الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
تحديات بناء الدولة الكوردية القومية (الجزء الرابع)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
ب. الموقف الرسمي العراقي من القضية الكوردية
لا بد من القول ابتداءً، مرة ثانية، إن العراق هو الدولة الوحيدة بين دول المنطقة التي تعترف بالوجود القومي الكوردي، وإن الدساتير والتشريعات تعترف جميعها بحقوق هذا الشعب الذي يشكل خمس الشعب العراقي (أكثر من خمسة ملايين نسمة من إجمالي 22 مليوناً). وليس هذا بالشيء الجديد، فمنذ قيام الدولة العراقية وظهور المشكلة الكوردية ظهرت وجهتا نظر للتعامل معها:
وجهة النظر الأولى: تقول بضرورة إخضاع المناطق الكوردية للسلطة المركزية أسوة بالمناطق العراقية الأخرى، حتى وإن أدى ذلك إلى استخدام القوة، وقد مثّل هذا الاتجاهَ المؤسسةُ العسكرية وقادتها.
وجهة النظر الثانية: تؤكد أنه إذا أُريد للدولة العراقية الجديدة أن تستمر وأن تحافظ على وحدتها وتماسكها الوطني في ظل الاختلافات العرقية والدينية والمذهبية، فإنها مطالبة بأن تحترم الخصوصيات المختلفة داخل الشعب العراقي الواحد، وخاصة الخصوصية الكوردية. وقد مثّل هذا الاتجاه مجموعة من القيادات السياسية المدنية العراقية، ولعل الملك فيصل الأول كان قائد هذا التفكير ورائده.
حاول الملك فيصل حث حكومته على التعامل مع الأكراد بوصفهم عراقيين متساوين مع أقرانهم العرب، كما ركز على مفهوم «الهوية العراقية»، وحتى عندما حاولت بريطانيا استغلال الورقة الكوردية لم يتغير موقفه، بل وافق على إصدار وثيقة رسمية بخصوص الأكراد؛ ففي 24 شباط/فبراير 1922 صدر بيان جاء فيه: «تعترف الحكومتان العراقية والبريطانية بحقوق الأكراد القاطنين داخل حدود العراق في إقامة حكومة كوردية (وأن الأكراد) سيرسلون مندوبين مسؤولين إلى بغداد لبحث علاقاتهم الاقتصادية والسياسية مع الحكومتين». وعلى الرغم من أن هذا البيان لم يكن سوى أداة ضغط بريطانية على العراق للقبول بالمعاهدة، وأن بريطانيا، بعد التوقيع على هذه المعاهدة في السنة نفسها (تشرين الأول/أكتوبر 1922)، ساعدت العراق في القضاء على الإدارة الكوردية في السليمانية وأخضعت المناطق الكوردية جميعها للدولة العراقية، فإن هذه الوثيقة ثبّتت الحق الأساسي للأكراد في وقت كانت فيه دول المنطقة الأخرى تنكره عليهم. كما أن احترام الحقوق الكوردية أمر ألزم العراق به نفسه في الوثيقة التي قدمها طلباً للانضمام إلى عصبة الأمم عام 1930.
وربما كان دستور عام 1958 الجمهوري المؤقت الوثيقة الرسمية الأهم التي تم فيها الاعتراف الصريح بالوجود الكوردي، فقد جاء في المادة الثالثة منه أن العرب والأكراد شركاء في الوطن العراقي.
ولما كان المطلب الأساسي للأكراد في تلك الفترة هو الحصول على الحكم الذاتي، فقد صدر عام 1963، بعد الإطاحة بحكومة عبد الكريم قاسم، قانون جديد عُرف بقانون اللامركزية، وهو الأسلوب الذي اقترحته الحكومة آنذاك سبيلاً لحل المشكلة الكوردية. وكانت الفكرة التي بُني عليها هذا القانون منح المناطق الكوردية حرية التصرف في الأمور الإدارية والمحلية، في حين تبقى الشؤون الخارجية والدفاع والمالية من اختصاص السلطة المركزية. ولكن هذه الوثيقة لم تُرضِ الأكراد، ولم تُطبّق بسبب عدم مصادقة الجانب الحكومي على تطبيقها.
