون الاستراتيجي، وفي هذا الوقت تدخلت القوات التركية لمنع هذا التقدم، مما اضطر (أ.و.ك) إلى التقهقر إلى خط وقف إطلاق النار السابق، وتم الاتفاق على وقف جديد لإطلاق النار. وفي أيار/مايو 1997م اندلعت معركة بين (أ.و.ك) والحركة الإسلامية في معقلها في حلبجة.

وبدأت إيران علاقة تعاون وتنسيق عسكري مع (أ.و.ك) بهدف مواجهة التهديد الكوردي الإيراني المتمثل في حزب الحياة الحرة الكوردستاني الإيراني، ففي عام 2007م شاركت قوات الاتحاد الوطني الكوردستاني مع القوات الإيرانية في مواجهة قواعد حزب الحياة الحرة الكوردستاني المنتشرة بالقرب من الحدود الإيرانية. كما ازدادت تدخلات حزب العمال الكوردستاني في شؤون كوردستان العراق الداخلية، مما جعل (أ.و.ك) والبارتي يشاركان في حملة مع الجيش التركي في تشرين الأول/أكتوبر 1992 من أجل تحجيم قوة حزب العمال الكوردستاني. ورغم هذه المشاركة رفضت القيادة الكوردية العراقية تسليم أعضاء حزب العمال الكوردستاني إلى تركيا، لأن ذلك يشكل إحراجاً لها أمام إخوانهم من أكراد تركيا وأكراد الداخل (العراق)، واكتفت بمطالبة الحزب بقصر نشاطه على الجانب السياسي والإعلامي دون العسكري، مع السماح لعناصره بالاحتفاظ بأسلحتهم الخفيفة، ونُقل مقاتلو حزب العمال الكوردستاني إلى معسكر زلي، أحد معسكرات قوات الاتحاد الوطني الكوردستاني القديمة القريب من الحدود الإيرانية.

وتحول حزب العمال إلى تهديد جدي للبارتي؛ فعلى المستوى العقائدي يرى بعض الأكراد العراقيين في عقيدته الداعية إلى استقلال الأكراد جميعهم جاذبية أكبر من موقف البارتي الداعي إلى الحكم الذاتي داخل العراق، وعلى الأرض فقد زلزل المنطقة، وهدد البارتي في علاقته مع تركيا، ولذلك هاجم البارتي، حين دخلت تركيا الحدود العراقية لتعقب حزب العمال، المنظماتِ المرتبطة به في أربيل. وتبقى الحقيقة أن الاختلافات بين البارتي و(أ.و.ك) هي خلافات شخصية بين قادة الحزبين، وخلافات جغرافية بين بهدينان وسوران، ولغوية بين الكرمانجية والسورانية، وأيديولوجية بين الثقافتين المحافظة والتقدمية.


أجزاء «تحديات بناء الدولة الكوردية القومية» (4 أجزاء):

  1. الجزء الأول (هذا الجزء)
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث
  4. الجزء الرابع

الجزء الثاني ←