وفي عام 1966 طرح رئيس الوزراء العراقي آنذاك عبد الرحمن البزاز (أستاذ القانون السابق) مشروعاً جديداً لبّى الكثير من المطالب الكوردية دون الاعتراف بالحكم الذاتي، هو بيان 29 حزيران 1966م، إلا أن المؤسسة العسكرية رفضته، وأجبرت البزاز على الاستقالة لكي تستمر الحالة غير المستقرة في المنطقة.
وفي 11 آذار/مارس 1970 تحقق للأكراد حلمهم عندما ثُبّت حقهم في الحكم الذاتي في الوثيقة التي أصدرتها الحكومة العراقية التي يقودها حزب البعث، وحُددت فترة أربع سنوات لإصدار التشريعات الخاصة بذلك. ثم أصدرت الحكومة نفسها في آذار/مارس 1974 قانون الحكم الذاتي لمنطقة كوردستان العراق من جانب واحد، إلا أن الحزب الديمقراطي الكوردستاني برئاسة الملا مصطفى البارزاني رفض القانون بسبب إفراغ الكثير من البنود التي تم الاتفاق عليها عام 1970 من مضمونها وعدم تطبيقها. وطلب الملا مصطفى البارزاني تمديد الفترة ستة أشهر أخرى لإمكان إحياء البنود المتفق عليها سابقاً، بسبب إهمال الحكومة لها، مما اضطر الحركة الكوردية إلى اللجوء إلى حمل السلاح مرة ثانية.
وبعد حرب استمرت سنة واحدة تقريباً (1974-1975م) استطاعت القوات العراقية أن تحاصر المقاتلين التابعين للحزب الديمقراطي الكوردستاني في مناطق محدودة، وتدخلت إيران بصورة مباشرة إلى جانب البارزاني، ثم جاء اتفاق الجزائر بين العراق وإيران في 6 آذار/مارس 1975 لينهي الدعم الإيراني للأكراد، فسُحبت القوات والمعدات الإيرانية من كوردستان العراق، وانهارت الحركة الكوردية المسلحة، وسلّم المقاتلون وقياداتهم أنفسهم إما للحكومة العراقية وإما لإيران.
وإثر قيام الحرب العراقية الإيرانية سنحت الفرصة ثانية للحزب الديمقراطي الكوردستاني لكي يحمل السلاح مرة أخرى، غير أن هذا الحزب كان قد تعرض لانشقاقات كثيرة أضعفته، وكذلك أضعفته وفاة القائد والزعيم الملا مصطفى البارزاني (1979). كما ظهرت أحزاب كوردية أخرى مناوئة له، لعل أهمها الاتحاد الوطني الكوردستاني برئاسة جلال الطالباني (تأسس 1975). كما نشطت في الآونة الأخيرة الأحزاب الدينية الكوردية التي لاقت دعماً خارجياً واستجابة لدى الأكراد الذين عُرف عنهم عبر التاريخ تمسكهم الشديد بالدين الإسلامي الحنيف. ثم جاءت أزمة الكويت والحرب التي تبعتها لتضعف السلطة المركزية والقوات المسلحة العراقية، وتشجع الأحزاب الكوردية المعارضة على حمل السلاح مرة أخرى، في حين وقفت أحزاب كوردية (أصغر حجماً وأقل نفوذاً بين الأكراد) إلى جانب السلطة المركزية.
والمهم أنه في ظل هذه الأوضاع المتدهورة والمأساوية ظلت كل الأطراف متمسكة ببيان 11 آذار 1970 أو بمبدأ الحكم الذاتي؛ فلم تُقدم السلطة المركزية على إلغاء نص دستوري أو مادة قانونية تتعلق بالحقوق القومية الكوردية، كما أن الأحزاب الكوردية المعارضة لم تتحدث في أي مرحلة من المراحل عن الانفصال عن العراق أو عن تأسيس دولة كوردية خاصة بها.
وفي تقييم نهائي لكل الوثائق التي صدرت بخصوص المسألة الكوردية وما صاحبها من تطورات في المنطقة، يمكن القول إن البون ظل شاسعاً بين ما يصدر من قوانين وتشريعات وما هو موجود على أرض الواقع. فكثيراً ما اشتكى الأكراد من تعثر تطبيق ما يصدر من تشريعات لصالحهم، أو من أن ما يصدر يبقى حبراً على ورق، وإن طُبّق فإنه يطبق بطريقة تهدف إلى تصفية حركتهم وأحزابهم، في حين تشتكي السلطة المركزية من أن كل ما تفعله من أجل حل المشكلة لا يأتي بنتيجة، لأن الأحزاب الكوردية المعارضة تستغله لتزيد من قوتها وابتعادها عن السلطة المركزية. كما أن كل الاتفاقات ومحاولات الحل الجاد لم تفلح في سحب الأحزاب الكوردية المعارضة من دائرة التعاون مع أطراف إقليمية أو دولية معادية للعراق، بسبب عدم مصداقية الحكومة العراقية في حل المسألة الكوردية بجدية وبحل عادل وديمقراطي.
وبالتأكيد فإن لهذه الاتهامات الصحيحة أسبابها، ولعل أهمها:
انعدام الثقة بين الطرفين.
التقلبات والتحولات الكثيرة التي تشهدها المنطقة، الأمر الذي يعطي كل طرف الانطباع بأنه يستطيع أن يفرض رأيه وحله إذا كان في موقع قوة، أو أن يتحين الفرص حتى يضعف الطرف الآخر ليستفيد من ضعفه، وهكذا.
الحالة الإقليمية والدولية بشأن العراق، التي تشجع على هذا التذبذب.
ج. تحليل الأوضاع القائمة في كوردستان العراق
في عام 1991، وإثر الضربة العسكرية الأمريكية البريطانية المدمرة التي وُجّهت إلى الحكومة العراقية، شهد العراق فترة من عدم الاستقرار فقدت فيها السلطة المركزية السيطرة على أجزاء من البلاد لفترة وجيزة، مما أدى إلى استخدام القوة. ثم ارتأت السلطة المركزية سحب القوات المسلحة والإدارة العراقية من منطقة كوردستان العراق، بسبب الشعور بأن هناك محاولة لجر القوات المسلحة إلى معركة جديدة لتدمير ما تبقى منها. كما أعلنت كل من الولايات المتحدة وبريطانيا، دون اللجوء إلى الأمم المتحدة، منطقتي شمال خط العرض 36 وجنوب خط العرض 32 مناطق محمية من قبلهما، ومنعتا الطيران العراقي من التحليق فوقها. وهكذا أصبحت كل من أربيل والسليمانية ودهوك مناطق خارج إدارة السلطة المركزية، ومناطق نفوذ لأطراف إقليمية ودولية مختلفة، فبالإضافة إلى الولايات المتحدة وبريطانيا دخلت تركيا وإيران بنفوذهما إلى المنطقة. وأصبح واضحاً أن الحزبين الكورديين الرئيسيين في المنطقة، الحزب الديمقراطي الكوردستاني الذي يترأسه السيد مسعود البارزاني (نجل الملا مصطفى)، والاتحاد الوطني الكوردستاني الذي يترأسه السيد جلال الطالباني، قد امتلكا فرصة غير مسبوقة للتصرف في المنطقة. وبالفعل سيطر كل حزب على منطقة من مناطق كوردستان، وبصورة عامة كان نفوذ الاتحاد الوطني الكوردستاني كبيراً في منطقة السليمانية وجزء من منطقة أربيل المحاذي لها، في حين كان الحزب الديمقراطي الكوردستاني يتمتع بنفوذ كبير في الجزء الأكبر من منطقة أربيل ودهوك.
حاولت السلطة المركزية فتح حوار مع الحزبين المذكورين في منتصف عام 1991، وبالفعل بدأت جولة من المحادثات المطولة استمرت حتى آب/أغسطس من العام نفسه، حيث أُعلن توصل الطرفين إلى اتفاق متكامل، وتحدثت الحكومة وكل من البارزاني والطالباني عن قرب توقيع اتفاق شامل، إلا أن الأحزاب الكوردية انسحبت وظل الاتفاق معلقاً. وعلى الرغم من أن أياً من الأطراف لم يعلن سبب عدم توقيع الاتفاق، فإن جميع الدلائل تشير إلى سببين:
السبب الأول: يتعلق بالاختلاف حول مضمون الاتفاق، فالحزبان الكورديان يؤكدان من طرفهما أن هناك مشكلتين رئيسيتين ظلتا عالقتين:
أ. المشكلة الأولى: تتمثل في تحديد المنطقة الكوردية، إذ طالب الأكراد بضم منطقة كركوك الغنية بالنفط بأكملها إلى المنطقة الكوردية، في حين تقول السلطة المركزية إن هذه المنطقة تضم أعراقاً مختلفة، ففيها التركماني والكوردي والعربي، وإن الحل المقبول هو إلحاق المناطق الكوردية فقط بمنطقة الحكم الذاتي.
ب. المشكلة الثانية: تتعلق بنوع العلاقة بين السلطة المركزية والمنطقة الكوردية، ففي الوقت الذي تصر فيه السلطة المركزية على أن الحكم الذاتي هو الحل المقبول لديها، طرحت الأحزاب الكوردية الحكم الذاتي الموسع، ثم تطور الأمر إلى المطالبة بالحل الفدرالي والإصرار عليه، على أساس أن إقامة دولة فدرالية تضم إقليماً كوردياً هي الحل الذي لا يمكن التنازل عنه، علماً بأن هذا المطلب لم يكن موجوداً في مفاوضات 1991، وإنما ظهر بعد ذلك بمدة طويلة. وأعتقد أن سببه عدم جدية الحكومة في إيجاد حل عادل للمسألة الكوردية، ومحاولة الغدر بالأكراد.
السبب الثاني: وهو السبب الحقيقي والأهم الذي منع التوصل إلى اتفاق، ويتمثل في معارضة الولايات المتحدة له، إذ حذّرت الحزبين الكورديين ثم منعتهما من توقيع الاتفاق، وبررت ذلك بأنها تعمل على تغيير النظام عن طريق إضعافه، وأن مثل هذا الاتفاق سيعطي النظام في العراق قوة ودعماً كبيرين. وأعتقد أن هذا سبب منطقي.
وهكذا استمرت منطقة كوردستان العراق بعيدة عن السلطة المركزية، وأنشأ كل من الحزبين الرئيسيين إدارته الخاصة، ثم جرى الإعداد لانتخابات تشريعية للمنطقة في عام 1992. وفي ظل العداء التاريخي بين قادة الحزبين، الذي امتد إلى أتباعهم، جرت الانتخابات التي قيل إنها أعطت كل حزب نسبة 50% من الأصوات، وإن أكدت مصادر غير رسمية أن الحزب الديمقراطي الكوردستاني حصل على أكثر من هذه النسبة. ونتيجة لهذه الانتخابات شُكّلت إدارة جديدة حملت في داخلها بذور الخلاف بين الطرفين، إذ اقتُسمت جميع المناصب مناصفة، فلكل وزير من حزب نائب من الحزب الآخر، وهكذا في المناصب نزولاً. وبالفعل شهدت المنطقة في الفترة من 1992 حتى عام 1996 فترات من الاقتتال الدامي بين الطرفين، وصلت إلى حد الاقتتال المسلح في شوارع أربيل، في محاولة من كل حزب لتصفية الحزب الآخر، كما حاول كل حزب إقامة تحالفات إقليمية لإضعاف خصمه. ويبدو أن جلال الطالباني، بما عُرف عنه من خبرة سياسية قديمة، نجح في إقامة تحالفات عديدة مكّنته من الظهور بمركز أقوى من مسعود البارزاني، بل بدأت بعض المصادر غير الرسمية تتحدث عن إعداد الاتحاد الوطني الكوردستاني لحملة عسكرية كبرى، بعد حملات صغيرة سابقة، للسيطرة على كل منطقة كوردستان العراق، وقد حصل من أجل ذلك على دعم من قوى إقليمية.
ودفع هذا الوضع السيد مسعود البارزاني إلى طلب المساعدة من السلطة المركزية العراقية، التي أرسلت القوات المسلحة العراقية إلى منطقة أربيل في 31 آب 1996، وبررت السلطة المركزية هذا العمل بأنه كان ضرورياً، من وجهة نظرها، لمنع عملية تآمرية كبيرة كانت تستهدف العراق كله.
وبعد انسحاب القوات العراقية، وبعد فترة من الاقتتال بين الحزبين، تمكن الحزب الديمقراطي الكوردستاني برئاسة مسعود البارزاني من السيطرة على جميع المناطق الكوردية، في حين لجأ الطالباني وأتباعه إلى إيران، ثم عاودوا الهجوم واستعادوا منطقة السليمانية واستقروا فيها. وهكذا ظلت منطقة كوردستان منذ عام 1997 إلى عام 2000م منقسمة إلى قسمين:
- أ. القسم الأول: محافظة السليمانية، التي تعدّ منطقة إدارة الاتحاد الوطني الكوردستاني ووجوده.
- ب. القسم الثاني: منطقتا أربيل ودهوك، اللتان تعدّان منطقتي وجود الحزب الديمقراطي الكوردستاني وإدارته.
وفي ظل هذه الظروف غير الاعتيادية شهدت منطقة كوردستان العراق تطورات كثيرة، لعل أهمها وأخطرها الاجتياحات التركية المتعددة للمنطقة بحجة ملاحقة أتباع حزب العمال الكوردستاني التركي (حزب أوجلان)، وقد نتج عن هذه الاجتياحات تدمير إضافي للمنطقة، إلى جانب إقامة مناطق نفوذ تركية فيها. ثم مدّت إيران نفوذها في المناطق المجاورة لها عن طريق تشجيع الأحزاب الدينية هناك، هذا بالإضافة إلى النفوذين الأمريكي والبريطاني. كما أن محاولات أطراف أخرى، كبعض الدول العربية التي تختلف مع السياسة العراقية، وطموحات «إسرائيل» الثابتة والرامية إلى إضعاف العراق الرافض لوجودها، لم تعد خافية. وإلى جانب الاقتتال الدامي بين الحزبين الكورديين الرئيسيين في كوردستان العراق كانت هناك مواجهات دامية حاول فيها كل حزب تصفية الأحزاب والتجمعات الأصغر في منطقة نفوذه.
وحاولت كل من الولايات المتحدة وتركيا تهدئة الأمور في المنطقة بدعوة البارزاني والطالباني، بعد نشوب أي توتر بينهما، إلى واشنطن وأنقرة لإصلاح ذات البين، إلا أن هذه المحاولات لم تنجح في إنهاء الخلافات بينهما، وإن نجحت في الآونة الأخيرة في منع الصدام المسلح بين الطرفين. والدليل على ذلك أن الانتخابات الجديدة الموعودة لم تجر، ولم يحدد لها موعد ثابت، ولم ينجح الطرفان في إقامة إدارة مشتركة للمنطقة، كما لم يتم الاتفاق على اقتسام الموارد المالية المتأتية من حركة المرور عبر المناطق الكوردية من تركيا وإليها، والتي يحصل عليها الحزب الديمقراطي الكوردستاني.
د. مستقبل الأوضاع في المنطقة الكوردية
يبدو من تواتر الأحداث في المنطقة وفي العراق وفي منطقة كوردستان العراق أن هناك ثلاثة سيناريوهات يمكن أن تحدد مصير المسألة الكوردية في العراق:
السيناريو الأول: يتمثل في أن تحاول الحكومة العراقية، في وضع إقليمي ودولي مواتٍ، إعادة سلطتها إلى المنطقة عن طريق القوة، وهو ما سيجعلها في مواجهة الشعب الكوردي بكامله، لأنه لا يمكن أن يقبل بسيطرة المركز على الإقليم مرة أخرى. وأعتقد أن هذا لن يحصل بسبب الظروف الدولية في المنطقة.
السيناريو الثاني: يتمثل في تغير الظروف الدولية والإقليمية بحيث ينسحب الدعم الذي تتمتع به الإدارة الكوردية، مما يعني أن الأكراد سيُضحّى بهم مرة أخرى كما فعلت القوى الإقليمية والدولية سابقاً (بريطانيا وإيران وتركيا)، وينتهي بهم الأمر إلى القبول بكل ما تمنحه لهم السلطة المركزية. وأعتقد أن هذا النكث بالوعود لن يتكرر مرة أخرى.
السيناريو الثالث: وهو الذي يفترض أن يكون لمصلحة الطرفين، ويتمثل في إحياء المفاوضات بين الحكومة العراقية وحكومة الإقليم في سبيل التوصل إلى اتفاق شامل. وهذا الأمر يتطلب تقديم تنازلات من الطرفين وإعادة بناء الثقة من أجل تنفيذه، ويبقى الحل الأمثل الذي يجنب العراق بعربه وأكراده الكثير من الدمار والخسائر.
أجزاء «تحديات بناء الدولة الكوردية القومية» (4 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث
- الجزء الرابع (هذا الجزء)